الخطبة : 0721 - سورة القارعة - أضاعوا الصلاة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0721 - سورة القارعة - أضاعوا الصلاة .


1999-10-22

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر. اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ورود كلمة القارعة ثلاثَ مرَّات في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون... ذكرتُ لكم في خطبةٍ سابقة أن بعض الأخوة الكرام تمنّوا عليّ أن أجعل موضوع بعض خطب الجُمعة هذه السور القصيرة، التي كثيراً ما يقرؤها الناس في صلواتهم، فإذا عرفوا أبعادها فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعهم بها، وتُسهم هذه السوَر مفسرةً في إحكام صلاتهم ، وفي أن تزداد خشوعاً وقرباً من الله عز وجل.
 موضوع الخطبة اليوم سورة القارعة، ربنا عز وجل يقول:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

[ سورة القارعة : 1-3]

 لو سألنا علماء اللغة: ما هو القَرْعُ ؟ القرعُ هو الضرب، أن تضرب شيئاً صلباً بشيءٍ صلب، ولكن بالتأكيد لكلمة القارعة معنىً آخر يسمو عن هذه المعنى المادي. لو قلت مثلاً: الجدار وما الجدار وما أدراك ما الجدار ؟ أي جدارٍ هذا ؟ هل هو جدار عادي ؟ لعله جدار الصوت، لعل الطائرة التي سرعتها فوق سرعة الصوت تصنع حُجُباً أمامها، إلى أن تشكل جداراً، فإذا خرقتها، كان لهذا الخرق دويٌ هائل، إذا كان المقام مقام تهويلٍ وتعظيم، ينبغي أن نفهم الكلمات بالمعنى الذي يفرضه السياق.
 أيها الأخوة الكرام..

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

[ سورة القارعة : 1-3]

 وردت كلمة القارعة ثلاثَ مرَّات، في مرةٍ كانت إبهاماً القارعة، وفي مرةٍ كانت استفهاماً وتهويلاً، وفي مرةٍ كانت تعجيزاً.
 أيها الأخوة الكرام... الإنسان كما تعلمون محجوبٌ عن الماضي بالزمن، ومحجوبٌ عن المستقبل بالزمن، ومحجوبٌ عن الحاضر بالمكان، فالمكان والزمان حُجُبٌ كثيفة تحولُ بين الإنسان وبين الماضي والمستقبل والحاضر، نحن الآن في دمشق لا ندري ماذا يجري في مدينةٍ بعيدةٍ عنا، يَحجبها عنا بعدُ المكان، ولا ندري ماذا كان في الماضي السحيق يحجبه عنا بعد الزمان، ولا ندري ما سيكون في المستقبل البعيد يحجبه عنا بعد الزمان، فحجابان هما الزمان والمكان يحجبانَ عن الماضي والحاضر والمستقبل.
 ولكن الله جلَّ جلاله وحده الذي يعلم كلَّ شيء، وعلم الله عز وجل متعلقٌ بكل مُمْكِن، لا تخفى عليه خافية، فالذي أخبرنا به عن الماضي السحيق هو الحق، والذي أخبرنا به عن المستقبل البعيد هو الحق، والذي أخبرنا به عن أمكنةٍ أُخرى لا نعلمها هو الحق.

 

وقفةٌ متأنيةٌ عند كلمة " وما أدراك " :

 فيا أيها الأخوة الكرام..

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

[ سورة القارعة : 1-3]

 وقفةٌ متأنيةٌ عند كلمة " وما أدراك " إذا قال الله معنى ذلك أنه سوف يُدريك، سوف يُعْلِمُك، أما إذا قال: وما يدريك. معنى ذلك أن هذا الشيء مما استأثر الله بعلمه، لن تعرفه، وما يدريك لعل الساعة تكون قريب.

﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾

[سورة الحاقة : 1-3]

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴾

[ سورة المرسلات : 14]

 ذكر لك شيئاً عن يوم الفَصْل..
 أيها الأخوة الكرام: القارعة هو الشيء الذي يقرعُ شيئاً، فيوم القيامة فيه مفاجأةٌ صارخةٌ للإنسان..

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

[سورة يس: 52]

 القارعة تقرعُ السماء فتنشَق، وتقرع السماء فتنفَطِر، وتقرع الجبال فتُهَد، وتقرع الشمس فتتكوّر، وتقرع النجوم فتنطَمِس، وتقرع البحار فتُسَجَّر، يومٌ عظيم، الله عز وجل سماه في القرآن الكريم بأسماءٍ كثيرة ؛ هي الحاقَّة، والطَّامة، والقارعة، ويوم الفَصْل، ويوم الدين، واليوم الموعود.

 

القارعة يومٌ عظيم تنهدُّ له الجبال و تنفطر له السماء :

 أيها الأخوة الكرام... لا زلنا في:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

[ سورة القارعة : 1-3]

 يومٌ عظيم تنهدُّ له الجبال، تنفطر له السماء، تنشق له السماء أيضاً، تتكور الشمس، تنطمِسُ النجوم، يصعقُ الإنسان..

﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

[سورة يس: 52]

 أيها الأخوة الكرام... الحقيقة أن مشاهِد يوم القيامة في القرآن الكريم كثيرة، فهناك مشهدُ الميزان، ومشهد الحَوض، ومشهد الصراط، هذه المشاهد كلُّ مشهدٍ من مشاهد القيامة يُعَمِّقُ جانباً من هذه المشاهد.
 أيها الأخوة الكرام... فالله سبحانه وتعالى كما قلت في سورة الزلزلة خبيرٌ بأعمالنا، يُرينا أعمالنا، ينطِق أيدينا، وأرجلنا، وجلودنا علينا، بل ينطق الأرض كلها بما فعلنا، وهذا من مشاهد يوم القيامة، فالحساب مشهد، والجزاء مشهد، والميزان مشهد، وهذه السورة سورة القارعة اختَصَّت بمشهدٍ واحد من مشاهد يوم القيامة ألا وهو الميزان، كيف توزن أعمال المرء في هذا اليوم العظيم .

﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة المطففين : 6]

 هؤلاء البشر أيها الأخوة الذين هم أكرم المخْلوقات، هذا الإنسان الأول الذي شرفه الله بحمل الأمانة، والذي سخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، والذي كلَّفه أن يكون خليفته في الأرض، قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[سورة الأحزاب : 72]

 عودٌ على بَدْء القارعة اسمٌ ليومِ القيامة، في هذا اليوم يُصْعَقُ الإنسان، وتُدَكُّ الجبال، وتنشقُّ الأرض، وتتفطَّر السماء، وتتكور الشمس، وتُطْمَس النجوم في هذا اليوم العظيم، يومٌ آتٍ لا ريب فيه، والإنسان العاقل هو الذي يعيش المستقبل، والأقل عقلاً يعيش الحاضر، والإنسان المحدود يعيش الماضي.

 

الناس يوم القيامة كالفراش المبثوث :

 أيها الأخوة الكرام.. إذاً:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

[ سورة القارعة : 1-3]

 قال علماء التفسير: شُبِّهَ الناس يوم القيامة ولا سيّما الشاردون عن الله عز وجل بالفراش لأنه أضعف المَخْلوقات..

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

[ سورة الأنعام:94 ]

 شبه الناس أيضاً بالفراش لأن الفراش من أغبى المخلوقات، فهي تُلْقي نفسها في حتفها، وهذا مشاهدٌ في أيِّ بيت، إذا تألَّق المصباح تأتي الفراشة كي تُلْقي بنفسها في هذا الضوء أو هذه النار.
 أيها الأخوة الكرام... هؤلاء الذين شَرَدوا عن الله، هؤلاء الذين نسوا لماذا خَلَقَهم الله ؟ هؤلاء الذين لم يدخلوا الآخرة في حساباتهم اليومية، هؤلاء الذين غفلوا عن آيات الله في السموات والأرض، هؤلاء الذين لم يطلبوا العلم، لم يتعرَّفوا إلى ذواتهم، ولا إلى الذي خَلَقهم، هؤلاء كالفراش المبثوث، فراشٌ ضعيف، وفراشٌ غبي، وفراشٌ متفرِّق.

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

[ سورة الأنعام:94 ]

 تشبيهٌ بليغٌ في هذه السورة.
 أيها الأخوة الكرام... " كالفراش المبثوث " الإنسان يوم القيامة ينسلِخُ عن كل علاقاته الدنيوية، إن كان منتمياً إلى جماعة ينسَلخ منها، إن قوياً ينسلخ من قوَّته، إن كان ذا شأنٍ ينسلخ من شأنه، إن كان ذا مالٍ ينسلخٍ من ماله، ويكون الناس يوم القيامة كالفراش المبثوث، كل مظاهر الدنيا ساقطة .

 

العاقل من يدخل يوم القيامة في حساباته اليومية :

 أيها الأخوة الكرام.. مرةً ثانية حينما يقول الله عز وجل:

﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾

[ سورة يس: 52 ]

 من هو العاقل ؟ هو الذي يدخل هذا اليوم العسير في حساباته اليومية:

(( لا تزول قدما عبدٍ حتى يُسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ ))

[الدارمي عن معاذ بن جبل]

 تشبيهٌ آخر.. هذه الأشياء الضخمة؛ فلانٌ كالجبل، يُضرب المثل بالجبل لضخامته، وكتلته الصُلبة، ورسوخِهِ، ومع ذلك:

﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾

[سورة القارعة : 5]

 يأتِي الناس كالفراش المبثوث ؛ من أضعف المخلوقات، ومن أغبى المخلوقات، لذلك هذا الذي يعصي الله مدموغٌ بالغباء، وينبغي أن نفرِّق بين العقل وبين الذكاء، فالذكاء قد يكون في شيءٍ جُزْئِيّ، قد يحمل الإنسان أعلى شهادة، وقد يتفوَّق في اختصاصٍ معين وليس عند الله عاقلاً. ذكرت لكم من قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه فرأوا مجنوناً، فسأل عن هذا سؤال العارف فقالوا: هذا مجنون. قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصا الله .
 ما كل ذكيٍ بعاقل، كل عاقلٍ ذكي وما كل ذكيٍ بعاقل، إن عرفت الله، إن عرفت سِرَّ وجوده، وغاية وجوده، إن بحثت عن منهج الله، إن حملت نفسك على طاعته، إن عرفت سر الحياة الدنيا فأنت عاقل، أما إذا حملت أعلى شهادة وكنت من أندر الاختصاصيين في اختصاصٍ ما، ولم تعرف الله عز وجل، فأنت لست بعاقل، العقلُ أن تعرف الله، العقل أن تعمل لآخرتك، العقل أن تنضبط بمنهج الله عز وجل، أما التفوق في اختصاص معيَّن، أن تحمل شهادة معينة، فهذه وحدها لا تكفي.
 فهذه الجبال الشامخة، فهذه الجبال الراسية تصبح يوم القيامة كالعهن أي كالصوف المندوف..

﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾

[سورة القارعة : 5]

المعرفة ثلاثة أنواع حسيّة وعقليّة وإخباريّة :

 أيها الأخوة الكرام... مرة ثانية إلى هذا اليوم العظيم:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ ﴾

[ سورة القارعة : 1-2]

 الكلمة الأولى إبهام، والثانية:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾

[ سورة القارعة : 3]

 من بعثنا من مرقدنا، تهويل، والثالثة: تعجيز. أيْ أنَّ الإنسان لا يمكن أن يعرف بعض الحقائق بمفرده، إلا أن يأخذها عن الوحي، العقل البشري يمكن أن يكشف بعض الحقائق عن طريق الاستدلال، ولكن هناك أشياء ليس لها أثر مادي حتى يستخدمها العقل للتعرف إلى أسبابها، هنا أشياء مُغَيَّبة عنا لا بد لها من وحيٍ يوحى بها، فالمعرفة بعضها حسي، وبعضها عقلي، وبعضها إخباري، الغيب لا يكون إلا إخبارياً، فنحن إلى أمسّ الحاجة إلى وحي السماء.
 إنك بعقلك تقول: لا بد لهذا الكون من خالق. إنك بعقلك تقول: هذا القرآن هو من عند الله، من خلال الإعجاز. إنك بعقلك تقول: هذا الإنسان الذي جاء بالقرآن هو رسول الله. ولكن هناك أشياءُ كثيرة أخبرنا الله بها ؛ عن الماضي السحيق، وعن المستقبل البعيد، وعن صفات ذاته العَلِيَّة، وعن أي شيءٍ غاب عنا. فلا بدَّ من الوحي كي تكون المعرفة كاملةً، نحن في أمس الحاجة إلى وحي السماء.
 لو دخلت إلى بناءٍ ضخم قد تكشف أن المهندس بارع، وأن اللمسات الجمالية رائعة، ولكن هل تعرف من خلال البناء ما اسم صاحبه ؟ هل تعرف من خلال بناء الجامعة ما نظامها الداخلي ؟ هل تعرف من خلال بناء الجامعة ما نظام النجاح والرسوب ؟ من أسماء عمداء كُلِّياتها ؟ هذه أشياء لا بد لها من كتاب، فنحن قد يسهم العقل في معرفة الله، ولكن المعرفة التامة تحتاج إلى وحي السماء، فهناك معرفة حسية، ومعرفة عقلية، ومعرفة إخبارية، فالقارعة موضوعٌ غَيْبيّ، لا يعرف إلا عن طريق الوحي، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾

[ سورة القارعة : 3]

 أي إنك لن تعرف الحقيقة وحدك، لا بد من وحيٍ يوحى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو بدوره ينقله لك.

 

الأحداثُ لا تقع إلا بسِتِّة عناصر :

 أيها الأخوة الكرام... حقيقةٌ نحتاجها في هذه السورة، الأحداثُ لا تقع إلا بسِتِّة عناصر، لا بد للحدث من فاعل، ولا بد له من مفعول، ولا بد له من مكان، ولا بد له من زمان، ولا بد له من سبب، ولا بد له من قوة.
 فالإنسان لو أنه قال: أنا ذاهبٌ غداً إلى الطبيب. من يملك أن يعيش إلى الغَد ؟ الفاعل بيد الله، قد لا يعيش، رجل في سهرةٍ مع أصدقائه قال: أنا لن أموت في الوقت القريب. هكذا قال، فلما سُئل ؟ حدَّثهم عن صحته، وعن رشاقته، وعن اعتنائه بغذائه، وعن سيره اليومي، وعن بعده عن التدخين، وعن بعده عن الشدَّة النفسية. وهذا كلامٌ علمي، لكنه في السبت الذي تلا هذه السهرة كان تحت التراب، من يملك أن يعيش إلى الغد ؟
 فالفاعل بيد الله، فإذا قال إنسان: أنا ذاهب إلى الطبيب. قد يأتي الغد وهو تحت التراب، وقد يأتي الغد والطبيب تحت التراب، وقد يتزلزل المكان، فيجعل الله عالي الأرض أسفلها.
 أما السبب فقد يعدم السبب، وأما القوة فقد تُشل القوة. فلا بد من قوةٍ، ولا بد من سببٍ، ولا بد من مكانٍ، ولا بد من زمان، ولا بد من فاعلٍ، ولا بد من مفعول، وهذه الأشياء الخمسة بيد الله عز وجل، لذلك:

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

[ سورة الكهف : 23-24]

 أيها الأخوة الكرام...

﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾

[ سورة القارعة :4-5]

 السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة؟ قال: " نعم يا أم المؤمنين إلا في ثلاثة مواضع إذا الصحف نشرت، وعند الميزان، وعلى الصراط ".

 

الحكمة من جعل كلمة ميزان جمعاً في القرآن الكريم :

 وقفةٌ دقيقة عند كلمة:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة :6]

 لِمَ لمْ يقل الله عز وجل فأما من ثِقُل ميزانه ؟ لمَ جاء الميزان جمعاً ؟

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة :6]

 نحن في الحياة الدنيا أيها الأخوة نستخدم ميزاناً للذهب، وميزاناً للبضائع، وميزاناً لوزن السيارات الضخمة، وكل شيءٍ له ميزان، والحقيقة أن كلَّ شيءٍ في الحياة له ميزان خاص، هناك ميزانٌ لعلاقتك بزوجتك، ميزانٌ قَنَّنه الشرع، وهناك ميزانٌ لعلاقتك بأبيك وأمك، وهناك ميزانٌ لعلاقتك بأولادك، وهناك ميزانٌ لعلاقتك بجيرانك، وهناك ميزانٌ لحِرفتك، لكسب مالك من حرفتك، فكل نشاطٍ بشري له ميزانٌ خاص، لذلك أنت توزن أعمالك بمئات الموازين، بل بآلاف الموازين، فقد تنجح في ميزانٍ وتخسرُ في ميزان، للعلاقة الزوجية ميزان، لكسب المال ميزان، لإنفاقه ميزان، لقضاء وقت الفراغ ميزان، للأفراح ميزان، للأتراح ميزان، وما الموازين في حقيقتها إلا الأحكام الشرعية، فلذلك قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة :6]

 قرأت أن بعض الموازين إذا وزنت ورقةً وكتبت على الورقة كلمة واحدة ترجحُ هذه الورقة، وقرأت عن بعض الموازين أنك إذا وضعت يدك فوق إحدى كَفَّتَيّ الميزان وحرَّكت يدك ترجح الكفة، فهناك موازين دقيقة جداً، وإذاً أردَّتَ الدقَّة فكل حركاتك وسكناتك، وكل عطائك ومنعك، وغضبك ورضاك، وصلتك وقطيعتك بميزانٍ دقيق، لذلك قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 أيها الأخوة الكرام... لو أن إنساناً دخل إلى محلك التجاري، لو أوهمته اختل ميزانك، لو دلَّست عليه اختل ميزانك، لو غششته اختل ميزانك، لو كذبت عليه اختل ميزانك، فهناك ميزان دقيق في البيع والشراء، وميزان دقيق في العلاقة مع الأهل والأخوة، فلو أن الإنسان عرف هذه الموازين، وجعل عمله وَفْقَ هذه الموازين، كان ميزانه يوم القيامة ثقيلاً راجحاً.
 أيها الأخوة الكرام... النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمر بعض السائلين أن يُقابل الله في برِّ والديه، منعه عن الجهاد وقال:

((قابل الله في برها))

[ الطبراني عن أنس]

 فهناك ميزان ينبغي أن يكون بين أيدينا، في علاقتنا بوالدينا، حينما قال الله عليه الصلاة والسلام:

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))

[البخاري عن عثمان ]

 فالقرآن له ميزان، قد يتعلَّم الإنسان علماً لا ينفع، وحينما قال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي:

((يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس))

[البخاري سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ]

 يا أيها الأخوة الكرام... بعد أن تؤمن بالله الإيمان الذي يحملك على طاعته لا بد من أن تعرف موازين الشرع. وقد قال بعضهم في تفسير هذه الآية:

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 7]

 أعطاك ميزان العقل، أعطاك ميزان الفطرة، وأعطاك ميزاناً يضبط ميزانَيّ العقل والفطرة، إنه ميزان الشرع، فالحسن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع.

المؤمن بعد أن يؤمن بالله واليوم الآخر يصبح له موازين خاصَّة :

 المؤمن يتحرك بموازين دقيقة، قد يعتذر عن جلسة لا ترضي الله، وقد يعتذر عن نُزهة لا ترضي الله، وقد يعتذر عن كفالة لا تُرضي الله، وقد يعتذر عن لقاء لا يرضي الله، وقد يتجشَّم المشاق لعملٍ ليس له أجرٌ لكنه يرضي الله، فلديه موازين، وحينما تؤمن بالآخرة الإيمان الصحيح، يكون لك موازين أخرى، هذا الذي يراه الناس من المؤمن قد يُتَّهم بالجنون فيقولون له: تنفق هذا المال بلا جدوى ؟ تبذل هذا الجهد بلا مردود ؟ أين عقلك ؟! الحقيقة أن المؤمن بعد أن آمن بالله واليوم الآخر أصبحت له موازين خاصَّة، فهو يتحرَّك في الدنيا وفق منهجٍ، ووفق منظومة قيمٍ، ووفق أهدافٍ واضحةٍ أمامه..

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة :6]

 أيْ في ميزان علاقته بأمه وأبيه رجحت كفَّة الحسنات، وفي ميزان علاقته بزوجته رجحت كفة الحسنات، وفي ميزان علاقته بأولاده رجحت كفة الحسنات، وفي ميزان علاقته بجيرانه رجحت كفة الحسنات، وفي ميزان علاقته بجسمه رجحت كفة الحسنات، وفي ميزان علاقته بأفراحه رجحت كفة الحسنات، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة :6]

الامتحان لا من أجل فرز الناس بين محسنٍ ومسيء بل بين محسنٍ وأكثر إحساناً :

 أيها الأخوة الكرام... مما يلفت النظر أن الله عز وجل لم يذكر السيّئات، لم يقل: ومن رجحت كفة سيّئاته. لأن الأصل أن تفعل الحسنات، إما أنها ترجح، وإما أنها تخف..

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة :8]

 وهناك دليل آخر.. فالله عز وجل يقول:

﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 الامتحان لا من أجل فرز الناس بين محسنٍ ومسيء، أصل الامتحان من أجل فرز الناس بين محسنٍ وأكثر إحساناً، بين ناجحٍ وأشدّ نجاحاً.
 أيها الأخوة الكرام... خُلِقَ الإنسان للعمل الصالح، قاضٍ من كبار القضاة توجَّه إلى أحد الخلفاء وقال: يا أمير المؤمنين أريد أن تعفيني من منصب القضاء. فقال له أمير المؤمنين له: ولِمَ؟ وليس في الأمة من هو أعدل منك؟ ـ فقال: والله لقد شاع بين الناس أنني أحب الرُطَب، وفي أحد الأيام طرق الباب رجلٌ وقدم لخادمي طبقاً من الرُطَب، وجاءني بها في بواكيرها، إذِ الفاكهة التي تأتي في وقتها محببةٌ جداً. النبي عليه الصلاة والسلام كما علَّمنا كان إذا أُعطي فاكهةً أول مرة في موسمها قبَّلها وأعطاها لغلامه. فالقاضي سأل خادمه: ممن هذا الطبق؟ قال: رجلٌ في الباب، فقال: صفه لي؟ فلما وصفه له عرف أن هذا الرجل له قضيةٌ عنده، فرد الطبق، وفي اليوم التالي جاء الرجلان إلى مجلس القاضي فقال: والله يا أمير المؤمنين ما استويا في نظري ـ أي أن الخَصمين ما استويا في نظري ـ على الرغم من أنني رددت الطبق، فكيف لي إذا أخذته ؟!
 هذا ميزان، هذا ميزان لبعض القضاة، الطبق ردَّه، في اليوم التالي قال: تمنَّيت أن يكون الحق مع الذي قدَّم لي الطبق مع أنني رددته، فكيف لو قبلته ؟
 فالقاضيِ له ميزان، والمدرس له ميزان، قد يلجئ المدرس طلابه إلى دروسٍ خاصة، يجري مذاكرةً تعجيزيَّة، فيجد الطلاب أنهم كلهم تحت مستوى المعدل، فيطرقون بابه من أجل درسٍ خاص، هذا اختل ميزانه. وقد يوهم الطبيب المريض، فيوقعه في هم شديد كي يقف على بابه وعلى باب عيادته كثيراً.
 وقد يتفق إنسانٌ مع إنسان على حساب مصلحة عامة، كلها لها موازين:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 أيها الأخوة... لعل مركز الثقل في هذه السورة كلمة " موازين " يجب أن تعلم موازين الله عز وجل، كيف يحبك ؟ وكيف يبعدك ؟ وكيف يقبلك ؟ وكيف يرفضك ؟ وكيف يقربك ؟ وكيف يتخلى عنك ؟

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة : 6]

من ينتزع حكماً لصالحه ولم يكن محقاً فلن ينجو من عذاب الله :

 أيها الأخوة الكرام... فمن ثقلت موازينه، الآن هناك من يتوهَّم أنه إذا سأل عالماً، أو ممن يعمل في حقل الدعوة - لأكون دقيقاً معكم - إنسان له زي ديني سأله، وتلقى الجواب، ترتاحُ نفسه وكأنه وضع هذا الشيء في عنق هذا المسؤول، وكأنه ارتاح من المسؤولية، فما قولك بهذا الحديث الشريف ؟ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

((إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألْحَن بحُجَّتِه من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ))

[ متفق عليه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

 لو أن معك حُكْمَاً من رسول الله، من المعصوم، من سيِّد الخلق، من حبيب الحق، من سيد ولد آدم، ولم تكن محقاً، لن تنجو من عذاب الله. ينبغي أن يكون الميزان دقيقاً، وموضوعياً، ونابعاً من الشرع، أما إذا كنت لسِناً، وحاد الذكاء، ومعك قوة إقناع، وأقنعت القاضي فانتزعت حكماً لصالحك من فمه، ولم تكن محقاً، لن تنجو من عذاب الله.
 يا أيها الأخوة الكرام... لنأتي ببعض الأمثلة: لو أن نجاراً من أجل السرعة، وضع المسمار مكان البرغي، هناك ميزان دقيق لصنعة النجارة، هناك ميزان دقيق لصنعة الحدادة، كل صنعةٍ لها موازين، وكل صنعةٍ بإمكانك أن تغُشَّ المسلمين بها، وآلاف الصنعات بإمكانك أن تغش الناس دون أن يعلموا شيئاً، من الذي سيحاسبك ؟ الله وحده.
 مثل بسيط: لو وضعت المسمار مكان البرغي في غرفة نومٍ أو في مكتبةٍ أو في طاولةٍ، هذه الصنعة بعد أيام سوف تصاب بالعطب.
 أيها الأخوة الكرام... كل مصلحةٍ لها ميزان، لو أنك تجاهلت موعد انتهاء الدواء، وبعت الدواء لإنسان لا يقرأ ولا يكتب، فحرفة الصيدلة لها ميزان، وحرفة التدريس لها ميزان، و حرفة التجارة لها ميزان، وحرفة بيع المواد الغذائية لها ميزان، وللزراعة ميزان، وللصناعة ميزان، والله يعلم كل شيء، فإذا غششت المسلمين، دلَّست عليهم، احتلت عليهم، أوهمتهم، ذكرت لهم شيئاً غير صحيح فقد وقعت في شرِّ العمل.

 

تفسير قوله تعالى : فهو في عيشة راضية :

 أيها الأخوة الكرام..

﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾

[ سورة القارعة :6-7]

 العيشة الراضية أيضاً شيءٌ يلفت النظر، لم يقل ربنا: عيشةٌ مرضية. هي راضية، العيشة ترضى أنت عنها فهي مرضية، فكيف تكون هي راضية ؟ بعضهم قال: قد يستخدم اسم الفاعل محل اسم المفعول، هذا جريح أي مجروح، هذا قتيل أي مقتول، هذا وجه. لكن بعض علماء التفسير قال: العيش الراضية هي التي ترضَى عنك، لأن كل شيءٍ أمامك نفسٌ..

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾

[سورة الإسراء : 44]

 كل شيءٍ نفس..

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 72]

 معنى هذا أن السموات والأرض والجبال نفوس، إذاً النِعَم في الدنيا قد تلعن صاحبها، قد يكون الإنسان باغياً معتدياً، منحرفاً فاسقاً، فاجراً، يأكل ويشرب، ويتنعَّم، ويتعامل مع هذه النعم، وهي ليست راضيةً عنه تلعنه، لأن الحظوظ في الدنيا حظوظ ابتلاء، بينما نعم الآخرة حظوظها حظوظ جزاء، هو يستحقها، وقد دخلها برحمة الله، إذاً النعم في الآخرة ترضى عنه لأنها نفوس أيضاً.
 والمعنى الأخير: العيشة الراضية هي أن النعمة إما أن تنفّك عنها وإما أن تنفك عنك، وهذا مبعث قلق الإنسان في الحياة، قد يكون متمتعاً ببيت، هذا البيت إما أن ينسلِخَ منه فيموت، وإما أن يؤْخذ منه البيت، فالعيشة الراضية معناها أن هذه النِعَم مُلازمةً لك لا تنفك عنك.

من قلّت حسناته و زادت سيئاته ليس له إلا النار :

﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة : 6-8]

 قلت حسناته، وزادت سيئاته، فأمه هاوية، ليس له إلا النار، يؤمّ إليها، إنها هاوية، وقد ورد في الحديث الصحيح:

((كنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَسَمِعْنَا وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا حَجَرٌ أُرْسِلَ فِي جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَالْآنَ انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا))

[أحمد عن أبي هريرة]

﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾

[ سورة القارعة : 9-11]

 دخل عليه الصلاة والسلام إلى بُستان أحد الأنصار فرأى جملاً، فلما رآه الجمل - رأى النبي عليه الصلاة والسلام - حنّ وذرفت عيناه، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ومسح ذفريه وقال:

((مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟))

 فذكروا له فتىً من الأنصار ، فقال:

((ائتوني به ))

 فلما جاء الفتى قال:

((أنت صاحب الجمل ؟))

 قال: نعم. قال:

((أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ " ؟))

[ أبو داود عن عبد الله بن جعفر ]

 وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

((إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَـلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ))

[ أحمد عن جابر بن سمرة ]

 وقد كان يخطب على نخلة، فلما صنع له أصحابه منبراً حنَّت إليه، فكان عليه الصلاة والسلام يضع يده على هذه النخلة. وقد قال حنظلة يوماً: يا رسول الله نكون معك ونحن والجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى !! فقال عليه الصلاة والسلام:

((لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

((إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ))

[كنز العمال عن ابن سعد ]

 هذا معنى:

﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾

[ سورة القارعة : 21]

 أيْ أنَّ هذه العيشة راضيةٌ عنه لأنه دخل الجنة باستقامته، وعمله الصالح، وخوفه من الله وخشيته.

 

نِعَم الدنيا نعم ابتلاء و نعم الآخرة نعم استحقاق :

 أيها الأخوة الكرام: أما نِعَم الدنيا فنعم ابتلاء، ولكن نعم الآخرة نعم استحقاق، فرقٌ كبير بين نِعَم الدنيا ونعم الآخرة، نعم الدنيا ابتلاء..

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾

[ سورة الفجر: 15 ]

 بينما نِعَم الآخرة نِعَمُ جزاء، نعمُ استحقاق، إذاً فهو في عيشةٍ راضيةٍ عنه، تشكره، لذلك قال بعض المفسرين في قوله تعالى:

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾

[ سورة الدخان: 29 ]

 أيْ موضع سجود الإنسان من الأرض يبكِي على المؤمن، وموضع رفع عمله إلى السماء يبكِي على المؤمن، لذلك حتى الجمادات نفوس وهي تتفاعل مع عمل المؤمن الطيِّب.
 أيها الأخوة الكرام... لو أنك تمشي في بستان، ودُسْت على زهرةٍ تسبح الله عز وجل، هذه قد تسألك يوم القيامة: لمَ فعلت بي هكذا ؟ لو تركت بعض الطعام في الطبق يسألك: لِمَ لم تأكلني؟ فهذا هو المعنى، هناك كل شيء الله عز وجل خلقه هو نَفْس، سوف يسألك، وسوف يحاسبك.

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 أيها الأخوة الكرام... هذه السور القصيرة يقرؤها معظم الناس في صلواتهم، و عليهم أن ينتبهوا إلى معانيها الجليلة وأبعادِها الخطيرة، وكيف أن الله عز وجل جعل هذه السوَر أداة لترسيخ الإيمان في النفوس.

﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾

[ سورة القارعة : 1-11]

 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذْرنا، الكيَّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طلب العلم مفتاح النجاة من عذاب الدنيا و الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام... استنباط من هذه السورة: كيف أن الناس في آخر الزمان فصلوا الدين عن الدنيا، وفصلوا العبادات الشعائرية عن العبادات التعامُلية، وصار الدين عند الناس أن تؤدي الصلوات في المسجد، وانتهى الأمر، أو أن تصوم، أو أن تحج بيت الله الحرام، وأن تؤدّي الزكاة، وهذا كل الدين، بينما من خلال هذه السورة:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة : 6]

 فهناك منهج دقيق جداً، أكاد أقول: هناك مئة ألف بند في منهج الله عز وجل ؛ في أية حرفة، في أي نشاطٍ، في أي فرحٍ، في أي تَرَحٍ، في أي سفرٍ، في أية إقامة، في أي غضبٍ، في أي رضى، هناك منهج، فهذا الذي غفل عن منهج الله، وتوهَّم أن الدين عباداتٍ شعائريةً ليس غير، هذا ما فَقِهَ من الدين شيئاً، لذلك تجد ملايين مملينة في العالم الإسلامي وكأن الله تخلَّى عنهم.

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[سورة مريم : 59]

 فقد تبيع بيتاً، وتقبض ثمنه كاملاً مُكَمَّلاً، ويتأخر تسجيل هذا البيت، بعد عشر سنين يُطالبك البائع بمئتي ألف ليرة حتى يسجِّل لك البيت، بأي حقٍ يأخذ هذا؟ قبض الثمن كاملاً، في وقتٍ كان البائع قد ربح ربحاً جيداً، كيف تُعَلِّق تسجيل البيت في السجِلاَّت الرسمية على مئتي ألف ليرة ؟ بأي ميزان هذا ؟ هناك آلاف المخالفات في المهن، والحرف، والبيع، والشراء، والتسجيل، والزواج، والطلاق، اختلَّت موازين الناس، فلما اختلَّت تخلَّى الله عنهم، لذلك الله عز وجل قال:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[سورة هود : 117]

 يا أيها الأخوة الكرام... لا بد من عودةٍ إلى الله، لا بد من صلحٍ مع الله، لا بد من أن نعود إلى منهج الله فنأخذَه بحذافيره، لا بد من أن نطبِّق الإسلام في بيوتنا وفي أعمالنا، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 لا بد من طلب العلم، هذه الخطبة أيها الأخوة كبضاعةٍ عُرِضَت في واجهة المَحَل، من أجل أن تدخل إلى المحل، من أجل أن تنجَذبِ إليه، أما الذي يكتفي أن يرى هذه البضاعة في الواجهة ويسير، فهذا ما فعل شيئاً، لا بد من طلب العلم، لا بد من أن تعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، والحق من الباطل، والمحكمات من المُشْتَبِهات، هذا الذي يقتضي أن نفعله كي ننجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا. اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا. ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تُنسنا ذكرك يا رب العلمين.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهمَّ بفضلك ورحمتك أَعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018