الخطبة : 0802 - جهنم من خلال الكتاب والسنة الصحيحة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0802 - جهنم من خلال الكتاب والسنة الصحيحة .


2001-08-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

على الإنسان أن يزحزَح عن النار قبل أن يفكر بالجنة :

 أيها الأخوة الكرام، في القرآن الكريم قوله تعالى: يصف أنبياءه الكرام:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾

[ سورة الأنبياء : 90]

 الأنبياء قمم البشر، يدعونه رغباً ورهباً، فكأن الله جلّ جلاله من خلال هذه الآية يبين أنه لابد من أن يستقر في قلبك خوف من الله، من خلال بلائه، ولابد من أن يستقر في نفسك حب لله من خلال نعمائه، ولابد من أن يستقر في قلبك تعظيم لله من خلال آلائه، ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.
 لذلك أيها الأخوة ليس من الحكمة أن نتحدث عن الجنة فقط، لابد من حديث وقد يكون مؤلماً عن النار، لابد من جولة في جهنم من خلال آيات القرآن الكريم فقط، والسنة الصحيحة، لابد من جولة، هذه النصوص التي جاءت في كتاب الله والتي تتحدث عن النار لماذا؟ أليس من أجل أن نقرأها، أليس من أجل أن نخاف؟ إذاً جزء من الدعوة أن تأخذ الجانب المخيف حينما يدير الإنسان ظهره لهذا الدين، فهذه الخطبة لعلها الجرعة الخامسة، والجرعة مرة، ولكن تحملوا، وأنا أتحمل معكم أيها الأخوة، لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هذا الذي يتوهم أنه من أهل الجنة، وأنه واصل إليها لا محالة، وبينه وبينها ما بين المشرق والمغرب، كان من الممكن أن يقول الله عز وجل فمن أدخل الجنة فقد فاز، لا، قال:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

 قبل أن تفكر بالجنة ينبغي أن تفكر أن تُزحزَح عن النار، موضوع هذه الخطبة جولة في جهنم من خلال آيات القرآن الكريم، ومن خلال السنة الصحيحة.

 

ضعيف الإدراك هو الإنسان الذي لا يتأثر بآيات الوعيد :

 شيء آخر، أنت في حياتك الدنيا تتعامل مع القوي تعاملاً واضحاً، عندما اقتضت مصلحة الوطن أن يمنع إخراج العملة الصعبة، وقد وضع عقاب يقترب من عشرين سنة لمن يحول عملة صعبة، أبلغني أحد الأخوة التجار أن ألفي مستورد تركوا هذه الحرفة، انسحبوا من الاستيراد خوفاً من العقاب الأليم، فلماذا الإنسان عندما يتعامل مع الله عز وجل لا يعبأ بآيات الوعيد؟ لماذا تعبأ بوعيد إنسان وترتعد مفاصلك منه ولا ترتعد لوعيد الله عز وجل؟ أليس هذا من ضعف الإيمان؟ أنت حينما ترى قوياً تنصاع لأمره، وترجو النجاة من عقابه، فإذا أمرك خالق الأكوان، مبدع الأرض والسماء ذكر لك آيات كثيرة جداً وأنا أستعرض بعضها اليوم لا تنصاع، هذه نقطة ثانية.
 النقطة الثالثة: كم يضجر الناس اليوم من هدم البيوت كما تسمعون، ومن تقتيل الأطفال، ومن الجفاف والحر، ومن التلوث والفساد والقلق.

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

 سترون بعد أن نصل لنهاية هذه الخطبة أن قول الإمام علي كرم الله وجهه ينصح ابنه قال: " يا بني ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية" .
 المؤمن الصادق لا تغمض له عين إلا إذا طمأنه الله أن له عنده شيئاً، يقلق قلقاً مقدساً، هذا القلق مقدس، قال أحد التابعين: التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يخشى أنه منافق.
 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر، هذا الذي يقرأ القرآن ولا يعبأ بهذا الوعيد من هو؟ هو ضعيف الإدراك !
 أرأيت إلى طفل رضيع تضعه في حقل ويمشي إلى جانبه ثعبان، لو رآه رجل لخرج من جلده خوفاً، يضع يده عليه لماذا؟ لأنه لا يدرك، هذا الذي يقرأ آيات الوعيد ولا يتأثر ولا يخاف ضعيف الإدراك ليس من بني البشر بل هو ميت.

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

[ سورة النحل : 21]

الجنة لا تنال إلا بعد النجاة من النار :

 أيها الأخوة الكرام: مهما عظم عذاب الدنيا إنه دون عذاب النار، لذلك الأولى ألا نقلق من شدة الحر، وألا نقلق من شدة الكساد، وألا نقلق من التلوث، وألا نقلق من القلق والخوف، يجب أن نقلق على مصيرنا الأبدي، إذا قلقنا على المصير الأبدي واصطلحنا مع الله، لعل الله عز وجل يرحمنا في الدنيا.
لذلك أيها الأخوة، الحقيقة الأولى: يجب أن نعقد العزم وكل العزم على أن يكون الفرار من النار مقدماً على طلب الجنة، لأن دفع المفاسد وهذه قاعدة أصولية مقدم على جلب المصالح، فكيف إذا كانت هذه المصالح لا يتوصل إليها إلا بدفع هذه المفاسد؟
 أيها الأخوة الكرام، الجنة لا تنال إلا بعد النجاة من النار، وهذا منطوق الآية الكريمة:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

 طبعاً نحن لم نر النار، لا يقظة ولا مناماً، ولكننا سمعنا بها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه رآها رأي العين، النبي رأى الجنة والنار رأي العين.

﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

[ سورة النجم: 18]

 وهناك أحاديث كثيرة جداً تتحدث عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه الصادق المصدوق، ولأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ينبغي أن نصدق ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام.

((... نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا ))

[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]

 ما معنى ذلك؟ أي أنت أيها المسلم تحتاج إلى شحنة روحية، تحتاج إلى شحنة أسبوعية. من ترك الجمعة ثلاث مرات من دون عذر نكتت نكتة سوداء في قلبه، هذه خطبة الجمعة هي الحد الأدنى، هي الشحنة الأدنى التي يمكن أن تمدك بشيء من العلم والحال إلى الأسبوع القادم.

 

جولة في النار التي وعد الله بها العصاة والكافرين :

 أيها الأخوة الكرام، حينما يصف النبي النار كما قلت لكم في الأسبوع الماضي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ...))

[ مسلم عن جابر بن عبد الله ]

 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ))

[النسائي عن جابر بن عبد الله ]

 لابد من جولة في هذه التي وعد الله بها العصاة والكافرين، أول شيء في هذه الجولة: كان عليه الصلاة والسلام يقول: "هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها".

[ اختصار الصابوني]

 بئر لا قرار لها.

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾

[سورة ق: 30]

 وقد يظن من كثرة ما يلقى فيها من الجن والإنس يصبحون طبقات بعضهم فوق بعض، وألا متسع في داخلها لمزيد من الأفواج، لذلك يقول الله عز وجل لجهنم:

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾

[سورة ق: 30]

 قال تعالى:

﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾

[سورة الشعراء: 94-95]

وقفة متأنية عند كلمة المساكين :

 النبي عليه الصلاة والسلام يحدثنا عن النار التي رآها رأي العين يقول عليه الصلاة والسلام:

((اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ))

[البخاري عن ابن عباس]

 وقال أيضاً:

((قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ))

[البخاري عن أسامة بن زيد]

 أيها الأخوة، لابد من وقفة متأنية عند كلمة المساكين: ماذا نفعل بالحديث الشريف الصحيح؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ...))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 المال قوة، والعلم قوة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ...))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 فما شأن هؤلاء المساكين؟ لعل الله عز وجل يكشف للإخوة الكرام حقيقة المسكين، إذا كان طريق القوة سبب المعصية لله فالمسكنة شرف المؤمن، وسام شرف على صدره، إذا كان طريق القوة محفوفًا بالمعاصي والآثام والنفاق والكذب والدجل فمرحباً بالضعف، مرحباً أن أكون ضعيفاً، وأن أكون مستضعفاً، وأن أكون مسكيناً، وإذا كان طريق الغنى محفوفاً بالمعاصي والآثام والكذب والنفاق والغش وما إلى ذلك، والإضرار بالمسلمين، إذا كان طريق الغنى محفوفًا بالمعاصي فالفقر وسام شرف على صدر المؤمن، إذا كان طريق القوة ثابتاً وفق منهج الله المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، وإذا كان طريق القوة سالكًا وفق منهج الله فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، أما إذا كان طريق القوة وإذا كان طريق المال محفوفين بالمعاصي والآثام فمرحباً أن أكون فقيراً ضعيفاً مستضعفاً، لأنني نجوت من عذاب النار. إذا جاءت كلمة المساكين وأثنى الله عليهم، هؤلاء الذين ألجمهم الخوف من الله، هؤلاء الذين حجزتهم خشية الله من أن يقترفوا المعاصي من أجل المال والقوة.

 

النار آية من آيات الله الكبرى :

 أيها الأخوة الكرام، النار واحدة من آيات الله الكبرى.

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيراً لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾

[ سورة المدثر : 32-37]

 واحدة من آيات الله الكبرى، وقال تعالى:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾

[ سورة الكهف : 29]

 أيها الأخوة الكرام: لو أننا جلسنا نتحدث عن آيات النار لكانت جلسة إيمان، الخوف من النار طريق إلى الجنة، وقال عليه الصلاة والسلام:

((ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء))

[ البخاري عن ابن عباس]

 وفي حديث آخر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ قَالَ: فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بصلاة الفجر، بغض البصر، بإنفاق المال، بضبط اللسان، بالجهاد في سبيل الله:

((....فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، قَالَ: اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بالتفلت، والاختلاط، والنساء الكاسيات العاريات، والأفلام الماجنة، والسياحة الجنسية:

((فَقَالَ ارْجِعْ إِلَيْهَا فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ، فَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا، وَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ سَمُومِهَا))

[ابن ماجة عن أبي هريرة]

 لا نحتمل أربعين درجة، وفي الست والأربعين نكاد نخرج من جلودنا، فكيف بالنار التي تلقى فيها الشمس وكأنها حجر، والشمس حرارتها تقدر بعشرين مليون درجة في نواتها؟

 

عذاب أهل النار لا ينقطع أبداً :

 أيها الأخوة الكرام، هذه النار لا تفنى ولا تذوب بل هي باقية وخالدة خلوداً لا خلود له، ولا انقطاع له، وأهلها الذي هم أهلها باقون فيها معذبون عذاباً لا ينقطع أبداً، نعوذ بالله من أحوال أهل النار.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 قال تعالى:

﴿) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة هود : 106-107]

 وقال:

﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾

[سورة طه : 74]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾

[سورة البقرة : 161-162]

 وقال أيضاً:

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة : 37]

 هذا كلام رب العالمين، أيعقل أن يكون هذا الكلام كلاماً لا معنى له؟ أيعقل أن تكون جهنم على عكس هذا الكلام؟ أيعقل أن يقول الله كلاماً لا يعنيه؟ أيعقل أن تكون هذه الآيات بلا معنى وبلا هدف؟ وقال تعالى:

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾

[سورة الأعلى : 9-13]

 لا يموت موتاً يستريح فيه من العذاب، ولا يحيا حياة نافعة صالحة، بل عذاب دائم يصبح الموت معه أكبر الأماني ولكنه لا يكون. قال تعالى:

﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾

[ سورة الزخرف : 77]

﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

[سورة الزمر : 72]

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾

[سورة فاطر: 36]

 أيها الأخوة الكرام، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ ))

[البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

 أيها الأخوة الكرام، هذه النار المخلوقة الموجودة الآن لا يبلغ العقل معرفة اتساعها، فإن الشمس والقمر والنجوم أحجار صغيرة في وسطها إنها محرقة هائلة تلقى فيها النجوم والشموس كما تلقى الأحجار الصغيرة في البئر العظيمة.

 

النار كما وصفها الله تعالى و نبيه الكريم :

 أيها الأخوة الكرام، هذه النار كما وصفها النبي عليه الصلاة والسلام خلقت على شكل بئر مطوية، ربما لا يبدو للناظر إليها وهو خارج عنها من فوقها إلا سورها، أو سرادقها المحيط بها، وأبوابها السبعة المقامة على سورها، أو المنصوبة على أطرافها، وأما هي فتذهب عمقاً إلى قعر لا قرار له، إذا ألقي الحجر العظيم من شفيرها يظل يهوي سبعين عاماً لا يبلغ قعرها، وفي هذه المحرقة الهائلة جبال، وفي هذه الجبال من الكهوف والمغارات والوديان والشعاب تهاويل وتهاويل لا يبلغ العقل عدها ولا حصرها، وتجري في جبالها وسهولها وقيعانها أنهار القيح والصديد، وما يسيل من أجساد أهل النار وما ينفجر من بطونهم وأمعائهم، الآية الكريمة:

﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾

[سورة محمد: 15]

 لو يعلم المؤمن ما ينتظر الكافر من العقاب لعد للمليار قبل أن يعصي الله، وقبل أن يأكل قرشاً حراماً، قبل أن يغش المسلمين، قبل أن يحلف يميناً كاذبة، قبل أن يطلق امرأته طلاقاً تعسفياً، قبل أن ينهب شركة من صاحبها، قبل أن يغتصب داراً، قبل أن يغتصب أرضاً، قبل أن يمتع نفسه بما لا يجوز، لو علم ما في النار من عذاب مقيم لعدّ المؤمن للمليار قبل أن يفكر في معصية، قال: من هذه الجبال والوديان تتفجر أنهار من ماء كدر نتن بلغ غايته وحده في الحرارة، إذا قربه المعذب من وجهه شوي وجهه وتساقط جلد وجهه فيه، نعوذ بالله من عذاب النار.

﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾

[سورة الكهف: 29]

 والمهل هو الرصاص المذاب، أو كل معدن مذاب، وقد قال العلماء: في النار كل أسباب الموت ولا موت !

﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

[ سورة غافر : 76]

 وفي آية أخرى:

﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾

[ سورة إبراهيم: 17]

 إن حرها يقتل ويميت، وفي لحظة واحدة، إن الله كتب على أهلها أن يذوقوه ولا يموتوا، وكذلك ماؤها الذي يقطع الأمعاء، يقتل لو لم يكتب الله البقاء السرمدي لأهلها، وكذلك لدغ حياتها، وأكل زقومها، وقرع ملائكتها وضربهم أهلها بمقامع من حديد، لو ضرب بها أعظم جبال الأرض ضربة واحدة لدك بساعته، وأصبح كثيباً مهيلاً، ثم الغم الشديد الذي يفجر القلب ويفجر اليأس في القلب، وهذا اليأس يقطع الأمل، وكل هذه أحوال قاتلة مميتة، ولكن المعذب بها من أهل النار، نعوذ بالله من هذا العذاب:

﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾

[ سورة إبراهيم: 17]

العاقل من يسمع و يستجيب لآيات الله قبل أن يصاب بالندم :

 ليس من شأن الله أن يبالغ ويكون كلامه مبالغة، هذه حقيقة، هؤلاء الذين يقتلون الناس، يستبيحون أعراضهم ودماءهم، ينهبون أراضيهم، يهدمون بيوتهم، هؤلاء الذين يقتلعون الأشجار، هؤلاء الذين يتجبرون في الأرض، هؤلاء الطغاة الذين يعيشون على أنقاض الآخرين، يغتنون على إفقارهم، هذه النار هي مصيرهم ومأواهم، وكفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله.

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾

[سورة القمر: 47]

 أيها الأخوة الكرام:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾

[سورة غافر: 49-50]

 لا تستخف بنصيحة أُسديت إليك، لا تستخف بخطبة أُلقيت على مسامعك، ولا بشريط سمعته، ولا بكتاب قرأته، ولا بواعظ وعظك، هذه نذر وآيات وسوف يذوب الإنسان يوم القيامة ندماً ليته سمع واستجاب وتاب.

 

النار للكافر أرحم من الشرب الذي يشربه و الأكل الذي يأكله :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 74-75]

 أي متحيرون يائسون منقطعو الرجاء والأمل، طعام أهل النار عذاب، وشربهم عذاب، إن أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها نعوذ بالله من هذا العذاب يأكلون فيها ويشربون، ولكنهم يعذبون بالطعام والشراب عذاباً كعذاب النار أو أشد ومع أنهم يعذبون بالطعام الذي يشربونه وبالشراب الذي يشربونه إلا أن الجوع والعطش الشديد يلجئانهم إلى هذا الأكل والشرب الذي هو نوع من العذاب ! إليكم الآيات أيها الأخوة:

﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴾

[ سورة الصافات: 64-68]

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴾

[سورة الواقعة: 51-56]

 فإذا أرادوا أن يشربوا وهم في عطش شديد.

﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾

[سورة محمد : 15]

﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴾

[سورة الواقعة : 54-55]

 الناقة العطشى، قال: هذا الماء خبيث منتن الرائحة، قد بلغ غايته في الغليان، إلا أن المعذب يشرب منه شرب الناقة الهيماء، التي يصيبها داء في جوفها تشعر بلهيب في بطنها، فتعب من الماء ولا ترتوي.

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴾

[سورة الواقعة: 51-55]

 الناقة التي في بطنها مرض تشرب ولا ترتوي.

﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ ﴾

[ سورة الرحمن : 43-44]

 هو في النار يرى أن النار أرحم من الشرب الذي شربه، هو في عطش شديد يشرب فيزداد عذاباً فيعود إلى النار، آية أخرى:

﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾

[سورة ص: 54-57]

 أيها الأخوة الكرام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 102]

 أيها الأخوة، للموضوع تتمة إن شاء الله، هناك العذاب النفسي، هذه آيات كريمة، وتلك أحاديث شريفة، وكلها في الصحاح، والله عز وجل لا يمكن ولا يعقل أن يقول كلاماً لا معنى له، أو أن يقول كلاماً لا يريد مضمونه، أو أن يبالغ، هذه كلها حقائق، فالناس في غفلة وفي معصية وفي انحراف نرجو الله سبحانه وتعالى أن يقينا من عذاب النار.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عقاب المؤمن العاصي عند الله :

 أيها الأخوة الكرام، للعذاب النفسي موضوع آخر إن شاء الله نأتي عليه في وقت آخر، ولكن هذا المؤمن الذي يعصي الله عز وجل، المؤمن الذي يموت على الإيمان إذا كان قد ارتكب في حياته معصية دون الكفر والشرك المخرج من الملة فإن له حالتين: إما أن يكون قد تاب من معصيته في حياته، وإما أن يكون مات غير تائب منها، فإن كان قد تاب منها في حياته توبة نصوحة، قبلها الله منه، فإنه يعود كمن لا ذنب له، فلا يطالب بمعصيته هذه في الآخرة، وأما إذا كان قد مات غير تائب من معصيته فإن له أحوالاً، الحال الأول: أن يتجاوز الله عنه إحساناً منه وفضلاً ومنة، كما جاء في حديث ابن عمر رَضِي اللَّه عَنْهمَا إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى: فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ

[ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِيـنَ

[ ))

[البخاري عن ابن عمر رَضِي اللَّه عَنْهمَا]

 هذا الموقف الأول، ومنا من تكون له حسنات كثيرة تربو على هذه السيئات فيتجاوز الله عنه ويسامحه في سيئاته لزيادة الخير الذي عنده قال تعالى:

﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة الأعراف : 8]

 وقال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾

[ سورة القارعة : 6-9]

 وإما من يشاء الله سبحانه وتعالى أن يعاقبه فعقوبته إما أن يعذب بها في القبر، أو في الموقف يوم القيامة، أو في نار جهنم، ثم تتداركه رحمة الله عز وجل فينصرف إلى الجنة، مادام قد مات على الدين والإيمان، ولم يكن من أهل الكفر الخارج عن ملة الإسلام.
 أيها الأخوة الكرام، هؤلاء المؤمنون العصاة الذين يموتون يوم يموتون وقد فعلوا معاصي لم يتوبوا منها، أو لم تقبل توبتهم فيها، أو ماتوا يوم ماتوا عليها كمن مات وهو يزني، أو يسرق، أو وهو فار من الزحف، أو هو يأكل الربا، أو ماتوا وهم يعملون ما دون ذلك من المعاصي والسيئات.
 في ختام هذه الخطبة: الذنب والوعيد محققان، والتوبة والمغفرة مظنونتان. أيها الأخوة الكرام، إني داع فأمّنوا:

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا به مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذّل إلا لك، ونعوذ بك من عضال الداء، وشماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اللهم اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وفي جنوبها، وفي الأراضي المحتلة يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018