الخطبة : 0697 - النظافة - تأثير الإعلام الخاطئ. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0697 - النظافة - تأثير الإعلام الخاطئ.


1999-04-23

الخطبة الأولى:
 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النظافة :

 أيها الأخوة الكرام: أن يحبك الله أثمن شيء في وجود الإنسان، أن يحبك الله فهذا مكسب لا يرقى إليه مكسب، والله عز وجل في قرآنه الكريم بيّن الأسباب التي إن أخذت بها أحبك الله، أحد هذه الأسباب أن تكون نظيفاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، أن تكون نظيفاً في بدنك، وفي ثوبك، وفي بيتك، وأن تحافظ على نظافة الطريق، وأن تكون نظيفاً في أخلاقك، وأن تكون نظيفاً في ذمتك وأمانتك. النظافة بمفهومها الواسع، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 222]

 و :

((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ))

[ الترمذي عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَسَّانَ]

 أخوة كرام منذ أمد بعيد يطلبون مني أن أخصص خطبةً عن النظافة، لأن الشيء المؤلم أنك ترى أن الطرف الآخر يعتنون بنظافة بيوتهم، ونظافة محلاتهم، ونظافة مناشطهم، بينما المسلمون الذي قد كلفوا بالنظافة تكليفاً لا يفعلون ذلك، وهذا الدين العظيم جعل التطهر شرطاً لأول عبادة ألا وهي الصلاة، فينبغي أن يكون المسلم مثلاً أعلى في النظافة لأن الطرف الآخر لا يعرفك إلا من خلال ما يبدو منك، وقد يحكم على دينك من خلالك، قلة في المجتمع قليلة جداً هم الذين يفرقون بين الدين وبين المتدينين، بين الإسلام وبين المسلمين، بين الإيمان وبين المؤمنين، لكن الكثرة الكثيرة تختلط معها الأوراق فيحكمون على الإسلام من خلال ممارسات المسلمين، يحكمون على الدين من خلال المتدينين، فإذا كنت نظيفاً بالمعنى الأكمل فأنت تتمتع بفوائد النظافة، وتتمتع بقربك من الله عز وجل وتقدم للآخرين - للطرف الآخر- مثلاً أعلى يحتذى.

((... إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ فَنَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ))

[ الترمذي عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَسَّانَ]

 وفي الطبراني ورد الحديث الشريف:

(( النظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة ))

ورود ذكر الطهارة في القرآن الكريم و الحديث الشريف :

 أيها الأخوة الكرام: الطهارة بمعناها اللغوي النظافة، والنظافة في الشرع تشمل نظافة البدن، ونظافة الثوب، ونظافة المكان، وقد ورد ذكر الطهارة في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثين موضعاً، والآية الأولى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 222]

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾

[ سورة المدثر: 1-5]

 وقد ورد ذكر الطهارة في الحديث الشريف بما يفوق العدد، من هذه الأحاديث:

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ ))

[مسلم عن ابن عمر ]

 العبادة الأولى، الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال هو الصلاة، الحج يسقط عن غير المستطيع، والصوم يسقط عن المسافر والمريض، والزكاة تسقط عن الفقير، والشهادة ينطق بها مرةً واحدة، أما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال فهو الصلاة، ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، وفي الصلاة إعلان الشهادة بأنه لا إله إلا الله، وفي الصلاة معنى الحج حينما يتوجه المصلي إلى بيت الله الحرام، وفي الصلاة معنى الصوم حينما يدع المصلي الطعام والشراب والحركة والنطق وهذا أبلغ أنواع الصوم، وفي الصلاة معنى الزكاة لأن الوقت أصل في كسب المال فإذا اقتطعت من وقتك وقتاً لتصلي فقد زكيت وقتك، وفي الصلاة إعلان للشهادة بأنه لا إله إلا الله، وفيها من معنى الحج التوجه إلى بيت الله الحرام، وفيها من معنى الصيام الانقطاع عن الطعام والشراب والحركة والكلام، وفيها من معنى الزكاة أن الوقت الذي تقتطعه للصلاة هو أصل في كسب المال، هذه الصلاة التي هي غرة العبادات وأصل القربات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات، لا تصح إلا بالطهور، بالوضوء، هذا هو إسلامنا.

 

اهتمام الإسلام بالنظافة لأنها أساس كلّ زينة حسنة :

 أيها الأخوة الكرام: هناك إحصائية لمنظمة الصحة العالمية أن ثلاثمئة مليون إنسان في العالم مصابون بأمراض مستعصية سببها القذارة، بل إن معظم أمراض القذارة المسلمون معافون منها بسبب دينهم.
 أيها الأخوة الكرام:

(( مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيم ))

[ الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]

(( الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ))

[ مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ]

 أيها الأخوة الكرام: كل هذه النصوص تدل على أن الإسلام اهتم بالنظافة اهتماماً كبيراً وأولاها عنايةً فائقةً، ورعايةً تامةً لأنها الأساس لكل زينة حسنة، قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾

[سورة الأعراف:31]

 أساس الزينة النظافة، أرضية الزينة النظافة، بل إن العلماء قد اكتشفوا أن لجلد الإنسان رائحةً عطرة فيكفي أن تتنظف لتفوح هذه الرائحة، وهذا ما قالته امرأة في الجاهلية:
 والماء أطيب الطيب المفقود، تنظيف الجلد بشكل دوري يسمح لرائحته العطرة أن تفوح منه، قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾

[سورة الأعراف:31]

 وكل أمر في القرآن ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك يقتضي الوجوب.

 

دخول النظافة في صميم رسالة الإسلام :

 يا أيها الأخوة الكرام: الإسلام اعتبر النظافة من صميم رسالته، ولن يكون المرء راجحاً في ميزان الإسلام، محترم الجوانب، إلا إذا تعهد جسمه بالتنظيف والتهذيب، وكان في مطعمه، ومشربه، وملبسه، وهيئته الخاصة بعيداً عن الأدران المكدرة، والأحوال المنفرة، وليست صحة البدن وطهارته سلاحاً مادياً فقط بل إن أثرها عميق في تزكية النفس، الإنسان حينما يكون نظيفاً، وحينما يكون ثوبه حسناً، ولا أقصد أن يكون غالي الثمن، أي يكون ثوبه نظيفاً ليس فيه عيب منفر، لا يرتدي لبسةً مهجورة، ولا لبسةً مشهورة، إذا كان كذلك يشعر بقوة في نفسه، وقد يقف موقفاً أكثر حكمةً وأكثر تأثيراً مما لو كان في جسمه قذر أو في ثوبه وسخ.

 

تكريم الإسلام للبدن و جعل طهارته أساساً لكل صلاة :

 أيها الأخوة الكرام: الإسلام كرم البدن فجعل طهارته الكاملة أساساً لكل صلاة، وإنما تنشأ العادات بتكرار الأفعال، واشترط الإسلام لصحة الصلاة الوضوء، إذ هو أول مقاصد الطهارة، حيث هو مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، وسمي بذلك لإزالته ظلمة الذنوب، ولكون الصلاة مناجاةً للرب، طلب لها التنظيف والطهارة، ولما كانت المحافظة على الوضوء شاقة لا تأتي إلا ممن كان على بصيرة من أمر الطهارة، موقن بنفعها الجسيم، جعلت عليه علامة الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةَ وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ ))

[ انفرد به الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ]

 ولهذا الحديث وقفة متأنية، قال الإمام المناوي: لن تحصوا الخيرات إلا إذا استقمتم من كل الجوانب، من الجوانب المادية، والجوانب النفسية، والجوانب الاجتماعية، أن تحافظ على الوضوء أنت في طهارة، والوضوء طهارة من الحدث، والاغتسال طهارة من الحدث الأكبر.

 

توجيهات النبي الكريم الوقائية بشأن الطهارة :

1 ـ نظافة اليد :

 أيها الأخوة الكرام: ليس عجيباً أن يجعل دين الله عز وجل الطهارة مفتاحاً لأولى عبادته ألا وهي الصلاة:

(( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِلِ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلاً عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))

[مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]

 أيها الأخوة الكرام: أن تتوضأ فتحسن الوضوء وأن تصلي مخلصاً مقبلاً على الله عز وجل هذا يستوجب دخول الجنة، إذا دخلنا في التفاصيل نظافة اليد، لما كانت اليد أكثر أعضاء الجسم استعمالاً لذا تعهدها الإسلام بالغسل قبل الطعام وبعده، وقد ورد في الأثر أنه ينبغي أن تتوضأ قبل الطعام وبعد الطعام، بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، وقد فسر العلماء الوضوء قبل الطعام غسل اليدين والفم، وكذلك بعد الطعام.

(( مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وجوب أن تغسل يديك قبل أن تأوي إلى فراشك.

(( إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 هذا أيضاً شيء دقيق جداً من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.

 

2 ـ تقليم الأظافر :

 أيها الأخوة الكرام: وقد وجهنا النبي عليه الصلاة والسلام إلى تقليم الأظافر فقال:

(( قصوا أظافركم ))

[ الترمذي عن عبد الله بن بشر رفعه]

 وقد استمعت إلى محاضرة حول أن مرض الكبد المميت لا أذكر اسمه الآن، هناك فيروس ينتقل إلى الإنسان عن طريق ما تحت الأظافر، يكفي عامل في مطعم ألا يغسل يديه عقب دخوله إلى الخلاء يصيب بالعدوى كل من أكل من طعامه الذي طبخه هو، فغسل اليدين قبل الطعام، والعناية بقص الأظافر، والمبالغة بتنظيف ما تحت الأظافر هذا جزء من الوقاية الصحية.

 

3 ـ العناية بالرأس :

 شيء آخر العناية بالرأس:

(( مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ ))

[ انفرد به أبو داود عن أبي هريرة]

 أي إكرام الشعر تنظيفه، ترجيله، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أن يدع الإنسان رأسه هكذا.

 

4 ـ نظافة العين :

 وفي بعض الأحاديث يشير إلى ذلك، نظافة العين، من حق العين على المرء وهي أدق عضو من أعضاء جسمه أن يتعهدها بالنظافة، وأن يتجنب في ذلك استعمال اليد لأنها ربما تكون ملوثةً.
 أيها الأخوة الكرام:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ اللَّدُودُ وَالسَّعُوطُ وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ، وَخَيْرُ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الإِثْمِدُ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ))

[الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 والإثمد حجر يدق ناعماً ويكتحل به يقوي البصر ويجليه.

 

5 ـ نظافة الأنف :

 وأما عن نظافة الأنف، فقد أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستنشق الماء في الأنف، وأن نستنثره.

6 ـ نظافة الفم :

 وعن نظافة الفم:

(( لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 سائح بريطاني زار الشرق الأوسط وكتب في مذكراته عن هذه الخشبة التي يستعملها المسلمون في تنظيف أسنانهم، كتب عنها كتابةً ساخرة، قرأ هذا البحث أو هذه الرحلة عالم ألماني فوصى زميله المسافر إلى السودان أن يأتيه بهذه الأعواد - أعواد الأراك - سحقها ووضعها في مكان ووضع عليها الجراثيم فإذا فعلها كفعل البنسلين تماماً تطهر الفم من كل جرثوم.

(( السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ))

[البخاري عن عائشة]

7 ـ نظافة الثوب :

 أما تنظيف الثوب:

(( الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ))

[الترمذي عن ابن عباس]

 والثوب الأبيض يعلم النظافة، يحتاج إلى دقة بالغة، وإلى ملاحظة بليغة، وإلى عناية بالغة. قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى رَجُلاً شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ، وَرَأَى رَجُلاً آخَرَ وَعَلْيِهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ ))

[ أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ]

 الإسلام أيها الأخوة حضنا على أن يكون لنا ثوب نلبسه يوم الجمعة وهذا توجيه رائع جداً، لابد من ثوب جديد ترتديه في مناسبات خاصة لأنك سفير الإسلام، أنت مؤمن، ومن خلال تصرفاتك ومظهرك يحكم على دينك أحياناً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ ))

[ أبو داود عن مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ]

 له ثياب لمهنته وثوب يرتديه يوم الجمعة لأن الجمعة يوم عيد.

 

8 ـ نظافة البيوت :

 أما نظافة البيوت أيها الأخوة:

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ فَنَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ))

[ الترمذي عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَسَّانَ]

 هذا أمر نبوي كريم والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والأفنية جمع فناء وهو بهو البيت وساحته.

 

9 ـ الاقتصاد في استعمال المياه :

 شيء آخر الاقتصاد في استعمال المياه، والمياه شيء ثمين جداً، فالذي يسرف في استعمال المياه بعيد عن توجيهات الإسلام فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ ))

[ ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ]

 ورد في الأثر أيضاً أن النبي توضأ من قعب، فبقيت فيه بقية فقال ردوها لعل الله عز وجل ينفع بها قوماً آخرين. أن تقتصد في استعمال المياه، وأن تعتني بهذه النعمة التي أنعم الله بها علينا هذا جزء من الدين.

 

10 ـ عدم التنفس في الإناء أثناء الشرب :

 أيها الأخوة الكرام:

((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّس ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ ]

 الآن ثبت أن هناك أمراضاً تنتقل بالعدوى عن طريق الزفير، فإذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، أدم القدح عن فيك وهذا من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام الوقائية.

 

11 ـ ألا يبال في الماء الراكد :

 و:

(( عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ))

[ مسلم عن جابر ]

((نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ثُمَّ يُغْتَسَلَ مِنْهُ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 وفي حديث ثالث:

(( لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ ))

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ]

12 ـ ألا يبال على الحجر أو الأرض الصماء :

 شيء آخر أيها الأخوة الكرام: نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يبال على الحجر، حتى لا يتطاير البول عليه فيؤذي الثياب، ونهى عليه الصلاة والسلام عن البول في الأرض الصماء الصخرية لأن البول يرتد إلى ثوب صاحبه، أما الملاعن الثلاث الذي يلعن فيها من يؤذيها:

(( اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَةَ؛ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ ))

[ أبو داود عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]

 مكان ظل ظليل يستظل به المارة، فمن قضى حاجته أو بال في هذا المكان ملعون عند رسول الله، ومن قضى حاجته أو بال في قارعة الطريق ملعون عند رسول الله، هذا الذي يجري الآن في مداخل الأبنية أحياناً إنسان شارد، إنسان بعيد عن كل معاني الإنسانية يقضي حاجته في مدخل البناء وهذا يحدث كثيراً. أيها الأخوة الكرام:

(( عن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ، قِيلَ مَا الْمَلاعِنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ أَوْ فِي نَقْعِ مَاءٍ ))

[ أحمد عن ابْنَ عَبَّاسٍ ]

 أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ، كناية لطيفة عن قضاء الحاجة. أنا أسمع قصصاً قديمة أن أهل دمشق كانوا يشربون من هذه الأنهار مع أنها تبتعد عشرات الكيلو مترات، لا أحد يجرؤ أن يبول في هذه المياه أو أن يلقي بها قذراً بسبب التدين الصحيح، الآن المياه سوداء.
 وفي حديث آخر:

((اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

حقّ الطريق :

 ننتقل إلى الطريق، الطريق مكان عام:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلامِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ))

[ متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]

 بالمناسبة أيها الأخوة الإنسان يتمتع بالعدالة بحقه المدني، هذه العدالة تسقط في حالات ثلاث من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ، المعنى المخالف لو أنه حدثهم فكذبهم، عاملهم فظلمهم، وعدهم فأخلفهم فقد سقطت عدالته، فقد أهليته الدينية، فقد أهليته المدنية، لكن العلماء عدوا حالات كثيرة تجرح العدالة، وجرح العدالة شيء وسقوطها شيء آخر، فمن بال في الطريق جرحت عدالته، من مشى حافياً جرحت عدالته، من أكل في الطريق، من تنزه في الطريق لأنه قد يرى الغاديات والرائحات، من كان حديثه عن النساء وعن أشكالهن وألوانهن، والتطفيف بتمرة، أي ألا تزن وزناً دقيقاً ولو كان بتمرة واحدة، وأكل لقمة من حرام، أي تريد أن تشتري حاجة غذائية فتذوق كمية كبيرة وأنت لا تنوي أن تشتري منها، ومن علا صياحه في البيت، ومن قاد برذوناً أخاف به الناس، ومن أطلق لفرسه العنان، هؤلاء الذين يقودون مركباتهم بسرعات عالية تجرح عدالتهم، عدّ الفقهاء حالات كثيرة تجرح فيها العدالة أما إذا كذب الإنسا،ن أو إذا خان، أو إذا وعد ولم يوف فقد سقطت عدالته.
 أيها الأخوة الكرام:

((.... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلامِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 قال علماء الحديث: كف الأذى باليد واللسان والعين، ألا تنظر إلى عورة، وألا يستطيل لسانك على أعراض الناس وأنت في الطريق، وألا تؤذي أحداً بيدك. والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وإذا جلس الإنسان في الطريق لا يجلس ليكذب، أو ينم، أو يغتاب، أو يتآمر، أو يسخر، هذا كف أذى سلبي، أما كف الأذى الإيجابي فأن تزيح عن الطريق كل شيء يؤذي المارة، قشور بعض الفاكهة - الموز - إقامة الحجر من الطريق، هناك من يضع حجراً عند إقلاع سيارته من الطريق العام، إذا تركوا هذا الحجر قد يسبب حادثاً يذهب ضحيته عشرات الركاب، فأن تكف الأذى عن الطريق أي أن تزيل عن الطريق ما يؤذي المسلمين، الكف السلبي أن تمتنع عن كل شيء يؤذي المسلمين، أما الكف الإيجابي فأن تزيل بيدك من الطريق كل شيء يؤذي المسلمين:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هريرة]

 أي حجر كبير، قشور الفواكه تؤذي المارة هذه إذا أزلتها لك أجر، أما هذا الذي يضعها ولا يعبأ فيقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِنِ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ ثُمَّ قَالَ إِمَاطَتُكَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ وَتَسْلِيمُكَ عَلَى النَّاسِ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَمُبَاضَعَتُكَ أَهْلَكَ صَدَقَةٌ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَقْضِي الرَّجُلُ شَهْوَتَهُ وَتَكُونُ لَهُ صَدَقَةٌ قَالَ نَعَمْ أَرَأَيْتَ لَوْ جَعَلَ تِلْكَ الشَّهْوَةَ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وِزْرٌ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّهُ إِذَا جَعَلَهَا فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهِيَ صَدَقَةٌ ))

[أحمد عن أبي ذر]

 أيها الأخوة الكرام: حديث آخر:

(( الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هريرة]

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ))

[مسلم عن أبي ذر]

 من أماط أذى من طريق المسلمين كتبت له حسنة، ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة ، وكان معاذ يمشي ومعه رجل فرجع فرفع حجراً من الطريق، قال: ما هذا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من رفع حجراً من الطريق كتبت له حسنة ومن كانت له حسنة دخل الجنة ".

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَتْ شَجَرَةٌ فِي طَرِيقِ النَّاسِ تُؤْذِي النَّاسَ فَأَتَاهَا رَجُلٌ فَعَزَلَهَا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتَقَلَّبُ فِي ظِلِّهَا فِي الْجَنَّةِ))

[أحمد عن أنس ]

 هذه أخلاق المؤمنين أيها الأخوة، هذه توجيهات النبي، نظافة البدن، ونظافة الثوب، ونظافة المكان، ونظافة المنزل، ونظافة الطريق، ونظافة السلوك الشخصي، هذه جزء من نمط سلوك المسلم، وحينما يكون المسلمون متقيدين بشرعهم كان لهم حال مع الله غير هذا الحال.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تأثير الإعلام على عقول الناشئة والأطفال :

 أيها الأخوة الكرام : أخ كريم أعطاني فقرةً من مقالة تتحدث عن الإعلام والتنشئة الاجتماعية وجدت فيها فائدةً للمسلمين، أقرأ عليكم بعض الفقرات منها.
 يقول كاتب هذه المقالة: يتمتع الإعلام العصري المتطور، الأجنبي القادر على اختراق الحواجز الحدودية والرقابية لكل مجتمع، وجذب جمهور المتلقين إلى برامجه المتنوعة، يتمتع بسلطة غير مرئية على عقول الناشئة والأطفال- هنا الخطر- الإعلام الأجنبي الذي تأتي به الصحون، هذا الإعلام الأجنبي يتمتع بقدرة على اختراق الحواجز الحدودية والرقابية لكل مجتمع.
 فهو قادر على إكساب الأطفال والفتية نظام قيم واتجاهات ثقافيةً واجتماعية معينة تتناقض مع القيم التي ينشأ عليها المجتمع الإسلامي.
 أيها الأخوة الكرام: الإعلام بوسائله المختلفة - الإعلام الأجنبي - منافس لمؤسسات التنشئة التقليدية في المجتمع كالأسرة والمدرسة، أي ما تبنيه الأسرة وما تبنيه المدرسة وفق خطط، ووفق برامج وأهداف يهدمه الإعلام الغربي عن طريق الصحون ببساطة شديدة.
 أيها الأخوة الكرام: وسائل الإعلام الأجنبية المختلفة فيها قدرة كبيرة على خلق طباعات وعلى الإقناع صراحة أو بشكل مستتر بحيث تتمكن من إدخال جملة من التعديلات على أنماط حياتنا، وسلوكنا، ومخزون أفكارنا، وإن كانت هذه التعديلات لا تمر عادةً بدون مقاومة، ولكن هذه الأخيرة سرعان ما تضعف أمام إلحاحها، وتكرارها، وقدرتها ذات الكفاية العالية والإتقان الممتاز.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الوسائل لأنها تملك قدرةً على الدخول إلى أي بيت ومخاطبة كل فرد بشكل مباشر وببساطة، الأبحاث الاجتماعية دلت على أن الإنسان يكتسب ما يقرب من ثمانية وتسعين بالمئة من معلوماته عن طريق السمع والبصر معاً، وهاتان الحاستان تعتمد عليها وسائل الإعلام الأجنبية اعتماداً كلياً، قال: وإن الإنسان يستوعب خمسة وثلاثين بالمئة زيادةً حينما تكون الصورة مع الصوت مجتمعتين، والاحتفاظ بهذه المعلومات بالذاكرة يزداد خمسة وخمسين بالمئة إذا اجتمعت فيها الصورة والصوت معاً.
 أيها الأخوة الكرام : الشيء الدقيق هذه المحطات الغربية تستطيع أن تكّون قيماً، وأنماطاً سلوكية، وثقافات، وقناعات، وتصورات، تتناقض مع ثقافتنا، ومع ديننا، ومع تاريخنا، ومع قيمنا، إذاً هذا من أكبر الأخطار على النشء والطفولة.
 أيها الآباء: انتبهوا فجأة تكتشف أن هذا الابن ليس ابنك، لا بعقليته، ولا بقيمه، ولا بتفكيره، ولا بمنهجه في الحياة، ما السبب ؟ تلقى هذه التغذية عن طريق أعداء المسلمين، انتبه، ودقق، وتوقف، وتبصر، واعلم أن أثمن شيء في حياتك هو ولدك فإذا خسرته قد يبقى ابنك جسماً، قد تأتيه بالطعام تطعمه، وقد يأكل من مائدتك، ولكن لا ينتمي إلى أصولك، ولا إلى أصول هذه الأمة، ولا إلى أصول دينها العظيم، ولا إلى أصول قيمها الأخلاقية، حينما تسمح لابنك أن يغذى تغذيةً شبه إلحادية أو شبه إباحية، فإن الثمن الذي سوف تدفعه سيكون باهظاً.
 أيها الأخوة الكرام: الشيء الذي لفت نظري أن هذه الوسائل الأجنبية قادرة على أن تبدل قيم الأطفال، قيمهم، وتصوراتهم، وأنماط سلوكهم، وقادرة أيضاً على أن تسلخهم من أمتهم، وأن تجعلهم أناساً يعيشون لشهواتهم، قال تعالى:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

إسهام الإعلانات التجارية في تدمير الإنسان :

أيها الأخوة الكرام: حتى هذه الإعلانات التجارية تسهم بشكل أو بآخر في تكوين شخصية الصغير، يصبح إنساناً استهلاكياً، دخلت امرأة إلى مكان للبيع ضخم جداً قالت: يا إلهي ما أكثر هذه الحاجات التي لا يحتاجها الإنسان.
 الإعلان التجاري يخلق حاجةً عند كل مشاهد يقتني هذا الجهاز، أو هذه الآلة، أو هذه المادة الغذائية، هذا الإعلان التجاري مهمته أن يخلق حاجةً ليس حاجةً حقيقية، ما الذي يحدث ؟ يحدث ثلاث حالات أقرها العلماء في فرنسا، الإنسان الذي يشاهد هذه الإعلانات التجارية أمام ثلاث حالات: الأولى أن يمتنع عن شرائها فيشعر هو وأهله بالحرمان الدائم، والحالة الثانية أن يلغي وقت فراغه فيذهب إلى عمله قبل أن يستيقظ أبناؤه ويعود بعد أن يناموا، حينما يفقد الإنسان وقت فراغه يفقد إنسانيته، الإنسان يعمل ولكن هو بحاجة لوقت فراغ يمارس فيه نشاطه الديني، والثقافي، يجلس مع أهله، أما حينما يلغى وقت الفراغ فتلغى إنسانية الإنسان، فإذا أراد أن يقتني هذه الحاجات التي لا يحتاجها، وعمل عملاً إضافياً فألغى وقت فراغه، ضيع أولاده، وضيع زوجته،ـ الحالة الثالثة أن يمد يده إلى الحرام. أمام هذه الحاجات الملحة إلى شراء هذه الأشياء التي لا نحتاجها أحياناً نقع في ثلاث حالات إما الحرمان الدائم، أو أن تمد اليد إلى الحرام، أو أن يلغى وقت الفراغ وهذه كلها مدمرة للإنسان.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018