الخطبة : 0718 - الصبر عن المعصية - فوائد العسل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0718 - الصبر عن المعصية - فوائد العسل.


1999-09-25

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الصبر عن المعصية :

 أيها الأخوة المؤمنون، الإنسان هو المخلوق الأول، ولقد خلقه الله لجنة عرضها السموات والأرض، لكن ثمن هذه الجنة يجب أن يدفعه الإنسان، وثمن الجنة الصبر، وينطلق هذا من قوله تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات: 40 ـ 41]

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل: 32]

 أيها الأخوة الكرام، الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر، وهذا الموضوع موضوع طويل جداً، نجتزئ منه موضوعاً محدداً. الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على قضاء الله وقدره.
 نكتفي بهذه الخطبة بموضوع محدد هو الصبر عن المعصية، لو سألنا مؤمناً متفوقاً، لو سألنا مؤمناً موصولاً بالله عز وجل، لو سألنا مؤمناً له باع طويل في معرفة الله، لماذا تصبر عن معصية الله ؟

 

أسباب بعد العبد عن المعصية :

1 ـ علم العبد بقبحها و دناءتها :

 أيها الأخوة الكرام، الذي يدعو العبد ليصبر عن معصية الله علمه بقبحها، وعلمه بدناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانةً وحماية عن الدنايا والرذائل، هذا الذي يرى المعصية مغنماً أعمى، أما حينما ترى المعصية دناءة، وقبحاً، ورذيلةً، وانحرافاً، وخيانةً، وعدواناً، فأنت على إيمانٍ والحمد لله. فأحد أسباب أن المرء المؤمن يدع المعصية هو العلم بدناءتها، وعلمه بقبحها، وعلمه بأنها انحراف، وعلمه بأنها عدوان، إن عدوانٌ على النفس، أو عدوان على الآخرين، وكيف أن الوالد الشفيق يحمي ولده من مراتع الهلكة، فإن الله الرحيم يحمي عباده من الدنايا والقبائح من أجل ذلك حرم عليهم المعاصي.
 يا أيها الأخوة الكرام، هذا ينقلنا إلى أن العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، فكل معصية فيها بذور نتائجها، التحريم أساسه صون الإنسان عن الشقاء في الدنيا والآخرة، هذا سبب من أسباب صبر الإنسان عن المعصية لعلمه بدناءتها، وقبحها، وأنها انحراف، وأنها عدوان، وأنها طغيان، وأنها لا تليق بالنفس الإنسانية الكريمة.

2 ـ الحياء من الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، السبب الثاني لبعد العبد عن المعصية هو حياؤه من الله سبحانه وتعالى، فإن العبد متى علم بأن الله ناظر إليه، رقيب عليه، له بالمرصاد، مطلع عليه، لا تخفى عليه خافية، علمك بأن الله يعلم، وعلمك بأن الله يراقبك، وعلمك بأن الله ينظر إليك، وعلمك بأنك معه، هذا يستوجب أن تبتعد عن المعصية.
 أيها الأخوة الكرام، لو دخل ضيف وقور إلى بيت أحدكم، يرتدي أحسن ثيابه، يضبط كلامه، يجلس جلسة مؤدبة، ينتقي أجمل الكلمات، أدق العبارات، أحلى التصرفات، هذا لأنه علم أنه هو في حضرة رجل كبير، رجل محترم. فحينما توقن أن الله ناظر إليك، وأنه معك، وهو معكم أينما كنتم يختلف الأمر، فهذا سبب آخر من أسباب صبر الإنسان عن معصية الله، الحياء من الله عز وجل، واليقين بأن الله يراقبه.

3 ـ مراعاة نعم الله عز وجل :

 شيء آخر أيها الأخوة، أحد أسباب بعد المؤمن عن معصية الله وصبره عنها هو مراعاة نعم الله عز وجل، وإحسان الله إليك، فإن الذنوب تزيل النعم، فما أذنب عبد ذنباً إلا زالت عنه نعمة من الله، بحسب ذلك الذنب، فإن تاب ورجع رجعت إليه، وإن أصرّ لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعم الله عز وجل حتى تسلب منه النعم كلها، ومن أبرزها نعمة الإيمان، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 حينما وصل المسلمون إلى بلاد الأندلس، وأرادوا نشر كلمة الله هناك، كانوا أقوى أمة، فلما التفتوا إلى القياني، والجواري، والخمور خرجوا من الأندلس، ما الذي أزال عنهم نعمة الفتوحات ونعمة القوة ونعمة الهيمنة؟ المعاصي التي وقعوا فيها.
 السبب الثالث الذي يحمل المؤمن على ترك المعصية هو يقينه أن كل معصية تزيل نعمة من نعم الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، قال بعض السلف: أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل سنة، وقيام الليل نعمة، لا تعصه في النهار، يوقظك في الليل.

شكوت إلى وكيع سوء حفظي  فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلـــــــــــــــــــم نــــور  ونور الله لا يهدى لعـــاصي
***

 وقال آخر: أذنبت ذنباً فحرمت فهم القرآن، وقيل: إذا كنت في نعمة فارعها، فإن المعاصي تزيل النعم.
 أيها الأخوة الكرام، ملخص الفقرة الثالثة من هذه الخطبة أن المعاصي نار تأكل النعم كما تأكل النار الحطب، نعوذ بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته وجميع سخطه، إذا كنت في نعمة فحافظ عليها بالطاعة :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 إن أردت الحفاظ على نعمة الصحة، ونعمة الأمن، ونعمة راحة البال، ونعمة الزواج السعيد، ونعمة الأولاد الأبرار، فاتق الله.

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾

[سورة طه: 132]

 هذا السبب الثالث، الحفاظ على النعمة، الأول علم العبد بدناءة المعصية، والثاني الحياء من الله عز وجل، والثالث يقين العبد أن كل معصية تزيل نعمة من نعم الله في الدنيا أو في الآخرة.

 

4 ـ اليقين بأن لكل معصية عقاباً :

 السبب الرابع: يقين العبد أن لكل معصية عقاباً، إن الله يمهل ولا يهمل، لذلك خوف الله، وخشية عقابه، وهذا يثبت بالإيمان القوي، وتصديق وعد الله ووعيده، من خلال كتاب الله وسنته، هذا السبب يقوى بالعلم واليقين، ويضعف بضعف العلم واليقين، لذلك قال الله عز وجل:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر: 28]

 حينما تعلم أن هذه المعصية لابد من أن تحاسب عليها، ولابد من أن تعاقب عليها، كيف أنك إن كنت تركب مركبة، ووقفت على إشارة حمراء ورأيت شرطياً متربصاً بك، ورأيت راكب دراجة قد يتبعك، وأنك إنسان لا تقوى على ردّ عقوبة هذه المخالفة، كيف أنك تنضبط كذلك المؤمن ينضبط ليقينه بأن علم الله يطوله، وقدرته تطوله.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[سورة الطلاق: 12]

 علمه يطولك، وقدرته تطولك، والله الذي لا إله إلا هو، أربع كلمات لو أيقنت بهن لا يمكن أن تعصي الله، إذا أيقنت بوجوده، وأيقنت بعلمه، وأيقنت بمحاسبته، وأيقنت بعقابه في الدنيا والآخرة لا يمكن. السبب الرابع: خوف عقاب الله، وخشية نقمته، فلذلك المؤمن بدافع الخوف يستقيم على أمر الله، وبدافع الخجل والحياء من الله يستقيم على أمر الله، وبدافع علمه بدناءة المعصية يستقيم على أمر الله.

 

5 ـ محبة العبد لله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، لكن هذا الكون أساسه المحبوبية، يحبهم ويحبونه، الله عز وجل يقول:

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[ سورة هود: 119 ]

 خلقهم ليرحمهم، أحبك قبل أن تحبه، أنعم عليك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فلذلك قال بعض العلماء: السبب الخامس الذي يحملك على ترك المعصية محبتك لله عز وجل، وهو أقوى الأسباب في الصبر عن معاصيه.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه  إن المحب لمن يحب يطيــــع
***

 أيها الأخوة الكرام، كلما قوي سلطان المحبة في القلب كانت الطاعة أشدّ، وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة، وضعف سلطانها، وفرق بين من يترك المعصية لسيده خوف سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده، يقول عمر رضي الله عنه:" نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه"، أي لو لم يخف الله عز وجل لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه عن المعصية، فمحبة الله عز وجل أحد أكبر الأسباب التي تحمل العبد على ترك معصية الله.

 

المحبة إن لم تقترن بالإجلال والتعظيم لا تحمل على الطاعة :

 ولكن أيها الأخوة لابد من تنويه خطير في هذا البند بالذات وهو أن المحبة إن لم تقترن بالإجلال والتعظيم لا تحمل على الطاعة، قد تحب إنساناً لا تراه قوياً، قد تحب إنساناً لا تراه متفوقاً، قد يحب الإنسان أقرب الناس إليه، ومع ذلك يعصيه، لابد من أن تقترن المحبة بالإجلال والتعظيم، من هنا كان قوله تعالى يحدثنا عن أهل الكفر:

﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 33]

 عدم الإيمان متعلق بالله العظيم، آمن بالله خالقاً ولم يؤمن به عظيماً، ولم يؤمن به مسيراً، ولم يؤمن بوعده ووعيده، كيف أن الله عز وجل حينما قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 41]

 الأمر ينصب لا على الذكر فحسب بل على الذكر الكثير وهنا الآية:

﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 33]

 أيها الأخوة الكرام، السبب الخامس الذي يحمل الإنسان على ترك معصية الله إنه شرف النفس، والشرف معوان، وفضلها، وأنفتها، وحميتها من أن تختار سبب دناءتها، وسبب انخفاضها، وسبب وقوعها بالحرج.
 أذكر مرةً أنني قرأت استبياناً اجتماعياً، سألوا به ألف زوج لماذا لا تخون زوجتك؟ فجاءت الأجوبة منوعة، وقد رتبت ترتيباً أخلاقياً أدنى رتبة من هذه الأجوبة إنه لا يستطيع أن يخونها لأنه يعمل معها وتعمل معه في حقل واحد، هذا أدنى الأجوبة أخلاقياً، الجواب الأرقى هو أنني لا أقوى على تحمل الخيانة، الخيانة ضغط نفسي داخلي، لا أقوى على تحمل الشعور بالذنب، الجواب الأرقى هو أنني لا أحب الخيانة، فالإنسان منزه عن الخيانة، والإنسان لا يحتمل تعذيب نفسه داخلياً من إحساسه بالذنب، والإنسان لا يستطيع أن يعصي ولو أتيح له لعصى.
 فيا أيها الأخوة الكرام، السبب الخامس: شرف النفس، وفضلها، وأنفتها، وحميتها أن تختار الأسباب التي تضع من مكانتها، وتحط من قدرها، وتخفض منزلتها، وتحتقرها، قد ينضبط الإنسان مثلاً بالنظام المدني بقوانين السير، نسأله: لماذا؟ يقول: لا أحب أن أتضعضع أمام شرطي، لا أحب أن أعتذر أمام شرطي، لي نفس كريمة تأبى أن تخضع إلى لوم، أو عقاب، فكلما شرفت النفس أبت أن تكون في موضع صعب، لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما ورد عنه: " إياك وما يعتذر منه" اعمل عملاً لا تضطر أن تعتذر، أتقن عملك.

 

6 ـ قوة العلم بسوء العاقبة وقبح أثر المعصية والضرر الناشئ عنها :

 أيها الأخوة الكرام، وأما السبب السادس لصبر الإنسان عن معصية الله قوة العلم بسوء العاقبة، وقبح أثر المعصية، والضرر الناشئ عنها من سواد الوجه- المستقيم له وجه متألق- وظلمة القلب، وضيق القلب، وحزنه، وألمه، وشدة قلقه، واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريته من زينته، والحيرة من أمره، وتخلي وليه عنه، والولي هو الله عز وجل، الإنسان حينما يعصي يتخلى الله عنه، كان الطائع تحت مظلة الرحمة، تحت مظلة التأييد، تحت مظلة النصر، تحت مظلة الحفظ، تحت مظلة التوفيق، فلما عصى الله عز وجل تخلى وليه عنه، وتولى عدوه المبين بشؤونه كلها، وهو الشيطان، وتوارى عنه علمه الذي كان مستعداً له، ونسي ما كان حاصلاً منه، قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية، فالذنوب أيها الأخوة تميت القلوب، ومن عواقب المعصية ذلة بعد عزة، يصبح أسير أعدائه، وأسير شهواته، ويضعف تأثيره، فلا يبقى له نفوذ في رعيته، في أعضائه وجوارحه، ومنها زوال الأمن عن قلبه وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءةً، ومن هذه العواقب الوخيمة زوال الأنس وأن يحل محلها الوحشة، وكلما ازداد إساءةً ازداد وحشةً، وهناك ضيق بالعاصي، ضيق نفسي، لو وزع على أهل بلد لأشقاه، ضيق داخلي، ومنها زوال الرضى، واستبداله بالسخط، دائماً يتسخط، لا يعجبه شيء، لا يرضى عن شيء، يكاد يخرج من جلده من ضيق ذات نفسه، ومنها زوال الطمأنينة بالله، والسكون إليه، والإيواء عنده، و يحل محلها الطرد من رحمة الله والبعد عنه، ومن هذه العواقب الوخيمة أن يقع في بئر الحسرات، دائماً هناك حسرة محرقة، فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذةً نازعته نفسه إلى نظيرها، إن لم يقض منها وطراً، أو إلى غيرها، انقضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه، وعرف عجزه، اشتدت حسرته، حسرة مع قلق، مع خوف، مع فزع، مع شقاء، هذه ثمار المعاصي.
 يا أيها الأخوة الكرام، فيا لها ناراً قد عذب بها القلب في هذه الدار، قبل نار الآخرة، كما أن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الله، إنها جنة القرب، وفي الدنيا نار حسرات يعيشها أهل المعصية والفجور.

نتائج أخرى للمعصية :

 ومن هذه النتائج الوخيمة، الفقر بعد الغنى، كان غنياً بالله فأصبح فقيراً إلى كل شيء.
 أيها الأخوة الكرام، هذا الذي يقع في المعصية يشتد ندمه، وقد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف بدنه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة، الطائع له مهابة، وله حلاوة، ويستبدل بها المهانة والحقارة، ومنها حصول البغض، والنفرة من قلوب الخلق، إذا أحبّ الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، وإذا علم الله من عبده معصية ألقى بغضه في قلوب الخلق، ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأعلاها، وهو الوقت الذي أمضاه في معصية الله، والوقت لا يسترجع، شيء ثمين جداً هو رأس مالك، بل هو أثمن ما تملكه، بل هو أنت، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، هذا الوقت الذي يستهلك في المعصية لا يعوض، ومنها طمع العدو والظفر به، طمع العدو، أي حينما تزل قدم المؤمن يطمع الشيطان في معصية أخرى، ومعصية أخرى، لذلك من ترك السنن كان للفرائض أترك، إقامة السنن حصنٌ للفرائض، إذا أقمت السنن لا يطمع العدو أن تدع الفرائض.
 أيها الأخوة الكرام، ومنها ظلمة القلب، فإذا عصى العبد ربه نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تراكمت هذه النقاط السود كان الران على القلب، قال تعالى:

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 14]

 ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة، ثم إن المعصية تبقيك في الدنيا، أما الطاعة فتأخذك إلى الآخرة، تعيش في وعد الله عز وجل.

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61 ]

 ومن هذه النتائج الوخيمة للمعصية: إعراض الله وملائكته وعباده عن هذا العاصي، فالعبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بالمعاصي أعرض الله عنه، فأعرضت عنه الملائكة والعباد.
 ومنها أن كل ذنب يستدعي ذنباً آخر، ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ذنباً ثالثاً، ثم تجتمع الثلاثة فيستدعي ذنباً رابعاً، هلم جرًّا، حتى يصل الإنسان إلى أعماق الوادي، صخرة على رأس الجبل، متمكنة مستقرة، إن أنت دفعتها لن تستقر إلا في أعماق الوادي، فكل ذنب يجر إلى ذنب آخر، وكل معصية تستدعي معصية أخرى، وهكذا. وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة، السيئة بعدها. ومنها أن العاصي يعلم بفوات ما هو أحبّ إليه، وخير له منها من جنسها وغير جنسها، أي إذا أعرض الإنسان من أن يملأ عينيه من محاسن النساء حراماً متعه الله بالحور العين، وقد قال أحد أصحاب رسول الله لزوجته: والله لئن أضحي بك من أجلهن، أهون من أن أضحي بهن من أجلك.
 أيها الأخوة الكرام، ومنها أن العبد يستعجل لذائذ الدنيا، ويفوت سعادة الآخرة، قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾

[ سورة الأحقاف: 20]

 يا أيها الأخوة الكرام، الحديث عن المعاصي لا ينتهي، الحديث عن أن المعصية شر كلها حديث لا ينتهي.
 يا أيها الأخوة، المعصية تمحق البركة، تمحق بركة كل شيء، إن كنت في طاعة يبارك الله لك في زوجتك، وفي أولادك، وفي حرفتك، وفي دخلك، وفي مالك، فإذا دخلت المعصية انمحقت البركة من كل شيء، لذلك الخير كله بحذافيره في طاعة الله عز وجل، والشر كله بحذافيره في معصية الله عز وجل.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71]

7 ـ قصر الأمل :

 السبب السابع الذي يحمل العبد كي يصبر عن المعصية هو قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، فهو كمسافر دخل قرية، وهو يريد الخروج منها عن قريب، أو كراكب جلس في ظل شجرة، ثم سار وتركها فهو لعلمه بقلة مقامه، وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله، ويضره ولا ينفعه، أيام معدودة، سنوات، بهذه السنوات قد يحمل الكافر عبئاً يشقيه إلى الأبد، الدنيا قصيرة جداً، ما دامت قصيرة.

الدنيا ساعة اجعلها طاعة  والنفس طماعة عودها القناعة
***

8 ـ مجانبة الفضول في كل شيء :

 أيها الأخوة الكرام، وأن الطائع أيضاً يحمله على طاعة الله مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس.

9 ـ ثبات شجرة الإيمان في القلب :

 آخر سبب: يحمل العبد على طاعة الله هو ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما لزمت الطاعة قوي إيمانك، وكلما انحرف الإنسان قليلاً ضعف إيمانه، هناك ترابط بين الإيمان وبين الطاعة.
 أيها الأخوة الكرام حقيقة أخيرة: من ظنّ أنه يقوى على ترك المعاصي من دون الإيمان الراسخ فقد أخطأ خطأ جسيماً، من لوازم طاعة الرحمن قوة الإيمان، فحينما يضعف الإيمان تضعف الطاعة، وحينما تكون المعصية يضعف الإيمان، علاقة ترابطية بين الإيمان والطاعة.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فوائد العسل :

 أيها الأخوة الكرام، بعد أبحاث ودراسات استمرت على مدار سنوات، توصل عالم هولندي مع أستاذ آخر في الجامعة إلى كشف مئتي مادة وعنصر هام في عسل النحل، لكل منها خصائص ذات قيمة غذائية ودوائية عالية، لكل عنصر من هذه العناصر خصائص ذات قيمة غذائية ودوائية عالية، في مقدمة هذه الآثار الطيبة علاج آلام المعدة، ولاسيما تزايد نسب الأحماض، ومقاومة أنواع خاصة من البكتريا والميكروبات، وطوال هذه السنوات الثماني توصل الباحثان إلى نوع من الألياف الغذائية يكتشفان وجودها في عسل النحل، فما كان من أستاذ علم البيولوجيا إلا إعلان النص الحرفي دون أن يشعر إلى ما جاء فيه القرآن الكريم قال: فيه شفاء للناس طبعاً هو غير مسلم، لكن الحقيقة كانت صارخة أمامه، مئتا عنصر غذائي وقائي، لكل عنصر فوائد لا تحصى.
 أيها الأخوة الكرام، هذا العالم الهولندي يؤكد أن سبعمئة مليون كلدر تنفق على أدوية للجهاز الهضمي، وبالذات لمكافحة حموضة المعدة، بينما لعقة عسل كل يوم تشفي من هذه الحرقة التي تسبب آلاماً كبيرة عند المصابين بها.
 ثم إن هناك بحثاً عن أن العسل يزيد في التئام الجروح، أعرف جراحاً هنا في الشام، جراح كبير بعد أن تنتهي العملية يضع خيطاً من العسل فوق الجرح، كي يسرع التئام الجرح.
 أيها الأخوة الكرام، ألا يكفينا أن الله عز وجل يقول: " فيه شفاء للناس" لعقة تخفف عن الإنسان آلاماً كثيرة، وأوجاعاً كثيرة، وتعطي قوة وحيوية، هو في غنى عن أدوية كيماوية تضر أكثر مما تنفع.
 أيها الأخوة الكرام، كلما تقدم العلم اقترب من القرآن، الأصل هو القرآن، الأصل هو كلام الواحد الديان، الأصل كلام خالق الكون، الأصل كلام الخبير، الأصل كلام الخالق، فإذا تقدم العلم اقترب من حقائق القرآن، وحينما تتطابق حقائق العلم مع حقائق القرآن نعطي العلم شهادة تفوق، أما الدين فهو الأصل، لكن بعض المسلمين ويا للأسف الشديد حينما يجدون في القرآن آية تقترب بهم من العلم يفرحون، هم يتوهمون أن العلم هو الأصل، هذا علم تجريبي، فيه صواب وفيه خطأ، كم من نظرية ثبت بطلانها؟؟ مركز الأرض كان يظن كتلة ملتهبة، فإذا هو مائع، كل حقبة من الزمن تأتي نظرية تغير النظرية السابقة، حينما ذهبوا إلى القمر، وأخذوا بعضاً من ترابه، انتقدت نظرية أن القمر والأرض كانا معاً، بنية تربة القمر غير بنية تربة الأرض، فكلما تقدم العلم كشف الحقائق، أما الأصل فهو القرآن، لكن بعض المستغربين عندهم الأصل هو العلم الغربي، فإذا اقترب القرآن من العلم الغربي فرحوا، نحن نفرح بالعلم إذا اقترب من حقائق القرآن، الله عز وجل يقول:

﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة النحل : 69]

 هذا العالم الهولندي دون أن يشعر قال: فيه شفاء للناس، اكتشف مئتي مادة فعالة علاجية وغذائية في هذا العسل، ومبلغ ضخم فلكي ينفق على أدوية مكافحة حموضة المعدة مع أن لعقة عسل واحدة تشفي من هذا المرض المتعب.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين، صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، يا رب العالمين بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018