الخطبة : 0799 - النار وما يبعد عنها - الجنة والنار من وحي السنة المطهرة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0799 - النار وما يبعد عنها - الجنة والنار من وحي السنة المطهرة .


2001-08-03

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

خطبة موجهة إلى الملتزمين الذين يظنون أن الجنة لهم و النار بعيدة عنهم :

 أيها الأخوة الكرام: هذه الخطبة أيضاً ليست موجهة إلى عامة رواد المساجد، ولكنها موجهة إلى الملتزمين الذين يظنون أن الجنة لهم، وأن موضوع النار لم يدخل في حساباتهم، لأنهم ملتزمون، ولأنهم طائعون لله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرم، أنا في حيرة شديدة، هؤلاء الصحابة الكرام الذين كانوا مع صحابة رسول الله الذين بذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ومع ذلك هم في خوف لا يوصف من الله عز وجل، حتى سيدنا عمر رضي الله عن عمر سأل حذيفة بن اليمان: بربك اسمي مع المنافقين؟ أهو خوف مصطنع أهو كلام للاستهلاك؟ أهو مبالغة ما أنزل الله بها من سلطان أم أنهم حقيقة خائفون؟ هل هم محقّون في خوفهم أم هم محقّون في طمأنينتنا؟ هل هم محقون في خوفهم على ما هم عليه من ورع وخشية وبذل وتضحية وإخلاص ومحاسبة للنفس أم نحن محقون على ما نحن عليه من تقصير وتفلت وإهمال وأداء شكلي لبعض العبادات وأكل المال الذي لا ينبغي أن نأكله؟ من هم على حق؟ هؤلاء الذين شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام بالخيرية؟ هؤلاء الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم:

((إن الله اختارني واختار لي أصحابي ))

[ كنز العمال عن أنس بن مالك]

 ما بال المنافق يعيش أربعين عاماً في حال واحد؟ وما بال المؤمن يتقلب أربعين حالة في اليوم الواحد؟ ما بال هذا التابعي الجليل الذي قال: التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يخشى أن يكون منافقاً، ما هذه الطمأنينة التي نحن عليها؟ على التقصير، وعلى الفتاوى التي لا ترضي الله، وعلى تحليل الحرام، وعلى أكل المال الحرام، وعلى الكيد مع المؤمنين ما هذه الطمأنينة ؟ إنها طمأنينة البلهاء والسذج، هؤلاء الذين عرفوا الله، وعرفوا أنهم مخلوقون لجنة عرضها السموات والأرض، هؤلاء الذين عرفوا عظم ألوهية الله عز وجل، هؤلاء الذين عرفوا عظم ما أعدّ الله للمؤمنين في الجنة من نعيم، هؤلاء محقّون في خوفهم، ونحن لسنا محقين في طمأنينتنا.

 

ارتباط خوف الإنسان من الله بإيمانه به :

 أيها الأخوة الكرام، الحقيقة الأولى في هذه الخطبة أن خوفك من الله مرتبط بإيمانك به، فكلما ازداد إيمانك ازداد خوفك، أرأيت إلى طفل صغير لا تزيد سنّه عن سنة أو أكثر يأخذه أبوه إلى الحصيد، فيمشي إلى جانبه ثعبان مخيف لا يخاف هذا الطفل! قد يلمسه بيده، وقد يعجب بمنظره، وإذا رآه رجل خرج من جلده خوفاً، ما سر طمأنينة الصغير؟ عدم إدراكه، الحقيقة الأولى أيها الأخوة أن خوفك من الله يتناسب مع معرفتك به، فكلما ازدادت معرفتك بالله عز وجل ازداد خوفك منه، وكلما قلّ الخوف كان مؤشراً على نقص المعرفة، لذلك كان عليه الصلاة والسلام أشدّ الناس خوفاً من الله:

((رأس الحكمة مخافة اللّه ))

[ رواه البيهقي عن عبد الله بن مسعود]

 الحكمة لها رأس، ورأسها مخافة الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: كلما تبلّد الشعور، وزاد البعد عن مصدر النور، زاد الإحساس بالذنب، فالكفار يكفرون، ويجرمون، ويفسقون، وهم يضحكون، والفاجر والمنافق يرى ذنبه كأنه ذباب يحط على أنفه، لو أشار إليه بيده ردّه، والمؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يسقط عليه، وكان أنس بن مالك يقول وكان قد عمّر زماناً بعد النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم تعملون أعمالاً كنا نعدها من الكبائر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في أعينكم أصغر من الشعر .
 أيها الأخوة الكرام، الحقيقة الأولى: مقدار خوفك من الله يتناسب مع مقدار معرفتك له، فكلما ازدادت المعرفة ازداد الخوف.
 أرأيت إلى الطبيب مثلاً يخشى أن يأكل فاكهة غير مغسولة، كلما ازداد علمه بالجراثيم وانتقال الأمراض يزداد خوفه من الطعام الملوث.

 

كل ذنب داخل في الحساب إلا ما يغفره الله تعالى :

 أيها الأخوة الكرام: ماذا نفعل مع نصوص صحيحة منها آيات محكمات ومنها أحاديث صحاح؟ ماذا نفعل مع هذه الآيات وهي من كلام خالق الأرض والسموات؟ لذلك كل ذنب داخل في الحساب إلا ما يغفره الله سبحانه وتعالى لقول الله عز وجل دققوا في هذه الآية:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة : 7-8]

 كل ذنب مهما دق في نظرك داخل في الحساب إلا ما يغفره الله تعالى.
 أيها الأخوة، بعض العصاة من الموحدين قد يعذبون في النار، مرة ثانية: هذه الخطبة ليست موجهة لعامة رواد المساجد، إنها موجهة إلى الخاصة، إلى الملتزمين الذين يظنون أنهم من أهل الجنة، أما النار فلا دخل لهم في حساباتهم، إلى هؤلاء الملتزمين المطمئنين على خلاف ما كان عليه أصحاب رسول الله أوجه هذه الكلمة.
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 قتيل مع رسول الله في معركة في غزوة جهاد ظنه الصحابة شهيداً، فعن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ:

((لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ فُلَانٌ شَهِيدٌ حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ))

[مسلم عَنْ عُمَرَ]

 ولم تكن هذه البردة لتساوي أكثر من أربعة دراهم وهو في الجهاد، لا تقولوا أيها الأخوة: إنني أخيفكم، أنا أعرض عليكم نصوصاً صحيحة، أنتم فكروا هذا نص صحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، طالبوني بنص صحيح، وأنتم بعد ذلك تأملوا في هذا النص، أيعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له ولا حقيقة له؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا فَيَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا ))

[ ابن ماجة عن أبي هريرة]

 كلمة! بردة غلّها تساوي أربعة دراهم استحق النار! هرة حُبست لا هي أُطعِمت ولا هي أُطلِقت! التي حبستها دخلت النار! ماذا أفعل بهذه النصوص؟ كيف أتعامى عنها؟ أتحبون أن أدغدغ مشاعركم؟ أن أطمئنكم اطمئناناً ساذجاً أبلهاً فارغاً لا معنى له؟ نساء كثيرات من أهل التوحيد يدخلن النار لأنهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير، إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: لم أر منك خيراً قط، امرأة وقد تكون محجبة صائمة مصلّية وقد تكون من أهل التوحيد لأنها تكفر العشير وتكثر اللعن تستحق النار، رجال يحبسون في النار في ردغة الخبال لأنهم تكلموا في إخوانهم المسلمين بغير حق، قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ...))

[ أبو داود عن ابن عمر]

 مكانه في النار، ماذا نفعل بهذه النصوص؟ إنها من عند رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
 أيها الأخوة الكرام: آكل الربا يقول الله فيه:

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة البقرة : 275]

 كم من المسلمين يستثمرون أموالهم بطريقة ربوية وهم يصلون في المساجد ويرون أن هذا لا ضير فيه، وليس هناك من حل، الناس ليس عندهم أمانة، لابد من مكان آمن هو البنك، هؤلاء الذين يمنعون الزكاة يقول الله في وعيدهم:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

[سورة التوبة : 34-35]

حقائق مرة يفعلها المسلمون كل يوم :

 أيها الأخوة الكرام: هذا قرآن كريم، يقول عليه الصلاة والسلام:

((مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ... ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 كم من المسلمين لا يدفعون زكاة أموالهم؟ وإذا دفعوها دفعوها في غير مصارفها؟ وإذا دفعوها في مصارفها امتنوا لمن دفعوا إليه؟ هذا الذي يقتطع حق امرئ مسلم بيمينه ولو كان هذا المُقتَطع شيئاً يسيراً، ولو كان عوداً من أراك قد أوجب الله له النار، وحرّم الله عليه الجنة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران : 77]

 كم من المسلمين يحلفون أيماناً كاذبة في المحاكم ليقتطعوا بها حق امرئ مسلم؟ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ... ))

[ مسلم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]

 هذه الحقائق المرة، إذا إنسان معه شيك بمئة ألف دولار وهو مزوّر، الأولى أن يعرف أنه مزوّر فيسعى لعمل آخر ليعيش منه أم أن يبقى واهماً و مرتاحاً؟ أليس من الأولى أن ينصح المسلم أخاه المسلم؟ والله الذي لا إله إلا هو أنصح نفسي قبلكم، وأنا المعني بالخطاب قبلكم.
أيها الأخوة الكرام:

((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ... ))

[ مسلم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]

 و عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ:

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ وَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ...))

[ مسلم عن ابن عباس ]

 كم من المسلمين يضعون خواتم من الذهب وهم لا يعبؤون بما يفعلون؟
 امرأة كانت من أهل النار لأنها تؤذي جيرانها بلسانها فقط! مجالس الغيبة والنميمة، مجالس البهتان والكذب، مجالس الاختلاط والنظر إلى المحرّمات، مجالس متابعة المسلسلات، أين هم المسلمون اليوم؟ هذا هو منهج ربهم؟ امرأة كانت من أهل النار لأنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها. عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

((كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأُتِيَ بِمَيْتٍ فَسَأَلَ أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ عَلَيْهِ دِينَارَانِ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ...))

[النسائي عَنْ جَابِرٍ ]

 وهو من أصحاب رسول الله، بالملايين الديون التي لا تدفع، تؤكل الديون هكذا بكل وقاحة وجرأة وصفاقة، افعل ما بدا لك، اذهب إلى المحاكم، لن أدفع لك شيئاً وهو حق ثابت، أهكذا المؤمنون؟ أهؤلاء الذين يستحقون النصر من الله عز وجل؟ أهؤلاء الذين يستحقون أن ينصروا على أعدائهم؟ رجل يعذب في قبره لأنه كان لا يتنزه من بوله، آخر يعذب لأنه يمشي بالنميمة، كم من مسلم يتحدث بالنميمة؟ فلان قال عنك كذا، يشق صفوف الناس، يقيم العداوة والبغضاء، يثير الأحقاد وهو لا يشعر، كلمة تكلمنا بها. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا فَيَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ، قذف محصنة، كم من الناس روى خبراً ليس متأكداً منه عن امرأة زنت؟ أو امرأة فسقت؟ ليس متأكداً إطلاقاً، إلا كلمة سمعها فرددها،عَنْ هَمَّامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ:

((إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ))

[البخاري عَنْ هَمَّامٍ]

 لمجرد أن تنمّ بين الناس، وأن تنقل الأخبار السيئة ممن قالها إلى ممن قيلت فيه، فهذه نميمة، والنمام لا يدخل الجنة إطلاقاً، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ))

[ مسلم عَنِ الزُّهْرِيِّ ]

 كم من الدعاوى في قصر العدل بين الأخ وأخيه؟ وبين الأب وابنه؟ لا يدخل الجنة قاطع رحم، لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، والله هناك أناس من رواد المساجد عندهم من الكبر ما لو وزّع على أهل بلد لكفاهم، كبر، استعلاء، لا يقبل اعتراضاً ولا تصحيحاً، هو فوق الجميع، هو لا يخطئ، الناس كلهم هلكى أمامه، ما هذا الكبر؟

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُود]

 أن تبخس الناس أشياءهم، أن تطعن في علمهم، أن تطعن في استقامتهم من دون دليل، ومن دون بينة، حباً بذاتك، أنت الواحد الأوحد، أنت من فلتات الزمان ـ أنت وحيد عصره، أنت فريد زمانه، أنت وحيد القرن ليس إلا! إذا كان سيد الأنام يقول:

((إني أستغفر لذنبي في اليوم مئة مرة ))

[ ورد في الأثر]

فمن نحن؟

 

الجنة تحتاج إلى سعي و عزيمة لا إلى وهم و أمل :

 أيها الأخوة الكرام: لا تنزعجوا مما قصه النبي علينا، والله أخاطب نفسي لا تنزعجوا، قضية الجنة لا يمكن أن يدخلها إنسان بالوهم قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران : 142]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت : 2]

 لعلك إذا لبست ثوباً أبيضاً يوم الجمعة، وتعطرت، واغتسلت، وجئت إلى المسجد فأنت من المؤمنين الصادقين؟ من أهل الجنة؟ طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية. ممكن أن تقدم طلباً لجامعة: يرجى منحي دكتوراه بلا جهد ولا دراسة ولا أطروحة ولا تأليف هكذا فجاءتك الموافقة! أهكذا تعامل في الدنيا أنت؟ أتأخذ أعلى شهادة بلا جهد ولا دراسة ولا سفر ولا تعب ولا سهر؟! الدنيا تحتاج إلى عزيمة، و الآخرة قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

[ سورة الإسراء: 19 ]

 لم يقل وسعى لها فقط، بل وسعى لها سعيها، لها سعي خاص.

 

حديث عن عذاب عصاة المؤمنين :

 وفي حديث عذاب عصاة المؤمنين:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا قَالَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ فَيَشُقُّ قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ...))

 أيها الأخوة، الحديث طويل واختصرت لكم بعض ما فيه وبعد ذلك قيل للنبي عليه الصلاة والسلام:

((أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا...))

[البخاري عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ]

 أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل يعلمنا أنه ينبغي أن نكون في حالة خوف من الله مع رجاء، أما أن يغلب الرجاء على الخوف، أما ألا نخاف من الله إطلاقاً، أما أن نطمئن اطمئناناً ساذجاً فهذا ليس له أصل في الحقيقة.

 

نموذجان في الإسلام عن الإيمان الصادق :

 المؤمنون الصادقون أشدّ خوفاً من الله لذلك سأضع بين أيديكم نموذجين: سيدنا عمر رضي الله عنه يتمنى كل مؤمن أن يكون له بعض عمله، فعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ:

((لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ قَالَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَنَّ بِهِ عَلَيَّ...))

 لم يقل: هذا بجهدي، أنا كنت كذلك كما تقول، بل قال:

((وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ ))

[البخاري عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ]

 وفي رواية أخرى: "وددت أن ذلك كفافاً لا لي ولا علي" وفي رواية ثالثة: "والله لو أن بغلة في العراق تعثرت لسئلت عنها بين يدي الله عز وجل: لم لم تصلح لها الطريق يا عمر؟" هكذا كان خوف الصحابي الجليل، الذي بُشّر بالجنة. سيدنا عمر كما تعلمون أيها الأخوة أسلم مبكراً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وفي كل شؤونه. أمر آخر، عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ:

((حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا قَالَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ - هذه مرحلة قبل أن يسلم كان شديد البغض لرسول الله، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))

 هذه مرحلة ثانية :

((ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي ))

[ مسلم عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ]

 السيدة عائشة أم المؤمنين زوجة رسول الله تقول : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، أي هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن بقي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد له بالجنة، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم .

[رواه الطيالسي]

الحذر من النار و من عذاب الله طريق الجنة :

 أيها الأخوة الكرام: هؤلاء الصحابة الكرام على قربهم من رسول الله وعلى أعمالهم الجليلة كانوا يخشون النار، ويرجون رحمة الله عز وجل، بل إنه من السذاجة أن ترجو الجنة دون أن تخشى النار، والآية الكريمة:

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

 لم يقل: فمن دخل الجنة فقد فاز، بل قال:

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

 مسافات طويلة، وطريق طويل إلى أن ترجو الجنة، قبل ذلك ينبغي أن نحذر من النار، وأن نحذر من عذاب الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الجنة والنار من وحي السنة المطهرة :

 أيها الأخوة الكرام، نحن جميعاً مؤمنون بالجنة والنار بالخبر الصادق، إنك تؤمن بالله عز وجل، وتؤمن بما أخبرك به، وبما أخبرك به نبيه، لكن النبي وحده رأى الجنة والنار رأي العين، ينفرد النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله أطلعه على أحوال أهل الجنة رآهم رأي العين، الصحابي الجليل كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحدثه عن الجنة والنار فكأنه وإياها رأي العين قال حنظلة:

((... نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا ))

[ مسلم عن حنظلة ]

 أي كانوا مع رسول الله يرونها رأي العين، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطب و وصف النار علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه كأنه نذير جيش يقول: صبحكم ومساكم.
 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ))

[النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 أيها الأخوة الكرام: اقرؤوا سورة ق، ففيها مشاهد من أهوال يوم القيامة: لا تختصموا لدي، أهل النار وهم في النار يختصمون، أنتم السبب لا أنتم السبب، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

 وعَنْ أُسَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ))

[البخاري عَنْ أُسَامَةَ ]

 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ:

((خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ جَعَلَ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ جَعَلَ يَتَأَخَّرُ فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ أَوْ قَالَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ شَكَّ هِشَامٌ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَجَعَلْتُ أَتَأَخَّرُ رَهْبَةَ أَنْ تَغْشَاكُمْ فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُرِيكُمُوهَا فَإِذَا خَسَفَتْ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ ))

[ أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ]

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

((بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا...))

[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 وفي آخر نص في هذه الخطبة، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ:

((إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُصُّونَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَنَا غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ وَبَيْتِي الْمَسْجِدُ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلَاءِ فَلَمَّا اضْطَجَعْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ خَيْرًا فَأَرِنِي رُؤْيَا فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ يُقْبِلَانِ بِي إِلَى جَهَنَّمَ وَأَنَا بَيْنَهُمَا أَدْعُو اللَّهَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهَنَّمَ ثُمَّ أُرَانِي لَقِيَنِي مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ لَنْ تُرَاعَ نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ كُنْتَ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ فَانْطَلَقُوا بِي حَتَّى وَقَفُوا بِي عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ لَهُ قُرُونٌ كَقَرْنِ الْبِئْرِ بَيْنَ كُلِّ قَرْنَيْنِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ وَأَرَى فِيهَا رِجَالًا مُعَلَّقِينَ بِالسَّلَاسِلِ رُءُوسُهُمْ أَسْفَلَهُمْ عَرَفْتُ فِيهَا رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ فَانْصَرَفُوا بِي عَنْ ذَاتِ الْيَمِينِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَبْد َاللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ نَافِعٌ فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ ))

[البخاري عَنْ نافع ]

 أيها الأخوة الكرام، هذه حقائق من كتاب الله ومن سنة رسول الله، والحقيقة المرة أقولها دائماً: أفضل ألف مرة من الوهم المريح، الحقيقة المرة وأنت في الدنيا تتلافى نتائجها، أما حينما يأتي ملك الموت فعندئذ لا تستطيع أن تفعل شيئاً. فرعون أدرك الحقيقة عند الموت، لكن ماذا فعل؟
 أيها الأخوة: خياركم مع الإيمان خيار وقت فقط، فإما أن نؤمن في
 الوقت المناسب فننتفع، وإما أن نؤمن بعد فوات الأوان.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى، وذم ومن منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب يا رب العالمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018