الخطبة : 0796 - الظلم - الضغط الجوي ـ قال تعالى : يجعل صدره حرجاً كأنه يصعد في السماء - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0796 - الظلم - الضغط الجوي ـ قال تعالى : يجعل صدره حرجاً كأنه يصعد في السماء


2001-07-13

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، و نسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الظّلم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الأرض ستمتلئ ظلماً وجوراً ، والأخبار التي تسمعونها كل يوم تتحدث عن قتل الأطفال ، وعن هدم البيوت ، وعن اغتصاب الأراضي ، وعن مذابح في البلقان يذهب ضحيتها أحياناً سبعة آلاف ، وموت في آخر الزمان كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل ؟ ولا المقتول فيمَ قتل ؟ ويوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير ، إن تكلم قتلوه ، وإن سكت استباحوه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ عند الكفار الحق هو القوة لكنه في دين الإسلام الحق هو العدل، هذه الأخبار التي نستمع إليها كل يوم كانت منطلق هذه الخطبة التي محورها الظلم فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 إن الله جلّ جلاله يأمر بالعدل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل: 90]

 العدل قسري أما الإحسان فطوعي ، الحد الأدنى ينبغي أن تكون عادلاً:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة النحل: 90]

الدع من معاني الظّلم :

1 ـ الشرك الخفي :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من معاني الظلم أن تضع الشيء في غير محله ، فأنت حينما تعبد جهة غير الله وقعت في أشدّ حالات الظلم ، قال:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة لقمان: 13]

 العبادة من أرقى الأعمال لأنها غاية الخضوع لله عز وجل ، و لأنها غاية الحب ، و لأنها غاية الامتثال ، و لأنها غاية الإخلاص ، لا ينبغي إلا أن تكون لله وحده ، فمن وقع في الشرك وقع في ظلم عظيم ، فالتسبيح و التعظيم و التقديس و السجود و الركوع و الذبح و النذر و الخوف و الخشية وسائر أعمال القلوب و أعمال الجوارح لا ينبغي إلا أن تكون لله عز وجل ، ينبغي ألا نقصد إلا وجه الله الكريم بعبادتنا ، لذلك حينما نزل قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 82]

 قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال عليه الصلاة و السلام إنه ليس ذلك ، ألا تسمعون قول لقمان لابنه:

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

[ سورة لقمان: 13]

 إذاً معنى الآية الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم شركي ، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 106]

 الشرك الجلي قلّما يقع فيه المسلمون و لكن الشرك الخفي أن تعقد الأمل على غير الله ، أن تطلب الإنصاف من غير الله ، أن ترجو غير الله ، أن تخاف من غير الله ، أن تعلق الآمال على غير الله ، هذا هو الشرك الخفي:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 82]

 أيها الأخوة الكرام ؛ معنى آخر ، المعنى الأول الشرك الخفي ظلم عظيم أي أنك اتجهت إلى جهة لا تملك شيئاً ، ظلمت نفسك ، علقت أملك على جهة لا تستطيع نفعك و لا ضرك ، توجهت إلى جهة لا تملك أن تحميك من عقوبات الله عز وجل ، توجهت إلى جهة لا تفعل شيئاً:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾

[ سورة الأعراف: 188]

 سيد الخلق و حبيب الحق لا يملك نفعاً و لا ضراً:

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾

[ سورة آل عمران: 128]

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

[ سورة الأنفال: 17]

 فالمعنى الأول الشرك أن تتجه إلى غير الله و هذا من أشدّ أنواع الظلم ، و في توضيح أدق من أشد أنواع الظلم لنفسك ، لأنك اتجهت إلى جهة لا تملك شيئاً .

2 ـ الاعتداء على حق الآخرين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن هناك نوعاً آخر من الظلم أن تعتدي على حق الآخرين ، أن تعتدي على دمائهم ، أن تعتدي على أعراضهم ، أن تعتدي على أموالهم ، أن تعتدي على سمعتهم ، هذا أيضاً ظلم ، و قد صنف العلماء مراتب الظلم فجعلوا في أعلاها أن تقتل مسلماً و هذا من أعظم العدوان ، لذلك قد لا يصدق الإنسان أن آية قرآنية قطعية الدلالة توعدت الذي يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها و غضب الله عليه و لعنه و أعدّ له عذاباً عظيماً .
 هؤلاء الذين يقتلون كل يوم في فلسطين و في الشيشان و في الصرب و في شتى بقاع المسلمين، يقتلون مسلماً قتلاً متعمداً ظالماً لا بذنب اقترفه إلا لأنه مسلم:

قتل امرئ في غابة جريمــــــة لا تغتفر
وقتل شعب مسلـــم مسألة فيها نظــر
***

 أيها الأخوة الكرام ؛ أن تعتدي على دم مسلم هذا من أشدّ أنواع الظلم و قد توعد الله فاعله بجهنم خالداً فيها أبداً . ثم تنزل مستويات الظلم فالكلمة و الغمزة و اللمزة في حق المؤمن ظلم إن كانت بغير الحق ، ابتسامة ساخرة ، تعليق ساخر ، تقطيب وجه بوجه مؤمن بريء ، أن تتحدث عن إنسان بما لا يليق به ، بما ليس مظنة به ، هذا كله من أنواع الظلم لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في حديث دقيق جداً لو عقله المسلمون لانقصمت ظهورهم حينما يتجهون إلى إيذاء مسلم ، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( هَلْ تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: - بحسب معطيات السؤال - الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 إذاً العبادة الشعائرية من صلاة و صيام و حج لا قيمة لها حينما تنتهك العبادات التعاملية . ضرب هذا ، و شتم هذا ، و أكل مال هذا ، فيأخذ هذا من حسناته ، و هذا من حسناته ، فإذا فنيت حسناته طرحوا عليه سيئاتهم حتى يطرح في النار .

 

العقل السليم لا يقبل إلا بيوم تسوى فيه الحسابات:

 أيها الأخوة الكرام ؛ من دون أن يؤمن الإنسان باليوم الآخر هناك سؤال كبير لا إجابة له ، هناك غني و فقير ، و قوي و ضعيف ، و صحيح و مريض ، و وسيم و ذميم ، أيعقل أن نتفاوت في الحظوظ تفاوتاً كبيراً ثم تنتهي الدنيا هكذا بلا شيء ؟ هذا لا يقبله عقل سليم ، لذلك الإمام الكبير ابن القيم رحمه الله تعالى عدّ الإيمان باليوم الآخر بدليل عقلي قبل أن يكون بدليل نقلي ، كلكم يعلم أن هناك دليلاً عقلياً و هناك دليلاً فطرياً و هناك دليلاً نقلياً و هناك دليلاً واقعياً ، الإيمان باليوم الآخر و الملائكة و الجن و الحشر و النشر و الصراط و ما إلى ذلك هذه في الأصل نؤمن بها إيماناً نقلياً لأن الله أخبرنا بها ، لكن هذا العالم الجليل يقول: لا ، الإيمان باليوم الآخر ينبغي أن يكون إيماناً عقلياً لأن العقل السليم لا يقبل إلا بيوم تسوى فيه الحسابات:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

[ سورة التكوير : 8-9]

 إذاً هؤلاء الذي يقتلون كل يوم ما السبب ؟ ماذا فعلوا ؟ هل سفكوا دماً ؟ هل اغتصبوا مالاً ؟ هل انتهكوا عرضاً ؟ أم لأنهم مسلمون ؟ من يقتلهم ؟ المغتصبون ، تمتلئ الأرض جوراً و ظلماً في آخر الزمن .

 

الفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كلكم يعلم أن أسماء الله الحسنى محققة بأكملها في الدنيا و الآخرة إلا اسم العدل محقق في الدنيا جزئياً و سوف يحقق في الآخرة كلياً ، فالله جل جلاله قد يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين ، و قد يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين ، و لكن الحساب الدقيق و الترصيد يوم القيامة:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[ سورة آل عمران: 185]

﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾

[ سورة الروم: 27]

﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾

[ سورة طه: 15]

 فالدنيا لا قيمة لها إنها دار قصيرة الأمد ، لو عاش فيها الإنسان مليون عام قيمة هذا الرقم إلا اللانهاية صفر ، الغنى و الفقر بعد العرض على الله ، الفوز الحقيقي في الجنة:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 يا بني ما خير بعده النار بخير ، و ما شر بعده الجنة بشر ، و كل نعيم دون الجنة محقور ، و كل بلاء دون النار عافية .

 

خسران الآخرة هو الخسران المبين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما من إنسان تمكن من شيء في الدنيا ، تمكن من رقاب الناس، أو تمكن من جمع الأموال الطائلة ، أو تمكن من مرتبة عالية بذكاء لا شك فيه ، إلا و سيحاسب عليه ، و لكن الحقيقة المؤلمة و الصارخة أن ما كل ذكي بعاقل ، العاقل من عرف الله ، و من أطاعه ، و من كسب الآخرة ، فخسران الآخرة هو الخسران المبين ، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الشاة الجلحاء التي لا قرون لها ، و الشاة القرناء التي لها قرون ، لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ، هذا مستوى الحساب يوم القيامة، على مستوى شاتين إحداهما جلحاء و الثانية قرناء و قد نطحت القرناء الجلحاء بغير حق إلى هذا المستوى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 47]

 حديث آخر يقصم الظهر يقول عليه الصلاة و السلام :

((عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 جهنم إلى الأبد بسبب هرة ظلمت ، هرة حبست ، هرة ماتت جوعاً ، فهذه المذبحة التي تمت في البلقان سبعة آلاف قتلوا في يوم واحد و دفنوا ، مذابح تلو المذابح ، مقابر جماعية تلو المقابر ، شهداء تلو الشهداء ، هؤلاء يموتون كل يوم بغير حق .

 

الإسلام دين العدل :

 أيها الأخوة الكرام: لو تعمقنا أكثر يقول عليه الصلاة و السلام فيما أخرجه البيهقي و قد صحح هذا الحديث:

(( قاطع السدر يصوب الله رأسه في النار ))

[ البيهقي عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 من هو قاطع السدر ؟ الذي يقطع شجرة ، شجرة نافعة مثمرة ظليلة يقطعها إثماً و عدواناً ، قاطع السدر يصوب الله رأسه في النار .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا هو الإسلام ، الإسلام دين العدل ، أيها الأخوة: تحدثنا عن النبات و عن الحيوان و عن الإنسان بقي الأرض ، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ))

[ متفق عليه عن سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ]

 و في رواية: من سرق الأرض ، و من أخذ شبراً من أرض .
 أيها الأخوة الكرام ؛ معنى طوقه أن يقطع له هذا الجزء الذي اغتصبه ظلماً من أرض أخيه فيصبح طوقاً على رقبته في النار نعوذ ، بالله عز وجل من هذه الخاتمة .
 هؤلاء الظلام يغتصبون الأراضي و يشردون الشعوب ، و يقطعون الأشجار بآلاتهم الحديثة ، أشجار الزيتون النافعة تقتلع ، و الحيوانات تصاب ، و البشر تقتل ، بل يقول عليه الصلاة و السلام: عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ قَالَ:

(( سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ ؟ فَغَضِبَ عَلِيٌّ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ وَقَالَ: مَا كَانَ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا دُونَ النَّاسِ غَيْرَ أَنَّهُ حَدَّثَنِي بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَأَنَا وَهُوَ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . . . . .وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ ))

[ مسلم عن عامر بن واثلة ]

 أي غَيّر الحدود و كثيراً ما يحدث هذا ، في غفلة من الزمن نغير الحدود ، ننزع أحجار السجلات العقارية ، و نأخذ مترين أو ثلاثة: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . . . . .وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ ، و منار الأرض حدودها .

 

المؤمن الصادق يخاف على مصيره و يقلق عليه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لاشك أن أخذ أموال الناس بالباطل ، أو سبهم ، أو حبسهم بغير حق ظلم من أشدّ أنواع الظلم ، بل إن سيدنا عمر رضي الله عنه يسأل أحد الولاة ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده ، قال: إذاً من جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، يا هذا إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم و نستر عورتهم و نوفر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .
 هؤلاء الذين يقلقون على مصيرهم أولئك المؤمنون الصادقون ، أولئك الورعون ، يقول بعض التابعين: التقيت بأربعين صحابياً من صحابة رسول الله ما منهم واحد إلا و يظن نفسه منافقاً لشدة خوفه من الله ، و هذا العملاق الكبير عملاق الإسلام يقول: ليت أم عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيمة ، ليتني ألقى الله لا لي و لا علي ، كان على سرير الموت قيل له: يا أمير المؤمنين أبشر فلقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و أحسنت صحبته ، و مات يوم مات و هو راض عنك ، ثم صحبت خليفة رسول الله أبا بكر فأحسنت صحبته فمات يوم مات و هو راض عنك ، ثم صحبت صحابتهم - من صحبوا النبي عليه الصلاة والسلام و من صحبوا أبا بكر- فأحسنت صحبتهم فلأن كان الموت - هذا كلام ابن عباس لعمر بن الخطاب - لتموتن و الأمة راضية عنك ، فلما سمع عمر بن الخطاب هذا من قول ابن عباس وهو الفقيه رضي الله عنهما قال: أجلسوني ، و كان قد طعن فأجلسوه ، فقال: لئن قلت ما قلت من أني صحبت رسول الله فمات يوم مات و هو راض عني إنما ذلك من فضل الله عليّ و منته، ثم إني صحبت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات يوم مات و هو راض عني إنما ذلك من فضل الله عليّ و منته ، ثم إني صحبت صحابتهم و أني يوم أموت و أموت و هو راضون عني فأقول هذا من فضل الله عليّ و منته ، و إنما يجزعني مخافتي عليك و على أصحابك- أي مخافته على الأمة من بعده- ثم قال: وددت لو أن هذا كان كفافاً لا لي و لا علي .
 و الله أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الذي يظلم الناس ، يأخذ أموالهم ، يعتدي على أعراضهم ، يسفك دماءهم ، يعتدي على سمعتهم ، يغتابهم ، يطعن بهم بلا دليل ، و بلا حق ، و الله لو علم المصير لارتعدت فرائصه خوفاً .
 قال أحدهم أأنت الذي اغتبتني ؟ فأجابه إجابة رائعة قال له: و من أنت حتى أغتابك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدي ، لأنهما أولى بحسناتي منك ، لو يعلم المغتاب ، لو يعلم الذي يطعن بالناس ، لو يعلم الذي يسيء الظن بهم ، لو يعلم الذي يأكل أموال الناس بالباطل ، لو يعلم الذي يعتدي على سمعة الناس ، لو يعلم الذي يسفك دماءهم بالباطل ، ما مصير المنحرف الظالم لارتعدت فرائصه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما سأل أبو ذر رضي الله عنه رسول الله أن يوليه عملاً ، فقال: يا أبا ذر إنها أمانة و إنها يوم القيامة خزي و ندامة إلا من أخذها بحقها و أدى الذي عليه فيها ، يا أبا ذر إنك ضعيف .
 دخلت زوجة عمر بن عبد العزيز على زوجها فرأته على مصلاه يبكي قالت له: ما يبكيك ؟ قال: دعيني و شأني ، و لما ألحت عليه قال: ذكرت الشيخ الفقير ، و ذا العيال الكثير ، و الدخل القليل ، و الأرملة ، و المسكينة ، و ذكر أنواعاً تزيد عن الثلاثين من هؤلاء المعذبين ، المقهورين ، الفقراء ، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً ، و أن حجيجي دونهم رسول الله فلهذا أبكي فدعيني و شأني .

 

الفرق بين الاغتصاب و النهب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الظلم ظلمات يوم القيامة ، فرق العلماء بين الاغتصاب و بين النهب ، الناهب ضعيف ينهب و يهرب ، ينهب خلسة ، لكن المغتصب قوي ، و الأرض لا تكون نهباً لكنها تغتصب ، فالقوي قد يغتصب أرضاً كما يفعل أعداء الله عز وجل ، كل يوم يغتصبون أرضاً ، يقلعون أشجارها ، و يهدمون بيوتها ليجعلونها مستوطنات .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ . . .))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 سيدنا عمر رأى إبلاً سمينة قال: لمن هذه الإبل ؟ قالوا: هي لابنك عبد الله ، فغضب غضباً شديداً و قال: ائتوني به ، فلما رأى عبد الله أباه غاضباً قال: يا أبت ماذا فعلت ؟ هذه إبلي اشتريتها بمالي و بعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت ؟ قال: و يقول الناس ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين ، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين ، و هكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين ، هكذا كان الخلفاء الراشدون .
 أيها الأخوة الكرام ؛ سأل أحد ولاة عمر سيدنا عمر قال: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً لست أقدر على استرداده منهم إلا أن أمسهم بالعذاب فإن أذنت لي فعلت ؟ فقال عمر: يا سبحان الله أتستأذنني في تعذيب بشر و هل أنا لك حصن من عذاب الله ؟ و هل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة ، و إن لم تقم فادعهم إلى الإقرار ، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم ، و إن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين ، فإن حلفوا فأطلق سراحهم ، و ايم الله لأن يأتوا يوم القيامة بخيانتهم أهون من أن أسأل عن دمائهم .

 

الغنى و الفقر بعد العرض على الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإسلام دين العدل ، و العبرة بالمصير ، و العبرة في الآخرة ، و العاقبة للمتقين:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 و الغنى و الفقر بعد العرض على الله:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 ما لهؤلاء المسلمين يستمعون صباحاً و مساء و كل يوم و كل ساعة إلى كلمات دقيقة ، إلى آيات عظيمة ، إلى أحاديث واضحة و لا يستقيمون ؟ ما بال هذا الأعرابي البسيط غير المتعلم قال: يا رسول الله عظني و لا تطل ، فتلا عليه آية واحدة:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة : 7-8]

 قال: كفيت ، فقال عليه الصلاة و السلام: فقه الرجل ، أي أصبح فقيهاً . لذلك كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، لمجرد أنك تطيع الله فأنت على علم ، و كفى بالمرء جهلاً أن يعصيه ، فإن عصيته فأنت لا تعرف الله و لو حملت أعلى الشهادات .

(( سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن مسعود]

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴾

[ سورة الإسراء: 31]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الذي يئد ابنته هذا عمل كبير جداً و يوجد آية كريمة:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

[ سورة التكوير : 8-9]

 لكن بربكم هذه البنت الصغيرة التي لا تزيد عن ثلاث سنوات إذا وئدت و هي حية، حفرت لها حفرة وضعت فيها و أهيل عليه التراب و لا يفعل هذا إلا من كان قلبه كالصخر هذه الطفلة البريئة التي وئدت يسأل الذي وأدها يوم القيامة:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

[ سورة التكوير : 8-9]

 لكن هذا الذي يسيب ابنته تخرج تفتن الشباب ، تظهر كل مفاتنها ، تتعطر ، تتمشى في الطرقات ، تأخذ عقول الشباب ، و الأب مسلم يرتاد المساجد و يصلي ، هذا لم يئدها لكنه سبب لها النار إلى الأبد ، فأيهما أشد جرماً الذي وأد ابنته فاستحقت الجنة لأنها ماتت غير مكلفة أم الذي تركها تفعل ما تشاء ؟ سخر لها طريق الفسق و الفجور ، رضي عنها و هي فاسقة ، لم ينصحها لذلك هناك في بعض الأثر أن البنت يوم القيامة تستحق النار فتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، لأنه كان سبب فسادي .
 هؤلاء النسوة في الطرقات الغاديات و الرائحات هم بنات مسلمين في الأعم الأغلب، و آباؤهم يرتادون المساجد ، و أزواجهم يرتادون المساجد ، و أخوتهم الشباب يرتادون المساجد ، فكيف هم ساكتون عن هذا الفسق و الفجور ؟

 

الإنسان حينما يوقن أن الله يعلم و سيحاسب و سيعاقب لا يمكن أن يعصيه :

 أيها الأخوة: الإنسان متى يستقيم ؟ يقول الله عز وجل:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12]

 حينما توقن أن علم الله يطولك و أن قدرته تطولك ، حينما توقن و تتحقق أن الله يعلم و سيحاسب و سيعاقب لا يمكن أن تعصيه ، أنت مع شرطي في النهار لا تملك إلا أن تقبل عقوبته و هو يراك ، إن أيقنت أن هذا الشرطي يعلم و سيعاقب لن تخالف قواعد المرور ، فكيف مع خالق الأكوان و هو:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾

[ سورة غافر: 19]

 حينما توقن أن علم الله يطولك و أن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه .

 

الابتعاد عن الظلم لأن الظلم ظلمات يوم القيامة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل:

﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾

[ سورة القصص: 59]

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

[ سورة الشورى: 30]

 ارجعوا إلى أنفسكم ، دققوا و تأملوا و ابحثوا فالله عز وجل يطمئن المستقيمين:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

[ سورة فصلت : 30-32]

 لبعض العلماء كلمة أن الحياة الدنيا تستقيم مع العدل و الكفر و لا تستقيم مع الإيمان و الظلم ، لذلك قال أحد أكبر علماء الاجتماع في العالم الإسلامي ابن خلدون قال: الظلم مؤذن بخراب العمران .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الظلم ظلمات يوم القيامة هذا محور الخطبة أرجو الله سبحانه و تعالى أن تكون هذه الآيات و هذه الأحاديث رادعاً لكل مسلم عن أن يأخذ ما ليس له ، عن أن يتكلم كلمة بغير حق ، عن أن يفعل شيئاً لا يرضي الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

 

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الضغط الجوي :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان بحاجة ماسة إلى الأكسجين و يحتاج إلى ضغط جوي معين ، ست و سبعون زئبقي على سطح البحر ، لكن قال العلماء: من مستوى سطح البحر إلى ارتفاع عشرة آلاف قدم في هذه المسافة حاجة الإنسان إلى الأكسجين مؤمنة و الضغط مناسب، أما من عشرة آلاف إلى ستة عشر ألف قدم خلق الله في الإنسان أجهزة تكافئ نقص الأكسجين، أجهزة احتياطية ، إذا نقص الأكسجين في هذه المسافة من عشرة آلاف قدم إلى ستة عشر ألف قدم نقص الأكسجين و نقص الضغط الجوي يتلافاه الإنسان بآليات معقدة جداً .
 لكن من ستة عشر ألف قدم إلى خمسة و عشرين ألف قدم أجهزة التكافؤ الفيزيولوجي لا يمكن أن تعمل بانتظام ، لذلك كمية الأكسجين تصبح غير كافية للأنسجة ما الذي يحصل ؟ يزداد وجيب القلب ، يرتفع الضغط ، يشعر الإنسان بألم في الصدر ، ثم يزداد هذا الألم ، لكن بعد خمسة و عشرين ألف قدم ينخفض الضغط كثيراً و لو تنفس الإنسان الأكسجين بشكل كامل الغازات في الجسم تتمدد حتى يصاب الإنسان في أمعائه و في مستقيمه و في معدته و في رئتيه بحيث لا يحتمل ، آلام لا تحتمل من نقص الضغط ، لذلك الطائرات أيها الأخوة الكرام ؛ لو تعطل جهاز ضغط الهواء في الطائرة ينبغي أن تهبط هبوطاً اضطرارياً و لو في الصحراء أو على سطح البحر أو يموت الركاب .
 الآن دققوا في هذه الآية الكريمة يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾

[ سورة الأنعام: 125]

 أليست هذه الآية من دلائل إعجاز القرآن ؟ هل كان في عهد النبي طائرات ؟ هل صعد الناس إلى السماء في عهد النبي ؟ هذه آية لم تفسر بعد ، الآن فسرت ، أي الطائرات الحديثة الآن يضخ هواؤها ثمانية أضعاف ليكون الضغط فيها مساوياً لضغط الأرض ، إذا تعطل جهاز الضغط ينبغي أن تهبط هبوطاً اضطرارياً ، و الآية دقيقة جداً ، أولاً يشعر بضيق في صدره ، بعد خمسة و عشرين ألف قدم يشعر بآلام لا تحتمل يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الآيات الكونية في القرآن تزيد عن ألف و ثلاثمئة آية إنها ثلث القرآن من أجل أن نعرف الله من خلال هذه الآيات ، و لكن لحكمة بالغة لم يفسرها النبي بل ترك هذا لكل عصر ، كلما تقدم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن العلمي .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ، ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018