الخطبة : 0699 - الأدب مع الله ورسوله وأصحابه - ما قاله سيدنا علي في حق سيدنا أبو بكر بعد وفاته. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0699 - الأدب مع الله ورسوله وأصحابه - ما قاله سيدنا علي في حق سيدنا أبو بكر بعد وفاته.


1999-05-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الأدب مع الله :

 أيها الأخوة الكرام: كما تعلمون في الإسلام عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، فإذا صحت عقيدة المسلم، وصحّ سلوكه، وقُبِلت عبادته، بقي عليه أن يضع تاجاً على رأسه هو الأدب الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.
 والعلماء أيها الأخوة يقررون أن الأدب على أقسام ثلاثة: أدب مع الله، وأدب مع رسول الله، وأدب مع الخلق، فالأدب مع الله أيها الأخوة أن تصون معاملته عن أن يشوبها نقص، وأن تصون قلبك عن أن يلتفت إلى غيره، وأن تصون إرادتك عن أن تتعلق بشيء لا يرضيه، يجب أن تصون معاملتك لله عن أي نقص، ويجب أن تصون قلبك عن أي التفات لغير الله، ويجب أن تصون إرادتك عن التعلق بشيء لا يرضي الله.
 ومن تأدب مع الله صار من أهل محبته، وإذا أحبك الله أحبك كل شيء، ينادى له في الكون أنّا نحبه، فيسمع من في الكون أمر محبيه، إذا أحبك الله ما فاتك شيء، ووصلت إلى كل شيء، ولا يقوى أحد في الأرض أن ينالك بأذى، لأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من قوله تعالى:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 فردّ الله عليهم وقال:

﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 قال الإمام الشافعي: لو أن الله قبل دعواهم لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه، أعلى مرتبة تصل إليها أن يحبك الله، ولمحبة الله ألف طريق وطريق، سبل لا تعد ولا تحصى، إن سلكتها وصلت إلى محبة الله عز وجل، فمحبة الله مبذولة لكل مؤمن، وسائل محبة الله في متناول أي مؤمن، طريق محبة الله واضحة نيرة لأي مؤمن، قال: من تأدب مع الله صار من أهل محبته.
 وقد قال بعض العلماء يخاطب بعض تلامذته: يا بني نحن إلى قليل من أدبك أحوج منا إلى كثير من علمك، وأنت أيها المؤمن إلى بعض الأدب مع الله ومع رسول الله ومع خلق الله أحوج من كثير من العلم الذي يبقى في ذاكرتك ولا يترجم إلى عمل.
 وقد قال بعض العلماء: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن، إذا كنت تنطوي على تعظيم لله، وعلى احترام كبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى إنصاف لخلقه، ينعكس هذا الشيء الباطني إلى أدب ظاهري، ومن قهر نفسه بالأدب مع الله فهو يعبده بإخلاص، بل إن الأدب مع الله حتى في التفاصيل من علامة الإخلاص لله عز وجل.

 

أدب الأنبياء مع الله عز وجل :

 سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام انظروا إلى أدبه مع الله:

﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾

 لو أنه قال: لم أقل ذلك، قال:

﴿ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة المائدة : 117-118]

 أيها الأخوة: كلام يشع الأدب منه إلى أعلى درجة، هذا أدب السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مع الله عز وجل، سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[ سورة القصص: 24]

 الافتقار إلى الله عز وجل هو سرّ القرب من الله عز وجل، سيدنا يوسف عليه السلام:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 33]

 هذا الافتقار إلى الله هو عنوان الأدب مع الله عز وجل، قال بعض العلماء: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنّة، ومن تهاون بالسنّة عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة.
 أيها الأخوة الكرام: الأدب في العمل علامة قبول العمل، هذا أدب مع الله، هذه بعض أقوال العلماء، وبعض مواقف الأنبياء والمرسلين في أدبهم مع الله عز وجل.

﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾

[ سورة الجن: 10]

 هذا أدب مع الله، هذا أدب في خطاب الله عز وجل.

 

الأدب مع النبي صلى الله عليه و سلم :

 أما الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام فقد وصف علماء التفسير أدبه الذي لا يرقى إليه أدب حين فسروا قوله تعالى:

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

[سورة النجم: 17]

 ما تحول عن المنظور ولا تجاوزه إلى شيء آخر.

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

[سورة النجم: 17]

 وقد فهم بعض العلماء أيضاً أن الله عز وجل حينما أقام سيدنا موسى في مقام المناجاة قال:

﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾

[ سورة الأعراف : 143 ]

 أراد مقاماً آخر، أما حينما أقام الله النبي في سدرة المنتهى.

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

[سورة النجم: 17]

 فهذا من أدب رسول الله العالي مع الله عز وجل.
 أما الأدب مع رسول الله فكان أصحاب النبي قمماً في القدر مع رسول الله، أيكما أكبر أنت أم رسول الله ؟ سئل عمه رضي الله عنه قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله، سيدنا زيد الخير حينما دفع إليه النبي عليه الصلاة والسلام وسادة ليتكئ عليها قال: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك، فالأدب مع الله ينعكس أدباً مع رسول الله، والأدب مع رسول الله ينعكس أدباً مع المؤمنين الصادقين، فالمؤمن عنده ما يسمى بالولاء والبراء، يوالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً، ولو كانوا فقراء، ويتبرأ من المنحرفين الشاردين التائهين، العصاة المذنبين ولو كانوا أقوياء، ولو كانوا أغنياء، الولاء والبراء جزء من الدين.

 

رأس الأدب مع رسول الله يكون بـ :

1 ـ كمال التسليم له والانقياد إلى أمره :

 أيها الأخوة الكرام: رأس الأدب مع رسول الله كمال التسليم له، والانقياد إلى أمره، وتلقي خبره بالقبول و التصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل، نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم.

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

[سورة النساء: 65]

 فكمال الأدب مع رسول الله أن تسلم له، وأن تنقاد لأمره، وأن ترضى بحكمه، وأن تأخذ خبره بالقبول والتصديق دون أن تحمل هذا الخبر معارضة خيال جامح، أو عقل مغلق، أو تحمله شبهة أو شكاً، أو تقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم.
 أيها الأخوة الكرام: هما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل وهو الله عز وجل، وتوحيد متابعة الرسول، ليس في الأرض جهة تستهويك أن تتابعها إلا رسول الله، ليس في الأرض منهج براق يغريك أن تتبعه إلا منهج رسول الله، ليس في الأرض سلوك أحب إليك من سلوك رسول الله، ليس نمط حياة أحب إليك من نمط حياة رسول الله، ليس ثمة علاقة بين اثنين أحب إليك من العلاقة التي كانت بين النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، هذا هو الأدب مع رسول الله.

 

ربط التسليم للنبي عليه الصلاة والسلام والانقياد لحكمه بالإيمان :

 مرة ثانية:

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُون َ﴾

 ربط الله التسليم للنبي عليه الصلاة والسلام والانقياد لحكمه بالإيمان.

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

[ سورة النساء : 65 ]

 المؤمن الصادق لا يحتكم إلى غير النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على رجل كائن من كان، حتى أرى رأي سيدي فلان في هذا الحديث! النبي عليه الصلاة والسلام هو الأصل، لا تأخذ رأي أحد في نصه، لا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على رجل كائن من كان، إن أذن له ذلك الرجل نفذه، و قبل خبره، وإلا طلب السلام وأعرض عن أمره وخبره، وهذا الكلام ليس هراء، كلام ينطلق من واقع يعيشه بعض المسلمين، لا يعبأ بقول النبي إلا إذا أقره رجل أو نفاه رجل.
 أيها الأخوة الكرام: قد يحرف قول النبي عن موضعه، وقد يؤول تأويلاً باطلاً، ويسمى هذا فهماً عميقاً للنص، وتأويلاً صحيحاً له، وهو أبعد ما يكون عن مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال بعض العلماء: لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله، خير من أن يلقاه بهذه الحال، هناك رجل في حياته بالشكل العملي أكبر عنده من رسول الله، يعرض كلام النبي عليه، فإن أقرّ على شيء منه نفذه، وإن لم يقره لم ينفذه، هذا حال خطير، لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال.
 قال بعض العلماء يحاور عالماً آخر من النمط الذي لا يرضي محور هذا الموضوع قال له: سألتك بالله لو قُدِّر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيّ بين أظهرنا، وقد واجهنا بكلامه وبخطابه، أكان فرض علينا أن نتبعه أم أن نعرضه على رجل آخر ؟ قال تعالى:

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 69]

2 ـ التأدب مع النبي في حياته و بعد مماته :

 أيها الأخوة الكرام: ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر في حياته بلسانه، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى حتى تأتي سنته الصحيحة بما أمر به النبي.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة الحجرات: 1]

 قد يتوهم البعض أن الآيات التي تأمرنا بالتأدب مع رسول الله متعلقة في حياته فقط، بل إن الحقيقة أن كل آية تأمرنا بالأدب مع رسول الله باقية إلى نهاية الدوران، ولكن بمعنى آخر: فإن نهاك الله عز وجل أن تقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في حياته شيئاً ما قاله ولا أقره فأنت منهي ألف مرة عن أن تقدم بين يدي سنته بعد انتقاله شيئاً يخالف سنته. هؤلاء الذين يقولون: إن سنته مرتبطة بمرحلة قد انتهت، وإن فهم النبي عليه الصلاة والسلام للقرآن فهم مرحلي انقضى بانقضاء حياة النبي، هذا افتراء على رسول الله، وهذا من سوء الأدب مع رسول الله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة الحجرات: 1]

 وكل رأي يضاف إلى السنّة، وكل تعديل على السنة، وكل حذف من السنّة، وكل إضافة على السنّة من سوء الأدب مع رسول الله، ومن التقديم بين يدي الله ورسوله.

 

3 ـ عدم رفع أصواتنا فوق صوت النبي :

 أيها الأخوة الكرام: ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾

[ سورة الحجرات:2]

 في حياته المعنى واضح، لكن بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى لا تجعل صوتاً يعلو على صوت النبي، وعلى سنّة النبي، لا تأتي برأي يعلو على رأي النبي، لا تأتي بمنهج يعلو على منهج النبي.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾

[ سورة الحجرات:2]

4 ـ ألا ندعوه باسمه و لا نجعل دعاءه كدعاء غيره :

 أيها الأخوة الكرام: ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم :

﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾

[ سورة النور: 63]

 قال علماء التفسير: المعنى الأول لهذه الآية لا تدعونه باسمه، كما يدعو بعضكم بعضاً، فلان علان، زيد عبيد، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، يا حبيب الله، بل إن الله عز وجل في آية واحدة خاطب النبي باسمه، ذُكر اسمه خبراً، محمد رسول الله، أما :

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

[سورة المائدة: 67]

 يا أيها الرسول، رب العزة ما خاطب النبي عليه الصلاة والسلام باسمه خاطب الأنبياء بأسمائهم يا زكريا، يا يحيى، ياعيسى، أما النبي عليه الصلاة والسلام فما خاطبه إلا بمقامه، مقام الرسالة والنبوة.
 أيها الأخوة الكرام: المعنى الثاني لقوله تعالى:

﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾

[ سورة النور: 63]

 أي لا تجعلوا دعاءه لكم، المعنى الأول: دعاؤكم له، لا تقولوا: يا محمد بل يا رسول الله، يا نبي الله، يا حبيب الله، يا خير خلق الله، المعنى الثاني: لا تجعلوا دعاءه لكم، قد يقول أحد أصدقائك: افعل كذا، أنت تفعل أو لا تفعل، تستجيب أو لا تستجيب، تهتم أو لا تهتم، أما إذا أمرك النبي بأمر فلا تجعل أمره كأمر أحد من الناس، يجب أن تبادر إلى تنفيذ أمره، يجب أن تسارع إلى طاعته :

﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾

[ سورة النور: 63]

 لو دعاك أخ إلى شيء لك أن تفعله ولك أن تتركه، أما إذا دعاك النبي عليه الصلاة والسلام فليس لك خيار.

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب: 36]

 أنت مخير في المباحات، أما في أمر قطع به النبي، أعطاه حكماً، حرمه، فرضه، حبذه، كرهه، لا رأي لك مع أمر النبي عليه الصلاة والسلام.

 

5 ـ الانتماء إلى مجموع المؤمنين و التفاعل معهم :

 ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استنبط من هذه الآية:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

[ سورة النور: 62]

 ألمّ بالمسلمين خطب، أنت مع المجموع، هذا المجموع يمثل سنّة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار.
 عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

((.... قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:... عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ...))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ]

(( قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ، إِلا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ))

[ النسائي عن أبي الدرداء ]

((أن الشيطان أبعد من الاثنين، وأقرب إلى الواحد، وإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية...))

((الجماعة رحمة، والفرقة عذاب ))

[عبد الله، والقضاعي عن النعمان بن بشير ]

 فمجموع المؤمنين ينبغي أن تكون معهم، أن تتفاعل معه، وأن تحمل همومهم، ينبغي ألا تنتمي انتماءً فردياً، ألا تنسلخ منهم، ينبغي ألا تنسحب، ينبغي ألا تتقوقع، يجب أن تحمل همومهم، يجب أن تكون معهم في سرائهم وضرائهم، في سلمهم وحربهم، في حلهم وترحالهم، يجب أن تحمل همومهم لا أن تنسحب منهم وتنظّر من بعيد، هذا الموقف الفردي يتناقض مع روح الجماعة التي جاء بها النبي، فإذا كنت على عهد رسول الله لا تستطيع أن تنسحب من أمر جامع، وإذا كنت بعد عهد رسول الله لا ينبغي أن تنسحب من مجموع المؤمنين الصادقين، لا ينبغي أن تنفرد وحدك، لا ينبغي أن تتقوقع، لا ينبغي أن تكون في برج عاجي، وتنظّر للناس، ومن قال: هلك الناس، فهو أهلكهم ‍وهو أشدهم هلاكاً، وفي معنى آخر من قال هلك الناس، فهو أهلكهم، هم ليسوا كذلك.
 أيها الأخوة الكرام: وهذا أيضاً من الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

6 ـ عدم استشكال قوله بل تستشكل الآراء لقوله ولا يعارض نصّه بقياس :

 ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تستشكل قوله، بل تُستشكل الآراء لقوله، الأصل كلام النبي، فإن رأيت نصاً يناقض كلام النبي، ترسي لحال صاحب هذا النص، لأنه ما وفق إلى معرفة الحقيقة، أما كلما قرأت مقالة، كلما اطلعت على بحث علمي، كلما شاهدت منظراً، كلما تصفحت كتاباً فتقلق لأنه يخالف كلام النبي، هنا يجب أن يكون العكس، يجب ألا تستشكل قول النبي، يجب أن تُستشكل الآراء لقول النبي، يجب ألا يعارض قول النبي بقياس، يجب أن تهدر الأقيسة وتلقى لنص النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لا ينطق عن الهوى.

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

 إذا قصر العقل عن إدراك حكمة النبي فليس معنى هذا أن هذا الكلام فيه خلل، كم من شيء أيها الأخوة في هذه السنوات الخمسين الماضية الآن صار حقيقة وكان قبل الآن لا يصدق في أمور الدنيا؟ من منا يصدق أن تنتقل رسالة في ثانية من طرف الأرض إلى طرفها الآخر؟ لو قام إنسان من قبره وقد مات قبل خمسين عاماً هل يصدق ذلك ؟ فإذا كانت معطيات الحياة فيها حقائق غابت عن العقول فكيف بالذي لا ينطق عن الهوى؟ إن هو إلا وحي يوحى.

 

الأدب مع الخلق :

 أما الأدب مع الخلق فينبغي أن تعاملهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة، ولكل مرتبة أدب، فهناك أدب مع الوالدين، وهناك أدب مع الوالد خاص، وهناك أدب مع الأقران، وهناك أدب مع العالم، وهناك أدب مع السلطان، وهناك أدب مع الأجانب، وهناك أدب مع ذوي النسب، وهناك أدب مع الضيف، وهناك أدب مع أهل البيت، ولكل حال أدب، للأكل أدب، وللشرب أدب، وللركوب أدب، وللدخول أدب، وللخروج أدب، وللسفر أدب، وللإقامة أدب، وللنوم أدب، وللكلام أدب، وللسكوت أدب، وللاستماع أدب. قد يدخل رجل وفي المسجد ينعقد درس علم حول المتكلم جمع خفير، فيصلي برجلين بأعلى صوت، فيشوش على الناس استماعهم، هل هذا من الأدب ؟ ألا ينبغي أن تقرأ قراءة يسمعها من حولك من هذين المؤتمين ؟ أما أن تشوش على كل الحاضرين فليس هذا من الأدب، ليس من الأدب تخطي الرقاب، ليس من الأدب التجاوز.
 أيها الأخوة الكرام: هذه عناوين موضوعات، كل كلمة من الذي ذكرته قبل قليل يمكن أن يفصل في خطبة كاملة، قال بعض العلماء: عنوان سعادة المرء وفلاحه الأدب، وعنوان شقائه وبواره قلة الأدب.

(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام: ما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمان الخير في الدنيا والآخرة بمثل قلة الأدب، والكلمة الشهيرة: نحن يا بني إلى أدبك أحوج منا إلى علمك.

 

أدب الصحابة الكرام :

 سيدنا عمر كان بين أصحابه، قال أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، فأحدّ فيهم النظر، وبدا أنه غاضب جداً، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منه، قال: ومن هو ؟ قال: أبو بكر، فقال رضي الله عنه: كذبتم جميعاً، عدّ سكوتهم كذباً، وصدق هذا الذي قال: والله رأينا من هو خير منك، قال: والله كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، هذا هو الأدب مع صحابة رسول الله، وقف على المنبر عقب تسلمه الخلافة وانتقال سيدنا الصديق إلى الرفيق الأعلى، وقف على الدرجة الأولى ثم نزل درجة وقال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بهذا سعيد جداً، وكنت خادم أبي بكر وجلواذه وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا به أسعد، الحمد لله على هذا كثيراً، ثم آلت الأمور إلي، اعلموا أيها الأخوة أن تلك الشدة قد أُضعفت، وأنا ألين لأهل التقوى والعفاف من بعضهم بعضاً، وسأضع خدي لهم ليطؤوه بأقدامهم، وأما أهل البغي والعداون فشدتي عليهم، والخطبة طويلة.
 سيدنا الصديق قال لعمر: يا عمر مدّ يدك لأبايعك، قال: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر، قال: أنت أقوى مني يا عمر، قال: أنت أفضل مني، فقال عمر: قوتي إلى فضلك، الدين كله آداب، والدين كله معرفة مقامات، قال له: قوتي إلى فضلك، لكن الذي يلفت النظر أن سيدنا عثمان رضي الله عنه وأرضاه وقف موقفاً حكيماً، وقف على درجة سيدنا عمر ولم ينزل درجة.
 أيها الأخوة: هذا من أدب أصحاب رسول الله، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا... ))

[نسخة طالوت عن الحسن ، الأمالي في آثار الصحابة عن ابن طاوس عن أبيه ]

 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كلام سيدنا علي رضي الله عنه في حقّ سيدنا الصديق بعد وفاته :

 أيها الأخوة الكرام: الذي أضعف المسلمين تفتتهم، والذي أضعفهم أن أضغاثاً من الأقوال، وأكواماً من الأوهام، وأكداساً من التناقضات سمعوها عن تاريخهم وهي ليست صحيحة، لم يتح للتاريخ الإسلامي علماء كعلماء الحديث، نقحوا رواياته واعتمدوا الصحيح منها، ففي التاريخ غير المنقح أضغاث من الأقوال، وأكوام من الأوهام، وأكداس من التناقضات، وسأضع بين أيديكم نصاً يوضح لكم بعض الحقائق: عن أُسيد بن صفوان أحد أصحاب النبي الكرام قال: لما قبض أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجت المدينة، فبكى الناس، كيوم قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسجوه، وجاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه باكياً مسرعاً متوجعاً وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو مسجى فقال: رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنيسه وثقته وموضع سره ومشاورته، كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناءً في دين الله، وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحرصهم على الإسلام، وأيمنهم على الصحابة، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سبقاً، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله، هدياً وسمتاً ورحمة وفضلاً وخلقاً، وأشرفهم منزلاً وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدّقت رسول الله حين كذبه الناس، فسماك الله في تنزيله صدّيقاً، حيث قال:

﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾

[سورة الزمر: 33]

 يريد محمداً ويريدك، وآسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، صحبته في الشدة أحسن الصحبة، إذ كنت ثاني اثنين :

﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾

[سورة التوبة: 40]

 خلفته في دين الله أحسن الخلافة، قمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، نهضت حين وهن أصحابك، برزت حين استكانوا، قويّت حين ضعفوا، لزمت مناهج رسول الله إذ رغبوا عنها، كنت خليفة حقاً، نازعت برغم المنافقين، وكبت الكافرين، وكره الحاسدين.
 أيها الأخوة: هذا كلام سيدنا علي رضي الله عنه لسيدنا الصديق، وهذا هو الحق، وروايات كثيرة باطلة لا أصل لها، وتخرصات ليس لها أصل في التاريخ الصحيح، فينبغي إذا ذكر أصحاب النبي أن نمسك، هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، إن صحّ أن الخطة الثانية استمرار للأولى فهناك أدب مع الله، وأدب مع رسول الله، وأدب مع الخلق، وأدب مع أصحاب رسول الله، في قمة هذا الأدب ألا ندخل أنوفنا فيما جرى بين الصحابة، اجتهدوا والمجتهد له أجر، وكانوا في أعلى درجة من الصدق والإخلاص، ونحن لا يعنينا إلا أن نثني كما أثنى النبي عنهم، الله الله في أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وهناك أقوال كثيرة لسيدنا علي رضي الله عنه في سيدنا الصديق وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وكانوا فيما بينهم في أعلى درجة من الود، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 63 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم إن نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر، وزده تدميراً على تدميره، يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، واجمع بهم على خير يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018