الخطبة : 0707 - العلم2 - المعلوم من الدين بالضرورة - فقرة من كتاب عدة الصابرين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0707 - العلم2 - المعلوم من الدين بالضرورة - فقرة من كتاب عدة الصابرين


1999-07-02

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة :

 أيها الأخوة المؤمنون، في الأسبوع قبل الماضي تحدثت عن طلب العلم، وعن أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، تحدثت في هذه الخطبة عن فضل طلب العلم، وعن ضرورة طلب العلم، ووعدتكم بعد أن قسمت - فيما ورد في كتب العلم - العلم إلى علم ينبغي أن يعلم بالضرورة، وعلم يعد فرض كفاية، وعلم مباح، وعلم مذموم. موضوع الخطبة اليوم العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة، العلم الذي هو فرض عين على كل مسلم، وأذكركم بمثل يوضح الموضوع هذا المظلي قد يجهل معلومات كثيرة، قد يجهل شكل المظلة أبيضوي هو أم دائري أم مربع، قد يجهل نوع الحبال، عدد الحبال، لون الحبال، نوع القماش، طبيعة النسيج، قد يجهل مئات المعلومات ولكن معلومة واحدة إذا جهلها نزل ميتاً، إنها طريقة فتح المظلة.
 والعلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة هو للمظلي طريقة فتح المظلة، إما أن يعلم وإما أن يهلك، هذا العلم هو فرض عين على كل مسلم، لا يعفى منه من نال أعلى شهادة في اختصاص معين، هذا الذي نال أعلى شهادة في اختصاص معين أمي في الدين، كما أن أكبر رجل دين إذا أمسك رسم تخطيط القلب يعد أمياً في فهم هذا الرسم، فكل إنسان له اختصاص أما العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة فهو فرض عين على كل مسلم من أي اختصاص، من أي درجة ثقافية، من أي منبت، من أي هوية، إما أن تعلم وإما أن تهلك، هذا العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة، هذا الكلام ينطلق من قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور الذي ورد من خمسين طريقاً وقد ورد في صحيح الجامع الصغير والذي رواه ابن ماجة:

((طلب العلم فريضة على كل مسلم))

[سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك ]

 اتفق شارحو الحديث على أن كلمة مسلم في هذا الحديث تعني كل مسلم أو كل شخص مسلم ذكر كان أم أنثى، ولكن الشيء الذي اختلف به العلماء ما العلم الذي هو فريضة على كل مسلم ومسلمة ؟

 

معرفة الله و اليقين بصدق نبوة النبي هو العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة :

 أيها الأخوة الكرام، علماء الكلام قالوا: علم العقائد الذي ينقلنا إلى توحيد الله هو العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة.
 والفقهاء قالوا: علم الفقه الذي يعرف به الحلال من الحرام وتعرف به صحة العبادات واستقامة المعاملات هو العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة.
 والمفسرون قالوا: علم تفسير كتاب الله الذي هو أساس الملة هو العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة.
 والمحدثون قالوا: علم الحديث المبين للقرآن الكريم والمجسد لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة.
 وعلماء القلوب قالوا: هو طريق علم الآخرة والسلوك إلى الله وتزكية النفس.
 وبعض علماء الأصول قالوا: هو علم أصول الفقه لأن العلماء أمام علماء الأصول أميون فبه يعرف الاستدلال من النص والاستنباط فيما لا نص فيه. بل هناك من قال: إن علم العربية من نحو، وصرف، وبلاغة لأنه به يفهم القرآن ينبغي أن يعلم بالضرورة.
 كل واحد من هؤلاء معه جزء من الحق، والحق هو الذي يجمع كل هذه الأقوال بشكل متوازن ومعتدل، المسلم عليه أن يتعلم من دينه ما يعرف به ربه، إنه إذا عرف ربه تفانى في طاعته، أما إذا عرف الأمر والنهي ولم يعرف ربه تفنن في التفلت من تطبيق أمره، يعتمد تارةً على فتوى ضعيفة، وتارةً على فتوى من رجل لا يخشى الله عز وجل، ويعتمد على فتوى ممن يقرب الدين من الواقع.
 إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، فالعلم الذي ينبغي أن يعرف بالضرورة أن تتعرف إلى الله به، وأن تعرف به نبيه، وأنه المعصوم، وأنه الذي لا ينطق عن الهوى، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أقواله، وأفعاله، وإقراره، وسيرته، وأوصافه، تشريع، وأن الله عز وجل أمرنا أن نأخذ منه، وأمرنا أن ننتهي عما نهانا عنه، وأمرنا أن نقتدي به. العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة أن تعرف الله، لأنه أصل الدين، وعلامة معرفة الله أن تطبق أمره، معرفة الله التي تحملك على طاعته هي الحد الأدنى من العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة، أما المعرفة التي لا تحملك على طاعة الله عز وجل فهذه معرفة ليست منجية، ما من إنسان على وجه الأرض إلا القليلَ الذي ينكر وجود الله، لكن الذي نعنيه بمعرفة الله أن تعرفه إلهاً متصرفاً، فاعلاً، أمره هو النافذ، إليه يرجع الأمر كله، بيده ملكوت كل شيء:

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 4]

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

[ سورة الزخرف : 84]

 علم التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، من العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة أن تستيقن بصدق نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تستيقن بصحة رسالته، وأن القرآن المنزل عليه هو كلام الله المتعبد بتلاوته، وأن يعرف المسلم العقائد الأساسية في الإسلام، العقائد في الإلهيات، وفي النبوات، وفي الغيبيات المتعلقة بالآخرة، أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن كل أسمائه حسنى، وكل صفاته فضلى، وأن تؤمن بالعالم غير المنظور الذي أخبرنا الله به، وأن يأخذ المسلم من كتاب الله الأمر والنهي والعقائد، والآداب والمعاملات، فهو المصدر الأول للإسلام، وأن يأخذ من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ومن تشريعه القولي المصدر الثاني الذي ينبغي أن يفهم به القرآن.

 

على الإنسان أن يأخذ من القرآن ما يقنع به عقله و يتنور به قلبه :

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نأخذ من القرآن ما تقنع به العقول، وتتنور به القلوب بعيداً عن التقليد الأعمى، وعن المحاكاة الجدلية التي أفسدت تفكير الخواص واعتقاد العوام، ينبغي أن تدرس العقيدة الصحيحة لا من علماء الكلام ولكن من كلام ربنا جلّ جلاله، من القرآن الكريم الذي أنزله الله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وأن تؤخذ من السنن الصحاح التي بينت القرآن، ويسرت فهمه، ويمكن أن نأخذ من العلوم الكونية التي تنطبق انطباقاً عفوياً تاماً على الآيات القرآنية ما تكشف للناس حقيقة هذا الدين العظيم وأنه من عند خالق السموات والأرض. ذكرت مرةً أن منعكساً، حركةً آلية تنشأ مع الطفل من دون تعليم هي منعكس المص ولولا هذا المنعكس لما كان على وجه الأرض إنسان، هل يستطيع أعلى مربٍّ في الأرض أن يعلّم طفلاً ولد لتوه كيف يضع شفتيه على حلمة ثدي أمه وكيف يحكم الإغلاق وكيف يسحب الهواء ليأتي بالحليب ؟ هذه العملية معقدة لو أن الإنسان ولد دون أن يعرفها لمات من الجوع، من خلق في هذا الطفل هذا المنعكس الذي لولاه لما كنا على سطح الأرض ؟
 من جعل الماء في الدرجة زائد أربعة تنعكس خصائصه من انكماش مع التبريد إلى توسع مع التبريد ولولا هذه الخاصة لما وجدت كائناً على سطح الأرض، يمكن أن نأخذ من العلوم الكونية المتطابقة مع القرآن تطابقاً تاماً وعفوياً من دون تكلف، أن نأخذ من هذه العلوم ما يعين على معرفة الله، وعلى معرفة حكمته، وقدرته، ورحمته، وعلمه.
 أيها الأخوة الكرام، لأن في القرآن الكريم ألفاً ومئتي آية عن الكون، هل يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له؟ لماذا سدس القرآن الكريم آيات تتحدث عن الكون؟ من أجل أن نعرف الله عز وجل عن طريق التفكر في خلق السموات والأرض، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190 ]

على المسلم أن يتعلم من أحكام الإسلام وشرائعه ما هو بحاجة إليه :

 أيها الأخوة الكرام، على المسلم أن يتعلم من أحكام الإسلام وشرائعه ما هو بحاجة إليه، أي مسلم بحاجة إلى علم الطهارة، وعلم أحكام الصلاة، وهذا ما لا يستغني عنه كل مسلم، ومن علم الصيام، ومن علم الزكاة بحسب نوع النصاب الذي هو فيه، فالتاجر ينبغي أن يعرف أحكام الزكاة في عروض التجارة، والمزارع ينبغي أن يعرف أحكام الزكاة فيما تنتجه الأرض، ومربي المواشي ينبغي أن يعلم أحكام الزكاة في الأنعام، وكل إنسان عنده نصاب من نوع آخر من أنواع الزكاة يجب أن يعلم تفاصيل هذه الأحكام بالضرورة وإلا يهلك، علم الطهارة وعلم الصلاة، وعلم الصيام، وعلم الزكاة لمن ملك النصاب وبحسب نوع النصاب، فإذا كان مستطيعاً وقادراً ينبغي أن يعلم أحكام الحج التفصيلية، وينبغي للمسلم أن يعلم أحكام الحلال والحرام.
 عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ))

[متفق عليه عن عامر]

 يجب أن يعلم أحكام الحلال والحرام في المأكل، والمشرب، والزينة، وهو في بيته، وهو في عمله، وهو في الطريق، وفي حياته الأسرية، وحياته الاجتماعية، هذا ما يسمى في كتب الفقه بالحظر والإباحة، ما المباح وما المحظور في المأكل والمشرب والزينة، وهو في بيته، وهو في عمله، وهو في الطريق، وفي حياته الأسرية، وحياته الاجتماعية، وأنت مقيم، وأنت مسافر في كل الشؤون.
 أيها الأخوة الكرام، لذلك ينبغي أن يكون في بيت كل مسلم كتاب فقه مدلل ومعلل، مدلل مع الدليل، ومعلل مع التعليل، وقد قال العلماء: إن التقليد المطلق ليس علماً، كل إنسان طالب علم على جانب من الثقافة ينبغي أن يأخذ الحكم مع التعليل ومع الدليل، لا أن يقلد تقليداً أعمى، يقبل التقليد من العوام فقط الذين لا يقرؤون ولا يكتبون.

 

على الإنسان أن يعرف من الفقه ما يخصه :

 أيها الأخوة الكرام، من العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة أن تعرف من الفقه ما يخصك، فلو أن الشخص امرأة ينبغي أن تعرف واجباتها تجاه زوجها، ينبغي أن تعرف واجباتها تجاه أولادها، ينبغي أن تعرف الحدود، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، حتى في العلاقات الزوجية الحميمة، وحتى في العلاقات الأسرية، وحتى في علاقاتها مع أولادها، وحتى في ظهور أعضائها، من ينبغي أن تظهر أمامه بأبهى زينة، من ينبغي أن تظهر أمامه بلباس الخدمة، من ينبغي أن تظهر أمامه بأعلى درجة من الاحتشام، من ينبغي أن تكون محجبة عنه، هذه ينبغي أن تعلم بالضرورة، وإن كان الشخص والياً يجب أن يعلم أحكام الولاية، إن كان تاجراً يجب أن يعرف أحكام التجارة، إن كان زوجاً يجب أن يعلم حقوق الزوجة، إن كان أباً يجب أن يعرف حقوق الأبوة والبنوة، لابد من فقه يخصك، ولابد من فقه يمس العبادات إجمالاً أحكام الطهارة، الصلاة، الصيام، الحج، هذه على كل مسلم، تاجر أحكام التجارة، طبيب أحكام متعلقة بعلم الطب، فالطبيب يأخذ أجره لا على سبيل الإنجاز على بذل العناية القصوى، جعالة، أحكام الجعالة هذه تمس الأطباء والمحامين والأساتذة، فكل حرفة لها حكم خاص، وعلى المسلم أن يعرف من علم الأخلاق والآداب الشخصية ما يضبط به سلوكه بضوابط الشرع فلا يحيد عما أمر الله به ولا يجاسر عما نهى الله عنه، متحلياً بالفضائل متخلياً عن الرذائل، هذه العلوم ينبغي أن نعلمها بالضرورة.

ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله :

 يا أيها الأخوة الكرام، بربكم هل سمعتم إنساناً أمضى حياته بالعلم وانتهى بدكتوراه من أرقى جامعة، الدكتوراه تحتاج إلى وقت، وإلى جهد، وإلى سهر، وإلى نفقات، وإلى كتاب، من أجل شهادة عليا تزهو بها أمام الناس، من أجل أن تضع حرف دال قبل اسمك فقط تدرس ثلاثاً وثلاثين سنة، وكم من ليل سهرت، وكم من كتاب قرأت، وكم من جهد بذلت، ومن أجل حياة أبدية لا تنتهي ألا يحتاج هذا إلى بذل جهد؟ ألا يحتاج هذا إلى طلب علم؟ ألا يحتاج إلى أن تجلس على ركبك في مسجد؟ ألا يحتاج إلى أن تعلم ما في كتاب الله من أوامر ونواه؟ من حلال وحرام؟ من تشريعات؟ من أخبار؟ من قصص؟ من مواعظ؟ ألا ينبغي أن تعلم مضمون السنة وما فيها من توجيهات نبوية حكيمة؟ ألا ينبغي أن تعرف سيرة النبي ونحن في ذكرى مولده؟
 أيها الأخوة الكرام، هذا كله مما ينبغي أن يعلم بالضرورة، أقول لكم هذه الحقيقة وأنا واثق مما أقول، ما من مشكلة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.

 

طريق الوصول إلى الآخرة هو معرفة العقبات التي تحول بين العبد و ربه :

 أيها الأخوة الكرام، وعلى المسلم أن يعرف من علم الآخرة الطريق الذي يسلكه إليها، أن يعرف كيف يتصل بالله عز وجل، كيف يقبل عليه، كيف يسعد بقربه، كيف يحافظ على هذه الصلة عن طريق ضبط الجوارح، وعن طريق ضبط الدخل، وعن طريق ضبط الإنفاق، وعن طريق ضبط البيت، وعن طريق ضبط العمل، من أجل أن يكون مع الله، من أجل أن يكون ذاكراً لله، من أجل أن يكون متصلاً بالله، من أجل أن يتلقى من الله النور، والتوفيق، والرعاية، والتأييد، والنصر، من أجل أن تكون مع الله ماذا ينبغي أن تفعل ؟ هذا من علم الآخرة، هذا من علم السلوك إلى الله عز وجل، ما الذي يساعدك على أن تصل إلى الله ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة المائدة : 35]

 ما الوسيلة؟ أن تطلب العلم، طلب العلم وسيلة، تطبيق أمر الله بحذافيره وسيلة، عمل النوافل وسيلة، أن تكون مع أهل الحق، أن تكون في مجتمع مؤمن وسيلة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119]

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تعرف العقبات التي يمكن أن تحول بينك وبين الله، كل معصية حجاب مهما دقت، يجب أن تعرف العقبات التي تحول بينك وبين الله، ينبغي أن تعرف الصوارف التي يمكن أن تصرفك عن الله عز وجل، هذا من علم السلوك إلى الله، هذا من علم الآخرة.

 

ضرورة معرفة العلوم التي تستنبط حصراً من الكتاب والسنة :

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تتقوى البواعث إلى الله، ينبغي أن يكون الإنسان ذا عمل صالح لأنه الشيء الذي يندم عليه عند الموت، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

 ينبغي أن يزكي نفسه، وكيف لا وقد قال الله في محكم تنزيله:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس : 9-10]

 هذه العلوم ينبغي أن تستنبط حصراً من الكتاب والسنة، من الكتاب بحسب الفهم الأصولي، ومن السنة الصحيحة بحسب الفهم الأصولي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً" إذاً لابد من معرفة تفسير كتاب الله فهل تضن بخمسين دقيقة تستمع كل أسبوع إلى تفسير كلام الله عز وجل؟ هل يضيق وقتك عن حضور درس علم تعرف فيه معاني هذا الكتاب الكريم؟ هذا الكتاب المعجز، هذا الدستور، هذا المنهج حبل الله المتين، الصراط المستقيم، النور المبين.
 فلابد من معرفة بالكتاب تفسيراً دقيقاً، واستنباطاً دقيقاً، ولابد من معرفة السنة الصحيحة، من أجل أن تعلم ما ينبغي أن يعلم بالضرورة هناك علوم مكملة، قد تأخذ جانباً عميقاً من السيرة النبوية، وقد تدرس علوم القرآن، وقد تدرس علوم الحديث، وقد تدرس أصول الفقه، لغير المتخصصين ينبغي أن يكون هناك كتب ميسرة وبلغة العصر.

 

العلوم التي ينبغي أن تُعلم بالضرورة يجب أن تكون ميزاناً يزن بها الإنسان كل شيء :

 أيها الأخوة الكرام، الملخص، المهم أن يصل المسلم من خلال هذه العلوم التي ينبغي أن تعلم بالضرورة إلى حدّ يستطيع أن يزن أفكاره، ومشاعره، وأقواله، وأعماله، وعاداته، وسائر أموره بميزان الشرع، فكل من ترك من يده ميزان الشرع لحظةً هلك، كل هذه العلوم، محصلة هذه العلوم من أجل أن تعلم الحكم الشرعي في كل موقف، يجب أن تزين أفكارك، ومشاعرك، وأقوالك، وأعمالك، وعاداتك، وسائر أمورك بميزان الشرع، قال بعض الشعراء:

فأحبابنا اختاروا المحبة مذهــباً  وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
***

الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، حتى اليقين الاستشراقي هذا يجب أن يكون منضبطاً بالشرع، فديننا لا يؤخذ من المنامات ولا من الكرامات، يؤخذ من الكتاب والسنة.
 أيها الأخوة الكرام، يروى عن العز بن عبد السلام أن رجلاً عرض عليه هذا المنام قال له: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام وقال لي: اذهب إلى المكان الفلاني فيه كنز خذه، قال له: ذهبت ووجدت الكنز في المكان الفلاني فأخذته، وقال لي في المنام: ولا تدفع زكاته، فقال له العز بن عبد السلام: فتوى النبي في حياته أصح من هذه الفتوى التي ذكرتها في منامك. أي منام يخالف ما جاء في الأحكام الشرعية مردود ومرفوض، ديننا منضبط، ديننا له كيان جامد وليس هواءً، ولا غازاً، ولا سائلاً، ولا مائعاً.
 أيها الأخوة الكرام، هذه العلوم التي ينبغي أن تعلم بالضرورة يجب أن تكون في النهاية ميزاناً تزن بها كل شيء، وينبغي أن يحكم لنفسه فقط لا للتشهير ولا لإثارة الفتن على الأشخاص والجماعات، إنسان مبتدع، إنسان منحرف، إنسان ضال مضل، إذا كنت قد علمت العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة، بهذا العلم تستطيع أن تقيّم الأشخاص من هم على حق، ومن هم على باطل، بهذا العلم بإمكانك بنفسك أن تقيّم الأشخاص، والجماعات، والمواقف، بحكم الإسلام لا بحكم المصلحة والهوى، هذا هو الإسلام المتوازن الذي هو بعيد عن إفراط الغلاة وعن تفريط المقصرين.
 أيها الأخوة الكرام، على هذا الأساس المكين من العلم، المتين الصحيح المدعم بالدليل وبالكتاب والسنة يحمد ويذم، ويرضى ويسخط، ويصل ويقطع، ويسالم ويحارب، والحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، يرضى بما رضي الشرع، ويرفض ما رفضه الشرع، غير عابئ ولا آثم، وهذا يجمعه قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الأحزاب : 36]

 عندئذ يصبح هوى المؤمن تبعاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو تمام الإيمان المفروض فرض عين على كل مسلم.
 أيها الأخوة الكرام، هذا يحتاج إلى وقت وإلى جهد، وهل في حياة المسلم شيء يعلو على أن يعرف ربه؟ وشيء يعلو على أن يعرف منهجه؟ وشيء يعلو على أن يسلم ويسعد في الدنيا والآخرة؟
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كلّ خصلة من خصال الفضل أحلّ الله رسوله فى أعلاها وخصّه بذروة سنامها :

 أيها الأخوة الكرام، في كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم فقرة رائعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الصفحات كان مكانها في الخطبة السابقة ولكنني شعرت أن الوقت قد طال فأرجأتها إلى هذه الخطبة.
 ما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحلّ الله رسوله صلى الله عليه وسلم في أعلاها وخصه بذروة سنامها، وكان عليه الصلاة والسلام متوازناً. إذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الناس، احتج به العلماء العاملون على مثل ما احتج به الغزاة المجاهدون.
 إذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية بإقامة دين الله وبتنفيذ أمره.
 إذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغني الشاكر، إذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها، احتج به العارفون على فضل المعرفة.
 إذا احتج به أرباب التواضع والحلم، احتج به أرباب العز والقهر المبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم. إذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق. إذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب احتج به أصحاب المداراة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكره في وجهه.
 إذا احتج به المتورعون عن الورع المحمود، احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة تشريعه ويسرها وسهولتها. إذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه، احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه فإنه صلى الله عليه وسلم بعث لصلاح الدنيا والآخرة.
 إذا احتج به من لم يعلق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها، احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها.
 إذا احتج به من جاع وصبر على الجوع، احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع. إذا احتج به من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال، احتج به من انتقم في مواقع الانتقام المشروعة. إذا احتج به من أعطى لله ووالى لله، احتج به من منع لله وعادى لله.
 إذا احتج به من لم يدخر شيئاً لغد، احتج به من يدخر لأهله قوت سنة. إذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والأدم كخبز الشعير والخل، احتج به من يأكل اللذيذ الطيب من الطعام.
 إذا احتج به من سرد الصوم، احتج به من سرد الفطر، فكان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم. إذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا. إذا احتج به من ترك أسباب مباشرة المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه فآجر واستأجر، وباع واشترى، واستلف، وأدان، ورهن. إذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية بالحيض والصيام، احتج به من فعل ما أباحه له الشرع في هذه الأيام. إذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر، احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع يد السارق ورجم الزاني وجلد الشارب. إذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر، احتج به من أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة.
 أيها الأخوة الكرام، ليس الفقراء والصابرون بأحق به صلى الله عليه وسلم من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأشدهم اتباعاً له.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018