الخطبة : 0706 - المولد - اتباع سنته من خلال ذكرى المولد - معرفته. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0706 - المولد - اتباع سنته من خلال ذكرى المولد - معرفته.


1999-06-25

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

خلود القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام... في مناسبة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم هناك نعمتان عظيمتان على المسلمين، إن هاتين النعمتين العظيمتين من فضل الله العميم على المسلمين، هما نعمة خلود القرآن، خلود مصادر هذا الدين وبقاء هذه المصادر محفوظة بحفظ الله لها، فإن هذه الأمة أيها الأخوة هي الأمة الأخيرة، التي حمَّلها الله آخر الرسالات، فليس بعد نبيِّها نبي، ولا بعد قُرآنها كتاب، ولا بعد دينها شريعة، ولهذا لم يَكِلِ الله جلَّ جلاله حفظ كتابها إلى أهلها بل تكفَّل بحفظه بنفسه جلَّ جلاله، فقال في ذلك:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 9 ]

 والقرآن الكريم هو المصدر الأول لهذه الأمة، والمنبع الأول لعقيدتها، وشريعتها، وسلوك أبنائها، لقد صدَّق الواقع التاريخي هذا الوعد الإلهي أعظم تصديق، فقد مضى أربعة عشرَ قرناً أو يزيد على نزول هذا القرآن، وهو هو كما أنزله الله، وكما تلاه رسوله صلى الله عليه وسلَّم على أصحابه، وكما كُتِبَ في عهد عثمان رضي الله عنه، تناقلته الأجيال، محفوظٌ في الصدور، متلو بالألسنة، مكتوب في المصاحف، ولا يوجد كتاب حفظه عن ظهر قلبٍ عشرات الألوف بل مئات الألوف من أبناء المسلمين إلا القرآن الكريم، الذي..

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾

[ سورة فصلت : 42]

 أيها الأخوة الكرام... حفظ القرآن كما نبَّه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى يتضمَّن حفظ السُنَّة كذلك، لأن السنة هي البيان النظري والعملي للقرآن، ولأن حفظ المبيَّن يتضمن حفظ البيان معه، هذه هي النعمة الأولى: خلود هذا القرآن كما نزل.

 

السيرة النبوية هي التطبيق العملي للقرآن الكريم :

 والنعمة الثانية: هي السيرة النبويَّة العطرة. هي سيرةٌ متميزة، لها خصائصها التي بينها المحقِّقون من العلماء، هي سيرةٌ علميَّةٌ مدوَّنة، وسيرةٌ تاريخيَّة ثابتة، وسيرةٌ مكتملة الحلقات من الولادة إلى الوفاة، سيرةٌ شاملةٌ جامعة تجسِّد حياة النبي صلى الله عليه وسلَّم، في وقائع وأحداث ناطقة معبِّرة، هذه الحياة المتكاملة المتوازنة التي نجد فيها الإسلام حياً، والقرآن مفسَّراً، والقيَم الإسلاميَّة تسعى بين الناس على قدمين، هذه الحياة هي التطبيق العملي للقرآن الكريم، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها بعد أن سُئلت عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقالت:

(( كان خُلُقه القرآن ))

[ مسلم عن عائشة ]

 وقد قال بعضهم: الكون قرآنٌ صامت، والقرآن كونٌ ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي. هذه الحياة ونحن في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلَّم هي التي يجد فيها كل مسلمٍ أسوته المُثلى، ومثله الأعلى، وقدوته الصالحة، فقد أدَّبه ربَّه فأحسن تأديبه، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيماً، وامتنَّ به على المؤمنين إذ بعثه.

﴿رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 164 ]

 يقول الله جلَّ جلاله:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 أيها الأخوة الكرام... لا يوجد عند غير المسلمين مثل هذه السيرة الحيَّة، النابضة، الشاملة لكل مراحل الحياة، ولكل جوانب الحياة، كما تصوِّر هذه السيرة بشمائلها الكريمة الهَدْيَ النبوي في المأكل والمشرب، والملبس والزينة، والنوم واليقظة، في الحضر وفي السفر، في الضحك وفي البكاء، في الجد واللهو، في العبادة والمعاملة، في الدين والدنيا، في السِلم والحرب، في التعامل مع الأقارب، وفي التعامل مع الأباعد، مع الأنصار والخصوم، حتى النواحي التي يسمِّيها الناس علاقاتٍ حميمة في معاشرة الزوجات، كلها مرويةٌ محفوظةٌ في هذه السيرة الكاملة.

 

النبي الكريم أسوتنا و قدوتنا و مثلنا :

 ماذا علينا أن نفعل ونحن نذكر مولده صلَّى الله عليه وسلَّم؟ ينبغي أن نتأسَّى به، أن نرجع إلى سنته القولية، وسنته العمليَّة، يقول الله عزَّ وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 هو أسوتنا، وقدوتنا، ومثلُنا.
 أيها الأخوة الكرام... النبي عليه الصلاة والسلام هو المثل الأعلى للحياة المتوازنة، ليس للحياة المتطرِّفة، ليس للحياة التي فيها غلو بل للحياة المتوازنة، فحياته هي المثل التطبيقي الأعلى للتكامل والتوازن بين المثل والواقع، بين القلب والعقل، بين الإيمان والعلم، بين الروح والمادَّة، بين الفرديَّة والجماعيَّة، بين حق الرَّب وحق النفس، وإعطاء كلٍ منهما حقَّه بلا طغيانٍ ولا إخسارٍ، هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، وأنزل عليه القرآن الكريم هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، هذه السيرة المتوازنة ليست متطرِّفة. النبي عليه الصلاة والسلام هو العابد الزاهد، فنراه في مجال العبادة العابد الأول الذي كانت قُرَّة عينه في الصلاة، وكان يقوم الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويبكي حتى تتبلَّل لحيته، وتعجب منه زوجته عائشة من شدة تعبُّده وبكائه، وقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر !! فيقول لها:

((أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا))

[البخاري عن المغيرة ]

 وكان يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع غالباً، وأحياناً يديم الصيام حتى يظن من حوله أنه سيصوم الدهر كلَّه، وأحياناً كان يواصل الليل بالنهار في الصيام، فيمضي يومين أو أكثر لا يتناول طعاماً بعد الغروب، وهو ما نهى عنه أصحابه، ولهذا قالوا له: " يا رسول الله أتنهانا عن الوصال وتواصل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((وأيكم مثلي ؟ إنني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين))

[ من تفسير ابن كثير عن سهل بن سعد ]

 فكانت هذه من خصوصياته صلى الله عليه وسلَّم. وكان دائم الذكر لله تعالى في كل أحواله، وعلى كل أحيانه بقلبه ولسانه، وأذكاره وأدعيته، ومناجاته لربِّه يتجلَّى فيها أغنى قيَم الصدق والإخلاص لله تعالى، والعبوديَّة المتجرِّدة لربِّها، كما أنها تمثِّل أروع المعاني وأوضح الطموحات التي ينبغي أن ينشدها الإنسان الرباني لنفسه ولمن يحب، هذه الأدعية مصوغةٌ في أحلى القوالب البلاغيَّة، وأعذب الأساليب البيانيَّة التي تهزُّ الكينونة البشرية من أعماقها، وهي وحدها مدرسةٌ روحيةٌ فذَّة، وقد حفلت بها كتب الحديث والسيرة، وأُلِّفت فيها كتبٌ خاصَّة قديماً وحديثاً. وكان صلى الله عليه وسلَّم برغم تعبُّده لربِّه، واشتغاله بذكره، وقيامه الدائم للدعوة إلى دينه، والجهاد في سبيله، دائم الخشية له سبحانه وتعالى، كثير الاستغفار، كثير التوبة، وهذا من كمال عبوديَّته لله عزَّ وجل، ومن عِظَم مقام الألوهيَّة عنده، وفي هذا كان يقول:

((إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ))

[ مسلم عن الأغر المزني ]

 ويقول أيضاً:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ))

[أحمد عن ابن عمر ]

 وكان عليه الصلاة والسلام أزهد الناس في الدنيا، وأرضاهم باليسير منها، مع ما فتح الله له من الفتوح، وأفاء عليه من الغنائم، وبعد أن أصبح سيِّد الجزيرة، ولكنه لقي ربه ولم يشبع من خبز الشعير ثلاثة أيامٍ متوالية.
 أيها الأخوة الكرام... كان ينام على الحصير حتى يؤثِّر في جنبه. رآه عمر مرَّةً فبكى، فقال: " ما يبكيك يا عمر ؟ "، فقال: " رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟ ". قال: " يا عمر إنما هي نبوَّةٌ وليست ملكاً "، أنا لست ملكاً.

النبي الكريم بشر تجري عليه كلّ خصائص البشر :

 هذا النبي عليه الصلاة والسلام مع هذه الروحانية العالية في ذكره، وشكره، وحسن عبادته لربه، وفي زهده في دنيا الناس، لم يغفل عن الجوانب الأخرى من الحياة، بما تفرضه عليه من أعباء، وبما تمثِّله من مطالب، لم ينسَ أنه إنسان، وزوج، وأب، وجَد، وقريب، وجار، وصديق، ورئيس، وقائد، وأن كل علاقةٍ مع هذه لها حقوقها، ولهذا رأيناه إنساناً يرضى كما يرضى البشر، ويغضب كما يغضب البشر، ولأنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على ذاته وعلى بشريَّته كان سيِّد البشر؛ يفرح كما يفرحون، ويحزن كما يحزنون، ولكنه إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، كما يفعل بعض الناس، وإذا فرح لم يفرح بغير الحق، وإذا حزن لم يخرجه حزنه عن الصبر والرضى، يشارك أصحابه في مسرَّاتهم، ولا يخرجه هذا عن الوقار، يضحك مما يضحك منه أصحابه، ويمزح أحياناً ولكنه لا يقول إلا حقاً.
 هو زوجٌ مثالي ؛ رأيناه زوجاً يحسن عشرة أزواجه، ويعدل بينهن فيما يقدر عليه، ويطيِّب أنفسهن، ويصالح بينهن، ويقدِّر الظروف الخاصة لكل منهن، ويستمع أحياناً إلى قصصهن وإن طالت - كما في حديث أم زرع المشهور - برغم همومه ومشاغله التي تنوءُ بها الجبال. إن لم تستمع أنت إلى زوجتك من يستمع لها؟ على عِظم قدره، وعظم مسؤولياته، وعِظم رسالته كان يُصغي إلى زوجاته تأليفاً لقلوبهن. يداعب ويمازح كما رأيناه يسابق عائشة، فتسبقه مرَّةً ويسبقها أخرى، فيقول لها: " هذه بتلك "، تسأله: كيف حبك لي ؟ يقول لها: " كعقدة الحبل"، تسأله من حينٍ إلى آخر: كيف العقدة ؟ يقول: على حالها.
كان أباً مثالياً ؛ رأيناه أباً يحب أبناءه كثيراً، ويحب بناته كثيراً، يحرَص على كل خيرٍ لهم في الدنيا والآخرة. مات ابنه إبراهيم فحزن عليه، ودمعت عيناه، ولم نجد في ذلك ما ينافي الصبر والرضى، بل قال:

((إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 هذا هو الموقف الكامل، ليست البطولة ألا تصاب بمصيبة، إنها سنة الله في خلقه..

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[سورة المؤمنين : 30]

 ولكن البطولة أن تقف الموقف الكامل من كل مصيبة. رأيناه جداً يلاعب سبطيه الحَسن والحسين، ويوطئ لهما ظهره ليركباه، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، يركب أحدهما على ظهره الشريف مرَّةً وهو يصلي، فيطيل الصلاة، حتى يظن أصحابه به الظنون، فلمَّا فرغ وسلَّم سألوه عن سرّ إطالة السجود ؟ فقال:

((وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي - أي اتخذاني راحلةً - فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ))

[النسائي وأحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ]

رعاية النبي عليه الصلاة و السلام حق الرحم و الجار و الصداقة :

 أيها الأخوة الكرام... هذا النبي الكريم سيد الخلق وحبيب الحق الذي نحتفل اليوم بمولده، حقيقة الاحتفال بمولده أن نطبِّق سنته، لأنه قدوةٌ لنا، ولأنه مشرعٌ لنا..

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 رأيناه أيها الأخوة من خلال سيرته يرعى حق الرَحم والقرابة، ولو كان أهلها مشركين، ويقول لقريش:

(( لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلاهَا ))

[البخاري عن عمرو بن العاص ]

 وحينما تمكَّن منهم يوم الفتح بعد طول قتالهم، وهجائهم، وتنكيلهم بأصحابه قال:

(( اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ من شرح الجامع الصغير عن أنس بن مالك ]

 بل كان يكرِّم أقارب أبيه من بني النجَّار، وأقارب أمه من بني زهرة، مثل سعد بن أبي وقَّاص، كان إذا دخل عليه قال: هذا خالي ، ليس أخاً أمه، كان يقول:

((هذا خالي فليرني امرؤ خاله ))

[ الجامع الصغير عن جابر ]

((ارم سعد فداك أبي وأمي ))

[ متفق عليه عن علي بن أبي طالب ]

 رأيناه أيها الأخوة يرعى حق الجار وإن ظلم وجار، وإن كان غير مسلم، يقول عليه الصلاة والسلام:

((مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ))

[ البخاري عن عائشة ]

 رأيناه صديقاً يرعى حقوق الصداقة والصُحبة، ولهذا غضب حينما أغضب بعضهم أبا بكر، فقال:

(( اتركوا لي صاحبي، لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً دون ربي لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي))

[البخاري عن عبد الله بن عباس ]

 كان أوفى الناس لأصحابه، ولكل من تربطه به أو بأهل بيته صلةٌ، حتى كان يكرم بعض العجائز، ويَبَشُّ لهن، ويهدي إليهن، فسُئل عن ذلك، فقال:

((يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان ))

[البخاري عن عائشة ]

النبي الكريم قائد فذّ يعدّ العدَّة و يتوقَّى الخطر و يأمر بأخذ الحذر :

 رأيناه رئيساً لدولةٍ جديدة تحيط بها العداوات من كل جانب، فلم يشغله همّ الجهاد والإعداد لمقاومة الأعداء عن العناية بالشؤون الداخلية لأهلها؛ من بناء المساجد، إلى إقامة السوق للتجارة، ومن إقامة العلاقات بين الطوائف التي تسكن المدينة وضواحيها، وهي دار الإسلام في ذلك الوقت، على أساسٍ واضحٍ مكتوب، من وثيقةٍ دستوريةٍ معروفة، إلى العناية بأمر هرةٍ حبستها امرأة حتى ماتت جوعاً، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. ومن لقاء الوفود من أنحاء الجزيرة، وإرسال الرُسل إلى ملوك الأرض المعروفين، وإلى الاهتمام بأمر أَمَةٍ تأخذ بيده، وتمضي به في طرقات المدينة فلا يدع يده من يدها تواضعاً وحياءً حتى تقضي حاجتها. امرأةٌ فقيرةٌ جداً كانت تَقُمٌّ المسجد توفيت، أصحابه الكرام لضعف شأنها لم يخبروه بموتها، فلما سأل عنها، قالوا: ماتت. قال: هلا أعلمتموني؟ فخجلوا، فذهب إلى قبرها وصلى على قبرها ودعا لها. رأيناه قائداً يخطِّط للمعارك قبل وقوعها، ويبعث الطلائع والعيون لاستطلاع أخبار العدو، ويقوم بعمل أول إحصاءٍ للقوة الضاربة عنده حتى يكون تخطيطه على أساسٍ علميٍّ مكين، ويحث على التدريب واستمراره، فهو الدعامة للقوة العسكريَّة..

(( أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ))

[ مسلم عن عقبة بن عامر ]

 والآن أحدث السلاح قيمته في دقَّة الرمي، يقولون: هذا الصاروخ نزل في غرفة النوم. دقة رميٍ لا حدود لها، أشار إلى هذه الحقيقة سيد الأنبياء:

((أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ))

[ مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَقَدْ عَصَانِي ))

[ ابن ماجة عن عقبة بن عامر]

 وهو مع كل هذا يتوكَّل على الله تعالى، ومع توكُّله هذا يلبس للحرب لَبوسها، حتى إنه في إحدى المعارك استخدم درعين معاً، كان يعلِّم أصحابه أن الحرب خُدعة، وأن للعوامل النفسيَّة أثرها في كسب المعارك، فلابدَّ من العمل على تخذيل الأعداء وتفريق كلمتهم، وهو يعتمد بعد الله تعالى على حسن التخطيط، والتنظيم، والإعداد، حتى إنه ليفاجئ أعداءه بخططٍ لم يعهدوها فيربكهم، ويعرف قدرات أصحابه فيضع كلاً في موضعه المناسب. مع كل هذا كان متوكلاً على الله.
 رأيناه يرعى سنن الله ويأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ويتوكَّل على الله وكأنها ليست بشيء ؛ يعدُّ العدَّة، يتوقَّى الخطر، يأمر بأخذ الحذر، يعمل بالإحصاء، يخطِّط للمستقبل، يرتِّب ويفكِّر بقدر ما يستطيع البشر، لكنه لا يغفل أبداً عن التوكُّل على الله، ولا ينسى أن الأمر كلَّه بيد الله وخصوصاً ساعة الشدائد، وعند الأزمات، فهنا تراه أقوى ما يكون ثقةً بالله، واعتصاماً به، وفِراراً إليه. إنسانٌ هُدر دمه، أُودعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، تبعه سُراقة ليقتله، قال له:

(( كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ))

[الجامع الصغير عن سراقة]

 ماذا يقول هذا الإنسان ؟!! مُلاحق، مهدورٌ دمه، مئة ناقةٍ لمن يأتي به حياً أو ميتاً، كأنه يقول: سأصل إلى المدينة بفضل الله، وسأنشئ أمةً ودولةً، وسأحارب الفرس، وسآتي بكنوز كسرى، ويا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ وهذا الذي كان في عهد عمر، جيء بسواري كسرى فألبسهما لسراقة وقال عمر: " بخٍ بخ أُعيرابيٌ من بني مُدلِج يلبس سواري كسرى ؟" رأيناه خطَّط، ورتَّب، ونظَّم كل ما يتعلَّق بهجرته إلى المدينة، فلما وقف المشركون الذين يطاردونه على باب الغار الذي يختبئ به، قال له صاحبه ورفيقه أبو بكر مشفقاً عليه: " يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا "، فقال في ثقةٍ ويقين:

((مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[البخاري عن أبي بكر ]

 المسلمون اليوم يحتاجون إلى أن يصطلحوا مع الله، وأن يطيعوه كي يمنحهم الثقة.

 

قيام النبي بعمارة الأرض مع التوجه بكليته إلى الآخرة :

 ومن ناحيةٍ أخرى أيها الأخوة نجده صلى الله عليه وسلَّم قائماً بعمارة الأرض، مع إقباله بكليَّته على الآخرة، وإعراضه عن الدنيا وزينتها، ماذا يفعل عليه الصلاة والسلام ؟ كان يقول:

((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه))

[ الطبراني عن المستورد بن شداد]

 ومع ذلك لم يعش في الدنيا عيشة الُرهبان الرافضين لها، المعادين لكل ما فيها، بل كان يعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الإنسان مستخلفٌ فيها، وأن له فيها مستقراً ومتاعاً إلى حين، وأن عمارة الأرض من مقاصد التكليف، وأن هذه العمارة المتمثِّلة في الزراعة والغرس، والصناعة، والاحتراف، والتجارة تعد بشكلٍ أو بآخر عبادةً لله عزَّ وجل، وأن عمل كل مؤمنٍ إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلك به الطُرق المشروعة، وابتغى به كفاية نفسه وأهله وخدمة المسلمين، ولم يشغله عن فريضةٍ، ولا عن واجبِ، ولا عن طلب علمٍ عُدَّ عمله عبادةً لله عزَّ وجل.
 أيها الأخوة الكرام... يقول عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ))

[ مسلم عن شداد بن أوس ]

 إذا كنت تعمل عملاً فأحسنه في أي حرفةٍ وفي أي مهنة، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول أيضاً:

((إِنَّ اللّهَ يُحِبُ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عمَلاً أَنْ يُتْقِنَه ))

[الجامع الصغير عن عائشة ]

عناية النبي بالجسم و عدم رفض طيبات الدنيا إذا توفرت :

 كما أنه صلى الله عليه وسلَّم لم يكن يرفض طيبات الدنيا إذا توفرت له، بل إذا وجدها تناولها وحمد الله تعالى عليه، وإذا لم يجدها لم يتكلَّفها ولم يحزن على فقدها..

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾

[ سورة الأعراف: 32]

 إن وُجِدَت يأكلها، ويستعملها، ويحمد الله عليها، وإن فُقِدَت لا يأسف عليها.
 كان يعجبه من الطعام اللحم، ويعجبه منه لحم الذراع، ويعجبه من الشراب اللبن، ويقول:

(( مَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ))

[الترمذي عن ابن عبَّاس]

 كان يلبس من الثياب ما تيسَّر، لا يلتزم زياً أو هيئةً معيَّنة، ويختصُّ ببعض ثيابه للجمعة والعيدين، وللقاء الوفود، وكان إذا نظر إلى المرآة يقول:

((اللهمَّ كما حسَّنت خلقي فحسِّن خُلُقي))

[غرائب مالك بن أنس عن عائشة]

 وكان يوصي أصحابه بالنظافة والتجمُّل، حتى يكون أحدهم حسن المظهر طيب الرائحة، ولا يحب أن يدخل عليه أحدهم ثائر الرأس كأنه شيطان، ويقول:

((مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

 هذا التوازن العجيب.
 وكان يوصي بنظافة أشياء معيَّنة في الجسم مثل الأسنان، وقد حضَّ أصحابه على السِواك، فكان عليه الصلاة والسلام:

((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 كما أنه أكَّد العناية بالجسم كله، يقول عليه الصلاة والسلام:

((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 وكان يقول لأصحابه:

((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))

[ مسلم عن عبد الله بن مسعود]

 رأيناه يتداوى ويأمر أصحابه بالتداوي، يعلِّمهم أن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له دواءً علمه من علمه، وجهله من جهله.
 وكان عليه الصلاة والسلام يصف بعض الأدوية لبعض الأمراض، وكان عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نعتني بأجسادنا لأنه وعاء أعمالنا.

 

سيرة النبي مجال رائع للاقتداء به في كل الأحوال :

 أيها الأخوة الكرام : الفقير أيها الأخوة يجد في سيرته العطرة مجالاً للاقتداء به، فكان عليه الصلاة والسلام في أيام الفقر إذا دخل بيته يقول:

(( هل عندكم شيء ؟ يقولون: لا، فيقول: فإني صائم ))

[ مسلم عن عائشة ]

 وحينما أكرمه الله بالمال سأله أحدهم: لمن هذا الوادي ؟ قال: " هو لك "، قال: أتهزأ بي ؟ قال: " لا والله "، قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر ".
 أيها الأخوة الكرام... هذه السيرة يمكن أن تكون أسوةٌ حسنة، وقدوةٌ صالحة؛ للفقير وللغني، للحاكم والمحكوم، للمحارب والمُسالم، للعازب والمتزوِّج، لذي الزوجة الواحدة وذي الزوجات المتعدِّدة، للأب والجد، للشاب والشيخ، للسليم والسَقيم، للمقيم والمسافر، للمعافى والمُبتلى، وغير هؤلاء وغير هؤلاء، كل هؤلاء على اختلاف انتماءاتهم، واختلاف أعمارهم، واختلاف هواياتهم، واختلاف أحوالهم يجدون في سنته متسعاً لهم يقتدون بها ويهتدون بنورها.
 أيها الأخوة الكرام... بعض المسلمين وقع في خطأٍ فاحش، حينما أخذ جانباً من سيرته وضخَّمه وأغفل الجوانب الأخرى، فوقع في التطرُّف، ووقع في الغلو، و..

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾

[ سورة المائدة: 77]

قراءة سنة النبي ومعرفة أحكامها ومدلولاتها فرض عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام... الحقيقة الدقيقة من الاحتفال بعيد المولد - مولد النبي صلى الله عليه وسلَّم- أن نقرأ سيرته العملية، وسنته القولية.
 أقول لكم هذه الكلمة المختصرة: هناك قاعدةٌ في أصول الفقه: " ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة ". قاعدة أصوليَّة، الصلاة فرض لا تتم إلا بالوضوء، الوضوء فرض، لأن الصلاة التي هي فرض لا تتم إلا به. الآن إذا قال الله عزَّ وجل وهو أصدق القائلين بآيةٍ قطعية الدلالة:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر: 7]

 هذا أمرٌ في القرآن يقتضي الوجوب، كيف يتم هذا الأمر ؟ يجب أن تعرف ما قاله النبي، إذا كان تطبيق هذا الأمر فرضاً فمعرفة ما قاله النبي فرضٌ عليك، لابدَّ من أن تحضر مجلس علمٍ في السُنَّة، لابدَّ من أن تقرأ حديث رسول الله، لابدَّ من كتابٍ من الصحاح في مكتبة بيتك.
 شيءٌ آخر:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 هو قدوة، كيف يكون لك قدوة إن لم تعرف كيف كان زوجاً؟ وكيف كان أباً؟ وكيف كان أخاً؟ وكيف كان جاراً؟ وكيف كان مع الله في عبادته؟ وفي خلوته وفي جلوته؟ وفي سلمه وفي حربه؟ إذاً لابدَّ من أن تقرأ السيرة، هناك من الفقهاء من يرى أن قراءة سُنَّته القولية فرض عين، إن قراءة سنته ومعرفة أحكامها ومعرفة مدلولاتها فرض عين، فإذا احتفلنا بعيد المولد فهذا هو المعنى من الاحتفال.
 أما لو أن إنساناً عظيماً يعدُّ من أعلم علماء الأرض وله ابنٌ أمي، مهما أمضى هذا الابن وقته في مديح أبيه هل يرقى ؟ لا يرقى، مهما مدحت تبقى أنت حيث أنت وهو حيث هو، لكن متى ترقى ؟ حينما تسلك طريقه، حينما تتبع سُنَّته، حينما تتأسَّى به، فهذا الاحتفال الذي قد لا يعني شيئاً، الاحتفال الحقيقي حينما تعكِف على سُنته القولية فتقرأها وتطبِّقها، وحينما تعكف على سيرته العمليَّة فتقرأها وتطبِّقها، أنت ممن يحتفل بعيد المولدَّ حقَّ الاحتفال.
 أيها الأخوة الكرام... هذه المعاني ينبغي أن نعيشها طوال العام، كلَّما قرأت حديثاً صحيحاً اسأل نفسك أين أنت منه ؟ هل أنت مطبقٌ له ؟ كلَّما وقفت على موقفٍ من سيرة النبي اسأل نفسك: هل أنت تطبِّق ما فعله النبي في هذا الموقف ؟.
 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني. والحمد لله رب العالمين

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ضرورة معرفة شمائل النبي و كمالاته :

 أيها الأخوة الكرام... نقطةٌ دقيقة أحب أن نكون على وضوح فيها، يقول الله عزَّ وجل:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

[ سورة المؤمنون: 69 ]

 كأن الله عزَّ وجل يأمرنا أن نعرف رسوله، فحينما تعكف على معرفة شمائل هذا النبي، وكمالات هذا النبي، ومنهج هذا النبي فأنت على الخط الصحيح، بل إن الله عزَّ وجل يقول:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

[ سورة هود: 120]

 إذا كان قلب النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبيٍ دونه..

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

[ سورة هود: 120]

 فكيف بمؤمنٍ مقصِّر إذا استمع إلى سيرة سيِّد الخلق وحبيب الحق؟ أليس هذا دليلاً قوياً جداً على أن نعكف على سُنته وسيرته؟ أليس هذا دليلاً ناصعاً كالشمس في رابعة النهار أن نلتهم أحاديثه الصحيحة وأن نتأسَّى بها؟
 أيها الأخوة الكرام... هذا الذي أتمنَّاه عليكم ونحن نحتفل بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلَّم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018