الخطبة : 0719 - خواطر إيمانية حول سورة الكافرون . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0719 - خواطر إيمانية حول سورة الكافرون .


1999-10-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، و نستعين به و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلن تجد له وليًّا مرشداً، و اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ و سلِّم وبارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه، و على ذرِّيته و من والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

خواطر إيمانية حول سورة الكافرون :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الخطبة السابقة كان الحديث عن بعض الخواطر الإيمانية حول سورة التكاثر، و قد تمنى أخٌ كريم أن أعالج مثل هذه الموضوعات في بعض الخطب لأن هذه السورة القصيرة تُقرأ في الصلاة كثيراً، و تشتدُّ الحاجة لفهم دقائقها، و تفاصيل معناها، لذلك أيها الأخوة الكرام سيكون الحديث اليوم إن شاء الله تعالى و بعونه و توفيقه حول سورة الكافرون؛ قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾

[سورة الكافرون: 1-6]

 أيها الأخوة الكرام ؛ قد يبدو لأول وهلة أن هناك تكراراً في هذه السورة، و الحقيقة القاطعة أنه ليس في كتاب الله تكرار، بل كل آية تعني شيئاً دقيقاً، و تعني بُعداً، و تعني نظراً من زاوية معيَّنة.
 أيها الأخوة الكرام؛ و إن كان هناك كلمات متماثلة لكن المعاني متغايرة.

 

البشر في القرآن الكريم رجلان مؤمن و كافر وبينهما صنف ثالث هو المنافق :

 أما كلمة " قل" فسوف أوضِّح لكم معنى هذه الكلمة التي وردت في بعض السور القصيرة، النبي عليه الصلاة و السلام مبلِّغ، وهذا القرآن من عند الله، من عند خالق السموات والأرض، و ما دورُ النبي عليه الصلاة و السلام إلا دورُ التبليغ، قال تعالى:

﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾

[ سورة يونس:15 ]

 وقال تعالى:

﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾

[سورة الشورى: 48]

 فهذا الكلام صادرٌ عن خالق السموات و الأرض، عن قيُّوم السموات و الأرض، عن من بيده ملكوت السموات و الأرض، عن من إليه المصير، قل يا محمَّد لهم.
 أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾

[سورة الكافرون: 1]

 الناس بالتقسيم القرآني مؤمن و كافر، و التقسيمات الأخرى التي ابتدعها البشر ما أنزل الله بها من سلطان، هذه التقسيمات العرقية الجاهلية، و تقسيمات الأمم و الشعوب إلى ملل ونِحل و أعراق و أجناس و دول شمال و دول جنوب ودول شرق و دول غرب، هذه تقسيمات من صنع البشر، لكن الناسَ في النهاية رجلان، رجل عرف اللهَ فطبَّق منهجه وأحسن إلى خلقه، و سعِد في الدنيا و الآخرة، و رجل غفل عن الله أو أنكر وجوده، أو آمن بوجوده و أنكر ألوهيته، أو آمن بألوهيته وأنكر أسماءه الحسنى، رجل عرف اللهَ فطبَّق منهجه فسعِد في الدنيا و الآخرة، و رجل غفل عن الله فتفلَّت من منهجه و أساء إلى خلقه فشقي في الدنيا و الآخرة، فالبشر في القرآن الكريم رجلان، مؤمن و كافر بينهما صنف يستفيد من ذات المؤمنين فيتظاهر بسلوك المؤمنين، و هو في الحقيقة مع الكفار، هؤلاء هم المنافقون قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 145]

 ذلك أنه استفادوا من ميزات المؤمنين، كانوا معهم و احتموا تحت ظلِّهم، أخذوا بعض ما عندهم، على أنهم مؤمنون، وهم في الحقيقة مع الكافرين، قال تعالى:

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[سورة البقرة: 14-15]

 وفي مطلع سورة البقرة لا تجد إلا هذه الأصناف الثلاثة؛ المؤمنون و الكفار و المنافقون، و المنافقون يقتربون من المؤمنين تارة إذا كان نفاقهم نفاق شكٍّ، أو شرك خفي، و يقتربون من الكفار كثيراً إذا كان نفاقهم لمصلحة راجحة يبحثون عنها.

 

التعريف بالكفر و النفاق :

 على كلٍّ أيها الأخوة ؛ من هو الكافر؟ الكافر الذي عمي عن الحقيقة، فالكفر غطاء، هو معمى عن الحقيقة، أبعد نفسه عن الحقيقة، فالكفر يعني أن هؤلاء الأصناف من البشر ما عرفوا الله، هناك معنى آخر في الكفر، هم عرفوا أن لهذا الكون خالقاً , لكنهم أعرضوا عنه، فهو الجهل المطبِق، و العماية المطبِقة، أو الإعراض عن الله عز وجل.
 يا أيها الأخوة المؤمنون؛ هذه المصطلحات في القرآن الكريم دقيقة جداً، الكفر درجات، هناك الكفر البواح، وهناك كفر دون كفر، فمن أنكر رحمة الله عز وجل - حينما يرى ما سيجري من زلازل و براكين و حروب أهلية - فهو كافر برحمة الله، ومن أنكر عدله فهو كافر بعدله، ومن أنكر ألوهيته فهو كافر بألوهيته، ومن أنكر ربوبيته فهو كافر بربوبيته.
 أيها الأخوة الكرام ؛ المنافق في بعض الآيات، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 67]

 بل هذا الذي يظهر شيئاً و يخفي شيئاً يتوهَّم أن الله لا يراه، فهذا نوع من الكفر.
 يا أيها الأخوة الكرام، آية دقيقة جداً توضِّح هذا المعنى، قال تعالى:

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 53-54]

 معنى ذلك أنه ينافق، أنه عرف أن لهذا الكون خالقاً و لكن لأن هناك أشخاصاً يستطيعون أن يقدِّموا له شيئاً أو يحرمونه من شيء، عبدهم من دون الله وهو لا يشعر.
 يا أيها الأخوة الكرام؛ من غفل عن نعم الله فقد وقع في نوع من الكفر، مفهوم الكفر واسع جدًّا و ضيِّق جدًّا، كيف أن الشرك من عبد إلهاً غير الله فهو مشرك، الشرك الجلي، ومن اعتمد على جهة ظنَّ أنها تُسعده أو أنها تحميه فقد وقع في شرك خفيٍّ، و كيف أن الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 106]

 فالشرك بمعناه الواسع هو الشرك الخفي، و معناه الضيِّق هو أن يعبد الإنسان صنماً أو حجراً من دون الله عز وجل، وكذلك من أنكر وجود الله فهو كافر، كافر بالوجود، ومن أنكر كمالاته فهو كافر، كافر بكمال الله عز وجل، من أنكر بعض أسمائه فهو كافر، كافر ببعض أسمائه، من ردَّ آية و لم يعبأ بها و لم يرَ أن هذه الآية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان فهذا نوع من الكفر بكلامه، أو ببعض كلامه.
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ قضية الكفر و الإيمان قضية خطيرة جداً في حياة الإنسان، بل إن هذه المصطلحات الدقيقة التي وردت في القرآن الكريم يجب أن نقف عندها موقفاً متأنِّيا.

 

النفاق نوع من أنواع الكفر بالله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله عز وجل يقول مرة ثانية:

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 54]

 وكما قلت قبل قليل يُعدُّ النفاق نوعاً من أنواع الكفر الذي هو كفر دون كفر، و تأكيداً لهذا التقسيم القرآني الدقيق أن الناس مؤمن و كافر، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

[ سورة العلق: 9-10]

 أي أرأيت إلى أخلاقه؟ أنظرت إلى تصرفاته؟ أرأيت إلى أنانيته؟ إلى دناءته؟ إلى حرصه على شهواته؟ قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾

[ سورة العلق: 9-12]

 صنفان لا ثالث لهما: موصول و مقطوع، محسن و مسيء، مستقيم و منحرف، منصف و جاحد، مخلص و خائن، هكذا أيها الأخوة.

 

المؤمن الصادق لا يعبد إلا الله :

 نعود إلى قوله تعالى :

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

 إن لم تشعر أيها المؤمن بأنك متميِّز تميُّزاً صارخاً عن هؤلاء الشاردين المنحرفين فهناك خلل في الإيمان قال تعالى:

﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 2]

 الذي يعبده الكفار من دون الله المؤمن لا يعبده بالمفهوم الواسع.
 أيها الأخوة قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

 و لكن هنا جاء الفعل مضارعاً قال تعالى:

﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 2]

 كأن الله عز وجل ينفي عن المؤمنين أن يعبدوا ما يعبده الكفارُ، لو أن الكفار في العصور السابقة عبدوا الأصنام فالمؤمنون لا يعبدون الأصنام، لو أن الناس في عصور سابقة عبدوا شهواتهم فالمؤمن لا يعبد شهوته، قال عليه الصلاة السلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و أن الناس في عصور لاحقة كما قال تعالى:

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة:31]

 فالمؤمن الصادق لا يعبد إلا الله.

 

الآلهة التي تُعبد من دون الله لا تُعدُّ و لا تُحصى :

 يا أيها الأخوة الكرام؛ الآلهة التي تُعبد من دون الله لا تُعدُّ و لا تُحصى، بل إن الأهواء أصنامٌ تُعبد من دون الله، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ﴾

[سورة الفرقان: 43]

 الذي يعبد شهوته، و الذي يعبد مصلحته، والذي يعبد صنماً، و الذي يعبد حجراً، و الذي يعبد شمساً و قمراً، و الذي يعبد شخصاً، هذا كله عبادة ما أنزل الله بها من سلطان، الإنسان لله عز وجل، إذا قرأ المؤمن هذه الآية:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

 ليس شرطاً أن يقولها بلسانه، و لكن كلما رأى شخصاً منحرفاً خاضعاً لشخص، خاضعاً لشهوة، خاضعاً لأعراف بالية، خاضعاً لتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، خاضعاً لسطوة أقربائه الذين هم يمدُّونه بالمال، هذا الذي يخضع و يعصي الله عز وجل هو يعبد هؤلاء من دون أن يشعر قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

 لا أعبد أيَّ جهة تعبدونها، قديماً أو حديثاً، ظاهرة أو باطنة، صارخة أو خفية، معلنة أو غير معلنة، قال تعالى:

﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[سورة الكافرون: 2]

العباد نوعان عبيد قهر وعبيد شكر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كلكم يعلم أن العباد نوعان: عبيد قهر، وعبيد شكر، فعبد القهر هو الذي تتوقَّف حياته على إمداد الله له، تتوقف أجهزته على إمداد الله له، فهو مضطر إلى الهواء، و إلى الطعام، و إلى الشراب، و إلى شريكة الحياة، هذا عبد القهر، و يُجمع عبد القهر على عبيد، قال تعالى:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

[ سورة فصلت: 46]

 أما العبد الذي عرف الله، و عرف فقره إليه، وأدرك افتقاره إلى الله، و أدرك ضعفه، وأدرك جهله، فالتجأ إلى الله، و أقبل عليه، و انضوى تحت لواء المؤمنين، و عمل الأعمال الصالحة، هذا عبد أيضاً و لكنه عبد الشكر، و عبد الشكر يُجمع على عباد، قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان: 63 ]

 بل إن أعلى مرتبة ينالها الإنسان أن يكون عبداً لله، بل إن النبي عليه الصلاة و السلام خوطِب وهو في أعلى أحواله و أعلى مقاماته، خوطب بالعبودية، قال تعالى:

﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

[سورة الجن: 19]

 وقال تعالى:

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

[ سورة النجم: 8-17]

 أن تكون عبداً لله أنت أقوى الأقوياء، أن تكون عبداً لله فأنت أعلم العلماء، أن تكون عبداً لله فأنت أغنى الأغنياء، هذه العبودية لله، الاستلام له، و الخضوع لأمره، و محبَّته، هي أعلى مرتبة ينالها الإنسان على الإطلاق، بل إن بعض العلماء الكبار جزاهم الله خيراً عرَّفوا العبادة بأنها غاية الخضوع مع غاية الحب، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

أسباب نزول هذه السورة و معانيها :

1 ـ المؤمن لا يعبد ما يعبده غير المؤمن :

 أما إذا وقفنا عند أسباب نزول هذه السورة، فقد ورد في كتب التفاسير أن المشركين جاؤوا النبيَّ عليه الصلاة و السلام و قالوا له: يا محمد هلُمَّ نعبد ما تعبد، و تعبد ما نعبد؛ حل وسط، يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، و لتعبد ما نعبد، و نشترك نحن و أنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا شركناك فيه، و أخذنا بحظِّنا منه، و إن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا و أخذت بحظِّك منه، فقال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾

[سورة الكافرون: 1-6]

2 ـ تمايز المؤمن عن غير المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ المعنى الثاني أنك إذا جئت بقارورة ماء نظيفة طاهرة و خلطتها بقارورة ماء قذرة وسخة، من الذي يتضرَّر؟ القارورة النظيفة، لا بد من تمايز المؤمنين عن غير المؤمنين، أما الاحتفالات في مكان واحد، و الاختلاط واحد، وكشف العورات واحد، والغناء والطرب، و الغمز و اللمز، إذا اختلط المؤمنون مع غير المؤمنين خسر المؤمنون وحدهم، لأن القارورة القذرة لا تخسر شيئاً إذا خالطتها مع ماء نقيٍّ، لكن الماء النقي هو الذي يفسد وحده، فالمعنى الثاني لهذه السورة لا بد من التمايز، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي]

 لا ترتد أماكن يرتادها الفسقةُ و الفجار، هذا المكان ليس لك، هذا المكان لا يليق بك، هذا المكان يتناقض مع رسالتك، لا تكن مع الناس في كل أطوارهم و أحوالهم، الأنبياء عاشوا في برجٍ عاجيٍّ أخلاقي، كانوا مع الناس، كانوا يمشون في الأسواق، و لكنهم كانوا يترفَّ‍عون عن وحول البشر، لا بد من برج عاجي أخلاقي تعتصم به، مذموم أن تكون في برج عاجي فكري، لكنك محمود أن تكون في برج عاجي أخلاقي، بعيد عن سقطات البشر، بعيد عن وحل البشر، بعيد عن النفاق، بعيد عن الدجل، بعيد عن الخوف، بعيد عن التملُّق، بعيد عن الانحراف، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

 المعنى الثاني لا بد من أن تتمايز عنهم، لا يصحُّ أن يكون عرسُ أسرة مسلمة كعرس أسرة فاجرة، لا يصح، تقول النساء: يوم في العمر، هذا اليوم كشف هويتك، يجب أن يكون احتفال المؤمنين متمِّيزاً عن احتفال غير المؤمنين، في أفراحهم، وفي أتراحهم، وفي عقود قرانهم، وفي أعمالهم، و في تجارتهم، وفي كسب أموالهم، وفي بيوتهم، وفي تربية أولادهم، لا بد من التمايز، لا بد من البُعد، أما هذا الذي يندمج إلى قمة رأسه مع مجتمع الانحطاط، مجتمع الفجور، مجتمع الإباحية، فهذا ليس من الدين في شيء، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

[سورة المائدة: 51]

 وقال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 لا تستطيع أن تقيم أمر الله إلا إذا ابتعدتَ عن سقطات البشر، لا بد من أن تتمايز حتى في نزهاتك، لا ينبغي أن تكون مع الناس فيما يفعلون، و فيما يختلطون، و فيما يصغون إلى الغناء، وفيما ينظر بعضهم إلى بعض، و بعضهم يملأ عينه مما حرم الله، هذه مشكلة المؤمنين، عدم التمايز، لا بد من التمايز.

3 ـ المؤمن يعبد الله إخلاصاً و حباً أما غير المؤمن فيعبده كذباً و نفاقاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ معنى ثالث لهذه الآية، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

 أي طريقتي في العبادة غير طريقتكم، أنا أعبد مخلصاً، أنا أعبد متمسكاً، و لكنكم إن عبدتم أصنامكم تعبدونها تملُّقاً و كذباً و رياء و نفاقاً، أول معنى لا أعبد الذين تعبدون، المعنى الثاني: لا بد من أن نكون نحن في وادٍ وهم في واد، وكأنني وضعتُ يدي على مرض المسلمين، حينما يشاهد المسلم في بيته ما يشاهده غير المنضبط في بيته، ماذا فعلنا في بيوت المسلمين؟ حينما تُفتح النوافذ التي فُتحت لغير المؤمنين ماذا فعلنا في البيت؟ يقول أحد حكماء الهند كلمة رائعة، يقول: " أنا أفتح النوافذ كي أجدِّد هواء غرفتي، و لكن لا أسمح للنوافذ إذا فتحتها أن تأتيني برياح تقتلعني من جذوري " و حينما تُفتح بعضُ النوافذ بدعوى العصرنة، و بدعوى الحضارة، وبدعوى الاطِّلاع، قد تُفتح بعض النوافذ فتأتي منها رياحٌ تقتلعك من جذورك، و تبعدك عن دينك و عن تراث أمتك، وعن منهجك، و عن هدفك، المعنى الأول: لا أعبد الذين تعبدون، و المعنى الثاني لا بد من أن أكون متمايزاً عنهم قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 والمعنى الثالث أنا حينما أعبد الله أعبده عن علم، أعبده عن إخلاص، أعبده عن حب، أعبده عن إقبال، أما أنتم حينما تعبدون أصنامكم فتعبدونها نفاقاً و رياء و كذباً و دجلاً.

 

الفرق بين الآيتين الكريمتين لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 1-2]

 فما معنى قوله تعالى:

﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴾

[ سورة الكافرون: 4]

 ما الفرق بين الآيتين ؟

﴿ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة الكافرون: 2]

 هذه لنفي الفعل، أما :

﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴾

[ سورة الكافرون: 4]

 فهذه لنفي الصفة، لأن الفعل من خصائصه أنه يقع و ينقطع، بينما الاسم على الاستمرار و الثبات، فلان دخل، دخل وانتهى دخولُه وانقطع دخوله، أما فلان طويل، فهو طويل القامة، هذه جملة اسمية تفيد الثبات و الاستمرار، أحياناً تنفي الحدث عن الرجل، و أحياناً تنفي الشأن، ونفي الشأن أبلغ من نفي الحدث، أي أنا لا أعبد ما تعبدون، و ما أنا عابد ما عبدتم، أي ليس من شأني، و لا من طبيعتي، و لا من عقيدتي، و لا من وجداني، و لا من جبلتي، و لا أرضى، و لا أتمنى، و لا أقبل، و لا أقر، هذا المعنى الثاني، لا أعبد ما تعبدون، الآية الثالثة، قال تعالى:

﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴾

[ سورة الكافرون: 4]

 هذا المعنى الثالث أيها الأخوة.

 

الاستمرار هو أعظم ما في هذا الدين :

 أما المعنى الرابع الآن، ومهما حاولتم، و مهما اجتهدتم، ومهما تكلمتم، و مهما تفاصحتم، ومهما أغرقتموني بالحجج الواهية، ومهما ضغطتم عليّ، ومهما أغريتموني، لن أعبد آلهتكم في المستقبل، هذه على التأبيد، أعظم ما في هذا الدين الاستمرار، الآن لا أعبد ما تعبدون، و إياكم أن تطمعوا في المستقبل أن أعبد ما تعبدون، أغلب الناس إذا رأوا شاباً متديناً، يقولون: سنتان و يملُّ بعدئذ، إياكم أن تطمعوا أن نرجع عما نحن فيه، نحن في ازدياد إن شاء الله، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾

[سورة الكافرون: 1-4]

 في المستقبل. أربعة معانٍ مستفادة من قوله تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾

[سورة الكافرون: 1-4]

من يعبد شهوته من دون الله فلن يستجيب للهداية أبداً :

 أيها الأخوة الكرام؛ أما هم حينما يعبدون شهوتهم من دون الله، و حينما يصرُّون على انحرافهم، وحينما ينتفعون بكفرهم انتفاعاً مادياً، فهؤلاء لا يعبدون الله عز وجل، ما لم يتحرَّروا من ضغوط المادة ما دامت المادة مبلغ علمهم، و منتهى طموحهم، وحريصون عليها حرصهم على وجودهم لا يمكن أن يعبدوا ما أعبد، أي أيها المؤمن لا تطمع في إنسان مقيم على شهوته أن يستجيب لك، لا تطمع في إنسان مصرٍّ على مصلحته المنحرفة أن يستجيب لك، قال تعالى:

﴿َ فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص:50]

 هذا النفي عنهم أن يعبدوا الله ليس نفيَ جبر لكنه نفي قواعد و قوانين، أي إنسان يتَّجه نحو درعا لا يمكن أن يصل إلى حلب، هذا المعنى ليس نفي جبر، و لكنه نفي قوانين، حلب في الشمال و درعا في الجنوب، فإذا اتَّجه إلى الجنوب لن يصل إلى الشمال، ما دام مصرًّا على شهوته، مقيماً على معاصيه، حريصاً على المادة، و يعبد هواه من دون الله، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾

[سورة الكافرون: 1-5]

المؤمن قلبه رحيم و هدفه نبيل و منهجه سليم :

 الملخَّص :

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾

[سورة الكافرون: 6]

 لذلك المؤمن أيها الأخوة له أهداف في الحياة، له مناهج، وله قيم، و له أخلاق، وله تصرفات، وله شعور يملأ قلبه، قلبه رحيم، هدفه نبيل، منهجه سليم، هذا هو المؤمن، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18]

 وقال تعالى:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾

[سورة القلم: 35]

 و قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص:61]

 أيها الأخوة الكرام، هذه المعاني الأربعة في سورة الكافرون يجب أن يتمثَّلها المؤمن، هو لا يعبد ما يعبده الكافرون، و لا يختلط معهم فتفسد صفاته، و لا يعبد الله كما يعبد الكافرون أصنامهم نفاقاً و رياء و جهلاً، و المعنى الرابع أنه استقر على هذا التوحيد و لن يزيحه عنه أيُّ شيء، المؤمن الصادق لا تثنيه سبائكُ الذهب اللامعة، و لا سياط الجلادين اللاذعة عما هو فيه، وهذه قوة المؤمن، إيمان لا يلين، قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا كذا وكذا، فابقّ عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيما يبدو أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه.

من عصى الله عز وجل فالطريق إلى الله ليس سالكاً :

 أيها الأخوة الكرام، يقول الله جل جلاله:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 هذه الآية تبيِّن الشرك الخفي، إذا كانت هذه الأشياء المحبَّبة أغلى عليك من الله عز وجل، حرصاً عليها تعصي الله، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، قال تعالى:

﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

تدبر السور القصيرة تجديد عهد مع الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه السور القصيرة يقرؤها معظمُ الناس في صلواتهم، فلو وقفوا عندها متأنِّين في فهمها، متدبِّرين في تفاصيل آياتها، لكانت هذه المعاني تردهم وهم يقرؤونها في الصلاة، إنه تجديد عهد مع الله عز وجل، إنها تزيد المؤمن إيماناً، و تنبِّه الشارد، وتوقظ النائم، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾

[سورة الكافرون: 1-6]

مصاحبة المؤمنين و الابتعاد عن المتفلتين :

 أيها الأخوة ؛ ليس شرطاً أن تلتقي بإنسان شارد من الطرف الآخر تقول له: أنت كافر، ليس هذا من الحكمة إطلاقاً، لكن قل هذا لنفسك، انج بنفسك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة المائدة: 105]

 أي إياك أن تسمح لأهلك، أولادك أو بناتك أن يختلطوا بأناس شاردين متفلِّتين، عندئذ تنتقل العدوى إليك، و إلى أولادك، و إلى بناتك، و إلى زوجتك، هذه آية التمايز :

(( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[ الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

 أما علاقات العمل فمستثناة، علاقات العمل محدودة، القصد ألا تقيم علاقة حميمة مع طرف آخر،عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[ الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

 الشراكة الاندماجية علاقة حميمة، نزهة طويلة علاقة حميمة، سهرة مديدة علاقة حميمة، أما علاقات العمل فلا شيء فيها، و لا حرج منها ما دامت في حدود العمل، و في حدود الواجب، ليس القصد أن نملأ الدنيا صياحاً و ضجيجاً و لكن القصد أن نسلم بأهلنا و ديننا و أولادنا.
 أيها الأخوة الكرام هذه السور القصيرة سور محكمة سهلٌ حفظها، ومن السهل أيضاً أن نضع أيدينا على دقائقها، و أن نسترجع هذه الدقائق كلما تُليت علينا.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018