الخطبة : 0846 - محكمات الكتاب 1 - المحكمات المتفق عليها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0846 - محكمات الكتاب 1 - المحكمات المتفق عليها.


2002-08-09

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر، مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

المحكمات أصول ثابتة و ينبغي أن تكون محل اتفاق :

 أيها الأخوة المؤمنون: عقب الخطبة السابقة سألني أحد الأخوة وكانت الخطبة عن عالمية الإسلام وعن عولمة الغرب، قال: كيف تقول عالمية الإسلام والمسلمون مختلفون فيما بينهم؟ كيف يكون دينهم على مستوى العالم وهم ليسوا على اتفاق في البلدة الواحدة؟ فكان الرد على هذا السؤال هذه الخطبة.
 أيها الأخوة المؤمنون: في الدين شيء اسمه محكم، المحكم محفوظ ولا يمكن تغييره ولا تبديله، ليس بمنسوخ، ثابت لا يتغير ولا يبدل، واضح، بيّن، مفسر، لا خلاف فيه، ولا غموض، ولا خفاء.
 أيها الأخوة الكرام: هذا المحكم وجمعه محكمات هو الذي ينبغي أن يجتمع عليه المسلمون، هذه المحكمات أصول ثابتة، مراجع يرجع إليها، يعاد إليها كل ما خرج منها، يتفرع عنها أشياء كثيرة، هذه المحكمات هي التي ينبغي أن تكون محل اتفاق وليس غيرها.
 أيها الأخوة الكرام: لقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم، وأجمع السلف الصالح على وجوب عبادة الله، وعلى تحريم الكفر والشرك والنفاق، وعلى تحريم الظلم والربا والفواحش، وأجمعوا على أركان الإسلام الخمسة المعروفة، وأصول الإيمان الستة المعروفة، وأجمعوا على منهيات ثابتة كحديث السبع الموبقات، واتفقوا على ما تتحقق به مصالح المسلمين، المحافظة على الدين، والمحافظة على النفس والعرض والمال والعقل.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الأمور متفق عليها من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، هذه الأمور ليست محل اختلاف، هذه تجمعنا ولا تفرقنا، توحدنا ولا تفرقنا، تجمع قوانا ضد أعدائنا، فما لم يكن في الإنسان حدّ أدنى من الإخلاص لهذا الدين، وما لم يكن في الإنسان حدّ أدنى من حمل هموم المسلمين، وما لم يكن في الإنسان حدّ أدنى من الغيرة على هذا الدين فهو يشق جماعة المسلمين.
 الصحابة الكرام والسلف الصالح والعلماء العاملون وأولياء الله الصالحون مجمعون على هذه الأصول، وهي ليست محل نزاع ولا اختلاف، إنها واضحة وثابتة ولا تتبدل ولا تتغير ولا تعدل ولا يطرأ عليها شيء من كل ذلك.

آيات من المحكمات المتفق عليها :

 أيها الأخوة الكرام: كما قلت قبل قليل المصالح الخمسة التي جاءت في هذا الدين، والتي علمت منه بالضرورة الحفاظ على الدين، والحفاظ على الأنفس، والعقول، والأعراض، والأموال، بهذه المقاصد الخمسة تتحقق مصالح المسلمين في الدنيا والآخرة.
 إليكم الأدلة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الصَّحِيفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَاتِ [ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ]الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ [ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ]))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 هذه الآيات من المحكمات المتفق عليها.
 عن كعب الأحبار أنه قال: كان أول ما نزل من التوراة عشر آيات هي العشر التي أنزلت في آخر سورة الأنعام والتي تسمى عند أهل الكتاب بالوصايا العشر، وهذه الوصايا العشر في القرآن الكريم .
 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ: ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ )
 وفي سورة الإسراء آيات محكمات سأتلو عليكم بعضها:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً * وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً * وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً *وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً * وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ﴾

[سورة الإسراء: 23-38]

 أيها الأخوة الكرام: وهذا المقطع من سورة الإسراء فيه محكمات الدين.

المحكمات التي اتفق عليها الصحابة الكرام :

 لو صنفنا الآيتين في بنود عشرة أولاً: وجوب عبادة الله، وتحريم الشرك به، وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما، وجوب حفظ النفس وتحريم القتل بغير حق، تحريم الفواحش ما ظهر منها كالزنى والخمر، وما بطن كالكبر والحسد والبغي، وحفظ المال وأداء الحقوق فيه للمحتاجين، ومن ذلك عدم العدوان على مال اليتامى وغيرهم، ووجوب الوفاء بالعهد والميثاق سواء كان عهداً مع الله تعالى أو عهداً مع خلقه، ووجوب العدل، وهذا من أعظم الأصول في الأقوال والأعمال، ووجوب الوزن بالقسط.

﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 9]

 تحريم الكبر، وتحريم الأخلاق المذمومة بعامة، والأخلاق المذمومة تعرف بالشريعة وبالعقل وبالفطرة، وجوب اتباع صراط الله المستقيم وتجنب السبل المضلة.

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

[ سورة الأنعام: 153]

 ترك الإنسان ما ليس له به علم، واستشعار الإنسان المسؤولية عن السمع والبصر والفؤاد واللسان.

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾

[ سورة الإسراء: 36]

 هذه المحكمات التي اتفق عليها الصحابة الكرام، والسلف الصالح، والعلماء العاملون، وأولياء الله الصالحون، ليست محل خلاف محل اتفاق، لأنها ظاهرة واضحة بينة لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تعدل، من كان في قلبه حد أدنى من الإخلاص لهذا الدين يجتمع مع إخوانه من أية فئة على هذه المحكمات، عندئذ يصبح الإسلام عالمياً، أما إذا أخذنا الشبهات والفروع والوسائل وجعلناها أصولاً وكفرنا من يخرج عنها وقاتلنا من أجلها يصبح المسلمون ممزقين في البلد الواحد، في القرية الواحدة، في الجماعة الواحدة، في المسجد الواحد، البطولة أن يبقى الأصل أصلاً والفرع فرعاً، أن يبقى الهدف هدفاً، والوسيلة وسيلة.

بناء الوحدة الأخوية للمسلمين ضمان لديمومتها واستمرارها :

 أيها الأخوة الكرام: ما الذي يحصل؟ كثير من الناس ينهمكون في إبداء رأي في كل قضية، وهم ليسوا مؤهلين لهذا إما بحكم حداثة سنّهم، أو قلة فقههم، أو قلة الاطلاع على تفاصيل هذه القضية، أو الانشغال بما هو أهم منها، وهذا الرأي يعدونه من أصول الدين، وكل من خرج عليه يتهمونه بالخروج من الدين، عندئذ تنشأ هذه الفتن التي ترونها كل يوم.
 يقول بعض كبار العلماء: الرسل كلهم متفقون في الدين الجامع في الأمور الاعتقادية والعلمية، كالإيمان بالله تعالى والملائكة والنبيين، وكذلك في الأصول العملية كالأعمال المذكورة في سورة الأنعام، هذا من الدين الجامع الذي اتفق عليه الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام.
 يا أيها الأخوة الكرام: حقيقة خطيرة أدلي بها: إن بناء الوحدة الأخوية للمسلمين بعامة والدعاة وطلاب العلم بخاصة على هذه المحكمات الكبار من أصول الشريعة ضمان لديمومتها، واستمرارها، وحمايتها من التصدع، والانشقاق، والانهيار، هذه المسائل واضحة لا لبس فيها، هي أصول وقواعد يرد إليها غيرها، وهي أيضاً ثابتة مستقرة لا مجال للخلاف أو التردد أو الشك أو الطعن فيها، فلا يمكن أن تمضي علينا سنوات ونقطع جزءاً من الطريق ثم نعود أدراجنا لنجادل في هذه المحكمات أو الثوابت أو القواعد، فينشق منها مجموعة تخالف في أصل أو ثابت وهذا يعد نوعاً من الضلال، حينما تجتهد فيأتي اجتهادك مخالفاً لأصل من أصول الدين هذا هو الضلال بعينه، حينما تجتهد في مورد النص، فيأتي اجتهادك مخالفاً في أصل من أصول الدين هذا هو الضلال بعينه، وهذا هو الذي يفرقنا، ويشتتنا، ويشرذمنا، ويضعفنا، ويجعلنا نسقط أمام أعين الآخرين، لسنا متفقين.
 والله أيها الأخوة: في أي بلد زرته مشكلات المسلمين في شرقهم مكبرة في غربهم ‍! هذا الإنسان لا يصلي في هذا المسجد، وهذا لا يصلي في هذا المسجد، ولا يمكن أن يتفقوا على بدء رمضان إطلاقاً، يبدأ رمضان في بعض البلاد الغربية في ثلاثة أيام، كل فريق في يوم، المشكلة الكبيرة أيها الأخوة أنهم لم يتفقوا على الأصول، جعلوا الفروع أصولاً، والوسائل غايات فاختلفوا، واعتدوا باجتهادهم، وألغوا الطرف الآخر، فنشأت الخصومات.

من جعل الفرع أصلاً هدم كيان الدين و شقّ صفوف المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام: لا يمكن أن يكون هناك وحدة إيمانية راسخة ثابتة مستقرة لا تتغير بالمتغيرات، والمتفقون عليها بمأمن من الخلاف الذي يحدث بين المسلمين، والخلاف الذي يحدث الفرقة والانشقاق، بينما بناء الوحدة على غير هذه الأسس لا يمكن إلا أن يتصدع، أخطر شيء في هذه الخطبة أنت حينما تجعل فرعاً أصلاً وتجعل وسيلة هدفاً، وحينما تأتي بجزئية في الدين فتجعلها من أصول الدين وتقاتل من أجلها وتكفر من خالفك بها، أنت عندئذ تسهم في هدم كيان الدين، وفي شق صفوف المسلمين.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام: 159]

 ولا تكن من المشركين، ما هو هذا الشرك؟

﴿ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ﴾

[سورة الأنعام: 159]

 أخذ فرعاً وجعله أصلاً، وقاتل من أجله.
 أيها الأخوة الكرام: هناك رغبة عجيبة المسلم أحياناً لحالة مرضية يرغب أن يتميز عن بقية المسلمين، فلابد من أن يبتدع شيئاً، ويكبره، ويضخمه، ويجعله محور حديثه، لذلك هناك دعاة إلى الله مخلصون من خصائصهم الاتباع، وتقدير ما عند الآخرين، والنزعة المسالمة، وهناك دعاة إلى الله من خصائصهم الابتداع، لأن دعوتهم هي دعوة إلى الذات في حقيقتها، دعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، لذلك لابد من أن يبتدعوا، ولا بد من أن يكبروا ما ابتدعوا، ولابد من أن يجعلوا الذي ابتدعوه أصلاً من أصول الدين، ولابد من أن يشقوا صفوف المسلمين، ولابد من أن يلقوا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، هؤلاء يدعون إلى ذواتهم وليس إلى الله، عندهم رغبة في التعالي والتفوق واحتقار ما عند الآخرين.

الدعاة صنفان :

 الدعاة أيها الأخوة فيما أرى صنفان دعاة إلى الله يدعون إلى ذواتهم دون أن يشعروا، فمن أجل أن يتميزوا لابد من أن يبتدعوا، ولا بد من أن يصروا على ابتداعهم، ويفسقوا، ويشركوا، ويكفروا من خالفهم، هؤلاء سبب بلاء الأمة،! لأنهم شقوا صفوفها ودعوا إلى ذواتهم، وكان الخلاف مع غيرهم خلاف حسد وبغي.

﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة آل عمران: 19 ]

 وهناك دعاة إلى الله مخلصون، دعاة إلى الله حقيقة لأنهم مخلصون لم يبتدعوا اتبعوا، ولأنهم اتبعوا لم يتميزوا، فرغبة الداعية أو طالب العلم أن يتميز عن مجموع المسلمين رغبة مرضية، هو مريض نفسياً ينبغي أن يعالج نفسه.
 أيها الأخوة الكرام: لو أن المجموع يعتقدون في بدعة، وأنت معافى منها فلابد من أن تتميز عليهم، هذا التميز لا يعني كبراً ولا عجرفة ولا استعلاء، بل يعني أنك متمسك بكتاب الله وسنة رسوله، قد تتميز عن دون قصد منك، أو من دون كبر أو استعلاء، قد تتميز لأنك متبع للكتاب والسنة.
 أيها الأخوة الكرام: حقيقة أدلي بها، كل من عمل في حقل الدعوة حينما يتبع منهج النبي الدعوي، النبي له منهج واسع جداً افعل ولا تفعل، لكن له منهجاً في معاملة أصحابه، في إلقاء العلم وتربية أصحابه، هذا أسميه المنهج الدعوي، أي داعية حينما يتبع منهج النبي في دعوته يتألق ويفلح وينجح ويسمو، وأي داعية يخالف منهج النبي الدعوي يثير حوله جدلاً لا ينتهي ليوم القيامة، أقول جدلاً لأنه مخطئ.

نماذج من الاختلاف الاجتهادي :

 أيها الأخوة الكرام: لو رجعنا إلى القرآن يقول الله عز وجل في قصة موسى عليه السلام: لما ذهب موسى إلى ربه وترك أخاه هارون مع قومه وقال له: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، فعبد بنو إسرائيل من بعد موسى عجلاً واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار، فنهاهم هارون عن ذلك، وقال لهم: إنما هذا من الشيطان وإنما فتنتم به، وأمرهم باتباع موسى عليه السلام، ولكنه بقي معهم، فلما جاء موسى عليه السلام ورأى ما رأى غضب وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره، وعاتبه على ذلك قال:

﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾

[ سورة طه: 92-93]

 فكان موسى يعتب على هارون، ويطالبه بموقف آخر مختلف غير الذي فعل يقول له هارون:

﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾

[ سورة طه: 94 ]

 أي أنا نظرت إلى الموضوع من زاوية ثانية، رأيت ألا أفرق هؤلاء، وأن أبقى معهم، حتى تعود وترى فيهم رأيك، وأمرك، ولهذا قال قتادة عند هذه الآية: قد كره الصالحون الفرقة قبلكم .
 فهارون عليه الصلاة والسلام كان مأخذه الحرص على بقائهم واجتماعهم حتى يأتي موسى، فيعالج الأمر بما يراه، مع أنه بذل لهم النصيحة والوسع، هذا نموذج من الاختلاف الاجتهادي، لم يختلفوا في الأصول بل في الوسائل، لسيدنا موسى اجتهاده ولسيدنا هارون اجتهاده وكلاهما في أعلى مستوى عند الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: في سورة الكهف أيضاً اعترض موسى على الخضر ثلاثاً قال:

﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾

[سورة الكهف: 71]

﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾

[سورة الكهف: 74]

 وبين له الخضر بعد ذلك سر ما رآه محتجاً بالوحي قال:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾

[سورة الكهف: 82]

 هذا درس عظيم لأن سيدنا الخضر أوتي العلم التكويني وسيدنا موسى أوتي العلم التكليفي، فحينما عرض سيدنا موسى ما فعله الخضر على علمه التكليفي وجده مخالفاً فاعترض، يمكن أن يكون هناك خلاف بين المسلمين وهم في أعلى درجة عند الله عز وجل، اختلاف في اجتهادهم فقط وفي رؤيتهم فقط وفي التحليل والفروع والوسائل، لكنهم جميعاً متفقون على الأصول.
 أيها الأخوة الكرام، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَأْنِ بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، قَالَ وَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجُوكَ وَكَذَّبُوكَ قَرِّبْهُمْ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، قَالَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْ عَلَيْهِمْ نَارًا، قَالَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ، قَالَ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، قَالَ فَقَالَ نَاسٌ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ نَاسٌ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَ نَاسٌ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، قَالَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيَشُدُّ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ( مَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وَمَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى قَالَ ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ: ( رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) وَإِنَّ مِثْلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى قَالَ رَبِّ ( اشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ).))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 اختلف الصحابة اختلاف اجتهاد، متفقون في الأصول، الاختلاف بين المسلمين جزء من طبيعتهم، بل إن الاختلاف بين الناس جزء من الناس لأنهم مخيرون.

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود: 118-119]

اختلاف السلف الصالح في الفروع لا في الأصول :

 أيها الأخوة الكرام: ينبغي أن نعي هذه الحقيقة بدقة بالغة، السلف الصالح مثلاً متفقون على أن الصلاة ركن من أعظم أركان الإسلام، وأن من جحد وجوبها فهو كافر قطعاً، لكنهم مختلفون في صفة الصلاة، وتفاصيلها، وبعض شروطها وواجباتها، وفي حكم تاركها، فلا يجوز أن تحول نقطة من هذه النقاط إلى محل وحدة، وأن الخلاف فيها يفضي إلى فرقة وتنازع وتحزّب واتهام وتكفير وتبديع وتشريك، اتفق السلف الصالح على أن الصلاة من أعظم أركان هذا الدين، ومن تركها جحوداً بفرضيتها فقد كفر، لكنهم اختلفوا على صفاتها وتفاصيلها وجزئياتها ومن تركها تهاوناً أهو كافر أو فاسق؟ اختلاف في الفروع لا في الأصول.
 شيء آخر أيها الأخوة: السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم متفقون على ربانية هذا القرآن، وأنه من عند الله، ومنزل غير مخلوق، متفقون على مرجعية القرآن ولكنهم يختلفون في تفسير آية هل هي محكمة أم منسوخة؟ يختلفون في بعض الحروف والقراءات الواردة في القرآن، بماذا اختلفوا؟ بالفروع والوسائل، السلف الصالح متفقون على مرجعية السنة النبوية.

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

 ولكنهم اختلفوا في تصحيح حديث أو تضعيفه، أو الجمع بين الأحاديث التي في ظاهرها التعارض، ويختلفون في فهم بعض النصوص، وهذا يجري عادة بين كل شرائح الأمة.
 أيها الأخوة الكرام: الحقيقة الدقيقة أن الخلاف يكون في الوسائل وليس في المقاصد.

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

[ سورة النحل: 125]

 يتفق علماء المسلمين في كل بقاعهم وأزمانهم على وجوب الدعوة إلى الله، هناك من يدعو فيؤلف القلوب، وهناك من يدعو فيؤلف الكتب، وهناك من يسافر فيحضر المؤتمرات، وهناك من يستخدم الأجهزة الحديثة في الإعلام، وهناك من يستخدم الإنترنت، هذه كلها وسائل قد نختلف في جدواها، أو في ضرورتها، أو شمولها، أو فائدتها، ولكن مجموع الأمة متفق على وجوب الدعوة إلى الله.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تتمة معالجة الموضوع في خطبة لاحقة :

 أيها الأخوة الكرام: للموضوع تتمة مهمة جداً سأرجئها إلى خطبة قادمة لئلا أعالجها وأنا أشعر أني أطلت عليكم، قد تأتي المعالجة غير متينة، لذلك أرجئ بقية الموضوع إلى خطبة قادمة إن شاء الله تعالى.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا مما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما نحب، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018