الخطبة : 0720 - سورة الزلزلة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0720 - سورة الزلزلة.


1999-10-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كثرة الزلازل ظاهرة من ظواهر اقتراب الساعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا زال أخوةٌ أكارم عليَّ يتمنون علي أن أتبع تفسير هذه السور القصيرة التي نقرؤها في صلواتنا الخمس.
 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أبي هريرة رضي الله عنه فيما أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ يَعْنِي آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذا الحديث أيها الأخوة ورد في صحيح البخاري و يعنينا منه كلمتين، الكلمتان: و تكثر الزلازل؛ سمعتُ في الأخبار أن زلزالاً وقع في تركيا، و آخر في اليونان، و ثالثاً في تايوان، و رابعاً في اليابان , وخامساً في إيران، هذا في بضعة أشهر، بل إن بين يدي دراسة مفصَّلة دقيقة علمية عن الزلازل التي وقعت في القرن الأخير، و عدد الضحايا يفوق حدَّ الخيال فمن أربعمئة ألف إنسان إلى مئة ألف، إلى مئة و خمسين ألفاً في شتَّى بقاع العالم و الأرض، هذه الظاهرة كثرة الزلازل وردت في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم.
 أيها الأخوة الكرام ؛ وفي حديث آخر في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، قَالَ: الْهَرْجُ أَيُّمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

توضيح لمعاني إذا و إن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه مقدمة لسورة قصيرة في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، هي سورة الزلزلة، يقول الله جل جلاله:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 ولا يخفى عليكم أن كلمة "إذا" تفيد تحقق الوقوع، بينما كلمة "إن" تفيد احتمال الوقوع، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

[سورة الحجرات: 6]

 إن تفيد احتمالَ الوقوع، أي قد يأتي و قد لا يأتي، أما حينما يقول الله عز وجل:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

[سورة النصر: 1-3]

 أي أن نصر الله آتٍ لا محالة، وحينما يقول الله عز وجل:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 أي إن هذا هو الزلزال الذي وعد الله به.

 

تخفف المسلمين من التكاليف بغطاء عقدي عندما تزيغ عقيدتهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ المسلمون حينما تزيغ عقيدتهم يتخفَّفون من التكاليف بغطاء عقدي زائغ أيضاً، فقد يقول بعضهم كما قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾

[ سورة البقرة: 80]

 كما قال اليهود، و قد يقول بعضهم الآخر: إننا مغطون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم.
 أيها الأخوة الكرام ؛ الحقيقة التي لا بد من أن تكون واضحة بين أيدينا هي أن الله عز وجل عدلٌ، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ ﴾

[ سورة الحجر: 92]

 وأما شفاعة النبي صلى الله عليه و سلم فلا ينالها إلا من مات موحَّداً غير مشرك، و أن تصل إلى التوحيد الحقيقي، و أن تكون بعيداً عن كل أنواع الشرك الجلي و الخفي فهذه مرتبة عالية جداً.
 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أعرابياً سأله قال: يا رسول الله عظني و لا تطل؟ فقال عليه الصلاة و السلام، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ هُشَيْمٌ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ:

(( مُرْنِي فِي الْإِسْلَامِ بِأَمْرٍ لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا أَتَّقِي فَأَوْمَأَ إِلَى لِسَانِهِ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 فقال هذا الأعرابي: أريد أخف من ذلك، فقال عليه الصلاة و السلام: إذً فاستعد للبلاء " وهذا الكلام على إيجازه يفسِّر حال المسلمين، يريدون من الدين أقلَّ من أن يستقيموا على أمر الله، أقل من أن ينضبطوا، أقل من أن يقيموا الحلال و يبتعدوا عن الحرام، أقل من أن يطبِّقوا الإسلام في بيوتهم، أقل من أن يكون الإسلام واضحاً في أعمالهم، أريد أخف من ذلك، فكان الجواب: إذا فاستعد للبلاء " وجاء أعرابي آخر فقال: يا رسول الله عظني و لا تطل، فقال عليه الصلاة و السلام تلا عليه قوله تعالى من هذه السورة:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 فقال هذا الأعرابي " لقد كفيت يا رسول الله " فعقَّب النبي عليه الصلاة و السلام على مقولة هذا الأعرابي قال: فقه الرجل " أي أصبح فقيهاً.

 

مسؤولية كل إنسان عن عمله و حركته :

 آية في سورة الزلزلة إذا عقلها الإنسان أصبح فقيهاً،قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 أي لا بد "مَن " أداة شرط جازمة، الشرط يعني في اللغة أن فعلين لا يقع الثاني إلا إذا وقع الأول:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7]

 فعل الشرط :

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:8 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ لذلك كان عليه الصلاة و السلام يقول لأصحابه:

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

 و للإمام علي كرم الله وجهه مقولة يقول: و اللهِ ما أحسنت و لا أسأت، قيل له: كيف ما أحسنت و كيف لم تسئ ؟ فقال هذا الإمام الجليل: فأما و الذين آمنوا و عملوا الصالحات يمهدون " لها ما كسبت و عليها ما " فالخير يعود عليك، و الشر يعود على من فعله، و كل شيء مسجَّل عند الله عز وجل، صغيراً كان أو كبيراً، وربُّنا عز وجل يقول: هذه المسؤولية مسؤوليتكم يا عبادي عن أعمالكم، مسؤولياتكم عن عطاياكم، وعن منعكم، عن صلتكم، و عن قطيعتكم، و عن غضبكم، كل موقف و كل حركة و كل سكنة سوف تحاسبون عليها .

 

الزلزال الأخير هو الزلزال الذي تنتهي به الدنيا و يحاسب الإنسان :

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 هذا هو يوم الدين، هذا هو يوم الفصل، هذا هو يوم الحساب، وهذا هو يوم الدينونة، قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 أيها الأخوة الكرام ؛ يستفاد من كلمة زلزالها، أي الزلزال الذي وعد الله به، و الذي به تنتهي الحياة الدنيا، زلزالها الأخير، زلزالها العظيم، و كل أنواع الزلازل التي رأيناها إنما هي نماذج صغيرة جداً، نماذج مصغَّرة، نماذج مبسَّطة، أما زلزالها الذي يشملها كلها - هنا الزلزال محدود، مرة في تركيا، و مرة في اليونان، و مرة في تايوان، ومرة في اليابان، ومرة في إيران، لكن زلزالها الذي يشملها كلها:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 فزلزالها الكبير، زلزالها العظيم، زلزالها الأخير، الزلزال الذي تنتهي الحياة الدنيا، عندئذ يُحاسب الإنسان.

 

الإنسان هو المخلوق الأول سخَّر الله له كل ما في السموات و الأرض :

 أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1-2]

 قال بعض المفسرين: الأثقال هم بنو البشر، الذين دُفنوا في بطنها، الآن يخرجون ليُحاسبوا على أعمالهم، إن الإنسان هو المخلوق الأول، و إن الله عز وجل سخَّر لهذا الإنسان كل ما في السموات و الأرض، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية: 13 ]

 فالمسخَّر له أكرم على الله من المسخَّر، هو الإنسان الأول، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 70]

 و قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[سورة الأحزاب: 72]

 وقال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 هذا الإنسان مخلوق أول ركِّب من عقل و شهوة، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، و إن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، إنه المخلوق الأول الذي خُلق لجنة عرضها السموات و الأرض، لذلك الفلاح كل الفلاح، و النجاح كل النجاح، و الفوز كل الفوز، هو من يزكِّي نفسه، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10]

 تزكية النفس ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

يوم تسوية الحسابات يوم عصيب يمتلئ قلب المنحرف فيه حسرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أن نستيقظ كل يوم و الشمس تشرق ثم تغيب، ثم القمر يظهر ثم يختفي، هذا النظام الدقيق لا بد من ساعة ينتهي من خلالها، قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 و قال تعالى:

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾

[سورة التكوير: 1-2]

 إلى آخر الآيات التي تبين أنه لا بد من يوم ينتهي فيه هذا النظام، نظام السموات و الأرض ليحلَّ محله نظام آخر، تُسوَّى فيه الحسابات، و يقوم الناس لرب العالمين.
 أيها الأخوة الكرام، في هذا اليوم العصيب قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 وقال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة: 19-24]

 وفي هذا اليوم العصيب يوم:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 25-33]

 هذا اليوم:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1]

 هذا كما قال تعالى:

﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴾

[ سورة المرسلات: 38]

 هو يوم:

﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾

[سورة الصافات: 21]

 قال تعالى:

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾

[سورة يس: 52]

 يأتي الجواب:

﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

[سورة يس: 52]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا اليوم، يوم الدين يوم تزلزل الأرض، هذا اليوم يوم عصيب، هو على الكافرين غير يسير، هذا اليوم :

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

[سورة الفرقان: 27]

 هذا اليوم يمتلئ قلب المنحرف حسرة، قال تعالى:

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 56]

محاسبة كل إنسان على حركاته و سكناته يوم القيامة :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1-2]

 هذا المخلوق الأول الذي دُفن في بطنها فأخرجه الله ليحاسبه عن كل حركة و سكنة و موقف و عطاء و منع و غضب و رضا و زواج و طلاق و شراكة و بيع و شراء، هذا اليوم أيها الأخوة يبعث على القلق، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 3]

 ما الذي حصل ؟

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 4]

 تُؤمر الأرض أن تحدَّث عن أعمال هذا المخلوق الأول، هي مأمورة، قال تعالى:

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 4]

 أمرها أن تحدَّث الناس عن أخبارها وعن أخبار الإنسان.
 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النور: 24]

 و قال تعالى :

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة فصلت: 21]

 قال عليه الصلاة و السلام مصداقاً لهذه الآية :

(( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ))

[ الدارمي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل]

 أيها الأخوة ؛ هذه أسئلة حتمية محدَّدة سُرِّبت إلينا، عن ماله من أين اكتسبه؟ و فيم أنفقه؟ وعن عمره فيم أفناه؟ و عن شبابه فيم أبلاه؟ و عن علمه ماذا عمل به؟

 

العاقل من يهيِّئ جواباً لله عن كل شيء يوم القيامة :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ الله جلّ جلاله يوحي للأرض أن تحدِّث عن أخبار هذا الإنسان الذي هو المخلوق الأول الذي خُلق لجنة عرضها السموات و الأرض، و سُخر له ما في الأرض جميعاً عطاءً منه ماذا فعل ؟

﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة : 6]

 دقِّقوا في كلمة " أشتاتاً " لا يوجد جماعات في الآخرة، و لا هناك تجمُّعات، و لا هناك تعاون بين العصاة، و لا هناك تآزر، و لا هناك أتباع، و لا هناك إنسان يدافع عن إنسان، حتى إنه ورد أن الرجل قد تقع عينُه على عين أمه تقول: يا ولدي لقد جعلت لك صدري سقاءً، و حجري وِطاءً، و بطني وعاء، فهل من حسنة أنتفع بها اليوم؟ يقول ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين، قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 101]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان البطل هو الذي يهيِّئ لهذه الساعة جواباً عن كل أعماله، وعن كل مواقفه، و عن كل أمواله كيف جمعها، عن مصارف أمواله كيف أنفقها، عن علاقته بزوجته كيف عاملها، عن أولاده كيف ربّاهم، عن جيرانه كيف عاملهم، عن إخوانه هل نصحهم؟ هذا اليوم العصيب يوم يُسأل الإنسان عن كل شيء، نحن في زمن هدنة و لكن يوم القيامة زمن عصيب فيه تُسوَّى الحسابات جميعاً، قد يسأل ربُّنا عز وجل الإنسان لِمَ طلَّقت زوجتك؟ لِم طلَّقتها طلاقاً تعسُّفياً وهي لم تفعل شيئاً؟ كانت في خدمتك و في رعايتك، و كانت أمينة على مالك و كانت أمينةً على نفسها لِم طلَّقتها؟ لنزوة طارئة، قد يسأل هذا الإنسان لِم غششت المسلمين؟ لم وصفت بضاعتك بأنها من نوع و هي في الحقيقة من نوع؟ و ما أكثر الأسئلة التي يُسأل عنها الناسُ يوم القيامة، فهذا الغافل الساهي اللاهي الذي يأكل المالَ من أيِّ مصدر، و يفعل ما يشتهي، و يجلس كيف يريد، و يلتقي مع من يريد، و يمتِّع بصره فيما حرَّم الله، هذا سوف يُسأل سؤالاً دقيقاً، قد يستحلفك إنسان لتنصحه تعطيه أسوأ بضاعة بأغلى سعر، هذا سوف يقف ليسألك يوم القيامة، قد تقف البنتُ لتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي، لم يعلِّمني، لم يفقِّهني، لم يحملني على طاعتك، لم يرشدني إلى دينك، كان يتباهى بي .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ الفلاح كل الفلاح، و النجاح كل النجاح، و البطولة كل البطولة أن تهيِّئ جواباً لكل شيء تفعله يوم القيامة.

 

انعدام التعاون و الجماعات يوم القيامة :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة : 6]

 قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

[ سورة الأنعام: 94]

 على خلاف حال أهل الدنيا، هناك تجمُّعات في العالم، وهناك من يناصر المبطلين، يوم القيامة يأتي الإنسان فرداً، قال تعالى:

﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة : 6]

 متفرقين، لا يوجد هناك جماعات، و لا تعاون، و لا إنسان يدافع عن إنسان، و لا إنسان يضع وزنه كله من أجل إنقاذ فلان، و لا إنسان يحلُّ مشكلته بالمال، و لا إنسان يحل مشكلته بالوساطة، كل ما يجري بين الناس منعدم يوم القيامة، قال تعالى:

﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة : 6]

 فالبطولة أن ترى عملك بمقياس القرآن، لا بمقياس أهل الدنيا، البطولة أن تقيِّم عملك من خلال هذه الآية، لا من خلال مقاييس دنيوية طارئة ولاغية تافهة.

 

كلّ عمل مهما صغر محفوظ عند الله عز وجل :

 أيها الأخوة ؛ جاءت الآية التي هي المفصل، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 أي دقِّق، لو أنقذت نملة و أنت تتوضأ من أن تغرق في حوض الوضوء هذا العمل محفوظ عند الله عز وجل، لو نزعتَ قشَّة من أرض المسجد ووضعتها في جيبك حفاظاً على نظافته، هذا العمل محفوظ عند الله عز وجل، مهما تصوَّرت عملاً في حجمه قليل محفوظ عند الله :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 لو ابتسمت ابتسامة سخرية، قالت: إنها قصيرة، السيدة عائشة عن أختها صفية، فقال عليه الصلاة و السلام :

(( حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

[ الترمذي عن عائشة]

 قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة الزلزلة : 1-6]

الانضباط بمنهج الله سبيل الأمن و الطمأنينة في القلب :

 يا أيها الأخوة الكرام، لا يكون العاقل عاقلاً إذا أصابه ندمٌ، كل من يندم لم يستخدم عقله كما ينبغي، فهذا الموقف وضَّحه الله لنا في قرآنه الكريم، هناك حساب دقيق، فما بال الناس يأكلون المال الحرام و يعتدون على أعراض بعضهم بعضاً؟ و يسيئون إلى من أحسن إليهم؟ و ينهبون ما وُكَّل بين أيديهم؟ هذا كله يوم القيامة سوف يُحاسب عنه الإنسان أدقَّ حساب، لذلك العاقل هو الورع، و ركعتان من ورع كما ورد خير من ألف ركعة من مخلِّط، و من لم يصده ورع عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله.
 فيا أيها الأخوة الكرام، هذه سورة قصيرة ينبغي أن نعدَّ لها كل العدة، الإنسان حينما ينضبط بمنهج الله عز وجل يلقي الهس في قلبه الأمن و الطمأنينة، و حينما ينضبط بمنهج الله عز وجل الزمن لصالحه، قد تتَّصل نعم الدنيا بنعم الآخرة، قد يأتيه ملكُ الموت وهو على أحسن حال، فينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، أما هذا الذي تفلَّت من منهج الله، و كسب المال كما يتمنى و أنفقه كما يشتهي، و أساء إلى خلق الله، بنى مجده على أنقاضهم، و بنى أمنه على خوفهم، وبنى حياته على موتهم، وبنى أمواله على فقرهم، فهذا الذي يفعل هذا في الدنيا حينما يأتيه ملك الموت تكون الطامَّة الكبرى.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتَّخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اطمئنان المؤمن لحفظ الله و رعايته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ نقطة دقيقة، قد تركب طائرة تحس بالقلق، متى تطمئن؟ حينما تحطُّ على الأرض، وهناك ركَّاب طائرة يصفِّقون حينما تهبط الطائرة على مدرَّج المطار، وصلنا إلى الأرض المستقرة، و حينما يركب الإنسان الباخرة يقلق و لا سيما إذا كان البحر هائجاً، فإذا وصل إلى الشاطئ ووضع رجله على اليابسة يطمئن، و لكن الحقيقة أنه حتى اليابسة قد تهتز، فإذا اهتزَّت أهلكت كل من عليها.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ المؤمن لا يطمئن إلا لحفظ الله له، أنت معافى سليم ما دامت إرادة الله أرادت أن تكون معافى سليماً، ليس هناك أي ضمان، إنسان جالس في بيت جميل، له إطلالة رائعة، فجأة سيرى نفسه تحت الأنقاض، هذه الزلزلة أيها الأخوة التي يرينا الله نماذجَ منها، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الحج: 1]

 كلكم يسمع عن أخبار الزلازل، هذا بقي سبعين ساعة تحت الأنقاض، وهذا شرب بوله، و هذه البنت الصغيرة بقيت أربعة أيام، هذا بقي ثمانية أيام، هذا رأى من حوله قد ماتوا، وهو يشهدهم، هناك من أكل لحم أولاده وهو تحت الأنقاض من شدة الجوع، وقد مضى عليه وقت طويل قبل أن يسمع الناسُ أنينه، إذاً هذه الزلازل التي ساقها الله للبشر نماذج خفيفة و بسيطة و محدودة في مكانها و زمانها و أضرارها فكيف بالزلزال الأكبر؟ كيف بقوله تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة : 1-5]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان حينما يعصي الله يختلُّ توازنه النفسي، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 81-82]

 هذا الاختلال ينعكس قسوةً و انحرافاً و ردود فعل قاسية جداً، أما حينما يخشى الله عز وجل فيلقي الله في قلبه الأمن، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 81-82]

الاستقامة على أمر الله حينما نعلم أن الله يعلم و سيحاسب و سيعاقب :

 هذه السور القصيرة أيها الأخوة ينبغي أن نقرأها ملياً، و أن نقف عندها ملياً، و أن نتدبَّر معانيها، و أن نقف الموقف الذي يتمشَّى مع معانيها، و الإنسان عليه أن يراجع نفسه، مادام سيسأل عن كل شيء، ما قولكم بأعرابي ليس معه شهادة عليا و لا دنيا و لا اختصاص، لا يوجد عنده في بيته مكتبة، ولا أشرطة، و لا يرتاد دروس العلم، قال له النبي الكريم تلا عليه هذه الآية:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 " قال: كفيت " كفته آية واحدة في سورة قصيرة، و القرآن بين أيدينا ستمئة صفحة، نقرأه صباحاً و مساءً، ونسمعه بطرائق متعدِّدة، فالقضية قضية عقل، و إرادة، و تصميم، فحينما نتيقَّن أن الله موجود، و أنه يعلم، و أنه سيحاسب، و أنه سيعاقب، لا بد من أن نستقيم على أمره، وهذه المشورة على قصرها و إيجازها تضع أيدينا على حقيقة خطيرة جداً وهي نحن في الدنيا في دار هدنة و ابتلاء، أما في الآخرة فدار حساب وجزاء.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعلِ كلمة الحق و الدين، و انصر الإسلام و أعزَّ المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018