الخطبة : 0703 - علامات معرفة الله - القرض الحسن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0703 - علامات معرفة الله - القرض الحسن.


1999-06-04

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أصلُ الدين معرفة اللهِ جلَّ جلالُه :

 أيها الأخوة الكرام؛ أصلُ الدين معرفة اللهِ جلَّ جلالُه، و اللهُ جلَّ جلاله يُعرَف من خلقه بالتفكُّر، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191]

 يُعرَف اللهُ عز وجل من خلال خلقه بالتفكُّر، و يُعرف من خلال كلامه بالتدبُّر، قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[سورة محمد: 24]

 و يُعرف من أفعاله بالنظر، قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 11]

 أفعالُه تدلُّ عليه، و خلقُه يدلُّ عليه، و كلامُه يدلُّ عليه، و أصلُ الدين معرفةُ الله عز وجل. يقول اللهُ جلَّ جلالُه:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾

[ سورة المائدة: 83]

 الحقُّ يُعرف، و أصلُ الدين أن تعرف الحقَّ، و اللهُ هو الحقُّ.
 يا أيها الأخوة الكرامُ :

كلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى  وليلى لا تقِرُّ لهم بذاكا
***

 كلُّ إنسان يدَّعي أنه عرف اللهَ، فما علامةُ معرفة اللهِ ؟ هذا هو محورُ الخطبة، ما علامة معرفة الله ؟

 

علامات معرفة الله عز وجل :

1 ـ من ازدادت معرفته بالله ازدادت هيبته منه :

 العلماءُ قالوا: من علامات معرفة الله حصولُ الهيبة منه، فمن ازدادت معرفتُه ازدادت هيبتُه، أنت تهاب اللهَ عز وجل، و تخشاه، و تقف عند أمره و نهيه بقدرِ معرفتك به، فإذا كان هناك خللٌ في الطاعة، و خللٌ في الالتزام، فهذا من نقص المعرفة بالله عز وجل، لأنه من عرفه زهِد فيما سواه، و من عرفه أطاعه و من عرفه أحبَّه.
 المعرفة بالله أيها الأخوة توجب السكونَ، فمن ازدادت معرفتُه ازدادت سكينتُه، هذه السكينةُ مصطلحٌ قرآني، سمِّها إن شئت نوراً يقذفه اللهُ في قلبك، يريك الحقُّ حقًّا و الباطلَ باطلاً، أو سمِّها طمأنينةً تتنزَّل على قلبك، أو سمِّها سعادةً تملأ جوانح قلبك، سمِّها ما شئتَ، هي عطاء الله عز وجل، هي رحمة الله، فمن ازدادت معرفتُه بالله ازدادت سكينتُه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال َ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 من علامة المعرفة بالله أن يأنس قلبُك بالله، و أن يحسَّ بقربه من الله، من كان لله أعرف فهو له أخوف، رأسُ الحكمة مخافة الله، إذا شُبِّهت الحكمةُ بإنسان رأسه أن تخاف اللهَ، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام أخوفُ الخلق لله عز وجل، بل إن من مقتضيات الخوف أن تخاف أن ينقطع اتِّصالُك به، فاحرِصوا على طاعته، و احرِصوا على تنفيذ أوامره خوفَ انقطاعكم عنه، و أن الذي ذاق حلاوة القرب يحفظ هذا القرب مهما بلغ الثمنُ، فمن كان بالله أعرفَ كان له أخوفَ و مصداق ذلك قولُ الله عز وجل:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾

[ سورة فاطر: 28]

 و "إنما " أداةُ حصر و قصر، العلماءُ وحدهم الذين يعرفون اللهَ هم وحدهم الذين يخشونه، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾

[ سورة فاطر: 28]

 و في حديث عَائِشَةَ قَالَتْ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا ))

[ البخاري عن عائشة]

 إذًا استنبِطْ أنه كلما ازدادت معرفتُك ازدادت خشيتُك، كلما ازدادت معرفتُك ازدادت محبَّتُك، كلما ازدادت معرفتُك ازدادت هيبتُك من الله عز وجل.

 

2 ـ من عرف الله ضاقت عليه الدنيا بسعتها :

 ومن دلائل معرفة الله أنه من عرف اللهَ ضاقت عليه الدنيا بسعتها، يضيق عليه كلُّ مكان، و لا يساعده على شأنه ومطلوبه، مطلبُه عظيم، فإذا وُجِد في مكان لا يعينه على القرب من الله ضاق عليه المكان، و لو كان واسعاً، فمن عرف اللهَ عز وجل ضاقت عليه الدنيا بأكملها، و من عرف اللهَ عز وجل اتَّسع عليه كلُّ ضيِّق، لو جلس في غرفةٍ قميئة، في بيت مظلمٍ، في غرفة تحت الأرض، إذا كان اتِّصالُه بالله متيناً خرج من المكان إلى رحاب الكون، هذه علامةٌ دقيقةٌ، تبدو وكأنها متناقضة، من عرف اللهَ ضاقت عليه الدنيا بسعتها، و من عرف اللهَ اتَّسع عليه كلُّ ضيقٍ، ومن عرف اللهَ صفا له العيشُ، ألا تقولون: اللهم صلِّ على أسعدنا، إنه أسعدُ الخلق قاطبةً، أبيت عند ربي يطعمني و يسقيني، من عرف اللهَ صفا له العيشُ، و طابت له الحياةُ، وهابه كلُّ شيءٍ، و ذهب عنه خوفُ المخلوقين، و أنِسَ بالله عز وجل، خوفُ المخلوقين شيءٌ يحطِّم الأعصابَ، خوفُ المخلوقين يهزُّ الكيانَ، الذي يعرف اللهَ عز وجل نجا من أكبر مشكلة يعانيها البشرُ، خوفُ المخلوقين، من عرف اللهَ عز وجل صفا له العيشُ، و طابت له الحياةُ، و هابه كلُّ شيءٍ، و ذهب عنه خوفُ المخلوقين، و أنِس بالله عز وجل، و من عرف اللهَ قرَّت عينُه بالله، و قرَّت عينُه بالموت الذي هو عند الناس أكبرُ مصيبةٍ، لأن الموتَ: غدًا نلقى الأحبَّةَ محمَّدا و صحبَه ، لأن الموتَ عرسُه، و لأن الموتَ تحفتُه، و لأن الموتَ يلقى به ربَّه، ولأن الموتَ يقطف ثمارَ طاعته في دنياه، لذلك عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ))

[البخاري عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ]

 قيل له: يا رسول الله ما مستريح و ما مستراح منه ؟ قال: فأما العبدُ المؤمنُ إذا مات استراح من عناء الدنيا، إذًا الذي يعرف اللهَ قرَّت عينه بالله، إذا كانت عيونُ أهل الدنيا قد أقرَّت بدنياهم، فإن المؤمنَ تقرّ عينُه بالله، فمن عرف اللهَ قرَّت عينُه بالله، وقرَّت عينُه بالموتِ، وقرّت به كلُّ عينٍ، لأنه موصولٌ، ومادام موصولاً صار مؤنِسًا، صار قريباً من الله عز وجل، قرَّت به كلُّ عين، و من لم يعرف اللهَ تقطَّع قلبُه بالدنيا حسرات، إذا فاتته الدنيا فاته مالُها، و فاتته شهواتُها، يتقطَّع قلبُه حسرات عليها، لأنه ما عرف اللهَ عز وجل، و من عرف اللهَ لم يبقَ له رغبةٌ فيما سواه، ومن عرف اللهَ زهِد فيما سواه.
 إذا وُضِعتَ أمام طعام قديم فاسد بعضَ الشيء تأكل قليلاً و هذا لا يسمن و لا يغني من جوع، ثم رأيت طعاماً آخر نفيساً، هذا الطعام يزهِّدك في الطعام الخشِن، و من ادَّعى معرفةَ الله وهو راغب في غيره كذَّبت رغبتُه معرفتَه، ومن ادَّعى معرفةَ الله وهو راغبٌ في غيره كذَّبت رغبتُه معرفتَه.

 

3 ـ من عرف الله أحبَّه على قدر معرفته به وخافه وتوكَّل عليه :

 و من عرف الله أيها الأخوة أحبَّه على قدر معرفته به، وخافه، ورجاه، وتوكَّل عليه، وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى قربه، واستحيا منه، وعظَّمه، هذه علاماتُ معرفة الله، ومعرفة الله أصلُ الدين، أصل الدين أن تعرفه، وإنك إن عرفت الله عرفتَ كلَّ شيء.

4 ـ من عرف الله رآه في كل شيء :

 يا أيها الأخوة الكرام؛ من علامات معرفة الله أن تشهدَه في كلِّ شيء، أن ترى اللهَ في كل شيء، يا أيها الأخوة الكرام حينما تستمع إلى النشرة الجوَّية لا ترى أن منخفضًا متمركزًا فوق هذه الجزيرة متَّجهاً نحو هذا القطر، ترى أن رحمة الله قد أتتْ، حينما ترى الثمارَ يانعةً لا ترى أن هذا من فعل السَّماد، هذا من كرم الله عز وجل، أيَّةُ نظرة تنظر إليها تراها نعمةً لله عز وجل، كرمًا من عند الله عز وجل، أيَّ حدثٍ تستمع إليه تراه من فعل الله، و قد أراده اللهُ، و إرادةُ الله لها حكمةٌ مطلقة، ترى الأشياءَ كلَّها من خلال التوحيد، أنت تنظر بعين التوحيد فترى أن يدَ اللهِ تعمل وحدَها، وأن الله عز وجل في السماء إلهٌ، وفي الأرض إلهٌ، و أنه إليه يرجع الأمر كلُّه، وبيده ملكوتُ السموات والأرض، قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة فاطر: 2]

5 ـ من عرف اللهَ انحلَّتْ علائقُه بالناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من عرف اللهَ انحلَّتْ علائقُه بالناس، لا انحلالَ عدمٍ، ولكن انحلالَ توحيد، تعلَّق بالله وحدَه، و يعامل الناسَ، و يشكرهم، و يحسن إليهم، و يتَّقي شرَّهم، و لكنَّ قلبَه متعلِّقٌ بالله وحده، إنه كالمسافر، فحينما تُزمع السفرَ صِرتَ و أنت لا تشعر في بلدِ السفر، كلُّ شيء تفكِّر فيه لرحلتك، و لهدفك.
 قيل لأحد العلماء: إن أقواماً يدَّعون المعرفةَ يقولون: إنهم يصلون إلى الله بترك الحركات و العبادات، فقال هذا العالِمُ: هؤلاء أقوامٌ تكَّلموا بإسقاط الأعمال، وهو شيءٌ عظيم، و الذي يسرق، ويزني أحسنُ حالاً من هؤلاء، و لو بقيتُ ألفَ عام لم أنقِص من أعمال البرِّ ذرَّةً إلا أن يُحال بيني و بينها.

6 ـ من عرف الله لا يطالب و لا يخاصم و لا يعاتب :

 أيها الأخوة الكرام؛ من علامات العارف بالله ألا يطالب، و لا يخاصم، و لا يعاتب، و لا يرى له على أحدٍ فضلاً، و لا يرى على أحد له حقًّا، هو يعامل اللهَ عز وجل، ولا يتأثَّر بردود فعل الناس، شكروه أو لم يشكروه، قدَّروا عملَه أو لم يقدِّروا، لأنه مخلصٌ لله عز وجل، يخرج العارفُ بالله من الدنيا، ولم يقضِ وطَرَه من شيئين؛ بكاءٍ على نفسه، وثناءٍ على ربِّه، و لم يشتغل عن الله بشيء طرفةَ عين، و لكنَّه قد يشتغل بغيره لأجله، قد يطلب العلمَ ليعلِّم الناسَ، قد يسعى لكسب المالِ ليحسن إلى الناس، و قد يسعى إلى مركز قويٍّ لينصف الضُّعفاء، إن اشتغل عن الله فللّه، أمَّا أن يشتغل عن الله لغيره سهوًا و لهوًا فهذا مستحيل على من عرف اللهَ.

7 ـ من عرف اللهَ استأنِس به و استوحش ممَّن يقطعه عنه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الذي يعرف اللهَ عز وجل يستأنِس بربِّه، و يستوحِش ممَّن يقطعه عنه، لذلك لا يصاحب إلا مؤمنًا، يستأنس بمن يقرِّبه من الله، و يستوحش ممن يبعِده، و هذه حقيقةٌ خطيرة، في جلَساتك، وفي لقاءاتك، وفي نزُهاتك، وفي اجتماعاتك، وفي ندواتك، و إذا جلستَ مع قومٍ فأخذوا بيدك إلى الله فالزَمهم، أما إذا جلستَ مع قوم أبعدوك عن الله فاتركْهم، راعِ هذه الحقيقةَ.
 الذي يعرف اللهَ أنِس بالله، فاستوحش من الخلق، و افتقر إلى اللهِ فأغناه عنهم، و ذلَّ لله فأعزَّه فيهم، و تواضع لله فرفعه بينهم، و استغنى بالله فأحوجَهم إليه، والذي يعرف اللهَ عز وجل تراه مصلِّيًا، و تراه ذاكراً، و تراه قارئاً، و تراه معلِّمًا، و تراه مجاهدًا، وتراه حاجًّا، و تراه مساعدًا للضعيف، وتراه مُغيثًا للملهوف، يضرب بكلِّ غنيمة من الغنائم بسهم، فهو مع المتعلِّمين متعلِّم، و مع الغُزاة غازٍ، و مع المصلِّين مصلٍّ، و مع المتصدَّقين متصدَّقٌ، أيْ يسلك كلَّ الطرق الموصِلة إلى الله عز وجل، إنْ في العبادات، وإنْ في المعاملات، وإنْ في الآداب.

8 ـ من عرف اللهَ لا يعتقد شيئاً مخالفاً للشرع :

 الذي يعرف اللهَ عز وجل لا يعتقد باطنًا من العلم ينقضُه ظاهرٌ من الحكم، لا يعتقد شيئاً مخالفاً للشرع، مخالفًا لما هم عليه أهلُ السُّنة الجماعة، مخالفاً لما في الكتاب و السنة، اعتقاداته كلُّها موافقةٌ لما في الكتاب و السنة، هو منهجُه، و الذي يعرف اللهَ عز وجل لا يعتقد باطنًا من العلم بشيء يخالف ظاهر الحُكم، و هذه علامةٌ دقيقة، هو مع المنهج، و هو مع الطريق المستقيم، و هو مع المنهج القويم، هو متمسِّكٌ بالحبل المتين، و هو معتصِمٌ بسنة رسوله صلى اللهُ عليه و سلَّم، بعضُ الجهلة قالوا: الذي يعرف اللهَ تضرُّه الذنوبَ كما تضرُّ الجاهلَ، و هذا من أعظم المكر، لأنه إذا عُوقِب الجاهلُ ضعفًا عوقِب العارفُ ضعفين، و دليلُه قولُه تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 30]

 دائما أهلُ القدوة يُحاسَبون مرَّتين؛ مرَّةً عن أنفسهم و مرة عمَّن اقتدى بهم، كلُّ إنسان تنعقد العيونُ إليه، وتنحطُّ الأبصارُ عليه، يجب أن يكون قدوةً، فإذا أحسن فله أجران، و إذا أساء فعليه ضعفُ العذاب، سيِّدُنا عمر كان إذا أراد إنفاذَ أمرٍ جمع أهلَه و خاصَّته و قال: إني قد أمرتُ الناسَ بكذا و نهيتهم عن كذا، و الناسُ كالطير إن رأوكم وقعتُم وقعوا، يقول: وايمُ اللهِ لا أُوتَيَنَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه إلا ضاعفتُ له العقوبةَ لمكانه مني.

 

9 ـ من عرف الله انتقل من الشّك إلى اليقين :

 الإنسانُ إذا عرف اللهَ انتقل من الشكِّ إلى اليقين، قال تعالى:

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾

[ سورة التكاثر: 5-7]

 يعيش في اليقينيات، و لا يعيش في الشُّبهات، ينتقل من الرياء إلى الإخلاص، يرائي من؟ هذا الذي يرائيه لا يملك له نفعاً و لا ضرًّا، الذي يعرف اللهَ ينتقل من الغفلة إلى الذكر، و من أشدِّ الأمراض التي تفتك بالمسلم أن يكون غافلاً عن الله، و أما أن يكون ذاكراً لله فهذا من نِعَم الله العظمى.

 

10 ـ من عرف الله انتقل من الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة :

 الذي يعرف الله عز وجل ينتقل من الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ويجعل الآخرةَ محطَّ رحاله، ومنتهى أملِه، ولا يعبأُ بالدنيا، أما إذا قلَّت معرفتُه كانت الدنيا أكبرَ همِّه ومبلغَ علمه، و قد وصفَ اللهُ عز وجل أهل الكفر فقال تعالى:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

[سورة الروم: 7]

أتمّ الناس معرفة بالله من عرفه بالكمال و الجلال و الجمال :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ من أعزِّ أنواع المعرفة أن تعرف اللهَ سبحانه و تعالى بالجمال وهو معرفة خواصِّ الخلق، كلُّ المؤمنين عرفوه بصفة من صفاته، أتمُّهم معرفةً من عرفه بالكمال و الجلال و الجمال، قال تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[ سورة الشورى: 11]

 في سائر صفاته، ولو فرضتَ الخلقَ كلَّهم على أجمل صورة فهم على تلك الصورة، ونسبتَ جمالَهم الظاهر والباطن إلى جمال الربِّ كان أقلَّ من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، فالذين عرفوه أحبُّوه، و الذين عرفوه باعوا أنفسَهم له، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 162]

 ويكفي في جماله ما ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:

((قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ))

[ مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى]

ويكفي في جماله أن له العزَّةَ جميع إن أردتَ أن تكون عزيزاً فكنْ مع العزيز:
اجـعلْ لربَّك كلَّ عزك يستقرُّ ويـــثبت  فإذا اعتززتَ بمن يموت فــإن عزَّك ميِتُ
***

 وأن لله العزةَ جميعاً، والقوَّةَ جميعا، وله الجودُ كلُّه، وله الإحسان كلُّه، وله العلمُ كلُّه، وله الفضلُ كلُّه، ولنور وجهه أشرقتْ الظلماتُ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة ، وسيِّدنا ابنُ مسعود رضي الله عنه يقول : ليس عند ربكم ليل و لا نهار، نورُ السموات و الأرض نورُ وجهه، فهو سبحانه و تعالى نورُ السموات و الأرض .
 وفي صحيح مسلم أيضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 وقد قال العلماءُ: هناك جمال الذات، و هناك جمالُ الصفات، وهناك جمال الأفعال، أسماؤه كلُّها حسنى و صفاتُه كلُّها فُضلى، وأفعاله كلُّها حكمةٌ وعدلٌ ورحمةٌ.

توجه الإنسان إلى الله انطلاقاً من حبه لنفسه و لوجوده و لكمال وجوده :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ختاماً لهذا الموضوع دقِّقوا في هذه الكلمات؛ من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبُّه، ومن أعجب الأشياء أن تسمع داعيه ثم تتأخَّر عن الإجابة، و من أعجب الأشياء أن تعرف الربح في معاملته ثم تعامل غيرَه، و من أعجب الأشياء أن تعرف قدرَ غضبه ثم تتعرَّض له، و من أعجب الأشياء أن تذوق ألمَ الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأُنسَ في طاعته، ومن أعجب الأشياء أن تذوق عثرةَ القلب عند الخوض في حديثه والحديث عنه، ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، ومن أعجب الأشياء أن تذوق العذابَ عند تعلّق القلب بغيره، ولا تهربُ منه إلى نعيم الإقبال عليه، وأعجب من هذا علمُك أنك لابدَّ لك منه، و أنت أحوجُ شيء إليه، وأنت عنه معرضٌ فيما بينك و بينه.
 أيها الأخوة الكرام ؛ أصلُ الدين معرفةُ الله، القضيةُ أزمةُ علمٍ فقط، لأن أهل النار وهم في النار ماذا يقولون ؟ قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 لأن الإنسانَ يحبُّ ذاتَه، و يحبُّ وجودَه، و يحبُّ سلامةَ وجوده، و يحبُّ كمالَ وجوده، و يحبُّ استمرارَ وجوده، فإذا عرف أن كلَّ سعادته بالله، وأن كلَّ أمنه بالله، وأن كلَّ سلامته بالله، وأن كلَّ فوزه بالله، وأن كلَّ مصيره بالله عز وجل، توجَّه إلى الله وحدَه، و ما تعلَّمت العبيدُ أفضلَ من التوحيد.
 إن أردتَ تمثيلاً لما يجري في العالَم اليوم ؛ طفلٌ صغير شبعُه مع أمِّه و ريُّه أن يكون مع أمه، و أمنُه أن يكون مع أمه، و سعادته أن يكون مع أمه، و نظافتُه أن يكون مع أمه، و مأواه أن يكون مع أمه، و كلُّ شيء يسعدُه ينبغي أن يكون من أمِّه، فإذا ترك يدَ أمه وتاهَ، ما الحكمةُ أن نفعل مع هذا الطفل الشارد ؟ أن نسوقه إلى أمه، و عجب ربُّك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل. إما أن تأتيه طائعاً، وإما أن يتفضَّل اللهُ علينا فيسوقنا إلى بابه، الأولى أشرفُ و الثانية ضرورية، قال تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

 القضيةُ أيها الأخوة قضية أن اللهَ عز وجل خلقنا لنعرفه، و خلقنا ليسعدنا، وخلقنا ليرحمنا، و خلقنا لجنة عرضُها السموات والأرضُ، فإذا التفتْنا إلى الدنيا وانغمسْنا فيها، وآثرْنا دنيانا على أخرانا، من رحمة الله بنا أن يسوق لنا الشَّدائدَ يحملُنا بها على أن نتَّصل به، فالبطولةُ أن نتَّصل به من تِلقاء أنفسنا، و أن نتصل به راغبين، و أن نقبل عليه راجين.

 

أشدُّ الناس حسرةً يوم القيامة من غفل عن اللهِ في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال بعضُ الأدباءِ: قد تقرأ قصَّةً سخيفةً تقرؤها، وتتثاءب، وتنام، و لكن قد تقرأ موضوعاً خطيرًا، تنتهي من قراءته فتبدأ متاعبُك، و الكلامُ الذي يُسعدُنا ينبغي أن يكون خطيرًا، ينبغي أن تعرف لماذا أنت في الدنيا؟ أنت في الدنيا لمهمَّةٍ كبيرة كبيرةٍ، أنت في الدنيا من أجل أن تعمل عملاً تستحقُّ به الجنَّةَ، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 32]

 لذلك أشدُّ الناس حسرةً يوم القيامة من غفل عن اللهِ في الدنيا.
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ ففِرُّوا إلى الله جميعاً، يا أيها الأخوة الكرام اصطلِحوا مع الله، يا أيها الأخوة الكرام راجعوا كلَّ حساباتكم، اجرِدوا كلَّ عقائدكم، ينبغي أن تكون تصوُّراتُكم وعقائدكم ومنهجُكم في الحياة وفقَ منهج الله عز وجل، السعادةُ هدفُ كلِّ إنسان، السلامةُ والسعادة هدفُ كلِّ مخلوقٍ على وجه الأرض، و لا شيءَ يسلِّمك من متاعب الدنيا إلا أن تكون مستقيماً.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسبوا، و زِنوا أعمالَكم قبل أن تُوزن عليكم، و اعلموا أن ملَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، و سيتخطَّى غيرَنا إلينا، فلنتَّخِذ حذرَنا، الكيِّس من دان نفسَه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسَه هواها، وتمنى على الله الأمانيَّ.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القرض الحسن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آيةٌ كريمةٌ لو عرفها الإنسانُ حقَّ المعرفة لتركتْ في نفسه أثرًا بليغاً، الآية الكريمةُ قال تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة: 245]

 قال علماءُ التفسير: إن أيَّ عملٍ صالحٍ مهما دقَّ في عينك و مهما كبُر، معنويًّا كان أو ماديًّا، كلمةً طيِّبة أو درهماً تنفقه، أيُّ عمل صالح لأيِّ مخلوق كائنٍ من كان، الآيةُ شاملةٌ جدًّا، أيُّ عمل صالح لأيِّ مخلوق كائن من كان، سواء أكان هذا العملُ دقيقاً أم جليلاً، ماديًّا أو معنويًّا هذا يُعدُّ عند الله قرضًا له، أنت أقرضتَ اللهَ، أقرضتَه هذه الكلمةَ الطيِّبة لأخيك، أقرضته هذا المبلغ الذي أعنتَ به أخاك، أقرضته هذه المعاملة الطيِّبة لزوجتك، أقرضته تربيةَ أولادك، أقرضتَه النصحَ للمسلمين، أقرضته خدمةَ المسلمين، أقرضته نشرَ الحقِّ، أيُّ عمل عظيمٍ بدءًا من أن تُميط الأذى عن الطريق إلى الدعوة إلى الله التي هي صنعةُ الأنبياء، كلُّ هذه الأعمال دقيقِها وجليلِها، قريبها و بعيدِها، ماديِّها و معنويِّها هي عند الله قرضٌ حسنٌ له، قال تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة: 245]

 لو أن هذا المعنى استحضرناه دائماً، و لو أنك أطعمتَ هرَّةً إنه قرضٌ لله عز وجل، و لو رحمتَ حيواناً إنه قرضٌ لله عز وجل، لو واسيتَ أخاك بكلمة طيِّبة، و لو عُدتَ مريضاً، و لو أنفقتَ على أخيك الفقير، لو واسيتَ أخًا لك في أيِّ شيء، و لو نفَّستَ عن مؤمن كربةً من كُرب الدنيا هي قرض حسن لله عز وجل، من هذا الذي يسمح اللهُ له أن يقرضَه؟ أمرنا أن نقرضه لنربح عليه، و لو أن ملِكًا قال لأحد رعيَّته: أقرِضني ليرةً و خذْ مكانها مئة مليون، هذا قرض، هذا القرض الذي ينبغي أن نسعى إليه، أقرِضني ليرةً و خذْ مكانها مئة مليون، قال تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة: 245]

 أنت تقرض ملِك الملوك، و علاَّم الغيوب، أنت تقرض الغنيَّ، القويَّ، أنت تقرض خالقَ السموات و الأرض، قال تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة: 245]

 ورد في بعض الأحاديث: " إنكم لن تسعوا الناسَ بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم" المعاملة الطيِّبة قرض حسن، الزوجُ المثالي قرضٌ حسن، و الأبُ الرحيم بـأولاده يقرض الله قرضاً حسناً، هذه الآيةُ واسعة جدًّا واسعة إلى درجةٍ لا تُصدَّق، أيُّ عمل صالح مع أيِّ مخلوق في أيِّ مكان، و في أيِّ زمان، في الليل و النهار، في إقبال الدنيا وإدبارها، في الصغير و الكبير، هو قرضٌ حسنٌ لله عز وجل، و اللهُ عز وجل وعدَنا أن يضاعفه لنا أضعافاً كثيرة، هذا قرضٌ رَبويٌّ، ولكنه مسموحٌ به، أن يضاعفه لنا أضعافاً كثيرة:

﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة البقرة: 245]

 ولكن العمل الصالحَ إذا بُنيت عليه مفسدةٌ، هذا ليس عملاً صالحاً، دعْ خيرًا عليه الشَّرُّ يربو، درءُ المفاسد مقدَّم على جلب المنافع، قد يقول لك أحدهم: أقرضني، ليرتكب معصية، أعوذ بالله، يجب أن يكون القرض حسناً، و قد يقول لك أحدهم: أعنِّي، لتعينه على مخالفة، أعوذ بالله، أنت مسؤول أمام الله عز وجل، ينبغي أن تقرض الناسَ قرضًا يقرِّبهم إلى الله، لا أن يبعدَهم عنه، هذا الذي يطلب القرضَ الحسنَ ليستعين به على معصية ينبغي ألا تقرضه، هذه حقيقةٌ، درءُ المفاسد مقدَّم على جلب المنافع، دعْ خيرًا عليه الشَّرُّ يربو.
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان مخلوق للعمل الصالح، و الإنسان حينما يأتيه ملَكُ الموت لا يندم إلا على شيء واحد، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون: 99-100]

 فكأنك مخلوق في هذه الدنيا من أجل العمل الصالح، فبعد معرفة الله المعرفةَ التي تعينك على طاعته ليس أمامك إلا العمل الصالح ترقى به، و حجمُك عند الله بحجم عملك الصالح، مصداق ذلك في قوله تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[سورة الأحقاف: 19]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولَّنا فيمن تولّيت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُ من واليت، و لا يعَزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا و تعاليت، و لك الحمدُ على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هبْ لنا عملاً صالحاً يقرِّبنا إليك، اللهم أعطِنا و لا تحرمنا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، و اجعل الحياةَ زادًا لنا من كلِّ خير، و اجعل الموت راحة لنا من كلِّ شرٍّ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، و من الفقر إلا إليك، و من الذلِّ إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السَّلب بعد العطاء، مولانا ربَّ العالمين، اللهم كما أقررتَ أعينَ أهل الدنيا بدنياهم فأقرِر أعينَنا برضوانك يا ربَّ العالمين، اللهم صُنْ وجوهنا باليسار، و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرَّ خلقك، ونُبتلَى بحمد من أعطى، و ذمِّ من منع، و أنت من فوقه وليُّ العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعزَّ المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحبُّ و ترضى، إنك على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018