الخطبة : 0693 - قوانين القرآن الكريم - جهاز الدوران في الجسم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0693 - قوانين القرآن الكريم - جهاز الدوران في الجسم.


1999-03-19

الخطبة الأولى:
 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

هدف العلوم الوصول إلى القوانين :

 أيها الأخوة الكرام، غاية العلم أن يصل إلى القانون، و القانون هو العلاقة الثابتة بين شيئين، و حينما نصل إلى سنن الله التي سنها، إلى القوانين التي قننها، فقد ملكنا مفاتيح السلامة و السعادة.
 أيها الأخوة الكرام، من ملك القانون استطاع أن يتنبأ بالمستقبل، فحينما تعتقد اعتقاداً جازماً أن المعادن تتمدد بالحرارة، حينما تبني بناءً تجعل فيه فواصل التمدد لئلا يتصدع البناء، ففي ضوء هذا القانون تنبأت أنه في موسم الحر إن لم تدع فواصل تمدد ينهار البناء.
 أيها الأخوة الكرام، هذه مقدمة علمية، هدف العلوم كلها أن تصل إلى القوانين و أرقى ما في القوانين العلاقات الرياضية، إذا قرأنا القرآن و أردنا أن نبحث فيه عن السنن التي سنها الله، عن القوانين التي قننها الله، كيف نصل إلى هذه القوانين ؟ في اللغة العربية أيها الأخوة ما يسمى بأسلوب الشرط، و الشرط حدثان لا يقع الثاني إلا إذا وقع الأول، فإذا قلنا: من يجتهد ينجح، لا يحصل النجاح إلا مع الاجتهاد، و قد رُبط الاجتهاد بالنجاح، فإذا تتبعنا أسلوب الشرط في القرآن الكريم، و لنكتفي بأداة من أدوات الشرط و هي من التي هي اسم شرط جازم، لو تتبعنا الآيات في القرآن الكريم التي تبدأ بمن الشرطية لرأينا فعلين فعل الشرط و جواب الشرط، و لا يقع الفعل الثاني إلا إذا وقع الفعل الأول.

 

طائفة من الآيات القرآنية التي هي مفاتيح السّلامة و السّعادة :

 أيها الأخوة الكرام، مع طائفة من الآيات القرآنية التي هي في الحقيقة قوانين قننها الله و سنن سنها الله و هي مفاتيح السلامة و السعادة، و من أجل أن نضع أيدينا على هذه القوانين ينبغي أن نجمعها، لماذا نتمسك باجتهاد محكمة النقض أحياناً ؟ لأن هذا الاجتهاد يوجه القضاة، لماذا نتمسك بقانون فيزيائي ؟ لأننا نبغي سلامتنا في بنائنا و في آلاتنا و في حركاتنا و سكناتنا، فلماذا لا نتمسك بقانون خالق الكون ؟ بقانون من بيده كل شيء ؟ من بيده مقاليد السموات و الأرض ؟ من إليه يرجع الأمر كله ؟
 أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة البقرة : 62]

 من عرف الله و نقل اهتماماته للدار الآخرة، أيقن أن هذا اليوم واقع لا ريب فيه، و أن في هذا اليوم تسوية الحسابات:

﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة : 62]

 لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، غطت الماضي والمستقبل، لا خوف عليهم في المستقبل و لا هم يحزنون على الماضي، هذه نتيجة من آمن بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحاً، و قوله تعالى:

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة :112]

 هذا الذي ينصاع لأمر الله، يطبق منهج الله، يخضع لحكم الله، آيات كثيرة:

﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة :112]

 بالمقابل:

﴿ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

[ سورة المائدة : 72]

﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾

[ سورة الحج : 31]

﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾

[ سورة النساء : 116]

﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (48)﴾

[ سورة النساء : 48]

 من لوازم الشرك الإثم و العدوان، من لوازم الشرك الهلاك، من لوازم الشرك النهاية إلى النار، هذه قوانين الله أيها الأخوة:

﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾

[ سورة النساء : 123]

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

 أريد أن أقول أيها الأخوة إن زوال الكون أهون على الله من ألا يقع الوعد و الوعيد، من ألا يقع جواب الشرط في هذه الآيات:

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

[ سورة النساء : 123]

 أي سوء ؟ سوء قولي، سوء عملي، سوء آثم، سوء عدواني:

﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾

[ سورة النساء : 123]

 مطلقاً في الدنيا و الآخرة، في الدنيا أو في الآخرة، أو في كليهما:

﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾

[ سورة النساء : 123]

 مهما يكن حوله أقرباء أشداء، أو أتباع مخلصون لا يجد له من دون الله ولياً و لا نصيراً، هذا كلام خالق الكون.

 

الهدى الحقيقي هو معرفة الله عز وجل :

 و قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾

[ سورة الإسراء : 97]

 الهدى الحقيقي أن تعرف الله:

﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ﴾

[ سورة الكهف : 17]

 أيها الأخوة الكرام، إن الهدى هدى الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾

[ سورة الأنعام : 71]

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾

[ سورة البقرة :120]

 هو الهدى الحقيقي و لا هدى سواه، الحق لا يتعدد، لا يقع خطان مستقيمان بين نقطتين إلا فوق بعضهما، الحق لا يتعدد لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة الأنعام :153]

 الضلالات كثيرة، أما الحق فواحد:

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

[ سورة البقرة: 257 ]

 الظلمات جمع، النور مفرد:

﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾

[ سورة الإسراء : 97]

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾

[ سورة الأنعام : 71]

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾

[ سورة البقرة :120]

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾

[ سورة يونس : 32]

﴿ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾

[ سورة يونس : 108]

 عوائد الهدى على الإنسان المهتدي:

﴿ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾

[ سورة يونس : 108]

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

[ سورة الإسراء : 15]

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

[ سورة الإسراء : 15]

 أيها الأخوة الكرام، لو تعاملنا مع القرآن الكريم كما نتعامل مع نص لقوي و يفعل ما يقول لكنا في حال غير هذا الحال، لو تعاملنا مع القرآن كما نتعامل في الدنيا مع نص لإنسان قوي يفعل ما يريد، يفعل ما يهدد، لكنا في حال غير هذا الحال، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُِ ﴾

[ سورة الحاقة : 19-32]

 هذا كلام خالق الكون، هذا كلام من بيده ملكوت السموات و الأرض، هذا كلام من إليه المصير، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[سورة الغاشية:25ـ 26]

طاعة رسول الله عين طاعة الله :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾

[ سورة النساء : 80]

 طاعة رسول الله عين طاعة الله:

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

[ سورة التوبة : 62 ]

 بضمير المفرد الغائب، أي أن إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، و أن إرضاء الله عين إرضاء رسول الله:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾

[ سورة الفتح : 17]

 من يحب العذاب ؟ من يحب عذاب الدنيا الذي هو لا شيء أمام عذاب الآخرة ؟ من يحب الذل ؟ من يحب المرض ؟ من يحب القهر؟ من يحب الفقر ؟ قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة الفتح : 17]

 كلام خالق الكون صيغة قانون، صيغة علاقة ثابتة، صيغة شرطية، هناك فعل شرط و هناك جواب الشرط، و الفعلان متلازمان يقع الثاني إذا وقع الأول:

﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة الفتح : 17]

 الفوز العظيم، النجاح، الفلاح، التفوق بطاعة الله عز وجل مستحيل و من سابع المستحيلات أن تطيعه و تخسر، أو أن تعصيه و تربح، مستحيل أن تطيعه و تذل، و أن تعصيه و تفوز، سبحانك إنه لا يذل من عاديت.

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾

[ سورة النساء : 69]

 هل هناك من رفقة أعلى من أن تكون مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين ؟ ثمن هذه الرفقة في الجنة طاعة الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾

[ سورة النساء : 69]

 من جاء بالحسنة أية حسنة قولية، أو عملية، أو مالية، أو بدنية، ابتسام، ترحيب، أن تميط الأذى عن الطريق، أن تفرغ من دلوك في دلو المستسقي، أن تعين أخاً، أن تكرم أخاً، أية حسنة:

﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة القصص : 84]

من عمل صالحاً فلنفسه و من أساء فعليها :

 أيها الأخوة الكرام، نظراً لحب الإنسان لنفسه، و حرصه على وجوده، و سلامة وجوده، الله جلّ جلاله يطمئننا من حين لآخر قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 15]

 عوائد عملك إليك، لو أن إنساناً وضع في صندوق حديدي معه مفتاحه مبلغاً تلو مبلغ، لمن هذا المال في النهاية ؟ لك، إنك تجمع هذا المال و أنت وحدك المنتفع به، فمن خبأ بعض نقوده في صندوق فهذه النقود له، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

[ سورة فصلت : 46]

﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة غافر : 40]

معرفة القوانين تعين على الرجاء أو الخوف في المستقبل :

 أيها الأخوة الكرام، ويا أيها الأخوة الشباب:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 97]

 شاب نشأ في طاعة الله، شاب ينضبط بمنهج الله، شاب يرجو رحمة الله، شاب يرجو الحلال فقط، شاب يرجو رزقاً حلالاً و امرأة صالحة، هذا الشاب له عند الله معاملة خاصة، و في الجامع الصغير طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تبدأ بكلمة حق، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه، حق الزوج على زوجته، و هناك حديث واحد إذا قرأته اقشعر جلدك، حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 97]

﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً ﴾

[ سورة الكهف : 87]

 إذا قرأت القرآن ابحث عن هذه الآيات، ابحث عن آيات القوانين، ابحث عن آيات السنن، هذه مفاتيح السلامة و السعادة، هذه مفاتيح الجنة، من خلال هذه الآيات يمكن أن تتنبأ لا عن علم غيب معاذ الله و لكن عن معرفة بالقوانين، قد تجد شاباً لا يملك شيئاً إلا أنه يطيع الله، تنبأ له بمستقبل زاهر، بمستقبل راق، و قد تجد إنساناً غارقاً في المعاصي و هو من القوة بمكان و من الغنى بمكان تنبأ له بتأديب من الله شديد، معرفة القوانين تعين على الرجاء أو الخوف في المستقبل.

 

الفرق بين المجرم و المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾

[ سورة طه : 74]

 و هذا من أشدّ أنواع العذاب، لا موت و لا حياة، كما يقاس عليها لا سلم و لا حرب، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾

[ سورة طه : 74]

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

[ سورة مريم : 60]

 دقق من تاب و آمن و عمل صالحاً قال:

﴿ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾

[ سورة القصص : 67]

 لمَ جاءت كلمة عسى ؟ لضمان سلامة النية، لضمان سلامة القصد:

﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 81]

 كسب سيئة باختياره، أرادها و لم يندم عليها، و لم يتب منها، و أصرّ عليها، و افتخر بها، و مات على هذه الحال، قال تعالى:

﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 81-83]

 هذه الآية تفسر ما هم عليه أعداء الإنسانية الذين يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة البقرة : 126]

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء : 77]

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

[ سورة آل عمران: 196]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 42]

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾

[ سورة البقرة : 126]

 لا تغتر بما هم عليه الطغاة في العالم الذين يبنون مجدهم على أنقاض الشعوب، و يقصفون الشعوب الآمنة كل يوم، هؤلاء لا تحسبن الله غافلاً عنهم.

 

الخزي و العذاب الشديد جزاء من يقبل الإسلام كمظاهر و يرفضه كمنهج :

 أيها الأخوة الكرام، هؤلاء الذين يأخذون من الإسلام ما يعجبهم و يدعون ما لا يعجبهم هؤلاء ذكرهم الله عز وجل فقال:

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 85]

 إذا شعر الإنسان أنه في وضع حرج، له عدو يقهره لا يستطيع منه فكاكاً، لعل هذه الآية تنطبق عليه، أفتؤمنون ببعض الكتاب؟! الإسلام كمظاهر، كفولكلور، كعادات مقبول، أما كمنهج فمرفوض إذا كنا كذلك الله عز وجل توعد من يفعل ذلك ممن أوتي الكتاب قال تعالى:

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة البقرة : 85]

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

[ سورة النساء : 85]

 لا تعن على معصية، لا تعن على إثم، لا تعن على علاقة آثمة، لا تعن على علاقة ربوية، لا تعن على علاقة عدوانية، لا تعن على معصية، لا تعن على فسق، لا تغري الناس بالدنيا، لا تفسد أخلاقهم، لا تكن سبباً قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾

[ سورة النساء : 85]

 أصغر شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح، كن همزة وصل لا همزة قطع، كن سبباً لخير لا سبباً لشر، الخير بيدي و الشر بيدي فطوبى لمن قدرت على يده الخير، و الويل لمن قدرت على يده الشر، من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا و الآخرة، إن أردت الدنيا من الطريق المشروع فلك الدنيا و الآخرة، من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، و من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

[ سورة الإسراء : 18-19]

 هذا كلام خالق الكون، هذه آيات القوانين، هذه آيات السنن، هذه الآيات التي صدرت باسم شرط جازم، بعده فعلان فعل الشرط و جواب الشرط، و لا يقع الفعل الثاني إلا إذا وقع الأول، و إذا وقع الأول يقع الثاني حتماً.

 

من حمل إنساناً على طاعة الله فكأنما أحيا الناس جميعاً :

 أيها الأخوة الكرام، هذه النفس البشرية إذا دللتها على الله، إذا حملتها على طاعة الله، إذا زكيتها بالاتصال بالله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

[ سورة المائدة: 32 ]

 الإنسان إذا عرف الله يسعى في أسرته، يسعى في أخوته، و أخواته، و أولاد أخوته، و أولاد أخواته، و في أقربائه، و جيرانه، و زملائه، و من حولهم، أنت إذا أكرمك الله بأن قدّر على يدك هداية رجل فهذا الواحد سيكون أمة من بعد حين.

 

من حارب الله و رسوله فله نار جهنم خالداً فيها :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

[ سورة التوبة : 63]

 هذا الذي يقف في خندق معارض للدين، يقف في خندق معاد للمؤمنين، هذا الذي يحارب الله و رسوله، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التوبة : 63]

 أيها الأخوة الكرام، قد ترفض شيئاً لأنه صغر في نظرك، لأنه لا يعجبك، لكنك إذا رفضت الدين تحتقر نفسك، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

[ سورة البقرة : 130]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 إن ارتددت عن الدين فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه، بالمعنى الواسع لو أعرضت عن الدين، لم ترد أن تكون على منهج الله، لم ترد أن تكون من أهل الإيمان، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه.

 

طاعة الله و الافتقار إليه يرفعان الإنسان عند الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 90]

 يتقي ويطيع الله عز وجل و يصبر، و لا بد من جهد تبذله من أجل طاعة الله، لأن التكليف يعني بذل الجهد، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 90]

 كل شيء بحساب دقيق.
 أيها الأخوة الكرام، هناك حاجات أساسية في الإنسان، الأولى: الطعام و الشراب ليضمن بقاء وجوده، و الثانية: محبة الطرف الآخر ليضمن بقاء نوعه، و الثالثة: محبة الذكر، من أراد العزة، من أراد أن يرفعه الله فعليه بالطريق المشروع، بطاعة الله، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾

[ سورة فاطر : 10]

 اطلبها بطاعة الله، اطلبها بالعمل الصالح، اطلبها بالافتقار إلى الله، اطلبها ببذل الجهد في سبيل الله، يرفعك الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح: 1-4]

و كل مؤمن له من هذه الآية نصيب بقدر إخلاصه و استقامته.

 من طبق القرآن سلم و سعد في الدنيا و الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات : 40-41]

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-7]

 قانون التيسير و التعسير، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 8-10]

 بين يديك قوانين، علاقات ثابتة، بين يديك حقائق من عند خالق الأكوان، هذه مفاتيح السلامة و السعادة، تدبر هذه الآيات، تأملها ملياً، تفهمها، اجعلها منهجاً في حياتك، تحرك وفقها، تقطف ثمارها، لأنها تأخذ صيغة القوانين، هذه كلمات الله و لا مبدل لكلمات الله، و لن تجد من دونه ملتحداً.
 أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل أمرنا فقال:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد : 24]

 فينبغي أن نقرأ القرآن بتمهل، أن نقرأه بتعقل، أن نقرأه بتدبر، أن نقرأه بتفهم، أن نعمل به، أن نطبقه حتى نسلم و نسعد في الدنيا و الآخرة.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جهاز الدوران في الجسم :

 أيها الأخوة المؤمنون، آيات الله في الكون، وآيات الله في النفس أوسع باب ندخل منه على الله، و أقصر طريق إلى الله، لأن هذه الآيات تضعك أمام عظمة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 21]

 من آيات الله الدالة على عظمته نظام نقل الدم في الجسم، فالكائن الحي أيها الأخوة بحاجة إلى الغذاء من أجل نشاطاته الحيوية، و من أجل ترميم خلاياه التالفة، لابد له من غذاء، و نقل الغذاء من خارج الكائن الحي إلى داخله يتولاه جهاز الهضم، ثم نقل ملخص جهاز الهضم- خلاصة جهاز الهضم هذا الطعام - إلى كل خلية في الجسم هذا من مهام جهاز الدوران.
 أيها الأخوة الكرام، في الكائنات الراقية المعقدة تعقيداً إعجازياً و الإنسان في رأسها هذا النقل يتم في دارة مغلقة، جهاز الدوران دارة مغلقة، و من أجل أن يسري الدم في الأوعية لابد من مضخة تدفعه في هذه الأوعية، و لابد لهذه المضخة من دفع و من سحب.
 أيها الأخوة، جهاز الدوران عبارة عن شرايين و شرايين فرعية، و أوعية و أوعية فرعية، و أوعية شعرية و أوعية شعرية دقيقة جداً، تغطي كل مساحات الجسم، ثم هذه الأوعية الشعرية الدقيقة جداً تتصل بأوعية شعرية وريدية، وتعود إلى وريد صغير فأكبرَ فأكبر إلى القلب.
 أيها الأخوة، الشيء الذي لا يصدق أن عدد الأوعية الشعرية في الجسم من مئة إلى مئة و ستين مليار وعاء شعري، بحيث بأي مكان لو غرزت دبوساً خرج الدم، طول هذه الأوعية في جسمك مئة و خمسون كيلو متراً، يمر عبرها من سبعة إلى عشرة لترات، الكرية الحمراء لو تتبعناها تنطلق من القلب و تعود إليه في ثلاث و عشرين ثانية، و الدم يدور في الأوعية في اليوم ثلاثة آلاف و سبعمئة مرة، و هذه الأوعية يجري عبرها في اليوم من سبعة إلى عشرة أطنان من الدم، لو كان للأوعية دخول وخروج لعبر من خلالها في اليوم من سبعة إلى عشرة أطنان، القلب يضخ في اليوم ثمانية أمتار مكعبة، و كل متر مكعب يقابل طناً تقريباً.
 أيها الأخوة الكرام، خلال عمر يسري عبر الأوعية من مئة و خمسين إلى مئتين و خمسين ألف طن، لو أن القلب مضخة لها فتحة دخول و خروج لملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم في عمر ستين عاماً، و لو عبرنا عن جهد القلب جهد القلب في الإنسان يكفي لدفع قطار في طريق صاعد إلى قمة أربعة آلاف و ثمانمئة متر، من صفر إلى أربعة آلاف و ثمانمئة متر قطار بأكمله، القلب في خلال عمر ستين عاماً يدفع هذا القطار إلى أعلى، قال تعالى:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة لقمان : 11]

((إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ البخاري عن النعمان بن بشير]

 أيها الأخوة الكرام، هذه بعض الحقائق البديهية عن جهاز الدوران في جسم الإنسان.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، و من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، و من شماتة الأعداء، و من السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانتين، و لا تهلكنا بالسنين، و لا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018