الخطبة : 0708 - العلم3 - العلم الذي يُعد فرض كفاية - منافع الشاي الأخضر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0708 - العلم3 - العلم الذي يُعد فرض كفاية - منافع الشاي الأخضر.


1999-07-16

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أنواع العلوم :

 أيها الأخوة الكرام، قبل عدة أسابيع بدأت موضوعاً متسلسلاً حول فضل العلم، وحول العلم الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة، وقطع هذا الموضوع بخطبة المولد، والخطبة الإذاعية، ولأتابع هذا الموضوع نصل اليوم إلى العلم الذي يُعد فرض كفاية.
 كلكم يعلم أن الفروض نوعان، فروض عين تجب على كل مسلم كائناً من كان، وفروض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل.
 وقد ذكرت لكم أن العلوم على أنواع، منها ما هو فرض عين ينبغي أن يعلم بالضرورة، ومنها ما هو علوم مباحة لا ثواب ولا عقاب، ومنها ما هي علوم محرمة مذمومة، فهذا الموضوع أيها الأخوة يتعلق بالعلم، ولا أكتمكم أن في القرآن الكريم ما يقترب من ألف آية في موضوع العلم والعقل والتفكر وما إلى ذلك، ولأن العلم هو الحاجة العليا في الإنسان، والإنسان لا يؤكد إنسانيته إلا إذا طلب العلم، فإذا اكتفى بتلبية حاجات جسمه فهو إلى البهيمية أقرب، لأن في الإنسان جانباً هو العقل يحتاج إلى العلم، وفي الإنسان جانب هو النفس غذاؤه الحب، وفي النفس جانب مادي غذاؤه الطعام والشراب، فمن اكتفى بالطعام والشراب هبط طواعية إلى مستوى البهيمية. أما من طلب العقل، ومن طلب القرب.. العقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، فمن طلب العلم وطلب القرب من الله عز وجل فقد حقق إنسانيته، وحقق الهدف الذي من أجله خُلق.

 

طلب العلم فريضة على كلّ مسلم وتأكيد لإنسانيته :

 أيها الأخوة الكرام، مرةً ومرة أكرر هذه الحقيقة: ليس كل ذكي عاقلاً، قد تتفوق في اختصاصك أعلى تفوق، ولأن الإنسان لم يعرف الله عز وجل، ولم يعرف سرّ وجوده، ولا غاية وجوده، ولم يعرف مهمته في الحياة، ولم يدر ما الأمانة، ولا التكليف، لا يُعد عاقلاً، قد يكون ذكياً في اختصاص ضيق، ولا يُعد عاقلاً، لأن العاقل هو الذي عرف الله. ويؤكد هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى في الطريق مجنوناً فسأل أصحابه سؤال العارف قال: من هذا ؟ قالوا: مجنون، قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله. فطلب العلم فريضة على كل مسلم، وتلبية لحاجة الإنسان العليا، وتأكيد لإنسانيته، والعلم فرض عين لا يُعفى منه أحد كائناً من كان، فمن لم يعرف حقائقه هلك، في أية لحظة، فمن لا يعلم العلم الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة هلك، كالسائق الذي يطفئ مصباحه فجأة في ظلام دامس، وفي طريق كله منعطفات، وعن يمينه واد وعن يساره واد، العلم نور، فمن أطفأ النور باختياره لابد من أن تتدهور مركبته. هذا كلام دقيق، وأهل النار في النار يقولون:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك: 10]

 سبب أنهم في السعير أنهم عزفوا عن طلب العلم.

 

العلم الصحيح طريق الإنسان إلى السّلامة و السّعادة :

 أيها الأخوة الكرام، قد يعطي الله الملك لمن يحب ولمن لا يحب، وقد يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، ولكنه لا يؤتي العلم والحكمة إلا لمن يحب، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة القصص: 14]

 واقرأ قوله تعالى:

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 113]

 العظيم يقول لك: وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً.
 لأنك بالعلم الصحيح تصل إلى جنة عرضها السموات والأرض، لأنك بالعلم الصحيح تسلم، وبالعمل الصالح تسعد.

 

فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل :

 أيها الأخوة الكرام: فرض الكفاية الذي إذا قام به البعض سقط عن الكل، قد يكون في علوم الدين، وقد يكون في علوم الدنيا، فأما في علوم الدين فكل علم ليس بفرض عين هو فرض كفاية، فإن تعلمه والتبحر فيه يُعد فرض كفاية، بحيث يظل في الأمة من إذا استفتي أفتى بعلم، ومن إذا قضى قضى بحق، ومن إذا دعا دعَا إلى بصيرة وعلى بصيرة.
 أيها الأخوة الكرام، يؤكد هذه الحقيقة قول الله عز وجل:

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 122]

 وكأن الآية تشير إلى أنه يجب أن تطلب العلم ولو كنت بعيداً عن بلدك، وقد قسّم العلماء السفر إلى مستويات، فجعلوا في قمة السفر الجهاد في سبيل الله، ثم طلب العلم، ثم الفرار بالدين، ثم السفر لكسب الرزق، هذا هو السفر الذي ورد في الشريعة الإسلامية.. سفر جهاد، وسفر لطلب علم، وسفر لكسب الرزق.

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 122]

 هذه الآية لا توجب علوم فرض الكفاية على الجميع، بل يكفي بعض الجميع كي تتحقق المصلحة، ويسقط الإثم عن الجميع، إنما أوجبه على كل طائفة من كل فرقة سواء كانت هذه الطائفة اثنين أو أكثر مادامت تكفي لمهمة الفقه والإنذار.
 أيها الأخوة الكرام، علم المواريث مثلاً لابد من اختصاصيين يتبحرون فيه، ليجيبوا عن سؤال في موضوع المواريث، فهذا العلم التبحر فيه، والتعمق فيه، وفهم دقائقه، وجزئياته فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل. وقد ورد في الحديث الشريف:

((إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا))

[ متفق عليه عن ابن عمرو ]

 حينما تفتقر الأمة إلى متخصصين متبحرين متيقنين ملمين بفروع العلم الدينية، أثمت الأمة كلها، هؤلاء إذا سُئلوا أجابوا بغير علم فضلوا وأضلوا. ولا تنسوا ـ أيها الأخوة ـ أن الله جل جلاله حينما رتب المعاصي والآثام ترتيباً تصاعدياً ذكر الفحشاء والمنكر، والإثم والعدوان، والشرك، والكفر، وجعل على رأس هذه المعاصي: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. فالتبحر بالعلوم الشرعية، والتأكد من دقائقها، والإلمام بتفاصيلها، والرد على خصومها، هذا علم يُعد فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل. وبعض علماء التفسير قال:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 104]

 قال: (من) للتبعيض..

﴿ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 104]

 بل إن نقل العلم يُعد فرض كفاية لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

 في حدود ما تعلم ومع من تعرف، وعليك بخاصة نفسك، تبليغ هذا العلم يُعد فرض كفاية، وهذا مأخوذ من قوله تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3 ]

 التواصي بالحق ربع النجاة، أما أن تلم بتفاصيل العلوم، وتفاصيل الأدلة، وأن ترد على خصوم المسلمين، بحجة ناصعة دامغة، فهذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل.

 

الدعاء إلى الله بصدق وإخلاص أعظم علم على الإطلاق :

 أيها الأخوة الكرام، استناداً لهذه المقدمة الواجب على الأمة بالتضامن والتعاون أن تهيئ من أبنائها من يقوم بهذه المهمة، مليون طالب في بلدنا الطيب ألا يحتاجون إلى مدرسين للتربية الإسلامية؟ فإذا عزف كل شاب عن دراسة الشريعة من يدرس هؤلاء الطلاب؟ مئات المساجد في بلدنا الطيب من يتصدى لإلقاء خطبة الجمعة لينفع الناس بها إذا عزف الناس عن تعلم العلوم الشرعية الدقيقة؟
 فيا أيها الأخوة الكرام، هذا يقتضي أن نفرز من أبنائنا المتفوقين لدراسة علوم الدين، ولتطبيق أحكام الدين، من أجل أن يكونوا دعاة إلى الله عز وجل، ولا تنسوا أن الله يقول:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت: 33]

 إنها صنعة الأنبياء بالقرآن الكريم، كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن تدعو إلى الله بصدق وإخلاص هو أعظم علم على الإطلاق.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت: 33]

 أي أب عنده ابن متفوق، إن كان يريد الجنة، إن كان يريد الله والدار الآخرة، ينبغي أن يفرز ابنه لطلب العلم الشرعي ليكون داعية من بعده. هناك أشياء في السنة رائعة جداً. يأجر الله عز وجل بالنبل منبله والرامي به :

((مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فقد غَزَا))

[متفق عليه عن زيد بن خالد الجهني]

((مَنْ خَلَفَ غَازِياً في أهْلِهِ بخير فَقَدْ غَزَا))

[متفق عليه عن زيد بن خالد الجهني]

 يُقاس على هذه الأحاديث من هيأ داعية فقد دعا، من يسَّر لداعية أموره فكأنه ساهم في هذه الدعوة، من يسر سبل طلب العلم للدعاة فكأنما دعا إلى الله عز وجل، لأن الله فضله عظيم، كل من له سهم في هذه الدعوة له سهم من الأجر، فإما أن تكون داعية إلى الله وهذه مرتبة عالية جداً بشرط الإخلاص، وبشرط الانضباط بالكتاب والسنة، أو أن تتبنى داعية، أو أن تدعم داعية، أو أن تيسر لطالب علم علمه.
 يا أيها الأخوة الكرام، ألقى أحد مندوبي دول أفريقيا كلمة رائعةً جداً في مؤتمر حضرته قبل أسبوعين، وعلمت فيما بعد أنه درس في الشام، فطالب العلم الذي تعتني به من يدريك سيكون داعية كبيراً في بلده، فإما أن تدعو إلى الله وإما أن تتبنى من يدعو إلى الله عز وجل.
 فالواجب على الأمة بالتضامن والتعاون والتكاتف أن تهيئ من أبنائها من يقوم بهذه المهمة في طلب العلم، وفي الإفتاء، والتفقه، والتعليم، والدعوة، والإرشاد في صورة التخصص العالي، الدعوة إلى الله بالمفهوم الدقيق اختصاص، ينبغي أن يلم الإنسان بتفاصيل العلوم.

 

كل علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا هو فرض كفاية :

 أيها الأخوة الكرام، وأما علوم الدنيا فكل علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا يُعد فرض كفاية، كعلم الطب، وعلم الرياضيات، وعلم الزراعة، مصالح المسلمين لابد لها من علوم تطورها، وتضمنها، وتنمو بها، فإذا اعتمدنا على خبرات الأجانب كل حياتنا أنفقنا كل أموالنا رواتب لهم، إذا اعتمدنا على الأجانب كادوا لنا، وأفقرونا.
 أيها الأخوة الكرام: عندي إحصاءات قرأتها منذ زمن طويل، قبل خمسين عاماً جرى إحصاء أن أربعة عشر إنساناً في العالم يعمل لإنسان بريطاني واحد بسبب الجهل والعلم، كيلو واحد من الصوف نبيعه إلى بلاد الغرب يعود إلينا مصنّعاً بألف ضعف، ألف ضعف ثمن التصنيع. بعضهم يقول: الغربيون يأكلوننا إذا اشتروا منا، ويأكلوننا إذا باعونا، إذا باعونا بَاعونا بأرقام فلكية، وإذا اشتروا منا يشترون بأبخس الأسعار، هذا هو الجهل والعلم. نحن بحاجة إلى أطباء، بحاجة إلى مهندسين، بحاجة إلى خبراء، بحاجة إلى متخصصين، كي تقوم حياة المسلمين من دون اعتماد على الغربيين، من دون أن نكون تحت هيمنتهم، وتحت سيطرتهم، لابد من أن نتفوق. فيا أيها الأخوة الكرام، هذه العلوم التي لا تقوم الحياة إلا بها فروض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل. سيدنا عمر رضي الله عنه حينما كان يتفقد رعيته ومرّ ببلدة وجد أن كل الفعاليات الاقتصادية بيد غير المسلمين، قال كلمة تُعد رؤية مستقبلية رائعة، قال لهم معنفاً: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟
 المنتج قوي، والمستهلك ضعيف، المستهلك تحت رحمة المنتج.. تعمير محرك طائرة قد يكلف خمسة ملايين دولار، أي شيء نحن في أمس الحاجة إليه حينما نشتريه من بلاد الغرب ندفع ثمناً لا طاقة لنا به، يشترون ثرواتنا بأبخس الأثمان، ويبيعوننا صناعاتهم بأغلى الأثمان بسبب تواني المسلمين عن طلب العلم الذي تقوم به حياة المسلمين، فهذه العلوم التي لا تقوم الحياة إلا بها فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل.
 أيها الأخوة الكرام، هذا هو العلم الذي إذا قام به البعض سقط عن الكل، يُستنبط من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ".
 هناك معركة بين الحق والباطل، فكلما قوي المسلمون، واستخرجوا ثرواتهم، وصنّعوا موادهم الأولية، واكتفوا بها عن أن يستوردوا من أعدائهم كل شيء، كلما كان أكثر عونًا على أن ينتصروا على أعدائهم، وكلما كان أعداؤهم مصنعين، وهم مستهلكون كلما كانت بلادهم سوقاً استهلاكية لأعدائهم، فهم في تخلف شديد، فلا بد من أن نطلب العلوم التي لا تقوم الحياة إلا بها، وهذا العلم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل.

 

العلوم المباحة :

 وأما العلم المباح فالذي لا يتعلق به حكم شرعي لا ندب، ولا واجب، ولا فرض، ولا كراهية، ولا تحريم، وقالوا: الشعر كلام؛ حسنه حسن وقبيحه قبيح.. لو أن الشعر الحسن الذي ليس فيه معصية، لا هجاء ولا غزل ولا أي شيء يجرح المشاعر أو يخالف النص، هذا علم مباح، أما إذا استخدم في الرد على المنتقدين، وفي الدعوة إلى الله فأصبح هذا العلم المباح مسخراً للدعوة إلى الله، أصبح صاحبه له أجر، كيف أن حسان بن ثابت رضي الله عنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟
 العلم بالتاريخ هذا أيضاً من العلوم المباحة، ولكن هناك نقطة دقيقة جداً، وهي أن هذه الدراسات الأدبية واللغوية والتاريخية والجغرافية إذا كانت علوماً مباحة لا ثواب ولا عقاب فهي بحق الأمة فروض كفاية يجب أن يقوم بها البعض، بحق الأفراد مباحة، ولكن بحق الأمة تُعد فروض كفاية، لماذا؟ لأنه قد يذهب طالب من طلابنا إلى بلاد الغرب ليدرس التاريخ، فيتعلم من أساتذته المستشرقين أن العرب فتحوها ليتخذوها مجالاً حيوياً لأنهم فقراء، وهؤلاء الذين يقبعون على مكاتبهم في بلاد الغرب لا يفهمون خروج العرب لفتح البلاد إلا لسبب اقتصادي محض، هذا تشويه للتاريخ، فإذا كان من أبنائنا من درس التاريخ دراسة صحيحة و ردّ على هؤلاء فهذا بحق الأمة يُعد فرض كفاية يجب أن يقوم به البعض.
 هناك إشارة من السنة الشريفة بهذه العلوم المباحة: " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فسأل من هذا؟ فقالوا: هذا عالم بالأنساب، فقال عليه الصلاة والسلام: ذاك علم لا ينفع من تعلمه ولا يضر من جهل به".
أي لا ثواب ولا عقاب، مادام هناك إباحة فهناك بحبوحة من أمره.

 

العلوم المذمومة المحرم تعلّمها :

 ولكن يا أيها الأخوة الكرام: يجب أن نصل إلى آخر فقرة في هذه الخطبة وهي العلم المذموم، المحرم تعلّمه، علم الشعوذة والتلبيسات، علم السحر والطلسمات، يقول عليه الصلاة والسلام:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ))

[النسائي عن أنس بن مالك ]

 ولقد قال الله عز وجل:

﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾

[ سورة البقرة: 102 ]

 هذا العلم محرم تعلمه، ومن ادعى أن هناك حديثاً: تعلم السحر ولا تعمل به، هذا ليس بحديث ولا أصل له، وهو من الضلالات، الشيء المحرم لا ينبغي أن يُتعلم. هذا الأدب المكشوف، الأدب اللأخلاقي، سواء قرأته أو سمعته أو شاهدته ممثلاً، هذا أيضاً من العلوم المحرم تعلمها أو الإطلاع عليها. والسحر كما قال عليه الصلاة والسلام من السبع الموبقات المهلكات للفرد والجماعة. وعلم التنجيم:

((من أتى كاهناً فقد كفر))

[ البزار عن عمران بن حصين]

(( مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ ))

[ابن ماجه وأحمد عن ابن عباس]

 كذب المنجمون ولو صدقوا ، لو أنه صدفة وقع ما قالوا فهذا من قبيل الصدفة لا من قبيل العلم إنهم كاذبون.
 أيها الأخوة الكرام، عوام المسلمين واقعون في براثن هؤلاء المشعوذين السحرة الذين يعتدون على الأعراض، ويسلبون الأموال ويبتزونها باسم السحر والشعوذة، وإزالة الخلاف بين المرأة وزوجها، وما إلى ذلك، فهذه العلوم ينبغي ألا يعلمها الإنسان لأنها محرمة. فصار أيها الأخوة: علم ينبغي أن يعلم بالضرورة لا يُستثنى منه أحد وإلا هلك صاحبه، وعلم يُعد فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، وهو متعلق بالدنيا والآخرة، علوم الدنيا التي لا تقوم حياة المسلمين إلا بها ينبغي أن نعلمها، وعلوم الدين مع التبحر والتفصيل الأمة في أمسِّ الحاجة إليها، وعلم مباح لو وظف في الحق لأجر عليه صاحبه، وعلم مذموم علم السحر والشعوذة، وعلم التلبيس والسحر والطلسمات، هذه كلها علوم تؤذي المسلمين وتذهب أموالهم سدى، وقد يُعتدى على أعراضهم بها.

 

أكبر فضل لله على الإنسان أن يعلمه ما لم يكن يعلم :

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نطلب العلم..

((ابن عمر دينَك دينَكَ، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا... ))

[الكفاية في علم الرواية للخطيب عن ابن عمر ]

 ولا تنسوا أيها الأخوة أن أحد أسباب دخول النار الجهل، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك الآية : 10]

 وأن أكبر فضل لله عليك أن يعلمك ما لم تكن تعلم، قال تعالى:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

[سورة النساء : 113]

 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ضرورة تحصيل العلوم التي تقوم حياة المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام، سمعت من بعض الأخوة من بلد مسلم في إفريقيا كما قلت في مؤتمر قبل أسبوعين، أن بلداً إسلامياً كان يستورد مادةً من بريطانيا من عام ثمانية وأربعين، بأسعار فلكية، ثم اكتشف أنها ملح ومادة أخرى بسيطة جداً ورخيصة، هذا ثمن الجهل. وأن أجهزة قد ندفع ثمن إصلاحها وصيانتها ملايين من العملات الصعبة ولو كان في أبنائنا من درس هذه الآلات لوفر علينا مبالغ طائلة إنهم يسرقوننا، إذا باعونا، وإذا اشتروا منا، فهذا مرتبط بموضوع الخطبة، بفرض الكفاية، يجب أن نحصّل العلوم التي تقوم حياة المسلمين بها.
 سئل أحد المفكرين: ماذا نأخذ وماذا ندع من الغربيين؟ فقال: نأخذ ما في رؤوسهم، وندع ما في نفوسهم، إحساسنا ملكنا، وإحساسهم لهم، قيمنا لنا، وقيمهم لهم، أما هذه العلوم فقاسم مشترك بين كل الأمم والشعوب، بل إنه قال أيضاً: ثقافة أية أمة هي بمثابة عسل استُخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال، فهذا العسل هو ملك الإنسانية كلها، وهل يُعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها؟

أسباب ازدياد نسب الأورام الخبيثة :

 أيها الأخوة الكرام، الموضوع العلمي في هذه الخطبة دقيق جداً، ذكرت من قبل أن نسب الأورام الخبيثة في ازدياد مستمر ومخيف، وبسلسلات أعلى من عددية لعلها هندسية، والسبب أنه كما تعلمون العصر الحديث فيه ظاهرة تغيير خلق الله، تغيير خلق الله وراء ارتفاع نسب الأورام الخبيثة في أكثر البلاد المتخلفة.
 كلكم يعلم أن في الإنسان جهازاً خطيراً جداً هو جهاز المناعة المكتسب، وهذا الجهاز عبارة عن جيش بكل ما في الكلمة من معنى، فيه فرقة استطلاع، فيه فرقة تصنيع أسلحة، وفرقة قتال، وفرقة هندسة، وهناك فرقة كومندوس، هذه الفرقة تستطيع أن تكتشف انحراف الخلية في وقت مبكر جداً وتلتهمها، بل إن أحدث العلومِ العلوم التي تبحث في علم الهندسة الوراثية.
 اكتشف أن في الإنسان مورثاً للورم الخبيث، له قامع يمنعه من أن يكون فعالاً، هذا القامع ما الذي يفكه؟ قالوا: يفكه ذرة البلاستيك، فإذا استعملنا البلاستيك بشكل مكثف مع المواد الحارة، والمواد الحامضية، وإذا استعملناه بشكل ميكانيكي، أي كشطنا بالسكين مادة غذائية معبأة في البلاستيك، فربما دخلت بعض ذرات البلاستيك إلى أجسامنا، وهذه الذرة يمكن أن تفك القامع الذي يمنع مورث الورم الخبيث من أن يفعل فعله.
 شيء آخر ذرة البترول، هذه لو استنشقناها، أو أكلناها بشكل أو بآخر بخطأ أو بغير خطأ هذه أيضاً تفك القامع الذي يقمع هذا المورث عن أن يفعل فعله.
 والمواد المشعة لها دور كبير في إحداث هذه الأورام، ثم إن الشدة النفسية التي يعاني منها معظم الناس البعيدين عن الله عز وجل والواقعين في الشرك الخفي، إنهم يتحملون من الضغط ما لا يحتملون، وهذه الشدة النفسية أحد أسباب هذه الأورام، والآية الكريمة:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 213]

 أيها الأخوة الكرام، جهاز المناعة المكتسب قال عنه العلماء: قيادته خارج الجسم إنها بيد الله عز وجل، وأن الحب والأمن والمودة يقويان هذا الجهاز، وأن الخوف والقلق والحقد يضعفان هذا الجهاز، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الحبة السوداء تشفي من كل داء، وقد عُقد مؤتمر في القاهرة من أجل بحث ما في هذه الحبة السوداء، فإذا هي تقوي جهاز المناعة، وجهاز المناعة مسؤول عن الأمراض الخبيثة والجرثومية.

 

منافع الشاي الأخضر :

 لكن هذا تمهيد لموضوع دقيق، من منا يصدق أن استهلاك العالم للشاي خمسة ملايين طن؟ وأن خمس هذه الكمية من الشاي الأخضر - وقد ثبت بالتجارب العلمية - لها مفعول مضاد للسرطان، كما ينصب فخاً للمواد الكيماوية المسببة للسرطان، بل إن هذه المادة الفعالة لها اسم أجنبي، هذه المادة الفعالة تقي في الأعمّ الأغلب من الورم الخبيث المعوي وتحمي المعدة والبنكرياس والقولون والثدي، شرب الشاي الأخضر مع الطعام عادة شعبية في اليابان، لذلك أقل نسبة إصابة في هذا المرض في اليابان، هذه الحقيقة قرأتها في مجلة محترمة جداً أردت أن أضعها بين أيديكم.
 على كلّ صحة الإنسان ليست ملكه، إنها ملك أسرته، وملك المسلمين، وهي رأسماله، الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، ولكن الإنسان قد يعيش مريضاً، وقد يعيش صحيحاً، هذا متعلق بمدى اتباعه لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، التوحيد رأس الوقاية من هذه الأمراض، لأنه يبعدك عن الشدة النفسية التي وراء أكثر الأمراض.
 أيها الأخوة الكرام، هذه حقائق يجب أن نأخذ بها، وأن نعتني بصحتنا، لأنها رأسمالنا، ووعاء أعمالنا، وسبيلنا إلى كسب رضا الله عز وجل.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذّل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018