الخطبة : 0793 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم2 ، منهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0793 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم2 ، منهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر1


2001-06-15

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا زلنا نعيش ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولكن السؤال المهم: كيف نحيي ذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الفاصلة في هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[ الأنفال: 24]

 هذه الأمة التي شرفها الله ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وصفها الله جلّ جلاله بأنها خير أمة أخرجت للناس، و لكن هذه الخيرية معللة في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ آل عمران: 110]

 فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر، و لم يكن إيماننا الإيمان الحق فنحن كأمة من بقية الأمم، نستأنس بقوله تعالى:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ المائدة: 18]

 الآية ميزة لنا إن لم نأمر بالمعروف، وإن لم ننه عن المنكر، وإن لم نؤمن بالله الإيمان الحق، لأن علة الخيرية هذه الأشياء، فإذا انعدمتْ انعدمت الخيرة.
 أيها الأخوة الكرام ؛ قد تقرؤون القرآن الكريم، وتمرون على قوله تعالى حينما أهلك الله بني إسرائيل:

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[المائدة: 79]

 لا يتناهون عن منكر فعلوه، عدم التناهي عن المنكر سبب هلاك الأمم، وقد ينهى بعضنا بعضاً عن المنكر، ينهى بعضنا بعضاً إذا كان فقيراً، أو إذا كان ضعيفاً، أما إذا كان قويا أو إذا كان غنياً فنخجل أن ننهاه عن المنكر، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا :

((أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ]

حياة النبي مفعمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حياة النبي صلى الله عليه و سلم، و نحن في ذكرى مولده مفعمة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإذا كنا ندّعي حب الله لا بد من أن نتبع سنة رسول الله في أمره بالمعروف، وفي نهيه عن المنكر، كان صلى الله عليه و سلم لا يؤخر البيان عن وقت حاجته، وكان صلى الله عليه و سلم مكلفاً بأن يبيّن للناس الحق، و أن يدلهم على الخير، و أن يحذرهم من الشر، ومسارعته صلى الله عليه و سلم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى تصحيح أخطاء الناس واضحة في مناسبات كثيرة، كقصة المسيء في صلاته، و كقصة المخزومية، وكقصة أسامة بن زيد، وكقصة الثلاثة الذين أرادوا التشديد و التبتل.
 أيها الأخوة الكرام ؛ عدم المبادرة إلى تصحيح الأخطاء قد يفوت المصلحة، ويضيع الفائدة، و ربما تذهب الفرصة، وتضيع المناسبة، ويبعد الحدث، و يضعف التأثير.

أساليب النبي صلى الله عليه و سلم في تصحيح الخطأ :

1 ـ معالجة الخطأ ببيان الحكم :

 السمة الأولى من أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالمعروف ونهيه عن المنكر- والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة- أنه كان يعالج الخطأ ببيان الحكم، فَعَنِ ابْنِ جَرْهَدٍ عَنْ أَبِيهِ :

((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنْ الْعَوْرَةِ))

[ الترمذي َعَنِ ابْنِ جَرْهَدٍ عَنْ أَبِيهِ]

 هذه المجاملات التي ألفناها، نرى المنكر الكبير نستحيي أن نذكر به، نسكت سكوت جهل، أو سكوت خوف، أو سكوت مجاملة، هذا ما عرفه النبي ولا أصحابه رضوان الله تعالى عليهم.
 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة و السلام إذا رأى تجاوزا من بعض أصحابه يأمر أصحابه، فَعَنْ جَابِرٍ قَالَ:

((اقْتَتَلَ غُلَامَانِ غُلَامٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوْ الْمُهَاجِرُونَ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، قَالَ فَلَا بَأْسَ وَلْيَنْصُرْ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ))

[ مسلم َعَنْ جَابِرٍ ]

2 ـ تصحيح التصور :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من أساليب النبي صلى الهل عليه و سلم في تصحيح الخطأ تصحيح التصور، فهؤلاء الثلاثة الذين تقصوا أخبار النبي في عبادته فاستقلوها، فأرادوا أن يزيدوا عليها، لأن النبي صلى الله عليه و سلم في زعمهم غُفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، أما هم فلا بد أن يزيدوا على عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:

((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

[البخاري عَنْ أنس بن مالك]

 صحَّح التصور، هم بنية سليمة أرادوا أن يكسبوا الآخرة، فأرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي، لكن لما أراد أن يعلم أصحابه، ما فضحهم، خطب في أصحابه فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا:

((لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[البخاري عَنْ أنس بن مالك]

 لاحظنا أيها الأخوة كيف أن النبي صلى الله عليه و سلم وعظ أصحابه مباشرة، أما حينما أراد أن يعلم المجموع فأغفلهم ولم يذكر أسماءهم وتحدث عن مجمل الموضوع، وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه و سلم، هناك نصيحة، وهناك فضيحة، إن كنت مخلصاً في دعوتك إلى الله تنصح ولا تفضح، تنصح فيما بينك وبينه، أما إذا أردت أن تعلم المجموع فتتخذ سنة النبي نبراساً، تقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟"

 

المشقة في الإسلام ليست مطلوبة لذاتها :

 صحابي آخر ؛ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُجِيبَةُ عَجُوزٌ مِنْ بِاهِلَةَ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَنْ عَمِّهَا قَالَ:

((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ مَرَّةً فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَوَ مَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي أَتَيْتُكَ عَامَ أَوَّلٍ، قَالَ: فَإِنَّكَ أَتَيْتَنِي وَجِسْمُكَ وَلَوْنُكَ وَهَيْئَتُك حَسَنَةٌ فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَفْطَرْتُ بَعْدَكَ إِلَّا لَيْلًا، قَالَ: مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ رَمَضَانَ، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، فَقَالَ: فَصُمْ يَوْمًا مِنْ الشَّهْرِ قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: فَيَوْمَيْنِ مِنْ الشَّهْرِ، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: وَمَا تَبْغِي عَنْ شَهْرِ الصَّبْرِ وَيَوْمَيْنِ فِي الشَّهْرِ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: فَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ، قَالَ: وَأَلْحَمَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ فَمَا كَادَ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي قَالَ: فَمِنْ الْحُرُمِ وَأَفْطِرْ ))

[أحمد عَنْ أَبِي السَّلِيلِ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ المشقة في الإسلام ليست مطلوبة لذاتها، فإن اله غني عن تعذيبنا، و لكن حينما تفرضها العبادة فمرحباً بها، أما أن أتقصد المشقة بلا سبب فهذا منهي عنه، قال له النبي الكريم:

((مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ رَمَضَانَ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي فَقَالَ فَصُمْ يَوْمًا مِنْ الشَّهْرِ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي قَالَ فَيَوْمَيْنِ مِنْ الشَّهْرِ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي قَالَ وَمَا تَبْغِي عَنْ شَهْرِ الصَّبْرِ وَيَوْمَيْنِ فِي الشَّهْرِ قَالَ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي قَالَ فَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ ))

[أحمد عَنْ أَبِي السَّلِيلِ]

من حركته صلى الله عليه وسلم في تنوير أصحابه أنه كان يعلمهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من حركته صلى الله عليه وسلم في تنوير أصحابه، وتصحيح الأخطاء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أنه كان يعلمهم، ففي صحيح البخاري عَنْ سَهْلِ ابْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ:

((مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ - الآن دققوا أيها الأخوة، دققوا في الميزان الدقيق الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يزن به الناس، نحن ميزاننا ميزان أرضي، ميزان دنيوي، نعظِّم أرباب المال، نعظم الأقوياء، ولا نحفل بالأتقياء - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا - الثاني الفقير، الذي إذا خطب لا يُنكح، وإذا شفع لا يُشفع، وإذا تكلم لا يُسمع له - خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ))

[ البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ]

 انتبهوا أيها الأخوة ؛ ينبغي أن تكون موازينكم صحيحة، ينبغي أن نزن الأمور بميزان الشرع لا بميزان الهوى، ولا بميزان المصلحة، ولا بالميزان السائد المنتزع من علاقات الناس.

 

3 ـ نهي النبي عن الضرب عند الغضب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة الخطأ، في معالجة الانحراف، في الأمر بالمعروف، في النهي عن المنكر، ما رواه مسلم رحمه الله تعالى عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ قَالَ:

((كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، وفي رواية سقط من يدي من هيبة رسول الله، فَقَالَ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ قَالَ فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ]

4 ـ الرقة في النصح :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من منهج النبي صلى الله عليه و سلم في تصحيح الأخطاء، و بيان الانحرافات، و في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ :

((أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَالَ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ))

[الترمذي عن ابْنُ عَبَّاسٍ]

 كان رقيقاً حتى مع العصاة، كان رقيقًا حتى مع المذنبين، وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، قَالَ: فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ "، فكان عليه الصلاة و السلام مثلا أعلى في رقة النصح. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 هاتان القصتان تشفان عن رقة النبي حتى مع العصاة، حتى مع المذنبين، حتى مع الذين خالفوا، كان عليه الصلاة و السلام عوناً لهم على الشيطان، و لم يكن عليه الصلاة والسلام عوناً للشيطان عليهم.

 

5 ـ عدم تسرعه في التخطئة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ومنهج النبي صلى الله عليه و سلم في تصحيح الخطأ أنه لا يتسرع في التخطئة، فقد حدّث عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ:

((سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ كَذَبْتَ فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقُودُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ فَقَالَ يَا هِشَامُ اقْرَأْهَا فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا عُمَرُ فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ))

[ البخاري عن عمر ]

 ولكن كتعليق أيها الأخوة ؛ حينما تكون هناك لهجات كثيرة، فالقرآن الكريم جاء بكل لهجات العرب، أما حينما تستقر اللهجات فلا معنى أن نعرض عضلاتنا في بيان القراءات وما شاكل ذلك، فالأولى أن نلزم القراءة التي نحن عليها.

 

6 ـ تقدير ظروف الآخرين قبل أن يقيم عليهم النكير :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من منهج النبي صلى الله عليه و سلم، هذه نقطة دقيقة جداً، أنت حينما ترى مذنباً تعامله بالنسبة للنصوص والأوامر والنواهي، ولكن ليتك تعيش مشكلتهم، فتكون طبيباً قبل أن تكون قاضياً، روى النسائي رحمه الله تعالى عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ:

((قَدِمْتُ مَعَ عُمُومَتِي الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهَا فَفَرَكْتُ مِنْ سُنْبُلِهِ فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَأَخَذَ كِسَائِي وَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَعْدِي عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ دَخَلَ حَائِطِي فَأَخَذَ مِنْ سُنْبُلِهِ فَفَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلًا وَلَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا؟ ارْدُدْ عَلَيْهِ كِسَاءَهُ، وَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَسْقٍ أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ ))

[النسائي عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ]

 أراد النبي عليه الصلاة و السلام أن نقدر ظروف الآخر، نحن لا نقر على الخطأ إطلاقاً، لكن لعله يعاني مشكلة، الأولى أن تحل له هذه المشكلة قبل أن تقيم عليه النكير، هذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم:

((مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلًا وَلَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا ))

[النسائي عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ]

هدوء النبي في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة و السلام هادئاً في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

((أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 أدرك النبي أن قطع البول الفجائي يضر بالإنسان، فإن لم يُقطع و ساروا وراءه عمّت النجاسة كل أرجاء المسجد، فكانت حكمة النبي صلى الله عليه و سلم، قال:

((دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ ))

 السبب أيها الأخوة هذا الأعرابي قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، خاف من أصحاب النبي، فكان عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى، قال: يا أخي لقد حجّرت واسعاً- ضيقت واسعاً- فلا عيب عليك أن تحب الناس، وأن تأخذ بيدهم برفق، لكن ينبغي ألاّ تسكت على خطأ، ليس معنى لباقتك أن تكون على حساب دينك، ليس معنى لباقتك أن تكون على حساب الحق، ليس معنى لباقتك أن تكون على حساب مبدئك، القاعدة الأساسية أن المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، وما أكثر المداهنين في هذا العصر، بينما المداراة بذل الدنيا من أجل الدين، رفقتك و لطفك و حكمتك تدفعك إلى بذل الدنيا من أجل الدين لا بذل الدين من أجل الدنيا، هذا ليس رقة، ولا حكمة، ولا مرونة، ولا لباقة، إنما هو رقة في الدين. تعلمنا في هذا الموقف الجليل أن نكون رفيقين بالجاهل، أن نعلمه من غير تعنيف، قال عليه الصلاة و السلام:

((علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))

[كنز العمال عن أبي هريرة]

ديننا دين نظام و أمر بالمعروف و نهي عن المنكر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ:

((كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا قَالَ عَمْرٌو كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ ))

[ أبو داود عن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ]

 أرأيتم أيها الأخوة الكرام ؛ إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سكت عن خطأ أبداً، لكن صحح التصور الخاطئ، لكن أخذ بيد المخالف برفق إلى الله، لكن بيّن فيما بينه وبين المخطئين، ولم يفضحهم على رؤوس الملأ، هذه من حكمته صلى الله عليه وسلم، في صحيح مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ فَقَالَ عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ))

[ مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 واللهِ سمعتُ أن رجلاً من أسباب إسلامه حينما رأى المسلمين ينتظمون في صفوف، و يؤمهم إمام واحد، فأخذ هذا النظام، واحد يقودهم، وهم في نظام واحد، فالدين دين نظام، و دين وحدة كلمة، ودين ائتمار بالمعروف، وانتهاء عن المنكر.

((أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ وَقَالَ مُسْلِمٌ إِنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَنَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ ))

[ أبو داود وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 أحيانا الإنسان يلعن حاجة، يلعن أداة، هذه ليست مخيرة، وليست مكلفة، يلعن بيتاً، يلعن مركبة، هذا اللعن لا معنى له، وهناك رَجُل لَعَنَ الرِّيحَ لأنها نَازَعَتْهُ رِدَاءَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

((لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ))

[ أبو داود وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة :

 وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:

((أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ ))

[متفق عليه عن أَبِي بَكْرَةَ]

 وفي رواية أخرى، يقول أبو محجن الأسلمي رضي الله عنه:

((كنا في المسجد فرأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي و يسجد ويركع، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن هذا ؟ فأخذتُ أطريه، فقلت: يا رسول الله، هذا فلان وهذا، فقال: أمسِك، لا تسمعه فتهلكه))

[صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري ]

 وفي رواية يقول عليه الصلاة و السلام:

((أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ ))

[ البخاري عن أبي موسى الأشعري]

 لكن هناك تفصيلاً، فليس المديح منهياً عنه، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم أشخاصاً وهم في حضرته، وقد جاء في ذلك أنك إذا مدحتَ إنساناً فافتُتِن بهذا المدح، فهذا المدح منهيٌّ عنه، لأن المؤمن مفتقر إلى الله عز وجل، إذا مدحته كما قال النبي :"يربو الإيمان في قلبه" أما إذا مدحت ضعيف الإيمان فتأخذه العزة، ويأخذه العجب فينسى أنه مفتقر إلى الله عز وجل، و قد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أدبه الرفيع أنك إذا مُدحت قل: " اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون "، ما هذا الأدب ؟ لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العمر الذي نعيشه ثمين جداً وعلينا المحافظة عليه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في موقع إخباري معلوماتي قرأت خبراً يلفت النظر، جاء في هذا الخبر أن هيئة المحلَّفين في ولاية من ولايات أمريكا حكمت لمدخِّن يعاني من سرطان عضال بدعوى أقامها على شركة صنع الدخان حكمت له بمبلغ ثلاثة مليارات دولار، لا يهمني صحة الخبر، و لا يهمني إلا شيء واحد ؛ كم هي حياة الإنسان ثمينة، الدخان أتلف رئتيه، وأصابهما بالسرطان، حكمت له المحكمة على هذه الشركة لأنها في الماضي لم تحذره بثلاثة ملايين دولار، لو أن الإنسان عرف حقيقة الدنيا، و عرف أنه مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض، و أن هذه الحياة ثمينة جداً، أهل الجنة في الجنة ماذا يقولون ؟ قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾

[سورة الزمر: 74]

 لولا أن كنا في الأرض و قد أُودعت فينا الشهوات، وقد كنا مخيَّرين، وقد نصب الله الآيات، وأنزل البينات، وعرفنا خالق الأرض والسموات لمَا كنا في هذا النعيم المقيم، فنحن في حياة هي فرصة وحيدة لا تتكرر لحياة أبدية لا تنتهي، أيُعقل أن تنتهي حياة الإنسان وهو في السادسة و الخمسين بسبب سرطان أصابه من الدخان وأن تحكم له المحكمة بثلاثة مليارات دولار وقد يجهل حقيقة وجوده؟ فهذا المؤمن الذي يعرف حقيقة وجوده، ويعرف غاية وجوده، و يعرف أن هذه الحياة حياة دنيا، وأن بعدها حياة عليا، فهذا الذي يضيع وقته سدى كيف يكون حاله ؟ ألم يقسم الله جل جلاله، فقال الله عز وجل:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 73]

 فهذا العمر الذي نعيشه ثمين جداً، إنه فرصة لسعادة أبدية، وإن الغنى والفقر الحقيقيين بعد العرض على الله، وإن الغنى غنى العمل الصالح، وإن الفقر هو فقر العمل الصالح.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليه، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم صُن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد مَن أعطى وذم مَن منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018