الخطبة : 0705 - العلم1 - عدم نجاح الاستنساخ على النعجة دولي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0705 - العلم1 - عدم نجاح الاستنساخ على النعجة دولي.


1999-06-18

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مُرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيَّته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذرّيَته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.

العلم :

 أيها الأخوة الكرام... هناك موضوعاتٌ ينبغي أن تتكرر، لأنها متصلة بمصير الإنسان، فهل يعقل أن يقول الأب لابنه في كل عمره مرةً واحدة ادرس، أم يتابع القول مراتٍ ومرات ؟ لأنه في نظر الأب ربما كانت الدراسة سبباً لرقي ابنه، فهناك موضوعاتٌ ينبغي أن تتكرر، والقرآن الكريم وهو كلام رب العالمين كرر موضوعاتٍ كثيرة فقال :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾

[ سورة الحديد : 28 ]

 مئات المرات.
 أيها الأخوة الكرام... موضوع اليوم العلم، أهل النار وهم في النار يتصايحون ماذا يقولون ؟ يعبرون عن سبب وجودهم في النار ماذا يقولون ؟ ما هو أكبر سببٍ لإيصالهم إلى النار؟ لماذا هم يتعذبون إلى أبد الآبدين ؟ لماذا النار تلسع وجوههم ؟ لماذا ؟ قال:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 علَّة دخلوهم إلى النار أنهم ما كانوا يسمعون ولا يعقلون، لا أصغوا إلى الحق، ولا تأملوا في سرّ وجودهم، ولا أعملوا فكرهم، ولا أصغوا إلى هادٍ يهديهم.

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

من لم يطلب العلم فقد ألغى وجوده الإنساني :

 أيها الأخوة الكرام... الإنسان مؤهلٌ تأهيلاً عالياً ليصل إلى الجنة، ما الذي يوصله إلى النار ؟ أنه كَفَّ عن السمع وكف عن التأمُّل، لم يعقل ولم يسمع، لم يطلب العلم، ألغى وجوده الإنساني، بقي على وجودٍ بهيمي يأكل ويشرب ويتمتَّع، وهذا شأن الكفار يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم.

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 قد تجد مركبةً تدهورت لأعطالٍ كثيرة فيها، ولكن أعلى مركبة صنعت حتى الآن قد تتدهور إذا أطفأ السائق الأنوار فجأةً، وكان الطريق مليئاً بالمنعطفات، وحوله الوديان من كل جانب، فالحادث حتمي لأن هذا السائق أطفأ الأنوار فجأة وفي الطريق منعطفات خطيرة، فقد يكون سبب دخول النار أن يحرم الإنسان نفسه من العلم.

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

[ سورة الروم: 7]

 قد تجد تفوقاً في العلم الآن، ولكنه علم الدنيا، ولكنه العلم الذي لا ينفعهم في أُخراهم. دخل النبي عليه الصلاة والسلام المسجد فرأى رجلاً تحلَّق الناس حوله قال: " من هذا؟ قالوا: هذا نسابة، قال: وما نسابة؟ قال: يعرف أنساب العرب، فقال عليه الصلاة والسلام هذا علمٌ لا ينفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به " وكان يدعو ويقول :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لا يُسْمَعُ، وَنَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاءِ الأَرْبَعِ))

[ النسائي عن أنس ]

 أيها الأخوة الكرام... لأن الإنسان مجبولٌ، أو مصممٌ، أو مبرمجٌ على حبّ وجوده، وحبّ سلامة وجوده، وحبّ كمال وجوده، وحبّ استمرار وجوده، لمجرد أن يعرف الحقيقة يأخذ بها، انطلاقاً من فطرته، من بنيته، من خصائصه، فالأزمة اليوم أزمة عِلم، أزمة معرفة الله، أزمة معرفة منهجه القويم وصراطه المستقيم.

 

التّعلم هو الطريق الوحيد للعلم :

 أيها الأخوة الكرام... لعلةٍ أراداها الله عزَّ وجل، أو لحكمة أرادها الله عزَّ وجل خلق الله الإنسان لا يعلم شيئاً، لكنه أعطاه أدوات العلم ليتعلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّم))

[البخاري عن معاوية ]

 وإنما أداة قصرٍ وحصرٍ، طريق العلم الوحيد التعلُّم، الأنبياء يوحى إليهم، لذلك كان النبي أمياً، وأمية النبي عليه الصلاة والسلام كمالٌ فيه، لأن وعاءه وحيٌ خالص، لو أنه طلب العلم الأرضي وجاءه وحي السماء لاختلط العِلمان، فلعل أصحابه يسألونه كل دقيقة هذا الذي قلته يا رسول الله من الوحي أم من ثقافتك ؟ لا..

﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 48]

 أيها الأخوة الكرام... الأمية في حق النبي كمال لأن الله تولى تعليمه.

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم: 5]

 ولكن الأمية في حقنا وصمة عار، ليس من شأن الإنسان أن يوحى إليه، لكن الأنبياء يوحى إليهم، فطلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.
 أيها الأخوة الكرام... وطلب العلم عن طريقٍ وحيدٍ هو التعلُّم، يقول الله عزَّ وجل :

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

[ سورة النحل : 78 ]

 كلام ربنا واضحٌ كالشمس..

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

[ سورة النحل : 78 ]

 أيها الأخوة الكرام..." إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّم ".

أدوات التّعلم هي السمع و البصر و الفؤاد :

 إلا أن هناك استثناءً واحداً ذكرته في خطبة سابقة، يولد الإنسان من بطن أمه وهو يعلم طريقة مَصِّ ثدي أمه، سمَّاه العلماء منعكساً - صحت تسميتهم أو لم تصح - إلا أن هذا المنعكس لولاه لما وجدت على ظهر الأرض إنساناً، وهذه حكمة الله عزَّ وجل، هل يستطيع الأب مهما أوتي من وسائل التربية، أن يقنع ابنه الذي ولد لتوه كيف يضع شفتيه على ثدي أمه؟ وكيف يحكم الإغلاق ؟ وكيف يأخذ الهواء من أجل أن يأتيه الحليب ؟ هذا مستحيل، لذلك :

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾

[ سورة النحل : 78 ]

 هذه أدوات التعلُّم، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 حينما تسلك الطريق لتستمع إلى خطبة، أو إلى درس تفسير، أو حينما تلزَم عالماً تأخذ العلم عنه، هذا الطريق الذي تسلكه هو الطريق نفسه إلى الجنة:

((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ))

[ الترمذي عن ابن عسال المرادي ]

 وحينما شكا أحدٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن شركيه لا يؤدي ما عليه بالتمام والكمال لأنه مشغولٌ بطلب العلم، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك ]

 لأن طالب العلم خيره عميم، قد تكون عابداً، وقد تكون عالماً، أنت إن عبدت الله نجوت بنفسك، أما إن طلبت العلم وعلَّمته كنت سبباً في هداية الخلق :

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس))

[ الطبراني عن أبي رافع ]

((خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))

[البخاري عن سعد بن سهل ]

((وخيرٌ لك من الدنيا وما فيها))

[أحاديث الإحياء للعراقي ]

طلب العلم بمنزلة الجهاد في سبيل الله :

 وإن طلب العلم بمنزلة الجهاد في سبيل الله، والدليل على ذلك:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾

[ سورة الفرقان : 52 ]

 والهاء تعود على القرآن..

﴿جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52 ]

 سمَّاه الله جهاداً كبيراً تعلُّم القرآن وتعليمه، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))

[ البخاري من باب خيركم ]

طلب العلم فريضة و وسام شرف :

 و يقول ربنا عزَّ وجل :

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

[سورة التوبة : 122]

 وقد أثنى الله على هؤلاء الذين نفروا لطلب العلم ولتعليمه، والله عزَّ وجل يقول في محكم كتابه :

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43]

 طلب العلم فريضة، وطلب العلم وسام شرف، وليس العار أن تكون جاهلاً، العار أن تبقى جاهلاً، وليس العار أن تخطئ، العار أن تبقى مخطئاً.

 

من أراد إتقان عمله فليسأل أهل الذكر و من أراد أن يعرف الله فليسأل خبيراً :

 وفي آيةً أخرى :

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 59]

 إن أردت أن تتفوق في الدنيا فاسأل أهل الذكر في كل اختصاص، وإن أردت أن تعرف الله..

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 59]

 كأن الله يُرشدك إلى أن هناك من يعرف الله، وهناك من هو خبيرٌ بشؤون الدنيا، إن أردت إتقان عملك والتفوق فيه فاسأل أهل الخبرة، وإن أردت أن تعرف الله وتسعد بقربه..

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 59]

أقوال في العلم :

 قال بعض العلماء " ذللت طالباً وعززت مطلوباً ". حينما طلبت العلم اضطررت أن أجلس على ركبتي بلا مقعدٍ وثير، قد تحضر درس علمٍ وأنت جالسٌ على الأرض لا يقدم لك شرابٌ ولا طعام، وقد لا يكون الجو مكيفاً، إنك تطلب العلم، ذللت طالباً وعززت مطلوباً، حينما تكون على شيءٍ من العلم ويأتي الناس ليأخذوا عنك يعزَّك الله عزَّ وجل. وقد قال بعض العلماء: "عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مَكْرُمَة". وقال بعضهم : "إني لا أرحم رجالاً كرحمتي لأحد رجلين، رجلٍ يطلب العلم ولا يفهمه، ورجلٍ يفهم العلم ولا يطلبه".
 قد تجد إنساناً فاته قطار العلم بالتعبير الشائع، فهو يحرص عليه حرصاً لا حدود له ولكن إمكاناته محدودة، فهو يجهد في طلب العلم، فهذا يُرحم، والثاني من يملك إمكاناتٍ عالية وهو يصرفها في الدنيا، "رحمت رجلين؛ رجل يطلب العلم ولا يفهمه، ورجلٍ فهم العلم ولا يطلبه". وأبو الدرداء رضي الله عنه يقول : " لأن أتعلم مسألةً أحبّ إليّ من قيام ليلة ".
 وأبو الدرداء يقول أيضاً " العالم والمتعلِّم شريكان في الأجر " أي أن هذا الذي ينطق بالعلم، وهذا الذي يستمع عليه - دققوا في هذا الكلام وهذا بشرى لكل طالب علم - هذا الذي ينطق بالعلم، وهذا الذي يستمع إليه، ليس الذي يستمع بأقل أجراً من الذي يعلِّم، ليس الذي يستمع إلى العلم ويصغي بأقل أجراً من الذي يعلم ـ
 "لأن أتعلم مسألةً أحبّ إليّ من قيام ليلة، والعالم والمتعلم شريكان في الأجر، وسائر الناس همجٌ رعاعٌ لا خير فيهم" .
 " يا بني الرجال ثلاثة؛ عالمٌ رباني - موضوع الخطبة السابقة - ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق، فاحذر يا كُمَيْل أن تكون منهم" .
 ولأبي الدرداء قولٌ ثالث : " كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك" . وقد عُزِيَ إلى لقمان الحكيم أنه قال : " يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء" .

آداب المتعلم :

1 ـ الحرص على طلب العلم مهما يكن الثمن :

 أيها الأخوة الكرام... بين أيدينا قصة مؤثرة وردت في القرآن الكريم، قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، سيدنا موسى رسولٌ نبيٌ، ورسولٌ من أولي العزم، وهو كليم الله، ومع ذلك لزم رجلاً صالحاً ليس ثابتاً ولكن الأصح أنه نبي، لم يذكر الله اسمه، عبداً من عبادنا كان صالحاً، الأصح أنه نبي لأنه لا يعقل أن يُقْدِمُ رجلٌ ليس نبياً على قتل غلام إلا بوحيٍ من السماء، وإلا فهو قاتل، والأصح أنه نبي، هذا النبي العظيم، والرسول الذي هو من أولي العزم، وهو كليم الله سلك طريقاً يلتمس علماً من الخضر، من هذا العبد الصالح، وقد استنبط العلماء من هذه القصة آداب المتعلِّم ، أول شيء الحرص على طلب العلم مهما يكن الثمن..

﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ﴾

[ سورة الكهف : 62]

 قد تأتي من بلدٍ بعيد، قد تركب مركبتين اثنتين كي تصل إلى المسجد، الإنسان أحياناً قد يستصعب أن يذهب إلى مسجدٍ يعتقد أنه ينتفع بخطبته، ويرى أقرب مسجدٍ إليه وهو ليس قانعاً بالخُطبة، ماذا فعل ؟ كان دينه عليه هيِّناً.

﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ﴾

[ سورة الكهف : 62]

 وقد تنتقل إلى طرف المدينة الآخر لتشتري طعاماً يروق لك، ولا تنتقل إلى طرف المدينة الآخر من أجل أن تستمع إلى خطبةٍ تعتقد أنك تنتفع بها، فالحرص على طلب العلم أولى خصائص طالب العلم.

 

2 ـ التّلطف مع المعلم :

 والتلطُّف مع المعلم..

﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾

[ سورة الكهف : 66]

 أتأذن لي ؟

﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾

[ سورة الكهف : 66]

 وهو نبيٌ كريم، ورسولٌ عظيم، وهو من أولي العزم، وهو كليم الله عزَّ وجل، هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً ؟

﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾

[ سورة الكهف : 66]

3 ـ الصبر على المعلم :

 والصبر على المعلم.

﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾

[ سورة الكهف : 69]

4 ـ طلب الزيادة في العلم :

 والأدب الرابع:

((مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا))

[الدارمي عن ابن عبَّاس]

 ماذا قال الله عزَّ وجل في شأن الزيادة ؟ ما ورد في القرآن ولا في السنة أن يا رب زدني مالاً، وما ورد في القرآن ولا في السنة أن يا رب زدني جاهاً، ولا ورد في القرآن ولا في السنة أن يا رب زدني استمتاعاً بالحياة، آيةٌ وحيدة :

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾

[ سورة طه : 114]

 مأمورٌ أن تزداد علماً.

 

5 ـ أن يبتغي بهذا العلم وجه الله وحده :

 ومن آداب المتعلم أن يبتغي بهذا العلم وجه الله وحده :

((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

 دققوا في هذا الحديث الصحيح :

((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - الأصل في هذا العلم أن تبتغي به وجه الله تعالى- لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

6 ـ الإخلاص في طلب العلم :

 لا بد من الإخلاص في طلب العلم..

((لا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَلا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ))

[ ابن ماجة عن جابر بن عبد الله ]

 هناك شهوةٌ في العلم أن تكون معقد الأنظار، أن تكون بمرتبةٍ عليَّة هذا من الدنيا، وهذا من شهوة العلم نعوذ بالله منها.

 

طلب العلم لا يقف عند حدٍّ معيّن ولا عند سنٍّ معيَّنة :

 أيها الأخوة الكرام... ينبغي أن يكون العلم من المهد إلى اللحد، طلب العلم لا يقف عند حدّ معين، ولا عند سن معيَّنة، قبل سنةٍ أو أكثر التقيت بأخ كريم قال لي: أنا عمري سبعون عاماً، وقبل يومين نلت إجازةً في اختصاصٍ معين. عجبت لهذه السن وقد ثابر على طلب العلم حتى نال هذه الإجازة.
 سمعت من أحد علماء دمشق قصةً تأثرت بها كثيراً ؛ رجل في مصر أميّ لا يقرأ ولا يكتب، تزيد سنه على الخامسة والخمسين عاماً، أراد أن يطلب العلم في هذه السن، ماذا فعل؟ توجه إلى الأزهر، وتعلم القراءة والكتابة، ثم قرأ القرآن وحفظه، ومات في السادسة والتسعين وهو شيخ الأزهر، وصل إلى أعلى منصبٍ علميّ في مصر، وقد بدأ طلب لعلم في الخامسة والخمسين. لذلك طلب العلم لا يقف عند حدّ معين، ولا عند سن معيَّنة.
 ورد في الخبر أو في الحِكَم ، اطلب العلم من المهد إلى اللحد ، قال بعض علماء السلف: كانوا يطلبون العلم وهم على فراش الموت، وهو على فراش الموت قال: اقرأ لي تفسير هذه الآية.
 سئل أحد العلماء الكبار إلى متى تطلب العلم ؟ قال: إلى الممات، سئل طالب علمٍ آخر إلى متى تستمع إلى هذه الدروس؟ قال: إلى الموت، حضور الدرس، حضور الخطبة فيه شحنة روحية، شحنة نفسية تمدك إلى الأسبوع القادم، بعض المصابيح تشحن بالكهرباء، لو أنك لم تشحنها لضعف ضوءها، وكذلك المؤمن إن لم يشحن ضعف ضوءه، ضعف نور الله في قلبه، ارتكب خطأً فاحشاً، تكلم كلاماً غير سديد، وقف موقفاً لا يرضي الله، أما إذا كان مشحوناً شحنةً علميةً نفسيةً روحيةً، إذا كان موصولاً بالله عزَّ وجل ينطق بالحق، وله موقفٌ سليمٌ وكلامٌ سديد ورؤيةٌ صحيحة، إلى متى تستمع ؟ قال إلى الممات. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال : " إنما أطلب العلم إلى أن أدخل القبر" . وبعض العلماء يقول :" أرجو أن يأتيني أجلي والمحبرة بين يدي، ولم يفارقني العلم ولا المحبرة" .
 أحدهم كان حريصاً على حديث رسول الله حرصاً لا حدود له، فعجب بعضهم منه فقالوا له: " ما أشد حرصك على حديث رسول الله ؟! قال: أو ما أحب أن أكون في قطار آل رسول الله". وسئل بعضهم: متى يحسن المرء أن يتعلم ؟ فقال: ما حسنت به الحياة. ما دام يأكل ويشرب ويمشي، فينبغي أن يطلب العلم. وطلب العلم كما تعرفون أيها الأخوة هو الحاجة العليا في الإنسان، هو الذي يؤكد إنسانيته، وبونٌ شاسعٌ كبير بين من نوَّر الله قلبه بالعلم وبين من بقي جاهلاً، فليس هناك صفةٌ أشدّ بشاعةً في الإنسان من الجهل، والجاهل عدو نفسه، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
 سئل أحمد بن حنبل مرةً ثانية: " أيحسن برجلٍ له ثمانون عاماً أن يطلب العلم ؟ " قال " إن كان يحسن به أن يعيش فيحسن به أن يطلب العلم " فطلب العلم من المهد إلى اللحد، ودون أن تشعر، ودون أن تقصد، ودون أن تريد، حينما تطلب العلم وتعرف الحقيقة، استناداً لفطرتك ولحرصك على الخير، تجد نفسك مسوقاً في طريق الحق، السلوك يعتدل، الكلام يعتدل، كل شيء يعتدل بطلب العلم، فطالب العلم شيءٌ نفيسٌ جداً عند الله عزَّ وجل.

طلب العلم فريضة على كل مسلمٍ ومسلمة :

 أيها الأخوة الكرام... هذا العلم الذي نتحدَّث عنه ما هو ؟ هذا العلم الذي حدثنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم ما هو ؟ قال عليه الصلاة والسلام:

((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم))

[ابن ماجةعن أنس بن مالك ]

 فريضةٌ كيف ؟ أقول لك موضحاً: استنشاق الهواء فريضة. ما معنى ذلك ؟ أي أن حياتك متوقفةٌ على استنشاق الهواء، شرب الماء فريضة، أي أن حياتك متوقفة على شرب الماء، تناول الطعام الذي يملأ معدتك أو يقيم أَودكَ فريضة لأن حياتك متوقفةٌ على تناول الطعام، وكذلك طلب العلم فريضة، إن كانت حياتك المادية متوقفةٌ على شرب الماء، وتنفس الهواء، وأكل الطعام، فحياة قلبك وحياة نفسك متوقفةٌ على طلب العلم، لأن لك حياتين حياة الجسد وحياة الروح، فقال عليه الصلاة والسلام:

((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم))

[ابن ماجةعن أنس بن مالك ]

 علماء الأصول قالوا: على كل شخصٍ مسلم، ذكراً كان أو أنثى. وليست المرأة بأقل حاجةً إلى العلم من الرجل، بل لعله العكس، من علَّم رجلاً علَّم واحداً، ومن علم امرأةً علَّم أسرةً، إنها تربي أولادها..

(( يا رسول الله لي منه خمسة أولاد، إن ضممتهم إلي جاعوا - هو يكسب رزقهم - وإن تركتهم إليه ضاعوا))

 أنا أربيهم. فطلب العلم فريضة على كل مسلمٍ ومسلمة، وهذا الأب الذي لا يعلم ابنته أحكام دينها، يتركها وشأنها، تبحث عن صَرْعَات العصر، وتنسى ربها، وتنسى دينها، وتنسى قرآنها، وتعيش مع أهل الفن والبِدَع، قال هذا الأب ربما قالت البنت لربها يوم القيامة " يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه سبب جهلي ". فكل أبٍ مسؤولٌ عن تعليم بناته التعليم الشرعي، هذا التعليم الذي يجعل من ابنته أماً مسلمةً طيبةً طاهرة تربي أولادها أحسن التربية.

 

اختلاف العلماء في تحديد العلم الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة :

 لكن العلماء اختلفوا في تحديد هذا العلم، فعلماء العقائد قالوا: العلم الذي أراده الله في القرآن الكريم، وأراده النبي عليه الصلاة والسلام في سنته المطهَّرة هو علم العقيدة، لأن به يعرف التوحيد، وتعرف به أركان الإيمان.
 والفقهاء قالوا: لا، هو علم الفقه لأنه يعرف به الحلال والحرام.
 وقالوا المفسرون: إنه علم التفسير، تعرف به أسباب المِلَّة ومرجع الأمة.
 وقالوا المحدِّثون: إنه علم الحديث لأنه المبين للقرآن.
 وقال علماء الأصول: إنه علم الأصول.
 وقال علماء القلوب: إنه علم التسليك إلى الله تعالى.
 وقال علماء العربية: إنها العربية التي بها يفهم القرآن الكريم.
 والحقيقة أن كلاً من هؤلاء على جانبٍ من الحقيقة وليسوا على الحقيقة..
 في خطبةٍ قادمةٍ إن شاء الله نتحدث عن العلم الذي ينبغي أن يُعْلَمَ بالضرورة، على كلّ ذكرٍ أو أنثى، على فقيرٍ أو غني، على مثقَّفٍ أو على غير مثقف، هذا العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة ـ فالمظلي حينما يهبط بمظلته قد يجهل شكل المظلة ؛ أدائريةٌ هي أم بيضويةٌ أم مربَّعة ؟ قد يجهل نوع القماش، خيوط طبيعية أم صناعية ؟ قد يجهل عدد الحِبال، لون الحبال، بُنية الحبال، قُطر الحبل، ولكنها حقيقةٌ واحدةٌ إن جهلها نزل ميتاً طريقة فتح المظلة ـ فالعلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة يشبه طريقة فتح المظلة للمظلي إن جهلها نزل ميتاً، أما هناك معلومات كثيرة جداً قد يجهلها وقد يعرفها، فلا يضره الجهل بها، وقد لا تزيده السلامة بمعرفتها.
 ثم العلم الذي هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن المجموع، ثم العلم المُباح، ثم العلم المحظور، فهناك علمٌ ينبغي أن يعلم بالضرورة، وهناك علمٌ هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، وهناك علمٌ مباح، وعلمٌ محظور، هذا موضوع الخطبة القادمة إن أحيانا الله تعالى، ليست القادمة بل بعد القادمة، لأن الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى حول مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أخطار جديدة تهدد عملية الاستنساخ من جذورها :

 أيها الأخوة الكرام... طالعتنا صحيفة تصدر في الخليج، في العدد المؤرَّخ في الحادي عشر من الشهر السادس، في العام نفسه، عن موضوعٍ علميٍ دقيقٍ جداً، يقول كاتب هذا الموضوع: خرجت علينا وكالات الأنباء بخبر وهو: أخطار جديدة تهدد عملية الاستنساخ من جذورها.
 قال: هناك حقيقة يبتعد عنها طائفةٌ من العلماء بالمقدار الذي يقتربون من بعض الحقائق، ويجب ألا ننسى أن الله جلَّ جلاله يقول في محكم تنزيله :

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 85]

 خالق الكون يقول: مهما توصلتم في العلم إلى درجاتٍ عالية، كل الذي تعلمونه قليلٌ إلى جانب علم الله عزَّ وجل.
 قال: هذه الوكالات أذاعت خبراً كان له وقعٌ حسنٌ في نفوس المؤمنين، هذا الخبر أن سلبيَّات الاستنساخ بدأت تظهر بوضوحٍ على النعجة التي قامت الدنيا ولم تقعد باستنساخها حتى الآن ـ هذه النعجة دولي التي استنسخت عن طريق خلية من الثدي لا عن طريق النظام الإلهي نظام الذكر والأنثى ـ قال تعالى :

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإنسان : 2]

 نظام الله عزَّ وجل أن يأتي المولود من ذكرٍ وأنثى، أما أن نأخذ خليةٍ من ثدي مخلوقٍ، وأن نزرعها في رحم أنثى، فتنمو هذه الخلية لتكون كائناً مشابهاً للأنثى، وليست من أبٍ أو أم، قال: بدأت تظهر سلبيَّات الاستنساخ على هذه النعجة، وقبل أشهر هذه السلبيات المتوقَّعة ظهرت واضحةً، وأن هذه الأيادي التي تعبث بالجينات الوراثية، وبعملية التغيير في الحمض النووي والشيفرة الوراثية من هذه الأحماض الأمينية، قد ظهر للعيان هذا الخطأ الفاحش، لأن الذي خلق هذه المكوِّنات أمدَّها بأسرارٍ لم تكشف بعد، ويعترف العلماء بهذا، وأن أية مجازفةٍ في التدخُّل في هذه الشفرة الوراثية، دون الإلمام الكامل بحقيقتها وطبيعتها، سيؤدي حتماً لحدوث أخطاءٍ، وهذا ما حدث باليقين على النعجة دولي، التي ثبتت معاناتها الآن من الشيخوخة في وقتٍ مبكر جداً ـ تصور إنساناً طفلاً عمره ست سنوات، ظهرت عليه عوارض سن الثمانين ـ لأنهم كما وصفهم الله عز وجل :

﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾

[ سورة النساء :119 ]

 أيها الأخوة... آيةٌ قد لا تخطر في بالكم كأنها تصف ما يحدث، قال تعالى :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾

[ سورة الروم: 40-41]

 كأن الفساد هنا في هذه الآية وفي معناها السياقي، أن الإنسان لغطرسته ولبعده عن ربه أراد أن يتحدَّى الإله، أراد أن يصنع خلقاً غير خلق الله عزَّ وجل.

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

تغيير خلق الله من لوازم البُعد عن الله عزَّ وجل :

 أيها الأخوة الكرام... من لوازم البُعد عن الله تغيير خلق الله، والبشرية الآن تشهد أن كل شيءٍ استحدث حتى في حياتنا الدنيا فيه تغييرٌ لخلق الله، ظهرت نتائج وخيمةٌ جداً، عادوا إلى الأصل الذي صممه الله عزَّ وجل.
 أخواننا الكرام... الأخطار الجسيمة من تسميد المزروعات بالمواد الكيماوية ظهرت آثارها جليةً، الآن العودة إلى السماد الطبيعي في العالم كله، الآثار الخطيرة جداً من مكافحة الأمراض بالأدوية الكيماوية ظهرت آثارها الوبيلة جداً، الآن في العالم كله هناك دعوةٌ إلى المقاومة الحيوية - المكافحة الحيوية - وكلما تقدَّم العلم عادوا إلى الأصل الذي صممه الله عزَّ وجل، هذا تغيير خلق الله من لوازم البُعد عن الله عزَّ وجل..

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾

[ سورة الروم: 41]

 المعنى السياقي :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 40-41]

 أيها الأخوة الكرام... ربنا عزَّ وجل من سننه أنه يُرخي الحبل للإنسان، ليكتشف بالدليل القطعي أنه حينما يغيِّر خلق الله عزَّ وجل يدفع الثمن باهظاً.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين. اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سِترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من أن نخاف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين.
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018