الخطبة : 0798 - القول الفصل بين العقل والنقل - للنية أساس كبير في العبادة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0798 - القول الفصل بين العقل والنقل - للنية أساس كبير في العبادة .


2001-07-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

جزء من السيرة الذاتية لأحد المؤمنين الصادقين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ خطباء المساجد يوضحون في خطبهم حقيقة هذا الدين ، ويرغبون بالتمسك به ، ويبينون الخير الجزيل من طاعة الله ، والشر الوبيل من معصيته ، هم بهذا يقربون الدين إلى عامة الناس ، ولكن أيها الأخوة هناك فئة ملتزمة وقد تكون متفوقة ، هناك فئة تطيع الله في كل شيء ، هذه الخطبة موجهة للمتفوقين ، للملتزمين ، لا للمقصرين ، لا للشاردين ، إن هذه الخطبة هي جزء من سيرة ذاتية لأحد المؤمنين الصادقين .
 يقول هذا الرجل : عندما كنت في بداية الطريق ، طريق الإسلام وكان هذا بحمد الله في أوائل مراحل الشباب ، كنت أرى أن الفردوس هو المكان الذي يجب أن تتعلق همتي به، وربما كان يخالجني الشعور لا الأمل فقط بأنني جدير به ، وكنت أظن أن مسألة النار والتفكير بالنجاة منها خارج عن سعي مثلي ودعائي ، فمثلي ليس من أهلها إن شاء الله ، ولا يدخلها ، وبالتالي فهو غني عن الخوف منها والاستعاذة بالله منها ، وإن دعا الله بالنجاة منها فإنما هذا تأس بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يدعو بالنجاة من النار ، مع القطع أنني لست من أهلها، وكان كثيراً ما يخالجني الشعور عند الاستغفار أنني لم أعمل عملاً يوجب الندم الطويل ولا الأسف البالغ ، فإن وقعت في ذنب يوفقني الله للإقلاع عنه ، والاعتذار منه ، وهذا كاف في باب التوبة .
 هذا الموضوع من أندر الموضوعات ، سيرة ذاتية رجل مؤمن يحدثنا عن مراحل إيمانه ، ومرة ثانية هذه الخطبة ليست للشاردين ولا للمقصرين حتى نطمعهم بأحقية هذا الدين ، ولا لأولئك غير الملتزمين حتى نطمعهم حتى يلتزموا ، هذه الخطبة للمؤمنين الصادقين الملتزمين ولكن ليعلموا أن مراتب الإيمان لا نهاية لعلوها .
 وقد استمر بي هذا الظن مرحلة من عمري في الدين ثم لما بدأت في فقه القرآن ، وعرفت معنى الإيمان ، وحقيقة معنى المعصية ، ودرست أخلاق الرسل والصالحين وأهل الإيمان بدأ هذا الشعور يتلاشى شيئاً فشيئاً ، ثم أصبح الهاجس الأول والأخير هو التفكير في كيفية النجاة من النار ، والفرار منها ، وما قبلها من أهوال ، وأما الجنة ولا سيما الفردوس فلها حسابات أخرى وسعي آخر ، رأيت أن همتي وعزمي وعملي دون هذا بكثير ، وأن المعاصي التي ارتكبتها والذنوب التي اقترفتها لا يكفيها البكاء من يومي هذا إلى يوم الممات ، وأنني إن لم تتداركني رحمة الله بالمغفرة أصبحت من الخاسرين ، فكيف كانت هذه النقلة من شعور إلى شعور ومن يقين إلى يقين ؟
 لقد اجتمعت مجموعة من الأمور جعلتني أراجع حساباتي السابقة ، وأنظر إلى الأمر نظرة جديدة ، وكان أول ما أيقظ شعوري بخطأ تصوراتي السابقة حول الجنة والنار وأنا في بداية الطريق هو إدراكي بمعنى الذنب ، وأن معصية الله سبحانه وتعالى شيء كبير ، وكان مما أشعل في نفسي هذا المعنى كلمة لأحد الصالحين وربما كانت لسيدنا بلال يقول فيها : "لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت" .
 ووجدت مصداق ذلك فيما يتصف الله به من صفات كماله وإنعامه وتفضله على عباده ، وأن حقه سبحانه وتعالى على عباده أن يتقوه حق تقاته ، وأن يطيعوه ، ولا يعصوه ، وأن يشكروه ، ولا يكفروه ، وأن يذكروه ، ولا ينسوه ، ومن الذي يستطيع أن يقوم بذلك على الوجه الكامل ؟ ووجدت أن الله سبحانه وتعالى يحذر عباده من عقوبته ، وأنه يؤاخذ بالذنب الصغير والكبير ، وتيقنت أن حق الله على عباده أعظم وأكبر من أكبر عبادة في الأرض ، وأن الجميع تحت أمره ورحمته ، وأنه سبحانه لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد .

تعريف بالإله خالق السموات و الأرض :

 المعصية في ذاتها شيء عظيم لأنها مخالفة لأمر الرب الإله ، من هو الرب الإله؟ الذي لا إله إلا هو خالق السموات والأرض ، خالق كل شيء هو رب كل شيء ومليكه ، الذي خضع له كل شيء ، وذلّ له كل شيء ، هو القاهر فوق عباده ، وهو الحكيم الخبير الذي لا يغيب عنه من شؤون عباده صغير ولا كبير ، فهو القائم على كل نفس بما كسبت ، والذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض ، الذي تخافه الملائكة العظام وتكاد السموات أن يتفطرن من فوقهن فرقاً وخوفاً منه ، والذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ، والذي لا يحيط أحد من خلقه به وهو يحيط علماً بكل مخلوقاته ، ولا يغيب عنه سبحانه خطرات قلوبهم ، ولا نزعات نفوسهم ، ولا وساوس صدورهم ، الذي وسع كل شيء رحمةً وعلماً ، والذي لا يقبل من أحد من مخلوقاته إلا الإذعان له ، والاستسلام لأمره ، والذي يكرم من شاء من خلقه وعباده فلا يكون لإكرامه منتهى ، ولا لعطائه حد ، ويهين من شاء من خلقه فلا تكون لإهانته مثيل ، ويعذب من أراد من عبيده فلا يكون لعذابه نهاية ، فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد .
 هو الرب الإله الذي جعل الخلق كله له ، والأمر كله له ، فلا يخلق إلا هو ، ولا يستطيع غيره أن يخلق ذرةً ولا ذباباً ، ولا يملك غيره لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً إلا ما شاء هو ، هو الرب الإله الخالق خالق السموات والأرض لا يتعبه خلق السموات والأرض ولا حفظهما في أماكنهما ومداراتهما وهو العلي العظيم ، فمن ذا الذي يستطيع أن يضع الشمس في مكانها غيره ؟ وأن يضع القمر في مكانه غيره ؟ والنجوم في مساراتها والمجرات في مجالها ؟ من الذي أتقن كل ذلك ؟

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

[ سورة فاطر : 41 ]

 لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت ، هو مالك الملك مدبر الكون لم يساعده أحد ، ولم يعاونه أحد في خلق الكون ، ولا في حفظه ، بل هو الخالق لكل ما في الكون ، والحافظ له ، والمقيم له ، وهو الذي يفرط عقد هذا الكون وقت ما شاء ، ويبدل السموات والأرض وقت ما يريد ،  قال تعالى :

﴿ِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾

[ سورة الانفطار : 1-5 ]

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ *﴾

[ سورة التكوير : 1-13 ]

 هذا الرب الإله سبحانه وتعالى الذي وصف نفسه في القرآن فقال :

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 54]

 لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت .

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾

[ سورة البقرة : 255]

مخالفة أمر الله أمر عظيم وإثم كبير :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثالثة ورابعة وخامسة لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت ، ثم إن مما يجعل مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى أمراً عظيماً ، وإثماً كبيراً هو أنّ حقّ الله على عباده أكبر مما يأمرهم به ، فإن الله هو الخالق والمدبر ، والمتفضل على عباده بنعمة الوجود أولاً ، ثم بنعمة الإمداد ثانياً ، ثم بنعمة الهدى والرشاد ثالثاً ، فما من نعمة إلا وهي منه سبحانه وتعالى ، هو وحده الرزاق لكل عباده ، هو ربهم الذي يكلأهم ، و يرعاهم ، و يربيهم ، وليس لهم رب سواه ، ولا إله غيره ، ولو أمر عباده بما أمر فهذا حقه على عباده ، فإنه خالقهم ، وربهم ، ومنشئهم من العدم ، ومع ذلك لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ولا يأمر عباده إلا بما ينفعهم ، وإذا أمرهم فإنه يأمرهم وهو غني عنهم غير فقير لعبادتهم ، فعبادة العباد له هي من جملة الفضل الذي يتفضل به عليهم ، لأنها سبب لزكاتهم ، وطهارتهم ، وسبب لنيل مرضاته ورحمته وجائزته .
 وهكذا تصبح معصية العاصي أمراً عظيماً وإثماً كبيراً ، لأنه يخالف الرب الإله الذي أحسن ، وأكرم ، وخلق ، ورزق ، وتحنن على عبده ، والدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره هو الإسلام ، ومعناه الاستسلام لله بتصديق خبره ، وتنفيذ أمره ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

[ سورة آل عمران : 19 ]

 وقال تعالى :

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران :85 ]

 الإسلام أيها الأخوة هو الدين الذي رضيه الله لعباده ، قال تعالى :

﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

[ سورة المائدة : 3 ]

 هو دين ملائكته وكل طائع له طوعاً من خلقه يخافون ربهم من فوقهم :

﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾

[ سورة النحل : 50 ]

 دين السموات والأرض ، قال تعالى :

﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾

[ سورة فصلت :11 ]

 دين الملائكة ، دين السموات والأرض ، وأما من لم يطعه طوعاً من خلقه فكرهاً ، قال تعالى :

﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

[ سورة آل عمران :83 ]

درسان بليغان لبني آدم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من ردّ خبر الله- خبر في القرآن أو في السنة لم يرق لعقله ، لم يفهمه فرده- فقد كفر ، من ردّ خبر الله تعالى أو كذب بشيء من الغيب الذي قصه عليه فقد كفر ، وكذلك من ردّ أمر الله سبحانه وتعالى وأبى أن يطيعه استكباراً وعناداً فقد كفر .
 هل يقبل من ممرض ناشئ أن يعترض على أكبر جراح ؟ هل يقبل من ممرض ناشئ أن يقدم حلولاً لأكبر جراح ؟ هذا في دنيا الناس لا يقبل أبداً ، هل يقبل من جندي غر أن يقترح على رئيس الأركان ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ من ردّ خبر الله أو كذب بشيء من الغيب الذي قصه عليه فقد كفر ، من صدق نظرية داروين فقد كفر ، من صدق شيئاً خلاف الوحي فقد كفر ، من لم يفعل طاعةً استكباراً فقد كفر ، والمعصية الأولى التي عصى إبليس ربه كانت من النوع الثاني أي أنها ردّ الأمر ، فإن الله قد أمره بالسجود لآدم ، فقال تعالى :

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾

[ سورة الإسراء :61 ]

 ولم يكن إبليس - لعنه الله- مكذباً بشيء من أخبار الله وإنما انحصرت معصيته في رد الأمر الإلهي كبراً وعلواً عندما ظن أن هذا الأمر يخالف الحكمة ، إذ زعم أن الفاضل لا يسجد للمفضول ، وإذ رأى نفسه وقد خلق من النار أفضل من آدم الذي خلق من الطين ، وقياس إبليس قياس فاسد . كم من مسلم يقول لك : هذا غير معقول ، تأتيه بآية قرآنية :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[ سورة النور : 30 ]

 يقول لك : هذه الآية ليست لهذا العصر أين أذهب بعيوني ؟ هذا الذي يرد أمر الله استكباراً أو علواً فقد كفر ، ولما أصرّ إبليس على معصية الله كان جزاؤه أن لعنه الله أبداً وطرده من رحمته سرمداً .
 وأما المعصية الثانية التي عصي بها الله فقد وقعت من آدم عليه السلام ، وهي معصية لم تكن عناداً ، وإنما كانت ضعفاً ونسياناً :

﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾

[ سورة طه : 115 ]

 ثم إن آدم لم يصر عليها بل سارع إلى الفرار منها والاعتذار عنها ، قال تعالى :

﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 22-23 ]

 شتان بين المعصيتين ، معصية الكبر والعناد والاستعلاء ، ومعصية الغلبة والضعف ، فلما اعترف آدم وزوجه بالخطيئة سارعا إلى التوبة والإنابة ، فقبل الله سبحانه عذرهما ، وأقال عثرتهما ، وهذان درسان بليغان لبني آدم ، أي ألف معصية من نوع الضعف أهون ألف مرة من معصية واحدة من نوع الكبر والرد ، والعبودية لله إنما هي في طاعة أمره .

 

العبودية لا تكون إلا لله :

 الآن دققوا دخلنا في صلب الموضوع والعبودية لله ، والله هذا المفهوم قلّما ينتبه إليه أحد : هي في طاعة أمره أياً كان هذا الأمر في صغير أو كبير فيما يوافق معقول المأمور أو يخالف معقولاً .
 ما من مسلم تعرض عليه أمراً دينياً في الكتاب والسنة إلا و يعرضه على عقله أولاً فإن وافقه قبله ، وإلا اعترض عليه ، عقله هو الأصل ، وعقله محدود ، وعقله مرتبط بواقع محدود ، ببيئة محدودة ، بمعطيات محدودة ، وفضلاً عن ذلك عقله مرتبط بمصالحه ومرتبط بشهواته ، وهذا العقل التبريري ساقط عند الله ، قال تعالى :

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾

.

[ سورة المدثر : 18-26 ]

 فإن فضل الله سبحانه وتعالى هو أعلم بما يأمر به وينهى عنه ، والعبد لا يكون عبداً على الحقيقة إلا إذا أطاع معبوده دون تردد أو توقف أو نظر أو سؤال لم أمر بكذا ؟ ولم نهى عن كذا ؟ ولو كان العبد لا يطيع إلا فيما عقل وفهم لكانت طاعته لمعقوله ومفهومه وليس لخالقه وإلهه ومولاه ، حينما لا تقدم على طاعة إلا إذا فهمت حكمتها وأنها لصالحك إنك تعبد ذاتك ، إنك لا تعبد الله ، هذا الذي لا يقبل أمراً إلا بعد أن يفهمه ويرى حكمته وإنه لصالحه هذا ليس عبداً لله ، إنما هو عبد لذاته ، وعبد لسلامته ، وعبد لمصالحه .
 الإنسان يطيع قلبه وعقله في أشقّ الأمور ، قد يقول لك طبيب : لابد من عمل جراحي فوراً ، لابد من شقّ الصدر ، وإجراء عملية في صمام القلب لا تتأخر ثانية ، وتتحمل أشدّ الأخطار وتدفع التكاليف الباهظة ، لأن عقلك قنع أن هذه العملية لمصلحتك هل هو يعبد الله في هذا ؟
 الإنسان يطيع قلبه وعقله في أشق الأمور على نفسه وبدنه ، بل قد يركب الصعب والذلول في تنفيذ ما يأمره به عقله ، أو قلبه ، أو هواه ، ألا يستحق الله أن تعبده من دون تردد ؟ من دون أن تسأل عن الحكمة ؟ من دون أن تتفلسف عليه ؟ من دون أن تطالب بالدليل والحكمة ؟ ولو كانت طاعة الله تابعةً لسلطان العقل والقلب والهوى لكان المعبود حقاً هو القلب والعقل والهوى ، وليس الله سبحانه وتعالى .

 

معنى التعبد لله و تنفيذ أوامره :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إن الدين قائم على مخالفة ما تهواه النفوس ، وما يخالف رأي الإنسان ومعقوله أحياناً ، وهذا هو معنى التعبد لله أن تطيع الله ولو لم تفقه هذا الأمر ، ولو لم تدرك حكمة هذا الأمر ، ولو لم يكن لمصلحتك ، أمر الله مميز ، علة أي أمر عند المؤمن الصادق أنه من الله ، أسوق لكم قصة ذكرتها مئات المرات نقاش جرى بين عالمين ، عالم عرف الله وأسلم حديثاً وكل خلية في جسمه تعبد الله وعالم آخر أقنعه أن لحم الخنزير حرام وأتاه بمئة دليل ودليل ، فقال له الأول : كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرمه .
 ألا يستحق الله العظيم خالق السموات والأرض أن تنصاع لأمره من دون تردد ؟ من دون سؤال عن الحكمة ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا كلام نظري إليكم التطبيق العملي ، إبراهيم عليه السلام هو المثال والقدوة والأسوة في المسارعة إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى ، هذا نبي الله إبراهيم جعله الله إماماً للناس جميعاً ، وجعل النبوة في ذريته دون سائر البشر ، ولم يصل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما وصل إليه من إمامة الدين إلا أنه أمر بأوامر إلهية تخالف المعقول فنفذها .
 إبراهيم عليه السلام على هذا النحو أمره الله بها تماماً قال تعالى :

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾

[ سورة البقرة : 124 ]

 وكان مما أمر به مما يخالف معقول البشر أي يلقي زوجته هاجر وابنها إسماعيل في أرض مقفرة موحشة لا أنس فيها ، ولا شيء ، وهي أرض مكة وليس معهم أحد على الإطلاق ، وليس لهم زاد إلا جراب تمر وقربة ماء ، ثم كرَّ راجعاً إلى بلاد الشام ، هذا أمر إلهي لإبراهيم يخالف معقول البشر فإن أحداً لو فعل هذا من عند نفسه لكان فعله جريمةً يحاسب عليها ، وكذلك أمره الله سبحانه وتعالى ثانيةً أن يقتل ابنه بكراً إسماعيل بعد أن شبّ وبلغ مبلغ الرجال ، قال تعالى :

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾

[ سورة الصافات : 103 ]

 فسارع إلى تنفيذ الأمر دونما تلكؤ أو نظر أو تسويف ، ولو أن إنساناً عمد إلى أن يقتل ابنه من دون أمر من الله لكان هذا جريمةً يحاسب عليها . هل من المعقول أن تدع زوجتك وابنك في أرض مقفرة لا ماء فيها ولا نبات ؟ قال تعالى :

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾

[ سورة إبراهيم : 37 ]

 عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :

((أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ : أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَتْ : إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا . . . .))

 من عنده هذا التوكل ؟ موت محقق ، أرض في منطقة حارة لا ماء فيها ولا نبات ترك زوجته أقرب الناس إليه وابنه الحبيب ومشى .

(( . . . فَقَالَتْ لَهُ أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيث لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ حَتَّى بَلَغَ يَشْكُرُونَ . . . . ))

[ البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ قصة طويلة هي في صحيح البخاري نرجع إليها في وقت آخر إن شاء الله ، على كل القصة معلومة عندكم في نهاياتها . بعد أن نفذ الماء وبكى الغلام وسعت الأم بين الصفا والمروة جاءها ملك كريم ، وفجّر ينبوع زمزم هذه القصة يرويها النبي عليه الصلاة والسلام .

 

الأمر التعبدي كلما وضحت حكمته ضعف فيه ثواب التعبد :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كانت الشريعة المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم في عمومها مما يوافق معقول أهل العقل والحجة والحكمة ، إلا أن الجانب التعبدي فيها كبير جداً ، بالمناسبة أيها الأخوة الأمر التعبدي كلما وضحت حكمته ضعف فيه ثواب التعبد ، وكلما غابت حكمته عنا ارتفع فيه ثواب التعبد ، إنك إن انصعت إلى أمر الله دون أن تفهم الحكمة فلك عند الله مرتبةٌ عالية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مواقيت الصلاة تعبدية ، عدد الركعات تعبدية ، هيئات الصلاة تعبدية ، كون الزكاة في بعض الأموال تعبدية ، تقدير النصاب تعبدي ، صفة الصوم ، أعمال الحج من طواف ، وسعي ، وتقبيل للحجر ، والوقوف بعرفة ، والمبيت بمزدلفة ، ورمي الجمار ، كل هذا أمور تعبدية .
بشكل حياتي أب عظيم منح ابنه كل شيء ، علّمه ، وهذبه ، ورباه ، وزوجه ، وأمده بمال كثير ، هذا الأب في اللغة الدارجة ألا يحق له أن يقول لابنه : لا تفعل هذا الشيء دون تعليل ؟ أبٌ قدم لابنه كل شيء ، أكرمه بكل شيء ، منحه كل شيء ، والطعام طيب ، وأقبل الابن عليه ليأكل ، قال له الأب : لا تأكل ، هذا الأب المحسن الكريم ، وهو من بني البشر ألا يستحق أن يقول له ابنه : يا أبت أنا طائع لك فيما تريد ، ولا أخالف أمرك ، هذا شأن مخلوق مع مخلوق .
 قصة روتها كتب السيرة أن عبد الله بن رواحة حينما كان دوره بالقيادة الثالث وتوفي صاحباه الأول والثاني قال بيتين من الشعر مقدار ثلاثين ثانية قال :

يا نفس إلا تقتلي تموتــي هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيـــــت  وإن توليت فقــــــد شـــقيــــــتِ
***

 ثم قاتل حتى قتل ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((قاتل أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه في الجنة ، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل ، وإني أراه يطير بجناحين في الجنة ، ثم سكت فقلق أصحاب النبي على أخيهم الثالث ، قالوا : ما فعل عبد الله يا رسول الله ؟ قال : ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه ))

  لأنه تردد ثلاثين ثانية في بذل نفسه ، نقدم ، ونؤخر ، ونرجو أن تحضر درساً ، وأن تأتي إلى المسجد ، وأن تحضر من أول الخطبة ، نقدم ونؤخر ونرغب ، نفعل كل شيء من أجل أن تأتي إلى المسجد فقط ، لأنه تردد ثلاثين ثانية فقط في بذل نفسه كان في مقامه عن صاحبيه ازوراراً .
أيها الأخوة ، مرةً ثانية معنى العبودية لله ليست واضحةً عند المسلمين ، أكبر عبادةٍ لا تعدل نعمةً واحدة أنعم الله بها عليك ، أوجدك ، نعمة الإيجاد ، قال تعالى :

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1 ]

 أمدك بكل شيء ، أمدك بسمع وبصر ولسان ونطق ، قال تعالى :

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾

[ سورة البلد : 8-11 ]

 كلفك ما تطيق ، كلفك شيئاً مريحاً نافعاً مفيداً وأنت بهذا الذي كلفك به لا تفعله وأنت مغمور بنعم لله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما أباحه الله وما حرمه أيضاً أمر تعبدي ، أباح لك البيع ولو ربحت ألفاً بالمئة ، وحرم عليك الربا ، ولو أخذت درهماً واحداً من الربا هذا حد الله عز وجل ، أمر المرأة ألاّ تحد على غير زوجها أكثر من ثلاثة أيام ، ولو كان الميت أعز الناس إليها كابنها وأبيها وأخيها ، وأمرها أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرة ، ولو كانت لا تحبه ، هكذا ، هذا أمر الله عز وجل .

 

ارتباط العقل بالبيئة و الواقع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الموضوع طويل ، ولكن أريد في هذه العجالة أن يكون واضحًا لديكم أن أمر الله علته أنه أمر يجب أن نقبل عليه من دون تردد ، من دون تعليق على حكمته ونفعه وواقعيته وفائدته ، لا تجعل عقلك هو الحكم ، من جعل عقله حكماً على الشرع فقد أضل ضلالاً مبيناً ، اجعل الشرع حكماً على عقلك ، في الأصل العقل يوافق النقل ، لكن لو فرضنا مثلاً أن قضية في النقل لم توافق العقل ، ما عقلك ؟ اركله بقدمك أحياناً من أجل طاعة ربك ، الطبقة المثقفة الآن لا تقبل أمراً إلا بالتعليل ما حكمته ؟ لم الربا حرام ؟ ما يفعل هذا البنك ؟ يخدم الناس ، يقدم قروضًا ، يؤسس مشاريع ، ما من شيء تطرحه على المسلمين المعاصرين إلا يعرضه على عقله ، أنا أحترم العقل ، والله أحترمه احتراماً لا حدود له وهو مناط التكليف ، وأكثر من ألف آية تتحدث عن العلم والعقل في القرآن ولكن لا ينبغي أن نعبد العقل من دون الله، العقل محدود ، العقل مربوط بالبيئة ، مربوط بالبيئة ، بالمعطيات ، بالواقع ، أما الإله حينما يأمر وينهى فالحكمة المطلقة والخير المطلق .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ أنا مع العقل لكن لا أن نحكمه في النقل ، أنا مع الفهم لكن لا أن نعلق الطاعة على الفهم ، هذا موضوع دقيق وقع به الملتزمون ، وقع به المتفوقون أحياناً لا يقبل قضية إلا إذا فهمها عقله المحدود .
 أقول لكم : لو عرضنا على إنسان عاش قبل مئة عام قرصاً فيه ألف ومئة كتاب يقرأ كل هذه الكتب حَرفاً حرفاً في سبع ثوان هل يقبل ؟ لأن عقل الذي مات قبل مئة عام لم يكن في بيئته هذا الشيء هو الآن واقع ، معنى ذلك أن العقل مربوط بالبيئة فما كل شيء يرفضه عقله غير حق ، هذا أمر الله وهذا نهيه لو علمت من الآمر لبادرت إلى طاعته ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

للنية أساس كبير في العبادة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تطبيقاً لهذا الموضوع الخطير في موقع معلوماتي موضوع لطيف عنوانه : مرض يصيب المرأة المتبرجة ، نسب سرطان الجلد يتنامى في بلاد أوربا كثيراً بسبب أن لباس الناس أصبحت فاضحةً جداً ، وأن جلدهن معرض لأشعة الشمس ، ونسب سرطان الجلد يزداد بشكل غير طبيعي في بلاد أوربا وأمريكا . القصد ليس هذا نحن حينما نرى إنساناً ضعيف الالتزام ، ضعيفاً في فهمه للدين ، نربط له بين أوامر الدين وبين مصالحه ، لكن صدقوني لو أن امرأة متبرجةً قرأت هذا الموضوع فتحجبت خوفاً من مرض السرطان والله ما عبدت الله أبداً ، لو سلمنا جدلاً أن التعرض لأشعة الشمس يزيدها صحةً ينبغي أن تتحجب . هذا الاتجاه الجديد مقبول لضعاف المؤمنين ، مقبول للمقصريين ، مقبول للعصاة أما للمؤمنين سواء كان التبرج يعرضها لسرطان الجلد ، أو لا يعرضها فموضوع آخر هذا أمر الله بالحجاب ، وانتهى الأمر ، هذه المرأة المؤمنة لا تعلق حجابها على خوف من مرض في جلدها إن فعلت هذا لا تعبد الله تعبد نفسها ، تعبد مصلحتها ، تعبد سلامة جلدها ، تعبد سلامة حياتها .
 الآن يوجد نغمة جديدة أن الصلاة عبارة عن تمارين رياضية معتدلة ، الوضوء يثير الأعصاب الحسية في الجلد ، والأعصاب الحسية في الجلد توسع الأوعية فيتألق الإنسان بالوضوء وهو من الوضاءة . كلام لطيف لكن كمؤمن صادق ، عابد ، كمؤمن يفهم معنى العبودية هذا الكلام لا يعبأ به ، أمره الله بالوضوء وكفى ، وأمره بالصلاة وكفى ، لأن النية أساس كبير في العبادة ، عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ]

 بل هي في العبادة لها المكان الأول ، فمن نوى بصيامه أن يخفف من وزنه ، وبصلاته أن يلين عضلاته ، وبالوضوء أن تتوسع شرايينه أو أوردته هذا ما عبد الله عز وجل ، أنا لست ضد هذه الموضوعات ، وأذكرها في الخطبة كثيراً ، ولكن إياك أن تنتظر التعليل العلمي كي تطيع الله هذا محور الخطبة .
موضوع طويل ولطيف ، وله تعليل قوي؛ أن هذه المرأة التي لا تتحجب ، وتتبرج وتكشف عن مفاتنها هذه معرضة لسرطان الجلد ، وهذا المرض يتنامى في بلاد الغرب تنامياً عظيماً هذا لا يقنع المؤمن ، المرأة المؤمنة يقنعها أن الله أمرها بالحجاب وكفى ولا تبحث عن شيء آخر ، ولكن هذا الآن صار لضعاف النفوس ، صار لضعاف الإيمان ، لضعاف الالتزام نقرب ونؤخر ، ونوضح ونبين ، ونأتي بالدليل العقلي والفطري والديني والواقعي والنصي والبيئي حتى يقنع الإنسان بهذا الدين ، أما لو كان الإيمان قوياً فلا تحتاج إلى كل هذا ، وعلة الأمر أنه أمر ، والانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، و بارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، و بطاعتك عن معصيتك ، و بفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، و لا تهتك عنا سترك ، و لا تنسنا ذكرك ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، و من الخوف إلا منك ، و من الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، و من شماتة الأعداء ، و من السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين ، الله صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك ، و نبتلى بحمد من أعطى و ذل من منع ، و أنت من فوقهم ولي العطاء ، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء ، اللهم أصلح شؤون المسلمين في شتى بقاع الأرض يا رب العالمين ، اللهم احفظهم من أعدائهم ، و انصرهم و عافهم و اعف عنهم يا رب العالمين ، اللهم وفق ولاة المسلمين في شتى بقاع الأرض لما تحب و ترضى ، اجمعهم على الحق و الرضا يا رب العالمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018