الخطبة : 0715 - العطاء والبذل صفة المؤمن الأساسية - خلق الله في البعوضة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0715 - العطاء والبذل صفة المؤمن الأساسية - خلق الله في البعوضة.


1999-09-03

 الحمد لله نحمده، و نستعين به و نسترشده، و نعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له و من يضلل فلن تجد له وليّاً مرشداً، و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له إقراراً بربوبيته، و إرغاماً لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر، أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلِّم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا، و أرنا الحق حقا، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الكرام... بعد أن يؤمن المؤمن الإيمان الذي يحمله على طاعة الله، ينبغي ألا يشغله شيءٌ أكثر من العمل الصالح، لأن أكثر من مئتي آية قَرَنت الإيمان بالعمل الصالح، بل إن حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح..

﴿ و لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾

[ سورة الأنعام: 132 ]

 بل إن علَّة وجودنا في الدنيا بعد أن عرفنا الله العمل الصالح، والدليل أن الله عز وجل يقول لهذا الإنسان الذي قارب الموت:

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100 ]

 يا أيها الأخوة الكرام.. ربنا جلَّ جلاله خلق لنا فرصاً للعمل الصالح لا تُعدُّ ولا تُحصى، بل إن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، الله جل جلاله تودد إلينا بنعمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وخلق الود فيما بيننا، ورسم إليه طرائق لخَطْبِ وده لا تُعدُّ ولا تُحصى.
 أيها الأخوة الكرام... إن أردت أن تحلل شخصية المؤمن تحليلاً دقيقاً تجد أن في أعماقه سمة البذل، كأن هذا المؤمن بنى حياته على العطاء، يعطي ليرضي الله، يعطي لينال القُرب من الله، إن صح أن غير المؤمن بنى حياته على الأخذ، إن المؤمن بنى حياته على العطاء، ولعل هذا واضحٌ جداً في قوله تعالى:

﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 1-3]

 فهذا الذي بنى حياته على الأخذ، أو هذا الذي لا يفكر في العطاء، أقول لكم هذه الحقيقة وإن كانت مرة: ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن، حتى تعبر عن ذاتها بحركةٍ نحو الآخرين.
 لن تجد مؤمناً سكونياً، لن تجد مؤمناً منسحباً من الحياة، لن تجد مؤمناً متقوقعاً في بيته، لن تجد مؤمناً يقول: أنا لا يعنيني أمر الناس. إن لم تحمل همّ المسلمين فلست من المسلمين، الحد الأدنى الذي يؤكِّد إيمانك أن تتحرك لخدمة الخلق، أن يعبِّر إيمانك عن ذاته بعملٍ صالح.

 

العطاء سمة المؤمن الأساسية :

 أيها الأخوة الكرام... لعل أحدكم يقول: ما الحكمة من سوق هذا الموضوع؟ الجواب: أن هناك نماذج قناعاتها جيدة بأحقية هذا الدين، والتزامها جيد، ولكنها لا تفكر أن تبذل شيئاً. إنك إن أطعت الله سلمت، لكنك لا تسعد إلا بالعمل الصالح، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف : 110]

 بل إن حجمك - مرةً ثانية - عند الله بحجم عملك الصالح، فإذا كان في شخصية المؤمن سِمَةٌ - علماء النفس قالوا: السمة غير الصفة، السمة يعبَّر عنها بعشرات الصفات، أي خصيصةٌ أساسية في شخصية المؤمن - إذا كان في شخصية المؤمن سمةٌ أساسيةٌ فهي سمة العطاء، يعطي من وقته، يعطي من علمه، يعطي من ماله، يعطي من جاهه، يعطي من جهده، يعطي من عضلاته، العطاء سمة المؤمن الأساسية، وآيات القرآن الكريم كلها تؤكد هذه الحقيقة، وإن أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟.
 أيها الأخوة الكرام... لعل هذا ينطلق من قوله تعالى في وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض الثناء:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[ سورة الحشر: 9 ]

 فالمؤمن يؤثر أخاه؛ وغير المؤمن شحيح، والشُحُّ مرضٌ عضال يصيب النفس، والله عز وجل يقول:

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 16]

 أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، أندم الناس من بخل بعملٍ صالح يقرِّبه إلى الله، أندم الناس من لم يفكر بحركةٍ نحو الخلق.

 

العطاء يسعد المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام... عن أنس بن مالك عن أُسيد بن خضير رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار قال:

((يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ قال: ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض))

[صحيح عن أنس بن مالك وأُسيد بن حضير]

 المؤمنون المؤاثرة دَيْدَنُهم، وغير المؤمنين الأثرةُ ديدنهم، الأثرة أن تخص نفسك وتنسى الآخرين، أما المؤاثرة فأن تخص الآخرين قبل أن تخص نفسك.
 أيها الأخوة الكرام... العطاء - كما قلت قبل قليل - صفة المؤمن الأساسية، سيدنا قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما كان من الأجواد المعروفين، حتى أنه مرض مرةً فاستبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين ـ الدين الذي عليهم حال بينهم وبين أن يعودوك ـ فقال سيدنا سعد بن عبادة: أخذ الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر منادياً ينادي من كان لقيس عليه مالٌ فهو منه حل. فما أمسى حتى كثر عوَّاده في البيت. العطاء يسعد المؤمن.

مراتب العطاء :

1 ـ الجود بالنّفس :

 أيها الأخوة الكرام... الآن إذا بحثنا في مراتب العطاء، أعلى مرتبة أن تجود بنفسك، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، هؤلاء الذين قتلوا لتكون كلمة الله هي العليا؛ هؤلاء نالوا مرتبة الشهادة، وهناك أحاديث كثيرة تصف هؤلاء الشهداء، والله عز وجل يقول:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 169 ]

 فأعلى عطاء هو أن تعطي نفسك، أن تجود بنفسك؛ والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
 ولكن لا تنسوا أن الشهيد يغفر له كل ذنبٍ إلا الدَيْن، حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، بينما حقوق الله عز وجل مبنيةٌ على المسامحة. هذه واحدة ؛ أن يجود الإنسان بنفسه، وهذا فعله أصحاب النبي رضوان الله عليهم فبلغوا أعلى مرتبةٍ عند الله عز وجل، حينما عَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا زيد بن حارثة قائداً في جيش مؤتة، وبعده جعفر، وبعده عبد الله بن رواحة.
 أمسك الراية سيدنا زيد فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذ الراية من بعده سيدنا جعفر فقاتل بها حتى قتل، فلما جاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة - هكذا في بعض السيَر - أنه تردد قليلاً وكان شاعراً قال:

يا نفس إلا تقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت  وإن توليـــــــــــــــت فقد شقيت
* * *

 وأخذ الراية فقاتل بها حتى قتل، فلما أخبر النبي أصحابه قال:

((إِنَّ إِخْوَانَكُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ وَإِنَّ زَيْدًا أَخَذَ الرَّايَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ...))

 وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم سكت النبي عليه الصلاة والسلام. فقلق أصحابه على مصير عبد الله بن رواحة قالوا: يا رسول الله ما فعل عبد الله؟ قال:

((ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ... ))

[ أحمد عن عبد الله بن جعفر ]

 وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه. هذا التردد الذي لا يزيد عن ثلاثين ثانية هبط مقامه عن صاحبيه. الحقيقة أن الإنسان خلق ليعطي، خلق ليقرض الله قرضاً حسناً..

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة :245]

2 ـ الجود بالمكانة :

 يا أيها الأخوة الكرام... أحياناً قد تحتاج أن تضحي بمكانتك، هذه المكانة فيها مغانم كثيرة، ولكنك إذ أقررت بالحق واتبعت منهج الله عز وجل، قد تفقد هذه المكانة، هذا البذل يأتي بعد بذل النفس، ما الذي يحول أحياناً بين رؤساء الأديان وبين أن يسلموا؟ المكانة التي يتمتَّعون بها، وما يتبع هذه المكانة من مكاسب، فالإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل، وحينما يرجو الله والدار الآخرة، قد يضحي بأثمن شيءٍ بعد وجوده؛ إنها مكانته، ورياسته، والمكاسب التي يحظى بها هذه قد يضحي بها الإنسان في سبيل إعلان كلمة الحق.
 وقد يخسر الإنسان شيئاً من الدنيا حينما يلتزم طريق الله عز وجل، ولكن هذا محفوظٌ عند الله..

((ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 أيها الأخوة الكرام... كما أقول دائماً: زوال الكون أهون على الله من أن تؤثر رضاه على شيءٍ من حطام الدنيا، وأن تكون في مؤخرة الركب، وأن تكون من الخاسرين، مستحيلٌ وألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيلٌ وألف مستحيل أن تطيعه وتخسر.
 والله عز وجل يشهد لعباده بهذه الحقيقة من خلال أفعاله، فالذي يؤثر طاعة الله على شيءٍ من حطام الدنيا تأتيه الدنيا وهي راغمة.

 

قواعد وقوانين مستنبطة من حركة الحياة :

 يا أيها الأخوة الكرام... لا بد من توضيحٍ دقيق؛ هناك قواعد وقوانين قد تستنبط من حركة الحياة، أحياناً الإنسان يرى كل مصلحته في هذا الموقف، لكن هذا الموقف لا يرضي الله، فإذا غلب عليه حبُّه لله ورغبته في طاعته، وآثر الآخرة على الدنيا، وضحى بما يتراءى له من مصلحةٍ عاجلة، وأطاع الله عز وجل، وكسب وده، عندئذٍ يُخْضِعه الله عز وجل لمنظومةٍ من القواعد لا يعرفها، عندئذٍ تأتيه الدنيا وهي راغمة، عندئذٍ يعوضه الله خيراً مما ضاع منه.
 هذا القانون قانون العناية الإلهية المباشرة، هذا يطبق على من آثر رضا الله على حطام الدنيا.
 فحينما تقع في صراعٍ بين مكانةٍ تحتلها وبين مكسبٍ كبير أنت تنعم فيه، وبين اتباع النص الشرعي، وحينما يغلب عليك حبك لله عز وجل وورعك، يجب أن تعلم علم اليقين أن الله يؤتيك رضوانه، ويؤتيك ما ضاع منك أضعافاً مضاعفة. فلذلك: من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً.
 أيها الأخوة الكرام... أحد أخوتنا الكرام عمل في شركةٍ أجنبية، وله راتبٌ كبيرٌ جداً يحقق كل طموحاته، إلا إنه وجد أن بعض هؤلاء الموظفين يحملون الخمر في حقائبهم، فرفض أن يتابع العمل في هذه الشركة، وضحَّى بهذا الراتب الكبير نظراً لأنه يرتكب معصية.
 الذي وقع على عكس ما يتوقَّع، بدل أن يطردوه وأن يستبدلوا به عشرات من الناس الذي يرضون بهذا تمسكوا به، ونفذوا رغبته وهو في أعلى مكانةٍ عندهم، بسبب أنه آثر طاعة الله على هذا الدخل الكبير، فجعله الله يجمع بين طاعته وكسب رضوانه، وبين بقائه في عمله وراتبه الكبير.

((ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 إن كنت مخلصاً لله فالله عز وجل لن يخيِّبك.

 

3 ـ الجود بالراحة و الرفاهية :

 أيها الأخوة الكرام... الإنسان يجود بنفسه، وقد يجود بمكانته الكبرى التي تحقق له دنيا عريضة في سبيل الله، وقد يخسر الإنسان شيئاً كثيراً؛ قد يخسر مكانةً، أو يخسر منصباً في سبيل الالتزام بالشرع ؛ ولكن هناك مرتبةٌ ثالثة في البذل هي الجود براحة الإنسان ورفاهيته.
 فقد يكون أحدنا قابعاً في بيته مرتاحاً، يدعى لعملٍ صالح، يهبُّ له بشكلٍ نشيط، آثر هذا العمل على ما فيه من مشقة على راحته، هذا أيضاً نوعٌ من البذل، قد يكون الوقت وقت نوم، قد يكون الوقت وقت راحة، قد يكون الوقت وقت استجمام، قد يكون الوقت وقت استرخاء، لكن قد يدعى إلى عملٍ صالحٍ فيهب لتلبيته، هذا بماذا ضحَّى؟ ضحى براحته، وضحى بنظام حياته الذي ألفه.

4 ـ الجود بالمال :

 أيها الأخوة الكرام... هناك من يجود بنفسه، وهناك من يجود بمكانته، وهناك من يجود براحته، وهناك من يجود بماله، والمال شقيق الروح. ويا أيها الأخوة الكرام... كما قال عليه الصلاة والسلام:

((لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ))

[ البخاري عن سالم عن أبيه]

5 ـ الجود بالعلم :

 هناك مرتبةٍ خامسة أن تجود بالعلم، وأن تجود بالعلم هذا ينطلق من قول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

[ سورة المائدة: 32 ]

 تصور أن أباً رحيماً عطوفاً، له ابنٌ شرد عنه، وغاب عن أنظاره، ولا يعلم عن أمره شيئاً، وأنك عثرت على ابنه، إن أطعمته ثم أرجعته إلى أبيه، إن ألبسته ثوباً ثم أرجعته إلى أبيه، إن أطعمته وأكرمته وأعدته إلى أبيه، ماذا يقول لك الأب ؟ هذا العمل لا أنساه لك حتى الموت.
 هذا مثل أردت منه أن أنطلق إلى مثلٍ أكبر: العبد الشارد، التائه، العاصي إذا مكنك الله من هدايته، ومكنك من أن تعيده إلى ربه، ومكَّنك من أن تجعله يحب الله ورسوله، فالله عز وجل شكور، هذا الذي يسعى لهداية الخلق له مقامٌ عند الله كبير، إنها صنعة الأنبياء.
 يا أيها الأخوة الكرام... من مات ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مات على ثُلمةٍ من النفاق، ومن أنواع الجهاد التي وصفها الله بأنها كبيرة أن تجاهد الناس بالقرآن الكريم، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 فحينما تبذل العلم فهذا جهاد كبير. ولا تنسوا أيها الأخوة أن تعليم العلم فرض عينٍ على كل مسلم، الدعوة إلى الله فرض عينٍ على كل مسلم في حدود ما يعرف ومع من يعلم، لقول الله عز وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 لكن العلماء فصَّلوا في بذل العلم، هناك من يبذله ليسأل، وهناك إنسان أشد كرماً يبذله لمن لا يسأله..
 لك جارٌ في الحي زره وحدِّثه عن الدين حديثاً شيقاً مختصراً مثيراً، لك زميلٌ في العمل، لك رفيقٌ في الطريق، لك أخواتٌ، إذا زرت إحدى إخواتك لا بدَّ من أن تحدثها عن الله عز وجل، هناك إنسان لا يتكلَّم بكلمة حق طوال حياته، يسألهم عن صحَّتهم وعن أحوالهم وانتهى الأمر، فأنت ألم تستمع إلى خطبة جمعة راقت لك أحياناً؟ ألا تملك حقيقةً في الدين يجب أن تنقلها للآخرين وهذا من زكاة العلم؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

مراتب العلم :

 فيا أيها الأخوة الكرام... أعلى مرتبة في بذل العلم أن تبذله لمن لم يطلبه، المبادرة منك، تُمسك أنت زمام المبادرة؛ تبحث عن أُناسٍ فيهم الخير، عندهم الإمكانات، عندهم الاستعدادات، تلقي عليهم العلم بأسلوبٍ جذابٍ شَيِّقٍ مبسطٍ واضحٍ، تصطحبهم إلى المسجد، تسمعهم شريطاً من أجل أن ينتشر هذا الحق، فكلما نَمَت دوائر الحق تقلَّصت دوائر الباطل، فهذا نوع.
 والنوع الثاني: أن تبذله لمن سأله؛ ولكن قد تسأل إنسانٍ عن حكمٍ فقهي يقول لك: حرام. هكذا، بلا تفصيل، بلا أدلة، يعطيك كلمةً وكفى، لكن هناك من يشرح لك، من يبيِّن لك، من يفصل، هذه الآية تحرم، هذا الحديث ورد عن رسول الله فيه إشارةٌ إلى تحريم هذا الشيء، فحينما تسأل ينبغي أن تجيب إجابةً تفصيلية، وهذا من بذل العلم أيضاً.
 أيها الأخوة الكرام... حينما تسهم في هداية إنسان، كل أعمال هذا الإنسان في صحيفتك، ولا يعلم إلا الله الجزاء الأوفى الذي يدخره الله لمن يسهمون في نشر الحق بين الناس، ولا تنس أن نشر الحق مكلفٌ به أنت بأية مرتبةٍ أنت، في حدود ما تعلم ومع من تعرف.

أسلوب إلقاء العلم :

 يا أيها الأخوة الكرام... يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام أسلوب إلقاء العلم والتوضيح والتفصيل، فسئل عن الوضوء من ماء البحر، فقال عليه الصلاة والسلام:

((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ...))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 هذا الجواب يكفي، هل نجوز أن نتوضأ بماء البحر؟ قال: نعم:

((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ـ ثم قال: الْحِلُّ مَيْتَتُهُ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أجاب عن السؤال وزيادة. سئل عليه الصلاة والسلام عن حكم بيع رطب بالتمر؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ))

[الترمذي عن أبي عياش ]

 أعطاهم الحكم، وأعطاهم التعليل، هذا الرُطَب فيه ماء، فإذا جف نقص الوزن، وليس هناك تكافؤ بين الوزنين. فكان عليه الصلاة والسلام يعطي الحكم والتعليل، يعطي الجواب وزيادة، فهذا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام.
 أيها الأخوة الكرام: إذا إنسان سألك سؤالاً، أعطه الدليل النقلي؛ الآيات، والأحاديث، وآراء العلماء، والدليل العقلي، تكون قد بالغت في الإجابة، وهذا أيضاً من البذل؛ بذل العلم، بذل النفس، وبذل المكانة، وبذل الراحة، وبذل المال، وبذل العلم.

 

6 ـ الجود بالجاه :

 أيها الأخوة الكرام... أيضاً لا زلنا في البذل والعطاء؛ أحياناً لك مكانةٌ عند أحد الناس، ولك أخٌ كريم عنده قضيةٌ عند هذا الرجل، إن ذهبت إليه ورجوته رُفعَ عنه الظلم، هناك من يبخل يقول لك: أنا لا أبذل ماء وجهي للآخرين. هناك من يذهب معك، فهذا الذي يبذل جاهه هذا من البذل أيضاً، إضافةً إلى بذل النفس، وبذل المكانة، وبذل الراحة، وبذل المال، وبذل العلم، هناك من يبذل جاهه لنصرة الضعيف.
 أحياناً يمكن أن تعيد زوجةً إلى زوجها، أو زوجاً إلى زوجته، أحياناً يمكن أن ترأب الصدع وتلُم الشمل بخطواتٍ تخطوها إلى بيت، أو بوساطةٍ تتوسَّطها لدى إنسان، فهذا الذي يبخل عن أن يبذل جاهه أيضاً عند الله بخيل. كل إنسان له خصائص، هناك من له جاه عند فلان، وفلان متعنِّت، والأمر بيد فلان، وهو يهابك ويرجو رضاك، إن ذهبت إليه حُلَّت المشكلة، فهذا الذي يبذل جاهه، أيضاً هو ممن يعمل عملاً صالحاً. أنا أردت أن أوسع هذا الموضوع بشكل أن ما كل بذلٍ هو بذل مال، هناك أنواع منوَّعة من البذل كلها تعد عند الله أعمالاً صالحة. فمثلاً حينما قال الله عز وجل:

﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 1 ]

 هذا أمر إلهي يجب أن تصلح نفسك، أن تصلح العلاقة بينك وبين الله، كما يجب أن تصلح العلاقة بينك وبين الناس، والحالة الثالثة يجب أن تصلح العلاقة بين كل مؤمنَيْن، فهناك من يتوسَّط لحل الخلافات الزوجية، والخلافات بين الشركاء، والخلافات بين الجيران، والخلافات بين الأقارب، فهذا نوعٌ من العمل الصالح.

7 ـ الجود بالجهد العضلي :

 يا أيها الأخوة الكرام... وهناك بذل جهدٍ عضلي، يقول عليه الصلاة والسلام:

((تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَقَالَ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَقَالَ كُلُّ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ))

[ أحمد عن أبي هريرة ]

 هناك جهد عضلي؛ أن تحمل أغراضاً لإنسان متعب، أن تحمل أغراضاً لإنسان متقدِّم في السن، أن تعطي دورك في ازدحامٍ شديد لامرأةٍ محجبة، أن تعطي دورك لشيخٍ وقور..

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))

[ أبو داود عن أبي موسى الأشعري ]

 هذا أيضاً أيها الأخوة من العمل الصالح.

 

8 ـ الجود بالعرض :

 ومن أغرب أنواع البذل هو الجود بالعرض، والعرض كما تعلمون موضع المدح والذم في الإنسان، فأحد أصحاب النبي رضوان الله عليهم اسمه أبو ضمْضم أصبح فقال: اللهم إني لا مال لي - أنا فقيرٌ يا رب - أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي؛ فمن شتمني أو قذفني فهو في حلٍ. فقال عليه الصلاة والسلام:

((أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ كأبي ضَمْضَم))

[أبو داود عن أنس ]

 ماذا بذل؟ بذل عرضه، هذا الذي تكلَّم بحقه وله عنده حق سامحه به، فهذا نوعٌ من البذل.
 فيا أيها الأخوة يمكن أن يبذل الإنسان نفسه، ويمكن أن يبذل مكانته التي هي شقيق روحه، ويمكن أن يبذل راحته، ويمكن أن يبذل ماله، ويمكن أن يبذل علمه، ويمكن أن يبذل جاهه، ويمكن أن يبذل عضلاته، وجهده العضلي، ويمكن أن يبذل عرضه، كل هذا لأنك تعيش في هذه الدنيا من أجل عملٍ صالحٍ ترقى به.

9 ـ الجود بالصبر :

 بقي شيءٌ آخر هو أن تجود بالصبر. كيف؟

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 40 ]

 قد تعفو على إنسان اعتدى على ابنك ولكنه لم يقصد ذلك، يمشي بسرعةٍ معتدلة، الابن قفز أمامه، فأصابه كسرٌ في بعض أعضائه، بإمكانك أن تقتص منه، وأن تأخذ منه الحق كاملاً، ولكنك رأيته فقيراً، ورأيته منضبطاً بقوانين السير، والخطأ من الابن، فأسقطت حقك الشخصي، وصبرت على هذا المصاب الذي ألمّ بك، فهذا نوعٌ من البذل، والقاعدة أيها الأخوة:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة الشورى : 39-40]

 إذا غلب على يقينك أن عفوك عن هذا الإنسان يصلحه، عندئذٍ يتولى الله في عليائه أن يأجُرك الأجر الكبير.

10 ـ الجود بالخُلُقِ والبِشر وبسطة الوجه :

 أيها الأخوة الكرام... بقي شيءٌ وهو الجود بالخُلُقِ والبِشر وبسطة الوجه.
 إنسان بعمل، في رأس عمل، مدير مستشفى، مدير مدرسة، مدير مؤسسة، عنده موظفون ضعفاء، أحياناً ماذا يبذل لهم؟ ابتسامة، وجهٌ طلق، سؤال عن صحَّتهم، هذا يجبر خاطرهم، لذلك أحياناً ابتسامةٌ في وجهك لرجلٍ يخشاك هذا بذلٌ وعطاء، أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق هذا أيضاً من البذل.

11 ـ العفو عما في أيدي الناس :

 أيها الأخوة الكرام... وبقي نوعٌ سلبي، حينما تعف عما في أيدي الناس فهذا نوعٌ من البذل السلبي، حينما لا تطمع بما عندهم، تعفو عما في أيديهم، هذا نوعٌ من البذل، والمؤمن كما قلت في أول الخطبة بنى حياته على العطاء، فكل هذه الأنواع أنواعٌ منوعة متاحةٌ لكل مؤمنٍ أن يستخدمها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

آيات الله في البعوضة :

 أيها الأخوة الكرام... في القرآن الكريم آيةٌ تقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[ سورة البقرة : 26]

 وقد يعجب الإنسان من هذا المثل الذي ضربه الله عز وجل، وقد كنت حدثتكم من قبل على أن كل بعوضةٍ لها ثلاثة قلوب؛ قلبٌ مركزي وقلبٌ لكل جناح، وأن جناح البعوضة يرِفُّ أربعة آلاف رفَّة في الثانية، حتى يحدث الطنين، وأن كل بعوضةٍ عندها جهاز تمييع للدم، وجهاز تخدير، وجهاز تحليل، وجهاز رادار ؛ جهاز رادار تصل إلى ضحيتها مباشرةً، وتحلل دمه، وتغرز خرطومها فتخدِّره، جهاز تحليل ورادار وتخدير، كل هذه الأجهزة تعمل وأنت لا تدري.
 ثم أخٌ كريم قدَّم لي قصاصة جريدةٍ قبل يومين، في هذه القصاصة بحثٌ علمي أجراه عالم الحشرات في جامعة كاليفورنيا، يقول العالم الذي اختص بهذا الموضوع:
 إن البعوضة يمكنها أن تشم رائحة وجبةٍ بشريةٍ دسمة مغرية من على بعد أربعين ميلاً، أي أربعة وستين كيلو متراً، فزفير الإنسان فيه بعض الروائح، هذه الروائح تهتدي إليها البعوضة من أربعةٍ وستين كيلو متراً وتأتي، ولكن الذي يحضُّ على النظافة أن عرق الإنسان هو الذي يجذب البعوضة إليه، فالذي يكثر من الاغتسال، الذي ينظِّف جسمه جيداً، قلّما يأتيه البعوض، رائحة العرق وزفير النَفَس هو الذي يجذب البعوضة إلى الإنسان.
 أيها الأخوة الكرام...

((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء))

[مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]

 فلا يوجد مخلوق أهون على الإنسان من بعوضة، يقتلها الإنسان دون أن يشعر بشيء، ومع ذلك فيها مخالب تقف بها على الجدران الخشنة، وفيها محاجم بنهايات أقدامها، تقف بها على الجدران الملساء، ولها ثلاثة قلوب، وفيها جهاز رادار، وجهاز تحليل، وجهاز تخدير، وأجهزة أخرى، وتهتدي إلى ضحيتها من أربعة وستين كيلو متراً، فهذه البعوضة التي ضربها الله مثلاً لدقة صنعته:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 26]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقرِّبنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم صُن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونُبتلى بحمد من أعطى و ذم من منع، و أنت من فوقهم وليُّ العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا ربَّ العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك علينا سترك، و لا تنسنا ذكرك، يا رب العالمين، اللهم بفضلك رحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018