الخطبة : 0825 - جهاد النفس والهوى . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0825 - جهاد النفس والهوى .


2002-02-22

الخطبة الأولى:

 الحمد له رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الجهاد ذروة سنام الإسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون: نحن في أيام عيد الأضحى المبارك ولكن ما يجري في بلاد المسلمين ولا سيما في الأراضي المحتلة من قتل وهدم وتدمير يدمى له القلب، ما من مسلم يحمل همّ المسلمين، ما من مسلم ينتمي إلى مجموع المسلمين إلا ويدمى قلبه لما يجري، وجوم لا يخفى سببه، وحيرة لا يصعب تفسيرها، وقلق نعلم جميعاً سببه ولكن أيها الأخوة: لعل هذه الكلمات سألقيها عليكم أرجو الله أن تكون من القلب وأن تدخل القلب، كأن هذه الخطبة موجهة إلى إخوتنا في الأراضي المحتلة.
 أخوتنا الكرام: من يقول كلمة جهاد يُخاف منه أو عليه مع أننا لو دققنا في هذه الكلمة لوجدنا معانٍ كثيرة جداً تسبق الجهاد القتالي، وبعيداً عن تعريف الجهاد القتالي وعن مشروعيته ومن يقوم به هناك مراحل كثيرة، وجهود كبيرة يجب أن يقوم بها المسلم قبل أن يصل إلى الجهاد القتالي وقد فرض علينا في الأراضي المحتلة.
 أيها الأخوة الكرام: لقد كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، كان عليه الصلاة والسلام في الذروة العليا منه استكمل كل أنواعه، فجاهد في الله حق جهاده، ونحن إذا كنا في الحج وقد نسأل الله عز وجل أن يرزقنا في العام القادم حجاً مبروراً كي نقف أمام مقام النبي عليه الصلاة والسلام نسلم عليه، ونشهد أنه جاهد في الله حق جهاده، فقد جاهد في الله بقلبه وجنانه، ودعوته وبيانه، وسيفه وسنانه، كانت كل أوقاته دعوةً إلى الله وجهاداً في سبيله، لذلك حينما جاءه الوحي طلبت منه السيدة خديجة رضي الله عنها أن يأخذ قسطاً من الراحة فقال لها: انقضى عهد النوم يا خديجة. يقول الله عز وجل:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 51-52]

 لماذا؟ به على من تعود؟ على القرآن، مراحل كثيرة وأنواع عديدة وحقب طويلة ينبغي أن تسبق الجهاد القتالي الذي فرض علينا.

 

الفرق بين أخلاق الدعوة وأخلاق الجهاد :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[ سورة التوبة: 73]

 فرق العلماء بين أخلاق الدعوة وأخلاق الجهاد، أخلاق الجهاد:

﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾

[ سورة التوبة: 73]

 أخلاق الدعوة:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

[ سورة النحل: 125]

 لا ينبغي للمسلم أن يستعير أخلاق الجهاد لأخلاق الدعوة، ولا أخلاق الدعوة لأخلاق الجهاد، فإذا عكست وقعنا في مشكلة كبيرة.
 أيها الأخوة الكرام: الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً أن الذي ينهزم أمام نفسه، أن الذي يضعف أمام شهواته، أن الذي يضعف أمام مصالحه، أن الذي يضعف أمام حظوظ نفسه لا يمكن أن يواجه نملةً، لذلك من أدق الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن أفضل الجهاد جهاد النفس والهوى، المهزوم أمام نفسه كيف يواجه عدواً؟ المهزوم أمام شهواته كيف ينتصر للحق؟
 قصة أضعها بين أيديكم؛ رجل ممن كان في عهد رسول الله يصفه كتاب السيرة بأنه ذميم جداً، جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله ماذا عليّ أن أفعل؟ قال: عليك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، وأن تحج البيت، وتصوم رمضان، قال: إن فعلت مالي عند الله؟ قال: إن فعلت هذا فأنت معي في الجنة، فقال: يا رسول الله ما بال هؤلاء الذين حولك لا يزوجونني؟ الدمامة ليست ذنبي هكذا خلقني الله عز وجل، تأثر النبي له وقال: اذهب إلى بيت فلان وقل لهم: إن رسول الله زوجني ابنتكم، فذهب إليهم فلما رآه الأب طرده، لا يعقل أن يكون هذا زوجاً لابنتي، يبدو أن البنت سمعت مقالة الرجل ورد أبيها فقالت: يا أبت ألا تخشى أن يسبقك الوحي لرسول الله فينبئه بما فعلت؟ إنك إن رفضت من أجلي فأنا راضية به، أنا الأصل إنك إن رفضت من أجلي فأنا راضية به، هذه رغبة رسول الله، فانطلق الأب سريعاً إلى رسول الله وقد عاتبه النبي قال: والله يا رسول الله ظننته كاذباً، وأشهد الله أنني زوجته إياها، جيء بالشاب إلى رسول الله قال: يا علي ويا عبد الرحمن ويا سعد احملوا عنه المهر، هكذا كان أصحاب رسول الله، فحمل أصحابه الثلاثة عنه المهر ونقدوه ستمئة درهم، وانطلق إلى السوق ليشتري جهاز البيت، ليكون عرسه في هذه الليلة، فإذا بمنادي الجهاد ينادي يا خيل الله اركبي، ماذا يفعل هذا الشاب الذي لم يكن يحلم بالزواج وقد أتيح له أن يتزوج وفي يوم عرسه دعي للجهاد؟ فانطلق مع رسول الله واستشهد في المعركة. تأثر النبي تأثراً بالغاً وقد تروي الروايات أنه كفنه بيده، وصلى عليه، ودفن عليه، وبكى كثيراً، وقال: إنه معي في الجنة. وقال أيضاً: الله جلّ جلاله أبدله خيراً من زوجته، وقد وصف كتاب السيرة بأنها كانت جميلةً جداً، أبدله الله خيراً من زوجته، وحينما سمع النبي مقالة الفتاة الرائعة يا أبت إن كنت رفضت من أجلي فأنا راضية به هذه رغبة رسول الله قال لأبيها: بارك الله لك بابنتك، بارك الله بعمرها وبمالها، تروي السير أنها كانت أطول الصحابيات عمراً وكانت أغناهن مالاً.
 أيها الأخوة: حينما يكون المسلمون بهذا المستوى يفتحون العالم، وتدين لهم الشعوب، لأن أصحاب رسول الله حينما أحبوا الله، وانصاعوا لأمره، وبذلوا الغالي والرخيص والنفس والنفيس، كانوا رعاة الغنم فصاروا قادة الأمم.
 أيها الأخوة: والله لا أكلفكم ما لا تطيقون، والله أضع نفسي مكانكم وأكلف نفسي معكم ألا تستطيع أن تجاهد نفسك وهواك؟ دعك من الجهاد القتالي إلى موضوع آخر، دعك من حدوده، وتفصيلاته، ومشروعيته، ومن يقوم به، دعك من كل هذا، ألا يستطيع المسلمون أن يجاهدوا أنفسهم وأهواءهم؟ ألا يستطيعوا أن يقيموا الإسلام في بيوتهم؟ ألا يستطيعوا أن يحكموا الشرع في أعمالهم؟ ألا يستطيعوا أن يحكموا الشرع في كل خلافاتهم؟ ألا يستطيعوا أن يبتعدوا عن كل شبهة لا ترضي الله عز وجل؟

 

حمل النفس على تعلم الهدى و دين الحق :

 أيها الأخوة الكرام: الموضوع دقيق جداً ذلك أن من أهم أنواع الجهاد جهاد النفس والهوى، الجهاد أربع مراتب جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين، دعونا من جهاد الكفار والمنافقين إلى موضوع آخر، جهاد النفس قال أحد العلماء الأجلاء: جهاد النفس أربع مراتب.
 أنا أضع يدي على الجرح، أنا أنطق بما أنتم قادرون عليه، لا أكلفكم ما لا تطيقون، وهذا متاح لأي مسلم في أي مكان، دون أن يكون مسؤولاً من أحد، جهاد النفس والهوى، جهاد النفس أن تحملها على تعلم الهدى ودين الحق، أن تطلب العلم، أن تعرف لماذا أنت في الدنيا؟ أن تعرف ما مهمتك في الدنيا؟ لماذا أنت مخلوق؟ لماذا خلقت وسوف نموت جميعاً؟ ما حكمة الموت؟ ماذا بعد الموت؟ هذه حقائق مصيرية الناس في غفلة عنها، تأخذهم سفاسف الحياة، يعيشون الجزئيات، يعيشون الترهات، هذه عقيدة مصيرية لماذا أنت في الدنيا؟ حينما تطلب الحقيقة، حينما تطلب العلم الشرعي، حينما تصحح عقيدتك، حينما تعرف سرّ وجودك وغاية وجودك، حينما تعرف ماذا أراد ربك من خلقك في الدنيا، حينما تعرف ما أثمن شيء في الدنيا، من هذا الذي يطلب العلم؟ إذا جاء وأدرك ركعة مع خطيب الجمعة يقول: أدركنا الجمعة، وحينما قال الله عز وجل:

﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الجمعة: 9]

 أجمع العلماء على أن ذكر الله هي الخطبة، الحد الأدنى من التعليم خطبة الجمعة، فما بال معظم المسلمين يبحثون عن مسجد فيه جهد قليل إما مسافته أو خطبته كي ينتهي منها وكأن حملاً على ظهره قد نزعه عنه؟
 أيها الأخوة: دخلنا في صميم الخطبة أحد أنواع الجهاد جهاد النفس والهوى أن تطلب العلم، أن تعرف من أنت؟ أنت المخلوق الأول، أن تعرف ما مهمتك في الدنيا؟ أن تعرف علة خلقك من أجل أن يصحح عملك، هذا الجهاد الأول أن تحمل نفسك على طلب الحق، ومعرفة الهدى، ومعرفة كتاب الله وسنة رسوله، هذا يحتاج إلى وقت، هذا الذي يقول: لا وقت عندي، إذاً عندك وقت لماذا؟ ماذا تجيب الله يوم القيامة؟

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾

[ سورة المدثر : 45-51]

 عبدي خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه إليك كل حين؟ وعزتي وجلالي لي عليك فريضة ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي بما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف : 103-104]

طلب الحقيقة و معرفة سرّ الوجود :

 أيها الأخوة: أول بند من بنود جهاد النفس والهوى وهو الأصل في الجهاد بل إن من أجلّ العلماء من يقول: إن قتال العدو فرع من فروع جهاد النفس والهوى. والكلام واضح وضوح الشمس، كيف تقاتل عدواً إن كنت مهزوماً أمام نفسك؟ أمام شهواتك؟ أمام حظوظ نفسك؟ هذا المهزوم أمام شهواته لا يستطيع أن يواجه نملةً.
 أيها الأخوة الكرام: الشيء الثاني بعد أن تطلب الحقيقة، وتعرف سر وجودك، و تصحح عقيدتك، ينبغي أن تحمل نفسك على تطبيق ما تعلمت، وإلا لا قيمة للعلم إطلاقاً من دون تطبيق، ليس العلم في الإسلام هدفاً لذاته إنما هو وسيلة، وسيلة و ليس هدفاً، إذاً أن يجاهد نفسه، و معنى الجهاد أن تبذل كل الجهد، أن تبذل كل الطاقة، كلمة جهاد فيها جهد، فيها بذل، أن تحمل نفسك على أن تعمل بما علمت:

و عالم بعلمه لم يعملن  معذب من قبل عباد الوثن
***

 في النار أهل النار يرون اسماً لامعاً جداً، أنت فلان؟ يقول: نعم، ما بالك هنا في النار كنت تأمرنا بالمعروف و تنهانا عن المنكر؟ يقول: كنت آمركم بالمعروف و لا آتيه و أنهاكم عن المنكر و آتيه، أندم الناس عالم دخل الناس بعلمه الجنة و دخل هو بعلمه النار، أندم الناس غني دخل ورثته بماله الجنة و دخل هو بماله النار.

 

بنود جهاد النفس و الهوى :

1 ـ طلب العلم :

 أيها الأخوة: أول بند من بنود الجهاد أن تطلب العلم، خمس دقائق من خطبة هذه لا تصنع إيماناً، هذه قطرة في برميل سرعان ما تجف، لابد من صنبور مفتوح، لابد من مجلس علم، لابد من طلب علم، ليس من أجل أن تتزين بالعلم، لا، من أجل أن تنجو من عذاب الدنيا و عذاب الآخرة، قضية مصيرية أي هذا المظلي ليس مكلفاً أن يعرف نوع قماش مظلته، و لا شكلها بيضوي أو دائري أو مربع أو مستطيل، و لا ألوان الحبال، و لا خيوط الحبال، و لا.....لكنه مكلف أن يعرف طريقة فتحها فإن لم يعرف نزل ميتاً، معرفة طريقة فتح المظلة ليس ترفاً، و ليس شيئاً يفعله أو لا يفعله، ليس متفرغاً إذاً يجهل طريقة فتح المظلة إذاً سيموت، هناك علم ينبغي أن يعلم بالضرورة شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت، كنت مشغولاً أو غير مشغول، رجل أعمال كبير هناك علم ينبغي أن يعلم بالضرورة وإلا تهلك في الدنيا والآخرة.

2 ـ حمل النفس على ما تعلمت :

 أيها الأخوة الكرام: البند الثاني أن تحملها على ما تعلمت، أن تعلمها ثم أن تعمل بما علمت.

3 ـ الدعوة إلى الله :

 البند الثالث ينبغي أن تدعو إلى الذي تعلمته، والدعوة فرض عين لئلا تضيق دوائر الحق وتغلب عليه دوائر الباطل.
 أيها الأخوة الكرام: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
 ينبغي أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، ينبغي أن تستوعب ما قاله الخطيب، ينبغي أن تنقل هذا الذي قاله إلى إخوتك وأصدقائك وجيرانك، ينبغي أن تتوسع دوائر الحق، كل مسلم مهما يكن شأنه العلمي هو داعية إلى الله، الحد الأدنى أنت داعية بعملك، استقامتك دعوة، وأمانتك دعوة، وإتقان عملك دعوة، وصدقك دعوة، الدعوة قولية وصامتة، وقد نحتاج الآن إلى دعوة صامتة، نحتاج إلى مسلم متحرك لا إلى مسلم متحذلق، نحتاج إلى مسلم مطبق لا إلى مسلم ينطق، نحتاج إلى مسلم يلفت النظر، يأخذ بالألباب، وضع مصالحه تحت قدمه ولزم أمر ربه، هذا الذي يرفع المسلمين، والله إنسان متشكك في هذا الدين، والخطأ خطأه تعرف إلى الدين من خلال من ينتمون إليه، فهو متشكك منه، قال لي: ركب في سيارة ونسي محفظة، فيها خمسون ألف ليرة، ولا يملك غيرها، ولم يدع مخفراً إلا بحث عنها لم يجدها، وإذا بسائق السيارة يأتيه إلى البيت يقدم له هذه المحفظة، ولم يأخذ منها قرشاً، أقسم لي بالله إنه استعاد ثقته بالمسلمين وهو فقير.
 الإسلام لا ينمو بالكلام ينمو بالأفعال، ينمو بإتقان العلم، ينمو بالتواضع، ينمو بخدمة الخلق، ينمو بحمل هموم المسلمين، ينمو بإخلاصك، ينمو بأخلاقك.
 أيها الأخوة: المرتبة الثالثة أن تدعو إلى هذا الدين، قد تأخذ شريطاً وتسمعه إلى عدد من الناس هذه دعوة، قد تأتي بأخ إلى المسجد:

(( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

4 ـ الصبر :

 الشيء الرابع أن تصبر، يجب أن نصبر، لأن أهل الباطل يصبرون ونحن أولى أن نصبر، ينبغي أن نصابر، أن نسبقهم بالصبر، هم على باطل ويصبرون، قال تعالى:

﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾

[ سورة النساء: 104]

 أيها الأخوة: أربعة بنود لجهاد النفس والهوى، أن تطلب العلم لا على فضلة وقتك، لا على مزاجك، لا على فراغك، لا على رغبتك، يجب أن تخصص وقتاً من أوقاتك الثمينة لطلب العلم، أما هذا الذي استحوذ عليه عمله كل وقته فهو أكبر الخاسرين ولو كان دخله مليوناً في اليوم، لأنه ألغى وجوده، وألغى إنسانيته، وألغى آخرته، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[ سورة الزمر: 15]

﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

[ سورة الزمر: 15]

مراتب جهاد الشيطان :

1 ـ دفع الإنسان كل ما يلقيه الشيطان في خاطره من شبهات حول الدين :

 أيها الأخوة الكرام ، هذا جهاد النفس أما جهاد الشيطان فمرتبتان؛ عدو ثانٍ كبير جداً، الشيطان جهاده أن تدفع كل ما يلقي إلى خاطرك من شبهات حول هذا الدين، وما أكبر الشبهات، هناك شبهات لا تعد ولا تحصى، لا ينبغي أن تجمد مالك ينبغي أن تستثمره بمكان أمين بفائدة ثابتة، خواطر متعلقة بكسب الأموال، وإنفاق الأموال، والعلاقات، وكل شيء مغر يدعوك الشيطان إليه، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾

[ سورة آل عمران: 175]

 يدعوك الشيطان إلى المعاصي، قال تعالى:

﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾

[ سورة الأعراف: 17]

 بدعوى عصر جديد، عصر كومبيوتر، عصر العلم، ينبغي أن نخرج من قوقعتنا، ينبغي أن نطلع ولسان حاله ينبغي أن نعصي، ينبغي أن نعطي أنفسنا شهواتها، ينبغي أن نذوب في الغرب، ينبغي أن نستغرب.

﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾

[ سورة الأعراف: 17]

 عن أيمانهم، الشيطان يدعونا إلى أن نكفر، فإن وجدنا على إيمان يدعونا إلى الشرك، فإن وجدنا على توحيد يدعونا إلى الابتداع، فإن وجدنا على سنة يدعونا إلى الكبيرة، فإن وجدنا على طاعة يدعونا إلى الصغيرة، فإن وجدنا على ورع يدعونا إلى المباحات، فإذا وجدنا على زهد بقيت ورقة رابحة بيده هي مصيبة المصائب يدعونا إلى التحريش بين المؤمنين، أينما ذهبت في بلاد المسلمين بأس المسلمين بينهم، خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة فيما بينهم ويتقاتلون! وأعداؤهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة ويتعاونون! بأسهم بينهم، إذا عز أخوك فهن أنت، تنازل له لصالح المسلمين، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام: 159]

 ما من وقت المسلمون في أشد الحاجة إلى أن يتعاونوا كهذا الوقت، نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، نتعاون فيما اتفقنا وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، أليس مع أخيك قواسم مشتركة؟ يوجد تسعون بالمئة قواسم مشتركة، هذه النسب القليلة من الخلافيات، ينبغي أن تقيم حرباً بين المسلمين، بين طوائف المسلمين، بين مذاهب المسلمين، بين جماعات المسلمين، هكذا، لصالح من؟ لصالح عدو المسلمين.

 

2 ـ دفع وساوس الشيطان في المعاصي و الآثام :

 أيها الأخوة الكرام ، الجهاد الثاني للشيطان أن تدفع عن نفسك وساوسه في المعاصي والآثام، له بابان، له سهمان، سهم الشبهات وسهم الشهوات، ينبغي أن ترد الشبهات باليقين، وينبغي أن ترد الشهوات بالصبر، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

[ سورة الحجر: 99]

 ينبغي أن تعبده حتى توقن أن الذي جاء به النبي كأنك تراه رأي العين، لذلك الله عز وجل قال:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾

[ سورة الفيل: 1]

 من منكم رأى هذا الحدث؟ أراد الله منا أن نأخذ خبره على أننا نراه رأي العين، قال تعالى:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

[ سورة النحل: 1]

 وأرادنا أن نأخذ وعده ووعيده على أنه وقع، أتى فلا تستعجلوه لم يأت بعد معنى هذا، هل أنت بهذا اليقين؟ أين أنت من قول هذا الإمام العظيم سيدنا علي بن أبي طالب: والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي؟ والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً؟ هكذا.
 فيا أيها الأخ الكريم ، لابد من اليقين، ولابد من الصبر، بالصبر تقمع الشهوات، وباليقين تقمع الشبهات، وهذا جهاد الشيطان.

 

من طبق أمر الله فيما يملك كفاه ما لا يملك :

 أيها الأخوة الكرام: حينما تجاهد نفسك وهواك عندئذ لله معك حال غير هذا الحال، عندئذ تجد أن الأخبار تسرك، وأن النتائج تبهرك، وأن الله عز وجل لن يتخلى عن المؤمنين، وأنه إنما يفعل ما يفعل معهم كي يستيقظوا من تفلتهم، كي يؤوبوا إلى ربهم، قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص : 5-6]

 أيها الأخوة الكرام ، لا تطالب بما لا تستطيع، قوى كبيرة تكيد للمسلمين، قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾

[ سورة إبراهيم: 46]

 ولكننا إذا طبقنا ما أمرنا الله به كفانا ما لا نملك، إذا طبقنا أمر الله فيما نملك كفانا ما لا نملك، إذا جاهدنا أنفسنا وأهواءنا كان حالنا غير هذا الحال.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا إلينا، العاقل من اتعظ بغيره و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مفهومات الجهاد :

 أيها الأخوة الكرام: تأكيداً لمضمون الخطبة العجيب ما إن تنطق بكلمة جهاد حتى يتصور الناس أن تقاتل، هذا أحد مفهومات الجهاد لكن هناك حجماً كبيراً جداً من مفهومات الجهاد تفعله أنت في بيتك وفي عملك، مثلاً: طلب الحلال جهاد، كم دخل مشبوه يوجد؟ إما البضاعة محرمة، أو العلاقة محرمة، أو توزيعها بشكل محرم، هل يتحرى المسلم أن يكون ماله حلالاً؟ هل يركل بقدمه صفقة رابحة لكن فيها شبهة؟ هذا جهاد، قبل أن تقول: لم ننتصر و كأن الله تخلى عنا، هل تجاهد في طلب الحلال؟ النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:... الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 كم حرفة مبنية على معصية؟ كم حرفة مبنية على مادة محرمة؟ كم حرفة مبنية على كسب محرم؟ على طريقة تعامل محرمة؟ هذا جهاد، هذا متاح لكل مسلم، يقول عليه الصلاة و السلام حينما عاد من غزوة له روى الخطيب من تاريخه من حديث جابر قال: " قدم النبي صلى الله عليه و سلم من غزاة لهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم: قدمتم خير مقدم، و قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: و ما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: مجاهدة العبد هواه". هذا متاح لكل مسلم، بأي مكان، بأي زمان، بأي عصر، بأي مصر، دون أن يحاسب، و دون أن يلفت نظره إلى شيء.

 

كلمة الحق أحبّ الجهاد إلى الله :

 أحب الجهاد إلى الله كلمة الحق، أي خلاف بين ابنتك و بين صهرك هل أنت مع الحق؟ مع ابنتك دائماً؟ خلاف بينك و بين شريكك مع الحق أم لأنك أقوى منه تستغله؟ دعك من الجهاد الآخر، كم دعوى كيدية يوجد بقصر العدل؟ كم شركة اغتصبت؟ كم إنسان أُكل حقه؟ كم دين لم يؤدَ؟ هذا الشهيد الذي ضحى بحياته في سبيل الله يغفر له كل ذنب إلا الدين، جهاد، هذا الجهاد، قالوا: و ما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: مجاهدة العبد هواه.
 أحب جهاد إلى الله كلمة حق أن تقولها ولا تخشى في الله لومة لائم، أما إذا قلنا الباطل فدائماً ضاعت معالم الحق، وعمّ النفاق، وصار الصادق نادراً جداً.

(( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاً لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ))

[أحمد عن ابن عمر]

 بيع، أصله بيع شرعي، الإنسان يقرض بالربا بدولة إسلامية، الصيغة بيع وشراء يأتي مقترض الربا يسأله عن سعر هذه السجادة يقول له: بألف، يقول له: أتبيعني إياها ديناً؟ يقول له: نعم، يسجلها عليه، أتشتريها مني نقداً؟ يقول له: نعم بثمانمئة، نقده ثمانمئة وكتب عليه ألفاً، بيع وشراء هو في الحقيقة صيغة من صيغ القرض الربوي.
 ما هذا الدين؟ مثل للتقريب إنسان ضرب ضرباً لا يحتمل حتى كسرت عظامه كلها، هذا الذي ضربه تعب من ضربه يريد أجرة، لأن وقته ثمين جداً، يحتاج إلى أجرة ألف ضعف، أجرته أن ضرب ثم يحتاج إلى أن تشكره فوق ذلك؟ تضرب وتدفع وتشكر، هذا الذي يقول النبي صلى الله عليه عنه:

((...سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاً لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ..))

[أحمد عن ابن عمر]

مجاهدة النفس و الهوى أفضل أنواع الجهاد :


 حديث آخر:

((أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه ))

[رواه ابن النجار عن عبد الله بن عمرو]

 أفضل جهاد حينما يرانا الله نجاهد أنفسنا وأهواءنا عندئذ لعله يرحمنا، لعله يرفعنا، لعله ينصرنا على أعدائنا.

(( عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ))

[ متفق عليه عن أبي موسى ]

((عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا ))

[ متفق عليه عن مسروق]

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وأفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله عنه))

[ الطبراني عن ابن عمرو]

 وأفضل الجهاد في الحديث الصحيح:

((......وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل ))

[ الطبراني عن ابن عمرو]

 نحن بهذا مقصرون، ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( الجهاد أربع؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في مواطن الصبر، وشنآن الفاسق))

[ الجامع الصغير عن علي]

 لا أن يمدح الفاسق، ما بالنا نألف مديح بعضنا بعضاً على المعصية وعلى الانحراف وعلى النفاق؟ نمدح بعضنا بعضناً، إن لم تمدح فأنت مجاهد.

(( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ذُرْوَةُ سَنَامِ الْإِسْلَامِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لا يَنَالُهُ إِلا أَفْضَلُهُمْ ))

[ أحمد عن معاذ بن جبل ]

 و:

((من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح))

[ الشيخان عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام : طلب الحلال من الجهاد في سبيل الله، كلمة الحق من الجهاد في سبيل الله، هذا كله متاح لنا يا أخوان، من يمنعك من هذا؟ من يمنعك أن تكون صادقاً؟ أن تكون متقناً؟ من يمنعك أن تربي أولادك؟ قال تعالى:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

[ سورة طه: 132]

على الإنسان أن يؤدي الذي عليه ليطلب من الله الذي له :


 من يمنعك أن تتقن عملك؟ من يمنعك أن تحمل همّ المسلمين؟ أن تساعدهم؟ لا أحد يمنعك في الأرض كلها، هل أدينا ما علينا حتى نطالب الله بالذي لنا؟ أدينا الذي علينا حتى نسأل الله بالذي لنا؟ أين يا رب كلامك:

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الروم: 47]

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

[ سورة الصافات: 173]

 أين هذه الوعود ؟

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة النور: 55]

 أدِ الذي عليك قبل أن تسأل الله الذي لك:

(( عَنْ أَنَسٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مُعَاذُ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلَاثًا هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً فَقَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُم ))

[ متفق عليه عن أنس]

 الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه متى ينبغي أن تطالبه به؟ إذا أديت ما له من حق عليك، حقه عليك أن تعبده لا أن تكتفي بصلاة جوفاء، وحج للسمعة، وزكاة، ورياء، ثم تطبق في حياتك، وفي بيتك، وفي عملك، وفي أفراحك، وفي أتراحك، وفي سفرك ما يغضب الله، بقي الإسلام شعائر، شعائر أما الإسلام كمنهج فغير مطبق، وها أنا أخاطب رواد المساجد لا أخاطب الشاردين، من يأتي إلى المساجد من دمشق كلها؟ خمسمئة ألف؟ فيها خمسة ملايين إنسان، أي يأتي العشر، من يأتي إلى صلاة الفجر؟ إذا في المسجد خمسة آلاف لا يوجد عشرة يصلون الفجر حاضراً، هذا حال المسلمين، آن لنا أن نصحو أيها الأخوة، كفانا مجاملات، كفانا مديحاً، كفانا نفاقاً، الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، أنت حينما تقرأ كتاباً سخيفاً تنتهي من قراءته وتتثاءب وتنام، أما حينما تقرأ كتاباً قيماً تنتهي من قراءته فتبدأ متاعبك لأنه وضعك أمام مسؤولياتك، اسأل نفسك لماذا خلقني الله؟ ما المطلوب مني؟ هل تطلب العلم الشرعي؟ هل تعرف سر وجودك؟ هل تعرف أحكام المعاملات؟ هكذا يعيش الناس سبهللة مع الإشاعات، ومع التقاليد، ومع العادات، ولو أن يهودياً في فرنسا رسم الأزياء هذا الموسم شيئاً يكشف عورة المرأة كلها، نساء المسلمين يقلدون هذا الشيء، هذا الدين الذي لا يرتضيه الله لنا، قال تعالى:

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

[ سورة النور: 55]

 فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن هذا الدين الذي نحن عليه لم يرتضه لنا.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، اجعلنا يا رب العالمين من عبادك الصالحين، صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، و نبتلى بحمد من أعطى، و ذم من منع، و أنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم أصلح قلوبنا، أصلح ذوات بيننا يا رب العالمين، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، أصلح إلينا آخرتنا التي إليها مردنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانتين، و لا تهلكنا بالسنين، و لا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعز الإسلام و المسلمين، و أذل الشرك و المشركين، خذ بيد ولاة المسلمين إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018