الخطبة : 0709 - العلم4 - التطبيقات العملية للعلم - الساعة البيولوجية لدى الإنسان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0709 - العلم4 - التطبيقات العملية للعلم - الساعة البيولوجية لدى الإنسان


1999-07-23

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، و نستعين به و نسترشده، و نعوذ به من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له و من يضلل فلن تجد له وليّا مرشداً، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، و إرغاماً لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر و أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلِّم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا، و أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العلم إمام العمل و قائد له :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ كنا في موضوع العلم المتسلسل، وكنت أظن أن الموضوع قد انتهى، و لكن رأيت من المناسب أن ينتهي هذا الموضوع بالتطبيقات العملية لموضوع العلم.
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ العلم إمام العمل، و قائد له، و العمل تابع له و موتمٌّ به، من عبدَ اللهَ بغير علمٍ كان ما يُفسِد أكثر مما يصلح، و العامل بلا علم كالسائر بلا دليل، و من فارق الدليل ضلَّ السبيل، و لا دليل إلا بما جاء به النبيُّ عليه الصلاة و السلام، و إن قوماً طلبوا العبادة و تركوا العلم فخرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه و سلم.
 مرتبة العلم: هو الدليل المرشِد و المُطاع المتبوع، و العلم أيها الأخوة هو الذي يبيِّن الحق من الباطل في الاعتقادات، و الصواب من الخطأ في المقولات، و المسنون من المبتدَع في العبادات، و الحلال من الحرام في التصرفات، و الصحيح من الفاسد في المعاملات، و الفضيلة من الرذيلة في السلوكيات، و المقبول من المردود في المعايير، و الراجح من المرجوح في الأقوال و الأعمال، و من دون العلم - دقِّقوا أيها الأخوة - يمكن أن يعتقد المرءُ الباطلَ وهو يحسبه حقًّا، و يمكن أن يرتكب البدعة و يظنها سنةً، و يمكن أن يتورَّط في الحرام وهو يتوهَّمه حلالاً، و يمكن أن يسقط في حمأة الرذيلة و هو يتصوَّرها فضيلةً، لذلك كان دعاءُ النبيِّ صلى الله عليه و سلم:

((اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابَه))

[ورد في الأثر ]

 لماذا نطلب العلمَ؟ حتى لا يكون المرءُ ممن زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسناً، قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف: 103-104]

 سيدنا عمر بن عبد العزيز قال: " من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح".
 و ابن وهب يقول: "كنتُ بين يدي مالك بن أنس فوضعتُ ألواحي، وقمتُ إلى الصلاة - إلى صلاة النافلة - فقال مالك بن أنس - وهو إمام دار الهجرة - ليس ما قمتَ إليه بأفضل من الذي تركته".
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ دقِّقوا في هذا القول: ما عُصِي اللهُ بمعصية أعظم من الجهل، فسأله أحدهم: هل تعرف شيئاً أشدَّ من الجهل ؟ قال: نعم، الجهل بالجهل .
 أن يكون الإنسانُ جاهلاً و لا يدري أنه جاهلٌ، أو أن يكون المرءُ جاهلاً و يظنُّ أنه متعلِّم، و أفضل ما أطيعَ اللهُ به تعالى العلمُ، و رأسُ العلمِ العلمُ بالعلم: " النَّاسُ أَرْبَعَةٌ؛ رَجُلٌ يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهَذَا عَالِمٌ فَاتَّبِعُوهُ، وَرَجُلٌ يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهَذَا نَائِمٌ فَأَيْقِظُوهُ، وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهَذَا جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ، وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهَذَا أَحْمَقُ فَاجْتَنِبُوهُ".

 

الجهلاءُ عباداتهم عادات و العلماء عاداتهم عبادات :

 أيها الأخوة الكرام، الجهلاءُ عباداتهم عادات، و العلماء عاداتهم عبادات، و قال بعضهم: "حبَّذا نومُ الأكياس و فِطرُهم يسبقون به سهرَ الحمقى و صومهم" فالمحبُّ طالب العلم إن نطق نَطق لله وبالله، و إن سكَتَ سكتَ لله، و إن تحرَّك فبأمر الله، و إن سكن فسكونه استعانة على مرضاة الله، فهو لله و بالله و مع الله.
 أيها الأخوة الكرام ؛ من لم يطلب العلمَ لم يفلح، و قد سُئل أحدُهم: من السفلة؟ فقال: من لا يعرف الطريق إلى الله، يؤكِّد هذا قولُ الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

[سورة البقرة: 130]

 لو نظرتم إلى الرجل و قد أُعطِي من الكرامات حتى أنه تربَّع في الهواء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر و النهي، و حفظ الحدود و معرفة الشريعة، و من علِم طريق الحق سهُل عليه سلوكُه، و لا دليلَ على الطريق إلا متابعة النبيِّ عليه الصلاة و السلام في أقواله و أفعاله.
 أيها الأخوة الكرام ؛ قال بعضُهم: "ذهب العلمُ على أيدي أربعة؛ صنف لا يعلمون بما يعملون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعلمون ولا يعملون، وصنف يمنعون الناسَ من العلم".

 

حقّ العلم على صاحبه :

1 ـ أن يبذلَ فيه جهدَه حتى يحكمَه و يتقنه و يهضمه :

 هذه مقدِّمة و لكن أحد الأخوة الحاضرين طلب العلم فهو على شيء من العلم، ما حقُّ العلم عليه؟ ستة حقوق ؛ هو موضوع الخطبة، حقوق العلم على صاحبه، إذا سمح اللهُ لك أن تطلب العلمَ، إذا يسَّر لك طلب العلم، إذا أسمعك الحقَّ، فما حقُّ العلم عليك؟
 أولُ حق أيها الأخوة أن يبذلَ فيه جهدَه حتى يحكمَه و يتقنه و يهضمه، و ينتقل به من مرتبة الحفظ إلى مرتبة العلم، من مرتبة العلم إلى مرتبة الفقه، بالمعنى القرآني و النبوي، لا بالمعنى الاصطلاحي، والفقه بهذا المعنى أيها الأخوة هو أخصُّ من العلم، هو الفهمُ و التفطُّن و حسنُ الإدراك، الفقيهُ لا يقف عند الظواهر، بل يغوص في المقاصد، لا تشغله الألفاظ عما وراءها من المعاني، لا تغرقه الجزئيات فينسى الكلِّيات، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾

[سورة التوبة: 122]

 وفي الحديث الصحيح، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

 الفقهُ في الدين أعلى من العلم في الدين، بالمفهوم القرآني النبوي، لا بالمعنى الاصطلاحي، الفقه في الدين أن تنتقل من الرواية إلى الدراية، من الحفظ إلى الفهم، ليس العلمُ بكثرة الرواية، و لكن نورٌ يقذفه اللهُ في القلب، يقول عليه الصلاة و السلام، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ))

[ أبو داود عن زيد بن ثابت]

 و قد قال الله عز وجل عن بني إسرائيل:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5 ]

 مهما حمل الحمارُ من النفائس، و من الكتب لا يفقه منها شيئاً، هذا الواجب الأول، أن تتقن العلمَ، العلمُ لا يعطيك بعضَه إلا إذا أعطيتَه كلَّك، فإذا أعطيته بعضَك لم يعطِك شيئاً، و يظل المرءُ عالماً ما طلب العلمَ، فإذا ظنَّ أنه قد علِم فقد جهلَ.

 

2 ـ أن يرقى طالبُ العلم عن التقليد الأعمى إلى الفهم المستقلِّ :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الحق الثاني للعلم على صاحبه، الحق الأول أن تتقنه، أن تعطيَه مدَّة وقتك، أن تحكم فهمه، الحق الثاني، يجب أن يرقى طالبُ العلم عن التقليد الأعمى، إلى الفهم المستقلِّ، أن يفكِّر برأسه هو، لا برأس غيره، حيًّا كان أو ميِّتا، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ

((بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا نَارًا فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))

[البخاري عن علي]

 لا تقلِّد تقليداً أعمى، لا تقل: فلانٌ قال كذا، طالبْه بالدليل، لا تقبل شيئاً من دون دليل، و لا ترفض شيئاً من دون دليل، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 170]

 وقال تعالى:

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾

[ سورة الأحزاب: 67]

 تعريف التقليد أيها الأخوة أن تأخذ قولَ الغير بغير حجَّة، و أن تؤيِّده من دون دليل، إلا أن اتِّباعَ الوحيِ، أو اتِّباع الوحيين القرآن و السنة ليسا بتقليد في شيء، لأن الوحيين هما بحدِّ ذاتهما دليل، هذا هو الحق الثاني، أن تترقَّى عن التقليد الأعمى، حقُّ العلم عليك أن تتقنَه و حقُّ العلم عليك أن تدع التقليدَ الأعمى، و أن تكون معلوماتُك مع الأدلَّة البيِّنة الواضحة.

 

3 ـ العملُ بالعلم :

 والحقُّ الثالث العملُ بالعلم، فالعلمُ بالعبادات يقتضي أن تؤدَّيَها على وجهها، مستوفيةً شروطها و أركانها، خالصةً لوجه الله تعالى، و العلمُ بالمعاملات يقتضي أن يقوم بها المرءُ في حدود الحلال بعيداً عن الحرام، و العلمُ بالأخلاق يقتضي أن يتحلَّى بفضائلها، ويتخلَّى عن رذائلها، و العلم بطريق الآخرة يقتضي أن تُعِدَّ للآخرة عُدَّتها، و تسعى إليها سعيَها، والعلمُ عندئذٍ حجَّة لك، لا عليك، و المرءُ يوم القيامة يُسأل عن علمه ماذا عمل به، فقد قال عليه الصلاة و السلام عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ))

[الدارمي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 دقِّقوا أيها الأخوة، ألف رجل لا يطبِّقون العلمَ لا يؤثِّرون و لا بواحد، بينما واحد مطبِّق للعلم يؤثِّر في ألف رجل، حال رجل في ألف أبلغ من مقالة ألف في واحد، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف: 2-3]

 قِيلَ لِأُسَامَةَ:

((لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ - أي أمعاؤه - فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ))

[البخاري عن أسامة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الحقُّ الثالث، حق العلم عليك أن تعمل به، حق العلم عليك أن تتقنه، أن تعطيَه وقتك، و أن تعطيه اهتمامك، حقُّ العلم عليك ألاَّ تقلِّد تقليداً أعمى، فتعطِّل عقلَك، و تعطِّل الدليل، حق العلم عليك أن تعمل به.

4 ـ أن تعلّمه و تنشره :

 أما الحقُّ الذي ترقى عند الله به فأن تعلِّمه وأن تنشره، من حقِّ العلم على المتعلِّم أن يعلِّمه للآخرين، لكلِّ نعمة زكاةٌ، وزكاة المال أن تنفق من المال، وزكاة الوقت أن تنفق من الوقت، وزكاة العلم أن تنفق من العلم، يا بنيَّ العلمُ خيرٌ من المال، لأن العلم يحرسك و أنت تحرس المالَ، و المال تنقصه النفقةُ، و العلم يزكو على الإنفاق.

 

الخيرية المطلقة تكون لمن تعلَّم القرآن و علَّمه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79]

 من هو الربَّاني؟ هو الذي يعلِّم الكتابَ، هو الذي يفيض على الآخرين، هو الذي يحمل همومَ المسلمين، هو الذي يسهم في هداية إنسان :

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

[ سورة المائدة: 32 ]

 رُوٍي عن المسيح عليه السلام أنه:" من علم و عمل و علَّم يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات و الأرض "، وفي الحديث الصحيح عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))

[ البخاري عن عثمان ]

 الخيرية المطلقة من تعلَّم القرآن و علَّمه، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: 52]

 و الهاء تعود على القرآن، أن تتعلَّم القرآن و تعلِّمه فأنت من المجاهدين الكبراء.
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل:

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-2]

 فالله جلَّ جلاله هو المعلِّم الأول، علَّم خلقَه، و علَّم الإنسان البيان، كي يتعلَّم بالبيان من معلِّمه، و كي يعلِّم بالبيان لمن يجهل هذا العلم :

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1- 4]

 قال تعالى:

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

[ سورة البقرة: 151-152]

نصوص من السنة تحضُّنا على تعليم العلم :

 وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ))

[ الترمذي عن أبي أمامة]

 مسافة كبيرة جداً بين مقام رسول الله و بين مقام أدنى مؤمن هي نفس المسافة بين من يعبد اللهَ و بين من يعلِّم الناسَ، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، و حتى الحوتُ في البحر ليُصلُّون على معلِّم الناس الخير. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))

[ البخاري عن عبد الله بن مسعود]

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))

[ البخاري عن عبد الله بن عمرو]

 وأن تبلِّغ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو فرضُ عين. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِع ))

[ الترمذي عن عبد الله بن مسعود]

 وفي حديث آخر، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ زَادَ فِيهِ ))

[ ابن ماجه عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه نصوص من الكتاب و السنة تحضُّنا على تعليم العلم، و تعليم العلم فرض عين في حدود ما تعلم و من تعرف يقول عليه الصلاة و السلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 والحديث الذي تعرفونه جميعا عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ:

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى رِجَالًا، وَتَرَكَ رِجَالًا فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ ))

[البخاري عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ]

 قال النبيُّ عليه الصلاة و السلام مرة:

((على خلفائي رحمة الله، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي و يعلِّمونها عباد الله))

[ابن عساكر عن الحسن بن علي]

 وعن عطاء قال: دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك ؟ قال: ليس أحد يسألني عن شيء، أي إن لم يعلِّم الناس يرى نفسه خاسراً، و الإمام الحسن يقول: " لولا العلم لصار الناسُ كالبهائم "
 هذا هو الحق الرابع أيها الأخوة، أن تعلِّمه، أن تتقنه، أن تبتعد به عن التقليد الأعمى، أن تعمل به، و أن تعلِّمه.

 

5 ـ وجوبُ بيانه وتحريم كتمانه :

 و الحق الخامس من حقوق العلم على صاحبه وجوبُ بيانه وتحريم كتمانه، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 159]

 أنت في موقف، لهذا الموقف حكم شرعي تعرفه، و يخوض الناسُ بأهوائهم، و تبقى ساكتاً، و بإمكانك أن تقول الحقَّ و لا شيءَ عليك، كبيرة من الكبائر كتمان العلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

6 ـ أن يقف طالب العلم عند حدود علمه و لا يتطاول إلى ما ليس من شأنه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الحق السادس، أن يقف طالب العلم عند حدود علمه، و لا يتطاول إلى ما ليس من شأنه، كمن يبحث في كنه الذات الإلهية، قال تعالى:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[ سورة البقرة: 255]

 هذا تطاول، هذه من رعونة العلم، أن يبحث في الغيب المطلق الذي استأثر بعلمه وحده، أن يبحث عن علم الساعة التي لا يعلمها إلا الله، أو أن تقول: اللهُ لا يعلم مستنبطاً بعض الاستنباطات المضحكة، حينما تبحث في ذات الله بعقلك فقد تطاولت على ربِّ العزة.
 أيها الأخوة الكرام ؛ من آداب العلم أن الإنسان إذا سئل عما لا يعلم يجب أن يقول: لا أعلم بملء فمه، دون أن يستحي، فليس في العلم كبير، وفوق كل ذي علم عليم، و ليس هناك إنسان أحاط بكل شيء علماً.

المجنون من يفتي الناسَ في كل ما يستفتونه :

 أيها الأخوة الكرام، من شأن البشر أن يعلم الإنسان شيئاً و تغيب عنه أشياءُ:

قل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً  حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ
***

 إن الذي يفتي الناسَ في كل ما يستفتونه لمجنون، من قال: لا أدري فقد أجاب، و من أخطأ قول لا أدري أُصيبت مقاتلُه، الإمام أحمد بن حنبل جاءه وفدٌ من بلاد الأندلس، معهم ثلاثة و ثلاثون سؤالاً، فأجاب عن سبعة عشر، قطعوا إليه أشهراً، فقالوا: و البقية؟ قال: لا أدري، قالوا: الإمام أحمد بن حنبل لا يدري ‍! قال: قولوا لهم: الإمام أحمد بن حنبل لا يدري "، لا يدري وسام شرف، هذا الذي يدَّعي أنه يعلم كلَّ شيء، لا يعلم شيئاً، هو يدجِّل،
 بعضهم أراد أن يستفتي رجلاً فقال: لا أدري، فلما أخذ عليه مأخذاً قال: أتريد أن تتَّخذ ظهري جسراً إلى النار؟ أتريد أن تتَّخذ ظهري من خلال فتواي جسراً إلى النار؟

 

من استباح حمى الشريعة كان إثمه عظيماً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بدَّ من تعليق دقيق، هناك من استباح حمى الشريعة، و أمسى يحلِّل ويحرِّم، و يوجب و يسقط، و يبدِّع و يفسِّق، بل يكفِّر بمجرَّد أنه قرأ بعض الكتب لبعض العلماء، و لم يتقن أدوات العلم، و لم يملك مفاتيح العلم، و مع هذا فقد أفتى في المسائل العويصة، و حكم في أغمض القضايا، و اعترض على أكابر العلماء، و طعن في أئمة المذاهب، و ساوى رأسَه مع رؤوس الصحابة و التابعين، و قال قائلهم: هم رجال و نحن رجال، و هذا هو الذي يؤدِّي إلى ضياع الدين و خراب الدنيا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا))

[البخاري عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص]

 أيها الأخوة الكرام ؛ من أفتى بغير علم كان إثمه عظيماً، و من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشدَ في غيره فقد خانه، وهناك إفتاءٌ بغير علم، و هذا إثم كبير، وهناك - و العياذ بالله – من يفتي بغير ما تعلم ، النبيُّ عليه الصلاة و السلام عنَّف هؤلاء الذين أفتوا بغير علم، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ:

((جْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ شَكَّ مُوسَى عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ))

[رواه أبو داود عن جابر]

 رجل أصابته الجنابةُ في يوم بارد فسأل فأُجيب إجابةً غير صحيحة، فاغتسل فمات، فقال عليه الصلاة والسلام:

((قتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ))

[رواه أبو داود عن جابر]

قضية العلم قضية مصيرية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قضية العلم قضية مصيرية، لأن العمل مبنيٌّ عليه، و سلامتك و سعادتك من عملك، قال تعالى:

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 32]

 قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 أيها الأخوة الكرام ؛ أنت حينما تطلب العلمَ، و حينما تتقنه، و حينما تبتعد عن التقليد الأعمى، و حينما تعمل به، و حينما تنشره، و حينما تبتعد عن كتمانه، و حينما تعرف حدَّك فتقف عنده فقد أدَّيتً حقوق العلم عليك.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرَنا إلينا، فلنتَّخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الساعة البيولوجية لدى الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام، قد يأتي أخٌ من بلاد بعيدة، فيقول: لا زلتُ في يومين مضطرباً، ليلي نهار، ونهاري ليل، فإذا عاد إلى بلده يبقى يومين مضطرباً، يكون نهارُه ليلاً و ليله نهاراً، ما تفسير هذا علمياً ؟ قال العلماءُ: الإنسان في النهار يزداد استهلاكُ الجسم للطاقة، و الإنسان في النهار ترتفع درجةُ حرارته نصفَ درجة عن المعدَّل الوسطي، و في الليل تنخفض نصفَ درجة عن المعدَّل الوسطي، و في النهار تزداد ضرباتُ قلبه من عشر إلى عشرين ضربة في الدقيقة، و في النهار يزداد إدرارُ البول من ضعفين إلى أربعة أضعاف عنه في الليل، و في النهار يزداد نشاطُ الدماغ و يضعف في الليل، و في النهار تزداد كراتُ الدم البيضاء عنها في الليل، و يزداد استهلاك السكر ثلاثين بالمئة عنه في الليل، و في الليل يزداد هرمونُ النمو و هرمون الإخصاب، أنت بعقلك تعرف أن هذا الوقت نهار، و هذا الوقت ليل، هذه الأنسجة و تلك الخلايا، و هذه الأعضاء و تلك الأجهزة من يعلمها أن الوقتَ ليل أو نهار حتى تعمل وفق هذا التنظيم؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك ما يُسمَّى في جسم الإنسان بالساعة البيولوجية، فهناك مجموعة من الخلايا إلى جانب الغدَّة النخامية، هذه تستشعر ضوءَ الشمس الذي يسقط على قاع الشبكية، إذا استشعر ضوء الشمس وسقط على قاع الشبكية هذا المركز الذي إلى جانب الغدة النخامية هو الذي يُعلم بقية الأجهزة أن الوقت نهار فترتفع ضرباتُ القلب و يزداد استهلاكُ الطاقة و ترتفع نسبة السكر المحروق إلى آخره، فهذا المركز اسمه ساعة الرأس البيولوجية، فالإنسان إذا سافر إلى طرف الدنيا الآخر ماذا يحصل؟ يصبح الليلُ نهاراً و النهار ليلاً، فإلى أن تُبرمج هذه الساعة مرة جديدة ينام في النهار و يستيقظ في الليل.
 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل: 88 ]

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾

[ سورة التين: 4-5]

 إن لم يعرف الله، إن تاه في الأرض، و إن ارتكب المعاصي و الآثام.

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 فإذا لم يقدِّر هذه النعمة رُدَّ إلى أسفل السافلين.
 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الذاريات: 21]

 و اللهِ الذي لا إله إلا هو لو أمضينا كلَّ عمرنا في الآيات الدالة على عظمة الله في أجسامنا فقط لكفتنا هذه الآيات تعريفاً بالله و تعظيماً له و انقياداً لأمره.

 

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام، اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافينا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، و إنه لا يذلُّ من واليت، و لا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا و تعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقرِّبنا إليك، اللهم أعطنا لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنَّا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارضَ عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زادا لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسِنا ذكرك يا ربَّ العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، نعوذ بك من الذلِّ إلا لك، و من الخوف إلا منك، و من الفقر إلا إليك، اللهم كما أقررت أعينَ أهل الدنيا بدنياهم فأقرِر أعيننا من رضوانك يا ربَّ العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحبُّ فاجعله عوناً لنا فيما تحبُّ، و ما زويتَ عنا ما نحبُّ فاجعله فراغاً لنا فيما تحبُّ، يا ربَّ العالمين، اللهم صُن وجوهنا باليسار، و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرَّ خلقك، و نُبتلَى بحمد من أعطى و ذمِّ من منع، و أنت من فوقهم وليُّ العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم يا ربَّ العالمين أعلِ كلمة الحق و الدين، و انصر الإسلام، و أعزَّ المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحبُّ و ترضى، إنك على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018