الخطبة : 0794 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم3 ، منهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر2 - استيعاب الحق يغني عن استيعاب الباطل . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0794 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم3 ، منهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر2 - استيعاب الحق يغني عن استيعاب الباطل .


2001-06-22

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

النبي هو القدوة والمثل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة بينت لكم بفضل الله عز وجل أن هذه الأمة عند الله خير أمة أخرجت للناس ، و لكن هذه الخيرية التي ذكرت في الآية معللة بشيئين؛ تأمرون بالمعروف ، و تنهون عن المنكر ، و تؤمنون بالله ، وقد قال بعض علماء التفسير : إن تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظاهران للعيان ، بينما الإيمان في القلب ، فقُدِّم الظاهر على الباطن ، و بينت لكم أيضاً أن النبي صلى الله عليه و سلم هو القدوة والمثل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ذكرت لكم بعض أساليبه الشريفة في بيان الخطأ ، و بيان الصواب ، وأتابع هذا الموضوع في هذه الخطبة نظراً لأهميته البالغة ، ولأنه لا يمكن أن نستحق هذه الخيرية التي نوهت بها الآية إلا إذا اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، وهأنذا مع بعض القواعد النبوية الرائعة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

 

قواعد نبوية في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

1 ـ النبي الكريم كان يبيّن الخطأ وينهى عنه و يعطي الدليل :

 كان عليه الصلاة و السلام يبيّن الخطأ ، وينهى عن الخطأ ، و يعطي الدليل ، حينما تنهى ابنك عن رفقاء السوء ، هل هيّأت له البديل ؟ حينما تنهى عن المنكر هل هيّأت البديل الشرعي؟ القرآن الكريم حينما قال :

﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الأعراف : 19]

 معنى ذلك أن عدد الأشياء المباحة يفوق ملايين المرات الأشياء التي حرمها الله عز وجل ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :

(( كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 هذا شاهد : لا تقولوا كذا ، ولكن قولوا كذا ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

((جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ : كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لَا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِه))

[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا نهى عن الشيء أعطى البديل ، ولو أن كل الآباء و المعلمين والقادة المصلحين بيّنوا المنكر ، و نهوا عنه ، وأعطوا البديل ، إذا منعت ابنك من رفقاء السوء فهيئ له أناساً صالحين ، ليكن معك في ذهابك، و في حلِّك و ترحالك ، إذا نهيت زوجتك عن صديقات لا ترضى عنهن هيئ لها مجتمعاً إسلامياً ترضى عنه ، في كل شيء إن نهيت عن شيء حاول أن تأتي بالبديل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ :

((أَنَّ غُلَامًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ بِتَمْرٍ رَيَّانَ وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْلًا فِيهِ يُبْسٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّى لَكَ هَذَا التَّمْرُ؟ فَقَالَ : هَذَا صَاعٌ اشْتَرَيْنَاهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ تَمْرِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ وَلَكِنْ بِعْ تَمْرَكَ وَاشْتَرِ مِنْ أَيِّ تَمْرٍ شِئْتَ))

[ النسائي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ]

 أنت مع منهج خالق الأكوان ، ولأنه منهج الله عز وجل لا بد من أن يسع الناسَ في كل زمان ومكان ، لا بد من أن تجد في هذا المنهج القويم حكماً شرعياً لكل مشكلة تحصل إلى نهاية الدوران ، لذلك :

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

[ سورة النساء : 59]

 وهل يُعقل أن نردّ إلى لا شيء؟ لا بد أن نجد في منهج الله ؛ إنْ في كتاب الله ، وإن في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الحكم الصحيح ، فعوّد نفسك أيها الأب ، عوّد نفسك أيها المعلم ، عوّد نفسك أيها الداعية إذا نهيت عن شيء منكر ائت بالبديل المشروع ، لأنه ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا و جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، ليس في الإسلام حرمان ، ولكن في الإسلام تنظيماً .

 

من طريقة الشريعة أنها تقدم البدائل عوضاً عن أي منفعة محرمة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أن نكتفي بالتخطئة ، وأن نعلن الحرمة دون تقديم البديل ، أو دون أن نبين ما هو الواجب فعله إذا حصل الخطأ هذا شيء خاطئ ، ومعلوم أيها الأخوة من طريقة الشريعة أنها تقدم البدائل عوضاً عن أي منفعة محرمة ، لما حرمت الزنا شرعت النكاح ، ولما حرمت الربا أباحت البيع ، و لما حرمت الخنزير والميتة وكل ذي ناب ومخلب أباحت الذبائح من ذبائح الأنعام .
 أيها الأخوة حتى لو أن الإنسان وقع في محرم فقد أوجدت له الشريعة مخرجاً ، بالتوبة و الكفارة ، كما هو مبيَّن في نصوص الكفارات ، ينبغي على الدعاة الصادقين أن يحذوا حذو الشريعة في تقديم البدائل ، وإيجاد المخارج الشرعية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ التأمين حرام ، ولكن كيف تحل مشكلة التأمين؟ هناك بدائل ، التأمين التعاوني ليس مباحاً فقط ، بل هو مندوب إليه ، لو تعاون أناس على جمع مبالغ وُضعت في صندوق ، فأي شخص أصيب بكارثة دفع له من هذا الصندوق ، فهذا بديل التأمين الذي حرمه العلماء ، و حرمته الشريعة ، ما من شيء محرم إلا وله بدائل ، فالمشكلة أيها الأخوة ليست في الإسلام ، بل في المسلمين ، لكن لا أكتمكم أحياناً هناك سلوك محرم ، و قد لا يحضر الداعية البديل ، أو لا يكون هناك بديل ، في مثل هذه الحالة تقول : هذا حرام ينبغي ألاّ نفعله ، و كفى ، وانتهت مهمة الداعية ، وحتى نكون واقعيين ، لو أن إنساناً يمارس شهوة محرمة ، يقول لك : ائتني بالبديل ، لا يوجد بديل ، البديل الزواج ، وبينك وبين الزواج مسافة طويلة ، عليك أن تصبر ، لكن حيثما أمكن أن نأتي بالبديل ينبغي أن نأتي بالبديل ، ليكون المنهج واقعياً و متوازناً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في رواية مالك رحمه الله تعالى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ :

((اغْتَسَلَ أَبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ قَالَ : وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ قَالَ : فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ ، قَالَ : فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ عَامِرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَّا بَرَّكْتَ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ لَهُ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ))

[ مالك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ]

 بارك الله لك في هذا البيت ، بارك الله لك في هذه الصحة ، بارك الله لك في هؤلاء الأولاد ، الموقف الصحيح أنه إذا رأيت خيراً على أخيك أن تبارك له على هذا الخير ، و أن تثني على الله الذي خصه بهذا الخير ، لا أن تحسده ، عندئذ يقع الجمل في القدر ، و يقع الرجل في القبر :

(( أَلَّا بَرَّكْتَ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ لَهُ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ))

2 ـ عدم مواجهة أحد بما يكره :

 من أساليب النبي صلى الله عليه و سلم في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، أنه كان لا يواجه أحدا بما يكره ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ ))

[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 وفي حديث آخر ، عَنْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَتْ :

((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِي وَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ الْعَشِيِّ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ ))

[البخاري عَنْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ]

 كلمة " ما بال أقوام" لم يوجه المخطئ بخطئه ، لم يفضح المخطئ ، ستره ، و عمّم و قال : ما بال أقوام . وعَنْ عَائِشَةُ قَالَتْ :

((صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ))

[البخاري عَنْ عائشة]

 وفي حديث آخر أَبِي رَوْحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ فَقَرَأَ فِيهِمَا بِالرُّومِ فَالْتُبِسَ عَلَيْهِ فِي الْقِرَاءَةِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَحْضُرُونَ مَعَنَا الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَلْبِسُونَ عَلَيْنَا صَلَاتَنَا مَنْ شَهِدَ مَعَنَا الصَّلَاةَ فَلْيُحْسِنْ الطُّهُورَ ))

[أحمد عن أبي روح]

 أيها الأخوة ؛ أول منهج في أمر النبي بالمعروف ، و نهيه عن المنكر أنه قدّم البدائل ، إذا كان هناك بدائل ، والمنهج الثاني أنه كان لا يواجه أحداً بما يكره ، كان يعمِّم ولا يخصِّص ، و القاعدة الذهبية التي تقول : لا نكفر بالتعيين ، لا نقول : فلان كافر ، نقول : من قال كذا فقد كفر ، ومن فعل كذا فقد كفر .

 

3 ـ إثارة العامة على المخطئ في ظروف معينة :

 ومن منهج النبي صلى الله عليه و سلم وفي ظروف معينة إثارة العامة على المخطئ ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ فَقَالَ : اذْهَبْ فَاصْبِرْ فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ : اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ : ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ ))

[ أبو داود عن أَبِي هُرَيْرَةَ]

 طريقة قد تجدي أحياناً ؛ أن تهيئ ضغطاً شديداً من العامة على هذا المسيء ، فلعله يرتدع عن إساءته .

 

4 ـ يتجنب إعانة الشيطان على المخطئ :

 ومن أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه يتجنب إعانة الشيطان على المخطئ ، فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ :

((أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))

[البخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 هنا نفرّق بين معصية الكبر التي تلبسها الشيطان ، قال تعالى :

﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

[ سورة الحجر : 33]

 وبين معصية الغلبة ، فهناك عصاة مغلوبون على أمرهم ، لا نستطيع أن ننفي عنهم الإيمان ، فقال عليه الصلاة و السلام لهذا الذي شرب الخمر :

((لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ - أيْ بحسب علمي - إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

((أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 المؤمن الصادق إذا رأى صاحب معصية ، في نفسه يحمد الله عز وجل أن عافاه الله من هذه المعصية ، و يدعو له بالتوبة ، أما أن يسبه ، و أن يشتمه ، وأن يشهّر به ، فهذا ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
 وفي رواية لهذا الحديث أخرى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

((وَلَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

 فلعل الله يستجيب . وفي رواية ثالثة : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

((قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَخْزَاكَ اللَّهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ وَلَكِنْ قُولُوا : رَحِمَكَ اللَّهُ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 غفر الله لك . لم يُبعث النبي لعّاناً ، بعث هادياً للأمة ، يُروى أن أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه له شاب كان يغني و يزعجه طوال الليل ، وكانت أغنيته المفضلة : أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا فلما وقع في حبس الخليفة ذهب أبو حنيفة و خلّصه من السجن ، وفي طريق العودة إلى البيت قال : يا فتى هل أضعناك؟ أي قلب المؤمن يتسع لأخطاء الناس، يرشدهم إلى الصواب دون أن يعين الشيطان عليهم ، يرشدهم إلى الصواب بتؤدة ، وبرفق ، يدعو لهم .

 

5 ـ يطلب الكفّ عن الفعل الخاطئ فوراً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ومن أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه كان يطلب الكفّ عن الفعل الخاطئ فوراً ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ :

((لَا وَأَبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ))

[ أبو داود عن عمر]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ :

((كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَانِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْ اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ))

[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]

 والقصة التي تعرفونها أن أحد خلفاء بني أمية جاء حاجًّا فطلب عالماً ينتفع بعلمه ، فجاؤوا الإمام مالك ، فقالوا : الخليفة يطلبك ، فقال هذا الإمام : قولوا لهارون : إن العلم يُؤتى و لا يأتي ، فقال : صدق ، نحن نأتيه ، ثم قال : قولوا له ألاّ يتخطى رقاب الناس إذا أتى ، ليجلس حيث ينتهي به المجلس ، قال : صدق ، فلما جاء هذا الخليفة إلى مسجد الإمام مالك ، أو إلى مكان درسه أعطوه كرسياً ، فقال : من تواضع لله رفعه ، ومن تكبر وضعه ، قال : خذوا عني هذا الكرسي ، أي حينما تعرف قيمة العلم يعز الله العلم ، أما حينما يزهد الناس بما عند العالم ، وهو يطمع بما عندهم فانعكست الآية ، حينما سئل الإمام البصري : بِم نلت هذا المقام؟ قال : "باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي " ، إذا استغنى الناس عن علم العلم ، واحتاج هذا الذي يدعو إلى الله إلى ما عند الناس ، وبذل ماء وجهه سقط العلم.
 أيها الأخوة الكرام : من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه .
 وروى الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ :

((تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 إنسان أكل أكلاً غير معقول ، وجلس جلسة غير معقولة ، و بدأ يتجشأ في مجلس علم ، أو في خطبة جمعة ، هذا واللهِ يتنافى مع آداب الإسلام ، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أشدّ الناس تواضعاً ، وما رئي مادًّا رجليه بين أصحابه .

 

6 ـ يرشد المخطئ إلى تصحيح خطئه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة و السلام من أساليبه في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أنه يرشد المخطئ إلى تصحيح خطئه ، علّمه مرتين ، أحياناً أحد علماء التجويد يقرأ آية ، والطالب أمامه ، يقول له : أعِدْ ، أو يخبط له على طاولة ، هذا الطالب ينبغي أن ينتبه أين الغلط ، فهذا طريق تربوي رائع جداً ، روى أَبٌو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ :

((أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَدَخَلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى رَجُلًا جَالِسًا وَسَطَ الْمَسْجِدِ مُشَبِّكًا بَيْنَ أَصَابِعِهِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفْطِن ، قَالَ : فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ ))

[ أحمد عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ]

 ما دمت في المسجد فأنت في صلاة ، جلسة غير مؤدبة ، حركة غير مؤدبة هذا مما نهى النبي صلى الله عليه وسلم .
 ومرة ثانية ؛ من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : أعِد ، لينتبه المخطئ إلى خطئه ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :

((أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ))

[ الجماعة واللفظ البخاري َعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 ومرة قلت لكم : قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه ، و جاهل لا يستنكف أن يتعلم ، علمني يا رسول الله؟- أرأيت إلى هذا الطلب المعقول؟ - علمني يا رسول الله؟ جاهل لا يستنكف أن يتعلم ، من الذي لا يسأل؟ هو المتكبر ، من الذي لا يسأل؟ هو المستحيي ، فالمستحيي لا يتعلم ، و المتكبر لا يتعلم ، فلا يمنعنك حياء غير مقبول ، ولا كبر مذموم أن تتعلم ، قال :

((عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ : إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ))

[ الجماعة واللفظ البخاري َعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

 من صفة المربي أن يكون يقظًا لأفعال مَن حوله ، و المخطئ إن لم ينتبه لخطئه ينبغي أن يُنبَّه ، وعَنْ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ :

((رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ الظُّفْرِ عَلَى قَدَمِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ قَالَ : فَرَجَعَ ))

[ ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]

 أيها الأخوة الكرام :

((عَنْ كَلَدَةَ بِنَ حَنْبَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ بِلَبَنٍ وَلِبَإٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْلَى الْوَادِي قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْجِعْ فَقُلْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ))

[ الترمذي عن كلدة بن حنبل ]

 ومما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ : ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ))

[البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :

((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي جِئْتُ لِأُبَايِعَكَ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ ، قَالَ : فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

7 ـ إذا رأى شيئاً أو سمع كلاماً ينكر الخطأ منه فقط دون أن يعمِّم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ومن آداب النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا رأى شيئاً أو سمع كلاماً ينكر الخطأ منه فقط ، دون أن يعمِّم ، لكن هناك أناساً كثيرين لمجرد أن يرى الخطأ ينكر على الشخص كل أفعاله ، و كل أقواله ، و يرفضه رفضاً كلياً ، في بعض الأحاديث عَنْ خَالِدِ بِنُ ذَكْوَانَ قَالَ : قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ :

((جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ : وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ ، فَقَالَ : دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ ))

[البخاري عن خَالِدِ بِنُ ذَكْوَانَ]

 هذه الفقرة لا تجوز ، أنا لا أعلم الغيب :

((فَقَالَ دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ))

 أي الإنسان لا يُهدر عمله كله .
 وفي حديث أخير ؛ عَنْ نَافِعٍ :

((أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ : ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))

[الترمذي عَنْ نَافِعٍ ]

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ نستعيد أساسيات هذا الموضوع ، إن أردت أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر فابحث عن البديل ، فإن لم تجد فابق على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و لكن إذا كان هناك بديل الأولى أن ترسم لهذا الذي أنكرت عليه البديل ، ثم لا تعن الشيطان عليه ، و لا تفضحه ، عمِّم و لا تخصص ، وهذه بعض أساليب النبي صلى الله عليه وسلم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس مَن دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

استيعاب الحق يغني عن استيعاب الباطل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك شطر لبيت من الشعر : والناس في أوهامهم سجناء
 ومن الأدعية التي تهز مشاعري : " اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل و الوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات " ، المشكلة أيها الأخوة أن هناك أوهاماً فعلها في النفس كفعل العقائد تماماً ، أوهام تغدو عقائد زائغة ، يُبنى عليها مواقف ، فحبذا لو أن كلاً منا عمل مسحاً لما يتوهمه وما يعتقده خطأ ، عمل مسحاً وجرداً- إن صح التعبير- لكل ما يعتقده ، فإن رأى أن هذه العقيدة مأخوذة من كتاب الله رسخها وعمل بها ، وإن كانت مأخوذة من كلام إنسان ، أو من خطبة جاهل ، أو من تعليق مفتر نزعها وأحلّ محلها العقيدة الصحيحة، لا بد من أن تعرف الحق ، ومن طبيعة معرفة الحق أنه ينفي الباطل ، أما تجد أناساً متوهمين أوهاماً لا أساس لها من الدين ، و يُبنى عليها تصرفات و مواقف و غضب و رضا ، و منع وعطاء ، وكلها أوهام في أوهام ، فالخطورة في الأوهام ، العقيدة لا يمكن أن تُستقى إلا من الكتاب و السنة ، و ما سوى ذلك كلام في كلام ، نحن رجال وهم رجال ، ما جاءنا عن صاحب القبة الخضراء فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن سواه فنحن رجال و هم رجال ، و الحق بيننا هو المقياس ، أما أن تعتقد شيئاً لا أصل له في الدين ، وهم في وهم ، ويرسخ كما ترسخ العقيدة ، و تبني على هذا الوهم علاقاتك مع الآخرين ، و تبني مع هذا الوهم مواقفك ، فهذا خطأ كبير ، و قد ذكرت لكم كثيرا أن أزمة أهل النار أزمة علم :

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك : 10]

 أزمة أهل النار أزمة علم .
 فيا أيها الأخوة ؛ لا بد من طلب علم بشكل حثيث ، أما خطبة من جمعة إلى جمعة، وكلمة في عقد قران ، و مقالة تقرؤها في كتاب ، هذا لا يصنع إيماناً قوياً يحجزك عن معاصي الله ، لا بد من أن تطلب العلم طلباً حثيثاً ، لا بد من أن تتعرف على الحق ، أن تستوعب الباطل هذا مستحيل ، لأن الباطل متعدد :

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

[سورة الأنعام : 153]

 أنواع الأباطيل لا تعدو لا تحصى ، يغنيك عن استيعاب الباطل أن تستوعب الحق، استوعب الحق يكن لك مقياساً ، فأيّ شيء خالف ما جاء في الوحيين ؛ الكتاب والسنة فهو مرفوض ، وأنت مع خالق الأكوان ، ومع المنهج القويم ، و الصراط و المستقيم .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليه ، وإنه لا يذل مَن واليت ، ولا يعز مَن عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تُهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم ، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين ، اللهم صُن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد مَن أعطى وذم مَن منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018