الخطبة : 0702 - التوكل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0702 - التوكل.


1999-05-28

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حاجة الناس إلى التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ حينما يكون المسلمُ في ظرفٍ صعب، أو حينما تتملَّك قوى الشرِّ و هي لا ترحم، و حينما يبدو المستقبلُ مظلماً، و حينما يظنُّ المسلمُ أن الأمورَ تجري نحو أسوأ في كلِّ النواحي، في مثل هذه الحالات تشتدُّ الحاجةُ إلى التَّوكُّل، دائمًا و أبداً لا تنسَ أن تكون موحِّداً، و لا تنسَ أن الأمرَ كلَّه بيد الله، لا تنسَ أنه إليه يُرجَع الأمرُ كلُّه، و لا تنسَ أن الله عز وجل بيده مقاليد السموات و الأرض، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

[ سورة الزخرف: 84]

 و قال تعالى:

﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة سبأ: 3]

 و لا يقع شيء في الكون إلا بإرادته. هذه الآياتُ آياتُ التوحيد يحتاجها المسلمُ دائما، يحتاجها المسلمُ كي لا تضعف معنوياتُه، و كي لا يظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء، و كي لا يقع في مطبٍّ خطير وقع فيه الغربيُّون؛ أن الله خلاَّق و ليس فعَّالاً، أن الأمرَ بيد الإنسان، لكنَّ الأمرَ بيد الله، و يدُ الله فوق أيديهم، و حينما يُوضع المسلمُ مرَّةً ثانية في ظرف صعبٍ، و حينما تبدو الأمورُ مظلمة، و حينما تتملَّك قوى الشرِّ ناصيةَ الأمور في العالَم، و حينما لا ترحم المسلمين تشتدُّ الحاجةُ إلى التوكُّل، التوكل بعد أخذ الأسباب، و المؤمن الحقُّ يأخذ بالأسباب، و كأنها كلُّ شيء، ثم يتوكَّل على الله و كأنها ليست بشيء.

 

آيات كريمة وردتْ في موضوع التوكُّل :

 إليكم أيها الأخوة بعضَ الآيات الكريمة التي وردتْ في موضوع التوكُّل، قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة المائدة: 23]

 أي علامة إيمانكم أنكم تتوكَّلون على الله بعد أن تأخذوا بكل الأسباب حتى لا ينسحِق الإنسانُ، و حتى لا يقع في السوداوية، و حتى لا يقع في اليأس، و حتى لا يقع في القنوط، قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة المائدة: 23]

 و قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

[سورة الطلاق: 3]

 أنت مع من ؟ مع خالق السموات، مع القويِّ، مع الذي بيده كلُّ شيءٍ، قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[سورة النمل: 79]

 و هذه الآية تفصيلٌ شديد، قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب: 3]

 و قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان: 58]

 وإن الله سبحانه و تعالى كما أنه يحبُّ الصادقين، ويحبُّ المحسنين، ويحبُّ التائبين، ويحبُّ المتطهِّرين، إنه يحب المتوكِّلين، من هو المتوكِّل ؟ هو الذي وثق بالله، وحينما تثق بالله فأنت المنتصر، سيدنا عمر رضي اللهُ عنه سأل أناساً يتكفَّفون الناسَ: من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: كذبتُم، المتوكِّلُ من ألقى حبَّةً في الأرض ثم توكَّل على الله، و قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 2]

 إنما أداة حصر.

من كان على الحق ثم توكل على الله فقد جمع الدّين كله :

 قال العلماءُ أيها الأخوة: الدينُ بمجموعه في هذين الأمرين؛ أن يكون العبدُ على الحق في أقواله، وفي أعماله، و في اعتقاده، وفي نيته، و أن يكون متوكِّلاً على الله عز وجل واثقاً به، أن يكون على الحق وأن يتوكَّل على الله، قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[سورة النمل: 79]

 أي إذا كنتَ على الحقِّ لا تخشى أحدًا لأن الله معك، و إذا كان اللهُ معك فمن عليك ؟ من يستطيع أن يكون عليك إذا كان اللهُ معك ؟ قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[سورة النمل: 79]

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كان العبدُ على الحق في قوله و في عمله و في اعتقاده وفي نيته ثم توكَّل على الله عز وجل واثقاً منه فقد جمع الدينَ كلَّه، آفةُ هذا العبد عدمُ الهداية وعدمُ التوكُّل، أو كلاهما، إيمانه ضعيف و توكُّله معدوم، توكُّله تواكلٌ من دون أخذٍ بالأسباب.
 أيها الأخوة الكرام، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَهَجَّدَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ:

((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ وَبِكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْت))

[ البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال:

((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

المواقف الصعبة ضرورية لفرز المؤمنين :

 تجربةٌ دقيقة جدًّا مرَّ بها المؤمنون في الخندق، قال تعالى:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[سورة الأحزاب: 10-11]

 و لعلَّ هذا الزلزال الشديد حكمته البالغة فرزُ المؤمنين، و قال تعالى:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

 و قال تعالى في المنافقين:

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[سورة الأحزاب: 12]

 هذا في القرآن، قال بعضُ من كان مع النبيِّ عليه الصلاة و السلام: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر و كسرى و أحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟ أما الذين آمنوا، قال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب: 23]

 هذه الزلزلة لفرز المؤمنين، ليعرف الإنسانُ إذا ما كان مؤمنا حقًّا، أو كان يدَّعي الإيمانَ، في مثل هذه المواقف الصعبة يُفرَز الناسُ.

 

الدّين استعانة و عبادة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:

((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ))

[ البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا))

[ الترمذي عن عمر بن الخطاب]

 مرَّة ثانية ؛ خذْ يكل الأسباب و كأنها كلُّ شيء، ثم توكَّل على الله و كأنها ليست بشيء، هذا الموقف الكامل، إن لم تأخذ الأسباب فقد عصيتَ، و إن أخذتَ بها و اعتمدتَ عليها فقد أشركتَ، ينبغي أن تأخذ بها و أن تتوكَّل على الله، عندئذٍ تقطف ثمارَ الإيمان يانعة.
 فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ قَالَ يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ يُقَالُ لَهُ كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 أيها الأخوة الكرام، هل الدينُ في مجمله إلا استعانة وعبادة من آية الفاتحة؟ قال تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[

[سورة الفاتحة: 5]

 فالتوكُّل هو الاستعانة، و الإنابة إلى الله هي العبادة.

 

أنواع المتوكلين على الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أنت في الدعاء، و التوكّل يلتقي مع الدعاء في نقاطٍ كثيرة، أنت في الدعاء، مع أهل الأرض هل تطلب من إنسان لا وجود له؟ مستحيلٌ، لا بدَّ من الذي تدعوه أنك موقنٌ أنه موجود، هل تدعو إنساناً لا يسمع ؟ مستحيل، لا بدَّ من أن تدعو إنساناً موجوداً و يسمعك، هل تدعو إنساناً ضعيفاً ؟ مستحيل، لا بدَّ من أن تدعو إنساناً موجوداً، ويسمعك، وهو قادر على تنفيذ رغبتك، في عالَم الأرض، هل تدعو إنساناً لا يحبُّك ؟ مستحيل، لا بد من أن تدعو إنساناً موجوداً، ويسمعك، وقادر على تنفيذ رغبتك، ويحبُّك، أنت حينما تدعو اللهَ، أنت مؤمنٌ وربِّ الكعبة، مؤمن بوجوده، ومؤمن بسمعه وعلمه، و مؤمن بقدرته، ومؤمن برحمته، هذا هو التوكُّل، لكن هذا التوكل أيها الأخوة كما قال بعضُ العلماء: تتباين متعلَّقاتُه، أولياء الله وخاصَّته يتوكَّلون على الله في الإيمان، في نصرة دينه، و في إعلاء كلمته، و في قهر أعدائه، و في تنفيذ أوامره، قضيتهم مع الله إرساءُ الحق، قضيتهم مع الله أن يزول الباطلُ، قضيتهم مع الله أن تنتشر الفضيلةُ، أن تسعد الأمةُ، ميولُهم علوية، خرجوا من ذاتهم إلى خدمة الخلق، وإلى إسعاد الخلق، و إلى هداية الخلق، فأولياء الله و خاصَّته يتوكَّلون عليه في نصرة دينه، و إعلاء كلمته، و جهاد أعدائه، وفي تنفيذ أوامره، لذلك المؤمن الحقُّ يحمل همومَ المسلمين، انتماؤه ليس فرديا،ً انتماؤه إلى مجموع المؤمنين، يتمنى لهم الخيرَ، يتمنى أن يهتدوا إلى الله، يتمنى أن يقيموا أمرَ الله في بيوتهم و أعمالهم، يتمنى لهم أن يسعدوا بالله، فإذا دعا اللهَ و توكَّل عليه ففي قضيةٍ عامة، هؤلاء أولياء الله وخاصَّته، و من دون هؤلاء يتوكَّلون على الله في استقامتهم، وفي حفظ أحوالهم مع الله، يا رب ثبِّتني على ما أنا عليه، أي أن انتماءه فردي، ولكنه مقدَّس، يتوكَّلون على الله في سلامة عقيدتهم، و في سلامة سلوكهم، وفي سلامة استقامتهم، وفي الأعمال الصالحة التي ينبغي أن تجريَ على أيديهم، و من دون هؤلاء هناك من يتوكَّل على الله في شيءٍ يبتغيه من رزق، أو عافية، أو زوجة، أو نصر على عدوٍّ في موضوع دنيوي، أو زوجة أو ولد أو نحو ذلك، على كلٍّ هؤلاء جميعاً على العين و الرأس، هم متوكِّلون.

أفضل أنواع التوكل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال العلماءُ: إن أفضل أنواع التوكُّل التوكلُ في واجب الحقِّ وواجب الخلق، الحقُّ وهو الله جلَّ جلالُه له عليك حقوق، وعليك له واجبات، فأفضل أنواع التوكل أن تتوكَّل فيما لله عليك، و فيما للخلق عليك، و فيما لنفسك عليك من حقٍّ، و أوسعُ أنواع التوكُّلِ التوكُّلُ في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكلُ الأنبياء في إقامة دين الله عز وجل، و دفع فساد المفسدين، و هذا توكُّلُ ورثتهم من بعدهم، العلماءُ الصادقون الذين ورِثوا هذه المهمَّةَ عن الأنبياء، في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وفي تبيين الحق ولو كان مرًّا، و يتوكَّل الناسُ بعد ذلك على حسب هممِهم، و مقاصدهم، فمن متوكِّل على الله في الوصول إلى الملك، و من متوكِّل على الله في الحصول على رغيف خبز.
 أيها الأخوة الكرام ؛ قيل: من صدق في توكُّله على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوبًا مرضياً عند الله كانت له فيه العافيةُ و العاقبة المحمودة المرضيةَ، و إن توكَّل على الله في شيء مسخوطٍ مبغوض عند الله كان ما حصل له بتوكُّله مضرةٌ عليه، و إن كان مباحاً حصلت له مصلحةُ التوكُّل دون مصلحة ما توكَّل فيه، إلا إذا استعان به على طاعة الله، إذًا أنت إن توكلت على الله فيما يحب اللهُ، فقد جمعتَ بين الدنيا و الآخرة، و إن توكَّلتَ عليه فيما يبغض فقد نِلتَ الدنيا و خسرتَ الآخرةَ، أما إذا توكَّلت عليه في مباح لا لك و لا عليك، إلا في حالة واحدة إذا استعنتَ به على طاعة الله أصبح لك ثانيةً.

ثمار التوكل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أولى ثمار التوكُّلُ الإيمان، أنت مع القويِّ، أنت مع الغنيِّ، أنت مع العليم، أنت مع من بيده ملكوتُ كلِّ شيء،قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[سورة النمل: 79]

 ولكن لا تستطيع التوكُّلَ إلا إذا كنتَ على حقٍّ، لأن المعصيةَ و المخالفة حجابٌ بينك و بين الله، الإمام أحمدُ رحمه الله تعالى يقول: " التوكلُ من عمل القلب " و معنى ذلك أنه عملٌ قلبيٌّ محضٌ، لا علاقة للسان و للجوارح به و لا هو من باب العلوم و الإدراكات، التوكُّل محلُّه القلبُ فقط، أي أنت متوكِّل على الله لكن في الظاهر تأخذ بكل شيء، كما فعل النبيُّ في الهجرة، كلَّف إنساناً يمحو الآثارَ، و إنساناً يأتيه بالأخبار، و استأجر دليلاً مشركاً فضَّل الخبرةَ على الولاء، سار مساحلاً، و اختبأ في غار ثور، ما من قضية إلا و أغلقها، ما من احتمال إلا و أغلقه، هذا هو التوكُّل، و بعدئذٍ توكَّل على الله، فلما وصلوا إلى الغار، قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ علامة صدق توكُّله على الله أنه لم يعبأ بالنتائج، أدَّيتُ الذي عليَّ و انتهى الأمرُ، و كلُّ مسلم هذا درسٌ بليغ له، في تجارتك، وفي طبِّك، وفي هندستك، وفي تعليمك، وفي صناعتك، وفي حرفتك، يجب أن تأخذ بكل الأسباب، تكون قد أدَّيتَ الذي عليك، أطعتَ اللهَ في الأخذ بالأسباب، و بعدئذٍ تتوكل على الله.
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ هناك من يجعل التوكلَ في باب المعارف و العلوم يجعله علماً، فيقول: هو علم القلب بكفاية الربِّ للعبد، و بعضهم يفسِّره بالسكون، أي انطراحُ القلب بين يدي الربِّ، وترك الاختيار والاسترسال في مجاري الأقدار، الاسترسالُ مع الله فيما يريد، و الرضا بالمقدور، و هجر العلائق، ومواصلة الحقائق، التوكُّل أعقدُ من ذلك، و أعظم من ذلك، التوكل من عمل القلب.

 

الأمور التي تسهم في سلامة التوكل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التوكُّل حالٌ مركبَّة من مجموعة أمور لا تتمُّ حقيقةُ التوكل إلا بها، و كلُّ هذه التعاريف إشارة إلى واحدة منها، فالتوكّل حالة معقَّدة، يسهم في سلامتها و صحَّتها أمورٌ عدَّةٌ:
 الشيء الأول في التوكل أن تعرف اللهَ، أن تعرفه موجوداً، وقويًّا، وفعَّالاً، وسميعاً، وبصيراً، وعادلاً، ورحيماً، أن تعرف أسماءه الحسنى، وأن تعرف صفاته الفُضلى، من قدرة و كفاية، وانتهاء الأمور إليه، إلى علمه، وصدورها عن مشيئته، و قدرته، هذه المعرفة شرطٌ أساسيٌّ في التوكُّل، أي أنت حينما تذهب إلى دائرة، و قضيتك لا يحلُّها إلا المديرُ العامُ، لا يمكن أن تترجَّى حاجباً لحلِّ هذه المشكلة، و إلا فأنت لست عاقلاً، فلا يمكن أن تتوكل على الله إلا إذا عرفت قدرتَه، إلا إذا عرفت أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، لذلك لا يصحُّ التوكُّل من فيلسوف،لأنه لا يعرف اللهَ، والناسُ حينما لا يتوكَّلون، لا أقول: معهم الحقُّ، و لكن لأنهم لا يعرفون الله لا يتوكلون عليه، في حياتهم، في ساحة نفوسهم قوى أرضية فقط، يخشى هذا و يخشى هذا، و يرجو أن يذهب عنه سخطُ هذا، لا يرى رضا الله فوق أيديهم، لا يرى أن الله فعَّال، لا يرى أن كلَّ شيء في الكون لا يقع إلا بأمره و مشيئته، يرى أن اللهَ خلاَّق و ليس فعَّالاً، لا يتوكَّل عليه، الإنسان بفطرته يبحث عن الرجل القوي في كل أمر من الأمور، في أيِّ مكان هناك رجل قوي، ورجل غير قويٍّ، أنت ترجو القويَ، ولا ترجو الضعيف، تتوجَّه إلى القويِّ، ولا تتوجَّه إلى الضعيف، فكيف يتوجَّه إلى الله و يتوكَّل عليه من لا يعرفه؟ هو يرى زيدًا و عُبيداً و فلاناً و عِلاَّناً، هو مأخوذٌ بالقوى الأرضية، و لا يهتمُّ بقوى السماء، يهتمّ بالأرض و لا يهتمُّ بخالق الأكوان.

معرفة الله الشرط الأول الكبير للتوكل :

 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ الشرطُ الأول الكبير للتوكُّل أن تعرف اللهَ، فإذا عرفته توكَّلت عليه، لذلك قوله تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة المائدة: 23]

 إن كنتم مؤمنين فتوكَّلوا على الله، و كيف يتوكَّل على الله من يتوهَّم أن الله لا يعلم جزئيات العالَم؟ اللهُ خالقٌ عظيم، ما علاقته بحياتنا اليومية؟ و بقضايانا الاجتماعية؟ و بقضايانا الاقتصادية؟ بالأمطار و الآبار والينابيع و النبات؟ هو يتوهَّم أن الله خلق الكونَ و انتهى الأمرُ، هذا الإنسان الذي يتوهَّم أن اللهَ لا يعلم الجزئيات، لا يتوكَّل عليه، دقِّق في قوله تعالى:

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الأنعام: 59]

 هل هناك حدثٌ أقلّ من هذا الحدَث؟ تمشي في الطريق هناك بستان في الخريف يسقط ورقه، قال تعالى:

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الأنعام: 59]

 إن أيقنتَ أن الله يعلم الجزئيات تتوكَّل عليه في كلَّ شيء، لذلك فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 يحب أن تسأله ملحَ طعامك، و يحب أن تسأله حاجتك كلَّها هذا هو التوكُّل.

 

 ذكرتُ لكم أيها الأخوة أن هناك إخوة يعملون في الطبِّ مؤمنين، قبل أن يجروا أيَّ عملية يصلُّون ركعتين لله عز وجل، و يفتقرون إليه ليوفِّقهم في نجاح العملية، هذا توكُّل، قبل أن تفعل شيئاً لا تنسَ أن اللهَ معك، فأنت الأول، لا تنسوا أيها الأخوة أنك في أيِّ لحظة إذا قلت: أنا، أوكلك الله إلى نفسك، والصحابة الكرام و معهم سيِّدُ الأنام قالوا: لن نُغلَب من قلة، فأوكلهم اللهُ إلى أنفسهم، قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 25]

 و يوم بدر قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 123]

 أذكر مقدَّمةَ هذه الخطبة مرَّةً ثانية، حينما تشتدُّ الأمورُ و حينما يرى المسلم قِوى الشرِّ في العالَم مسيطرة و لا ترحم، تريد أن تعيش على أنقاض الشعوب، أن تبني مجدَها على أنقاض الشعوب، أن تبنيَ رفاهَ شعبها على شقاء الشعوب، حينما يتوهَّم الإنسانُ أن قوى الشرِّ في العالَم الغربيِّ مسيطرة يجب أن يأخذ بالأسباب وأن يتوكَّل على الله عز وجل فهو حسبُه.

 

التوكل و الدعاء و الاستعانة أسباب لحصول الإنسان على مراده :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كلُّ من كان له علمٌ بالله و بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، كل من كان علمُه بهذه أشدَّ كان توكُّلُه أعظمَ، أي توكُّلُك يتناسب و معرفتك بالله، الإنسان يملك ألوف و ألوف الملايين و أنت بحاجة إلى مئة ليرة، ما دمتَ تعلم أنه يملك هذا المبلغ الضخم، وأنه يحبُّك، وأنه ينتظر أن تسأله، عندئذ لا تتردَّد لحظة في سؤاله وفي الطلب منه و الدعاء له.
 أيها الأخوة الكرام ؛ التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكَّل على ما يريد، فالدعاء سببٌ في حصول المراد، و الشِّبع يحتاج إلى أن تأكل، والحَبُّ يحتاج إلى أن تزرعه، نظام الكون نظام سببية، فالله عز وجل جعل حاجتك منوطةً بدعائك وتوكُّلك، فالدعاء سبب و التوكًّل سبب، سبب عند الله كافٍ، كيف أنك تأكل فتشبع، و تشرب فترتوي، تلقي حَبَّة في الأرض فتنبت، تركب الطائرة فتذهب إلى الحجِّ، تحفر الأرضَ فيخرج الماءُ، نظام السببية، و اللهُ جلَّت حكمتُه جعل التوكُّل سبباً لحصول مرادك، و هو سبب عند الله مقبول و كافٍ، التوكل و الدعاء و الاستعانة، لذلك قال العلماءُ: ما أمرك أن تدعوَه إلا ليجيبك، و ما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك، و ما أمرك أن تتوكل عليه إلا ليلبِّيك، قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[سورة النمل: 79]

 أيها الأخوة ؛ هناك مقولةٌ سخيفةٌ، سخيفة جدًّا، يقول: إذا قضى اللهُ لي في سابق علمه أن يحصل لي هذا الشيءُ سيحصل لي، فعلتُ أو لم أفعل، و إذا قُدِّر لي في سابق علمه أن يحرمني هذا الشيءَ، أنا محروم منه، فعلت أو لم أفعل، إذًا ينبغي ألا أفعل شيئاً، هذا فهمٌ سقيم، فهم ما أراده اللهُ عز وجل.
أيها الأخوة ؛ هكذا قال بعضُ العلماء: البهائمُ أفقه من هذا الإنسان، لأنها تسعى في السبب إلى طعامها و شرابها و مصالحها، بالهداية العامة، فالبهيمة أحياناً تسعى إلى طعامها و شرابها بحسِّها العام، بهداية الله العامة لها، هذا الذي يقعد عن الأخذ بالأسباب أقلُّ من البهيمة، أقلُّ فقهاً من البهيمة، لذلك ورد في الحديث النبوي الشريف عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ:

((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 لا تقل: حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن تأخذ بالأسباب، وبعد إن لم يتحقَّق لك شيءٌ، إذًا هذه مشيئة الله.

 

عدم تناقض الأخذ بالأسباب مع التوكُّل على الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التوكُّل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوبُ، ويُدفَع بها المكروه، ولكن من تمام التوكل عدمُ الركون إلى الأسباب إن أخذتَ بها، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام أخذ بالأسباب، وتوكَّل على الله، لم يحضر الصفَّ الأول في المعركة إلا بسلاح و درع، استأجر دليلاً مشركاً، كان يدَّخر القوتَ لأهله، وهو سيِّدُ المتوكِّلين، كان إذا سافر حمل الزادَ، لا يتناقض الأخذُ بالأسباب مع التوكُّل أبداً، بل إن الأخذ بالأسباب من أسباب التوكُّل.

السكينة أعظم ثمرة لمن توكل على الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما تلجأ إلى الله، وتتوكَّل عليه تقطف أعظمَ ثمرة في الإيمان، وهي السكينة، إن الله يعطي الصِّحة والمالَ والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنَّه يعطي السكينةَ بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، هذه السكينة هي أولُ ثمرة من ثمار التوكُّل، في قلب المسلم السكينةُ لو وُزِّعت على أهل بلد لكَفَتهم، مطمئن إلى رحمة الله، مطمئن إلى المستقبل، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 51]

 لنا و ليس علينا، لنا:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 51]

 مطمئن إلى رحمة الله، إلى عدل الله، مطمئن إلى أن الزمن لصالح المؤمن، خطُّ المؤن البياني صاعدٌ صعوداً مستمراً، حتى الموتُ نقطة على هذا الخط الصاعد و يبقى صاعداً، قال تعالى:

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾

[ سورة يس: 26-27]

 هذا الشيء دقيق جدًّا، خطُّ المؤمن البياني صاعدٌ صعوداً مستمراً، و ما الموت إلا نقطة على هذا الخطِّ الصاعد باستمرار، بينما أهل الدنيا لعلّ خطَّهم البياني صاعد صعوداً حادًّا، و لكنَّ السقوط مُريعٌ، المؤمن خطُّه البياني صاعد صعوداً مستمرًا إلى أبد الآبدين، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 51]

 والخطُّ البياني لغير المؤمنين صاعدٌ صعوداً حادًّا، ثم يسقط سقوطاً مريعاً، هذا يسمِّيه الناسُ سقوط من علٍ، اعتمادُ القلب على الله لا يُبقي فيه اضطرابًا .

 

من كان مع الله كان الله معه :

 بالمناسبة كلَّما تقدَّم علمُ الطبِّ يزداد هذا العلمُ يقينا أن الشدةَ النفسية وراء كلِّ الأمراض، والشِّدة النفسية أساسها الخوفُ والقلق والشرك، لذلك قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 213]

 بعضُ الأمثلة التي توضِح ذلك؛ إنسانٌ أقبل عليه عدوٌّ عظيم، لا قِبَلَ له به، و لا طاقة له به، فرأى حصنًا حصيناً مفتوحاً أدخله صاحبُه إليه، وأغلق البابَ، وفيه نوافذ، هو ينظر إلى عدوِّه و لكنه مطمئن، يشاهد عدوَّه بجبروته و بطشه و ظلمه، أما هو ففي حصن حصين، لا إله إلا الله حصنٌ من دخلها أمِن من عذابه، قال تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة هود: 55-56]

 الدوابُّ التي يخشاها الناسُ، اللهُ عز وجل آخذٌ بناصيتها جميعاً، علاقتك مع الله إن أرخى الحبلَ وصلت إليك، وإن شدَّ الحبلَ أبقاها بعيدةً عنك، وعلاقتك مع من يملكها لا مع الدوابِّ، قال تعالى:

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة هود: 56]

 العلماء قالوا أيضا: المتوكَّل كالطفل على ثدي أمِّه، لا يهمُّه شيءٌ، لا يعرف غيرَ أمِّه، و راحتُه مع أمه، و سعادته مع أمه، و طمأنينته مع أمه، شِبعه مع أمه، رِيُّه مع أمه، سروره مع أمه، فإذا ترك يدَها نبحت عليه الكلابُ لتُعيده إلى أمه، وهذه القصة بأكملها في العالم كلِّه لتعيده إلى أمه، فكن مع الله عز وجل، كن مع الله ترَ اللهَ معك.

 

حسنُ الظنِّ بالله من لوازم التوكل :

 أيها الأخوة الكرام، بقيت نقطةٌ أخيرةٌ، حسنُ الظنِّ بالله من لوازم التوكل، يجب أن تعلم أن الله خلقك ليسعِدك، وهو يحبُّك، وينتظر أن تتوب إليه، وهو أفرحُ بتوبتك من الضالِّ الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة الزمر: 53]

 أيها الأخوة الكرام؛ هذا هو الحق المبين قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[سورة النمل: 79]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسَكم قبل أن تحاسبوا، و زِنوا أعمالَكم قبل أن تُوزن عليكم، و اعلموا أن ملَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، و سيتخطَّى غيرَنا إلينا فلنتَّخِذ حذرَنا، و الكيِّس من دان نفسَه، وعمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسَه هواها، وتمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الكرام؛ عندكم اليوم صندوق العافية، و لا تنسَ أن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، قال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[سورة الأحقاف: 19]

 أسأل الله لي و لكم الهداية و التوفيق.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولَّنا فيمن تولَّيت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قِنا و اصرِف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يُقضَى عليك، وإنه لا يذَلُّ من واليت، و لا يعِز من عاديت، تباركت ربَّنا و تعاليت، و لك الحمدُ على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هَبْ لنا عملاً صالحاً يقرِّبنا إليك، اللهم أعطِنا و لا تحرمنا، أكرِمنا و لا تُهِنَّا، آثِرنا و لا تُؤثر علينا، أرضِنا و ارضَ عنا، أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زادًا لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شرٍّ، مولانا ربَّ العالمين، اللهم اكفِنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تُؤمِنا مكرك، ولا تهتك عنا سترَك، ولا تنسِنا ذكرَك يا ربَّ العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذُّل إلا لك، نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَّلب بعد العطاء، مولانا ربَّ العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصُر الإسلام، وأعزَّ المسلمين، و خذْ بيد ولاتهم إلى ما تحبُّ وترضى، إنك على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018