الخطبة : 0717 - خواطر إيمانية حول سورة التكاثر - الغنى. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0717 - خواطر إيمانية حول سورة التكاثر - الغنى.


1999-09-17

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الدنيا دار التواء لا دار استواء :

 أيها الأخوة الكرام، في الخطبة السابقة، بينت لكم بفضل الله عز وجل وتوفيقه أن الفقر إلى الله عز وجل هو عين الغنى، فأفقر الناس إلى الله أغناهم به، وأذّلهم له أعزهم، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، ربنا جل جلاله يقول:

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيم﴾

[ سورة التكاثر : 1-8 ]

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾

 التكاثر جمع حطام الدنيا، أما كلمة ألهاكم فتفيد أن الإنسان انشغل بالخسيس عن النفيس، هذه هي حقيقة اللهو، لو أن إنساناً غاص البحر وتجشم المشاق، وعرضَّ نفسه للأخطار، فلما وصل إلى القاع أخذ الأصداف وترك اللآلئ، والأصداف ليست بشيء إذا قيست باللآلئ. إنسان جاء إلى الدنيا وتحمل من مشاق الحياة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

[ سورة الانشقاق: 6]

 طبيعة الحياة طبيعة شاقة، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي. فالله جل جلاله يذكر هؤلاء الذين حرصوا على جمع الأموال من أي سبيل كان، حرصوا على الانغماس في المتع، قال تعالى:

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر﴾

[ سورة التكاثر : 1]

 لقد اشتغلتم بالخسيس عن النفيس، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

 إذا كان خالق السموات والأرض يقول لهؤلاء الناس:

﴿فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

 ومن شدة رحمته جل جلاله:

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾

[ سورة التوبة: 39]

 فإن أصررتم:

﴿ويستبدل قوماً غيركم﴾

[ سورة التوبة: 39]

 أيها الأخوة الكرام، حينما ينشغل الإنسان بالخسيس عن النفيس فقد وقع في اللهو، ضيع عمره سدى.

 

الزمن أثمن شيء يملكه الإنسان فإن فقده فقد الدنيا بأكملها :

 أيها الأخوة، أثمن شيء تملكه هو الزمن، بل أنت في حقيقتك زمن فإذا أنفقت هذا الزمن فيما لم تُخلق له كانت الحسرة والندامة يوم القيامة.

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر﴾

[ سورة التكاثر : 1]

 الإنسان أحياناً يتجاوز همّ تأمين رزقه إلى همّ الجمع، قال تعالى:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 32]

 هذه الرحمة التي وعد الله بها المؤمنين، والتي يسعدون بها إلى أبد الآبدين:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 32]

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر﴾

  ماذا بعد التكاثر؟ ماذا بعد أن تكون من أكبر أغنياء العالم؟ ماذا بعد أن تكون في أعلى المراتب الاجتماعية قدراً؟ ماذا بعد أن تكون ممن يحمل أعلى شهادة في الأرض؟ ماذا بعد التكاثر؟ ماذا بعد طلب الدنيا؟ ماذا بعد بلوغ قمم النجاح فيها؟ ماذا بعد تحصيل ما فيها من شهوات؟.. ماذا؟. كلمة ثم ماذا تقطع القلب.. ماذا بعد التكاثر؟ قال: حتى زرتم المقابر.. ماذا بعد التكاثر إلا فقد الدنيا بأكملها.
 أيها الأخوة الكرام، قديماً قالوا: لا تضع البيض كله في سلة واحدة، من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه فهو يقامر؛ لأن كل هذه الدنيا منوطة بأشياء بسيطة جداً، منوطة بقطر شريان القلب التاجي، منوطة بتكاثر الخلايا، فلو انفلت هذا التكاثر من نظامه انتهت الحياة. منوطة بسيولة الدم، شيء صغير ينقل الإنسان من شخص إلى خبر، من كيان إلى حديث.
 يا أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ أحمد و الترمذي عن أبي هريرة]

العاقل من وقف وقفة متأنية مع نفسه قبل انشغالها بمشاغل الدنيا :

 يا أيها الأخوة الأحباب، لابد من جلسة تأمل مع الذات، لابد من وقفة متأنية في زحمة الحياة، لابد من أن تنتزع نفسك من مشاغل الدنيا، ومتاعبها، وهمومها، لابد من أن تخرج من وحل البشر لساعات معدودات، وتتأمل من أنت؟ لماذا أنت في الدنيا؟ من أين جئت؟ وإلى أين المصير؟ ولماذا؟.. هذه أسئلة كبرى يجب أن تجيب عليها، إنك إن أجبت عليها صححت مسارك وأصلحت عملك، ونلت خيري الدنيا والآخرة.

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر﴾

  اشتغلتم بالخسيس عن النفيس، كان عليه الصلاة والسلام يقول:

((...ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ..))

[ رزين عن نافع مولى ابن عمر]

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ﴾

[ سورة التكاثر : 1-2]

 وقد استنبط علماء التفسير من كلمة زرتم أن الإنسان في القبر إقامته محدودة، وهذه حياة البرزخ، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة غافر: 46]

 فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.

 

الموت نهاية كل حيّ والعاقل من يفكر فيما بعد الموت :

 من منا يستطيع أن يقول: أنا لن أموت؟ من؟ لا يقول هذا إلا مجنون، مادام الموت نهاية كل حي فلابد أن تفكر فيما بعد الموت، ماذا ينتظر الإنسان بعد الموت؟.. هذه السورة ـ أيها الأخوة ـ على قصرها:

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ﴾

[ سورة التكاثر : 1-2]

 فالذي جمعه الإنسان في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة، حاجاته الشخصية، صندوقه الخاص، الأشياء الثمينة التي بحوزته، الأموال المنقولة وغير المنقولة، هذه يخسرها في ثانية واحدة إلا من استخدم الدنيا للآخرة، إلا من استخدم المال ابتغاء مرضاة الله، إلا من استخدم صحته في الأعمال الصالحة، إلا من استخدم وقته في نيل مرضاة الله عز وجل:

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ﴾

[ سورة التكاثر : 1-2]

 أليست هذه قصة الإنسان؟ يولد فيضحك كل من حوله وهو يبكي وحده، ينتقل من حالة إلى حالة، إلى أن ينظر، إلى أن يمشي، إلى أن تظهر أسنانه، إلى أن يدخل مدرسة الحضانة، إلى أن يدخل الابتدائي، نال أول شهادة، ثاني شهادة، ثالث شهادة، رابع شهادة، ثم يبحث عن زوجة، ثم يبحث عن عمل، ثم يبحث عن بيت، ثم يهتم بإنجاب الأولاد، ثم يهمه تزويج الأولاد، ثم يهتم بصحته، ثم يأتيه أجله. هذه قصة الإنسان إلا المؤمن.

 

كل شيء في الدنيا حيادي يوظف للخير و الشر :

 يا أيها الأخوة الأكارم، من نافلة القول أن أقول لكم: السعادة- سأسميها سعادة تجاوزاً - التي يسعى إليها الناس، أي اللذائذ المادية، أي المسرات التي تأتيهم من الخارج لا تنبع من الداخل، هذه لن تتوفر لإنسان، لماذا؟ لأن الإنسان في بداياته يفتقد المال، الصحة جيدة، والوقت طويل، لكنه يفتقد المال، وفي أواسط حياته يفتقد الوقت، الصحة موجودة، والمال موجود لكن الوقت ضيق، وفي نهاية حياته يجد الوقت، ويجد المال لكنه لا يجد الصحة. فمن أراد الدنيا لذاتها لن تحقق هذه الأمنية، أما من أرادها أداة بيده لكسب رضوان الله عز وجل فله ذلك.
 أيها الأخوة، بالمناسبة كل شيء في الدنيا حيادي، يمكن أن يوظف في الخير كما يمكن أن يوظف في الشر، لأن الإنسان مخير، كل حظوظ الدنيا سلم يرقى به، أو دركات يهوي بها، كل حظوظ الدنيا أداة خير أو أداة شر، كل شيء مكنك الله منه يمكن أن يوظف في الخير، قد يسأل سائل، هل المال نعمة؟ نقول له: لا ونعم، نقول له: نعم إذا أُنفق في طاعة الله، سيدنا أبو ذر الغفاري يقول: " حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي"، أما إذا أُنفق في معصية الله فأصبح نقمة، والصحة كذلك، والزوجة كذلك، والأولاد كذلك، والوسامة كذلك، كل حظوظ الدنيا إما أنها نرقى بها إلى الله إذا وظفناها في الخير، أو نهوي بها في الشقاء إذا وُظفت في الشر.

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ﴾

[ سورة التكاثر : 1-2]

 كلا أداة ردع ونفي، كلا لم تُخلقوا لجمع الدرهم والدينار فقط، لم تُخلقوا للانغماس في الملذات والمتع، لم تخلقوا للطعام والشراب، لم تخلقوا لالتهام ما لذّ وطاب، لم تُخلقوا للتمتع بالطعام والشراب، إنما خُلقتم لهدف كبير، إنما خُلقتم لجنة عرضها السموات والأرض، قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود : 119]

 خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليرشدهم إلى سبل السلام، خلقهم ليهتدوا إلى مصدر النعيم، خلقهم لجنات النعيم.

 

معرفة الله علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام، كلا أداة ردع ونفي، ينبغي أن تعلم لماذا أنت خُلقت؟ لماذا أنت في الدنيا؟ أنت في الدنيا من أجل أن تعرف الله، قال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[سورة الطلاق: 12]

 علة وجودك في الأرض أن تعلم:

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

[سورة الطلاق: 12]

 حينما تعلم أن الله موجود ويعلم وسيحاسب وسيعاقب تستقيم على أمره، إن استقمت على أمره سعدت بقربه في الدنيا، وسعدت بقربه في الآخرة، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 5-6]

 عرفهم نموذجاً منها في الدنيا، إنها جنة القرب، لذلك يا أيها الأخوة في بعض الأدعية: " اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، وأخرجنا من وحول الشهوات إلى جنات القربات". إذا ذقت طعم القرب زهدت في الدنيا كلها، إذا ذقت طعم القرب صغرت الدنيا في عينيك، وإن كانت موجودة انتقلت من قلبك إلى يديك. الدنيا أداة في يد المؤمن، يستعين بها للعمل الصالح.

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 أيها الأخوة الأكارم:

﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة التكاثر : 3]

 ماذا نستنبط؟ نستنبط أن الذي يسعى لجمع الدرهم والدينار لذاته ليكون غنياً ليس غير، لا لينفق هذا المال في طاعة الله، لا ليوظفه في الخير. من أراد الغنى لذاته، من أراد الغنى ليزهو به على الناس هذا لا يعلم. بدليل قوله تعالى:

﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة التكاثر : 3]

 بعض المفسرين قال: كلا سوف تعلمون عند الموت، وكلا سوف تعلمون مرةً ثانية عند يوم القيامة. إذاً لابد من أن نعلم، إما أن نعلم في الوقت المناسب فنسعد بهذا العلم، وإما أن نعلم بعد فوات الأوان فنزداد ندماً بهذا العلم.
 كنت أقول للإخوة الكرام: إن خيار الإنسان متنوع، هناك خيار قبول أو رفض، تُعرض عليك تجارة فترفضها لضآلة ربحها، يُعرض عليك بيت فترفضه أو تقبله لموقعه، أو لثمنه، أو لمستواه، تُعرض عليك فتاة فتأبى الزواج منها، لم تأت كما تريد، لكنك مع الإيمان خيارك خيار وقت فقط، فإما أن تؤمن في الوقت المناسب، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان؛ لأن أكفر كفار الأرض فرعون عندما جاءه الموت قال:

﴿إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس: 90]

 هذه السورة القصيرة - أيها الأخوة - يقولون: شدة القرب حجاب؛ لأننا نقرؤها كثيراً، ونستمع إليها كثيراً، قد نغيب عن معانيها الدقيقة.. كلا أداة ردع، ليست أداة نفي، أداة ردع ونفي، كلا سوف تعلمون خلاف ذلك، لو علمتم الحقيقة لاخترتم الاختيار الصحيح.

 

أكبر مصيبة يُصاب بها الإنسان أن يتوهم الحق باطلاً والباطل حقاً :

 يا أيها الأخوة الكرام، الإنسان يحب ذاته قطعاً، ولو علم المؤمن الآن ما علمه الصديق لاختار اختياره، ولآثر مؤاثرته، ولبذل بذله، ولخدم رسول الله كخدمته.. حينما تعلم الحقيقة لابد من أن تنطلق من هذه الحقيقة، الأزمة أزمة علم، أهل النار في النار يقولون:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 الإنسان قد يركب أكبر مركبة، وأحدث مركبة، قد يفقد حياته إذا أطفأ الأنوار فجأة في طريق كله انعطافات، هذه المركبة تدهورت لا لأنها سيئة، في أعلى مستوى، ولكن لأنها فقدت النور من أمامها. والإنسان قد يهلك وقد يكون أذكى الأذكياء، قد يهلك وقد يكون في أعلى مستوى علمي، قد يهلك وقد يكون في أعلى مستوى علمي، قد يهلك وقد يكون في أعلى مستوى مالي ؛ لأنه ما رأى الحقيقة، لذلك:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف: 103-104]

 أي أكبر مصيبة يُصاب بها الإنسان أن يتوهم الحق باطلاً والباطل حقاً، لذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

((اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه))

[تفسير ابن كثير]

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف: 103-104]

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة التكاثر : 3-4]

 إذا انغمسنا في الدنيا نحن عند الله لا نعلم، ولا نكون نعلم إلا إذا أقبلنا على الآخرة، يُقاس على هذا في قوله تعالى:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف:33 ]

 فهذا الذي انشغل بهذه الشهوة، وتابعها خلف الشاشة، وفي مجالات كثيرة، هذا عند الله جاهل.

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف:33 ]

قراءة القرآن تكشف للإنسان أن سعادته في طاعة الله و شقاءه في معصيته :

 أيها الأخوة الكرام ،

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

 عند الموت ،

﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

 يوم القيامة.

﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر : 5-6]

 لو كُشفت الحقيقة للإنسان لرأى نفسه في جحيم. أي إنسان يركب مركبته بطريق جميل جداً، نسمات عليلة، ومناظر جميلة، والطريق فيه نزول، وينتهي بمنعطف حاد، وهو في نشوة تمتعه بالمناظر الخلابة، وبالنسيم العليل، وبالمركبة الفاخرة، لو علم أن المكبح متعطل، والانحدار شديد، والمنعطف حاد، ماذا يقول؟ انتهينا، هلكنا، متنا..

﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر : 5-6]

 لو قاس الإنسان حياته وقيمه التي يعيش بها مع الناس، وأنماط حياته التي ليست إسلامية، وكسب ماله غير الإسلامي، وتربية أولاده غير الإسلامية، وبيته غير الإسلامي، لو وزن حياته في البيت، وحياته في العمل، وحياته في الطريق، وحياته في أفراحه، وحياته في أتراحه لو وزن مبادئه المستنبطة من حركة الحياة بالشرع لرأى نفسه في جحيم.

﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر : 5-6]

 لمَ لا تعلم أيها الأخ العلم اليقين؟ لمَ تبق في الشكوك؟ لا نعرف، دائماً هناك شك من كل شيء، قال تعالى:

﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾

[ سورة الدخان: 9]

 وصف جامع مانع لأهل الكفر، بل هم في شك من كل حقيقة الدنيا، عندهم لهو ولعب. لمَ لا تنتقل من الظنيات إلى اليقينيات؟ لمَ لا تبني إيمانك على يقين قطعي؟
 أيها الأخوة الكرام، أنت مع نص لإنسان تبني عليه آمالاً، وقد تنهار معنوياتك لكلمة يقولها إنسان، إذا إنسان بنى تجارته على مادة في القانون ثم ألغيت، ألغيت المنطقة الحرة مثلاً، بنى مشروعاً ضخماً، وأخذ أموالاً من الناس، وعلق آمالاً على أرباح طائلة، على مادة في القانون فلو اختلفت هذه المادة انهارت كل آماله. كيف نص لإنسان يملأ قلبك سعادة أو هماً ولا تهتم لكلام خالق الأكوان؟ خالق الأكوان يحذر، خالق الأكوان ينذر، خالق الأكوان يأمر، خالق الأكوان ينهى، لماذا لا تقرأ القرآن الكريم على أنه سرُّ سعادتك في طاعة الله وسبب شقائك في معصية الله؟

﴿ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾

[ سورة التكاثر : 5-8]

سؤال الله عز وجل الإنسان عن كل نعمة أنعمها عليه في الدنيا :

 قال علماء التفسير: في حياة الإنسان نعيم قد لا ينتبه إليه، نعمة الصحة سوف تُحاسب عنها، أنت بكامل أعضائك، وبكامل حواسك، وبكامل تفكيرك، تتحرك، وتنام، وتستيقظ، وتنظف نفسك بيدك، لست بحاجة إلى أحد، ترى، وتسمع، وتفكر، وتعقل، وتشم، وتنطق، وتتكلم، قالوا: أحد أنواع النعيم نعمة الصحة، هل أنفقت في طاعة الله هذه العين التي ترى بها؟ نظرت إلى ما حرم الله أم نظرت إلى آيات الله؟ هل غضت عن محارم الله أم ملئت من الحرام؟ هذه العين نعمة، كيف استخدمتها؟ وهذه الأذن ماذا استمعت بها؟ هل استمعت بها إلى ما لا يرضي الله أم استمعت بها إلى الحق؟ وهذا اللسان كيف يتحرك؟ بالغيبة؟ بالنميمة؟ بالكذب؟ بالبهتان؟ بالسخرية أم بذكر الله عز وجل؟ هذه الأجهزة، هل أطعمتها من الطعام الحلال أم من الطعام المشبوه هذا صحة الإنسان كلياً وجزئياً، وأعضاؤه، وأجهزته، هذه من نعيم الدنيا، سوف نسأل عنها يوم القيامة.
 نعمة الفراغ، عندك وقت فراغ كيف أمضيته؟ في لعب النرد أم في القيل والقال؟ أم في الغيبة والنميمة؟ أم في السهرات المختلطة؟ أم في الأعراس المختلطة؟ أم في النوادي؟ أم في أماكن اللهو؟ أم أمضيت هذا الوقت الثمين في مجلس علم؟ مجلس ذكر؟ في طاعة؟ في عمل صالح؟ في توفيق بين اثنين؟ في كلمة طيبة تلقيها على الناس؟ في خدمة لإنسان ضعيف؟ في معونة لإنسان فقير؟ في معاونة أرملة أو مسكين؟ هذا الوقت كيف تنفقه؟.
 أول نعمة الصحة، النعمة الثانية الوقت، النعمة الثالثة الأمن، لا يوجد مذكرة بحث في حق الإنسان، يسافر من مكان إلى مكان، من شمال الدنيا إلى غربها، ينام هانئ البال مطمئناً، هذه النعمة نعمة الأمن ماذا فعلت بها؟ هل فعلت بها أنك ارتحت إلى الدنيا واطمأننت إليها أم كانت نعمة الأمن أحد مقومات نهوضك إلى الله عز وجل وفرارك إليه؟ نعمة الصحة، ونعمة الفراغ، ونعمة الأمن..
 ونعمة الكفاية.. عندك ما تأكل، عندك بيت تسكنه، عندك زوجة تحصنك، عندك ولد يعينك. نعمة الصحة، ونعمة الفراغ، ونعمة الأمن، ونعمة الكفاية سوف نُسأل عنها، بل إن بعض المفسرين يقول: سوف نُسأل عن شربة الماء البارد. تجلس إلى الطعام فتأكل، الأجهزة سليمة، المعدة سليمة، الأمعاء، المستقيم، جهاز التنفس، الدوران، القلب، الرئتان، الشرايين قال تعالى:

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾

[ سورة التكاثر : 8]

 دائماً وأبداً يعيش المؤمن مع المنعم، ويعيش الكافر مع النعمة، يستغرق فيها، وينغمس فيها، ويفعل فيها الحرام، هي كل دنياه، إلهه شهوته، لكن المؤمن يعيش مع المنعم، مع خالق النعمة، مع الذي سخرها له، مع الذي أعطاه إياها.
 أيها الأخوة الكرام، هذه السور الصغيرة التي يقرؤها أكثرنا في الصلاة، يجب أن نقف عند حدودها الدقيقة، وعند أبعادها، ومراميها، وعند المواعظ التي يمكن أن تُستخلص منها.

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر :1-6]

 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أنواع الغنى :

 أيها الأخوة الكرام، تعليقاً على موضوع ألهاكم التكاثر، بعض العلماء الأجلاء رحمهم الله تعالى قسم الغنى إلى نوعين، سمى الأول الغنى السافل، وسمى الثاني الغنى العالي، فالغنى السافل هو الغنى بالعواري المستردة من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، وهذا أضعف الغنى، فإنه غنى بظل زائل وعارية ترجع عن قريب إلى أربابها، فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها، وكأن الغنى بها كان حلماً فانقضى، ولا همة أضعف من همة من رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل، وهذا غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون، وإياه يطلبون، وحوله يحومون، ولا أحب إلى الشيطان وأبعد عن الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف على فقده.
 قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء، من هذه الأشياء الثلاثة: قلب فيه خوف الفقر، وهذا الغنى السافل، الغنى بالعواري المستردة، الغنى بحطام الدنيا، الغنى بما هو سيزول، هذا الغنى محفوف بفقرين، فقر قبله، وفقر بعده، فهو كالغفلة بينهما.
 أيها الأخوة الكرام، لكن في القلب فاقة عظيمة، وضرورة تامة، وحاجة شديدة، لا يسدها إلا الفوز بحصول الغنى الحميد.. الغنى الحميد أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أن تكون غنياً بالله، أن تكون موصولاً بالله، أن يكون عملك في رضوان الله، أن تكون موعوداً بجنة الله، أن تكون متوازناً، أن تكون راضياً عن الله، أن تكون متوكلاً على الله. هذا هو الغنى الحقيقي.
 في القلب فاقة عظيمة، وضرورة تامة، وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوز الرجل بحصول الغنى الحميد، الغنى بالله الذي إذا حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، الغنى على الحقيقة هو هذا الغنى ولا غنى سواه، والغنى به هو الغنى الحقيقي ولا غنى بغيره البتة.
 أيها الأخوة الكرام، هذا الغنى الحقيقي ماذا يفعل؟ يخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار، وعلى الوجه خلعة المهابة والنور والبهاء، وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة، وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر والغض عن المحارم، وعلى الأذن خلعة استماع النصيحة واستماع القول النافع، استماعه للعبد في معاشه ومعاده، وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوة، وعلى الفرج خِلعة العفة والحفظ، فغدا العبد وراح يرفل في هذه الخِلع، ويجر لها في الناس أذيالاً، فغنى النفس مشتق من غنى القلب، وفرع عليه، فإذا استغنى الإنسان بالله أصبح أغنى الأغنياء.
أيها الأخوة الكرام، عود على بدء، أفقر الناس إلى الله أغناهم به، وأذلهم لله أعزهم، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله.
إن أردت أن تكون غنياً فكن مع الله، كن مع الغني، إن أردت أن تكون قوياً فكن مع القوي، إن أردت أن تكون عالماً فكن مع العليم، إن أردت أن تكون عزيزاً فكن مع العزيز.

ومالي سوى فقري إليك وسيلة  فبالافتقار إليك فقري أدفــع
ومالي سوى قرعي لبابك حيلة  فإذا رددت فأي باب أقـرع؟
***

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018