فقه السيرة النبوية - الدرس : 47 - الإتفاقية التي أبرمها الرسول مع سكان المدينة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 47 - الإتفاقية التي أبرمها الرسول مع سكان المدينة .


2006-12-02

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

عرض تفصيلي لواقع المدينة قبل أن ينظم النبي هذا المجتمع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى المؤاخاة التي أحدثها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار .
 وننتقل اليوم إلى فقرة ثانية من التنظيمات الإدارية التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت القاعدة الصلبة للدولة الإسلامية .
 كان أهل يثرب يعيشون ضمن حصون تحيط بها بساتين
كانت المدينة عشية وصول رسول الله صل الله عليه وسلم تشكل مزيجاً إنسانياً متنوعاً من حيث الدين والعقيدة ، ومن حيث الانتماء القبلي والعشائري ، ومن حيث نمط المعيشة ، ففيهم المهاجرون ، وفيهم الأوس والخزرج ، والوثنيون من الأوس والخزرج ، واليهود من الأوس والخزرج، وقبائل اليهود الثلاثة بنو قينقاع ، و بنو النضير و بنو قريظة ، والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب ، والموالي ، والعبيد ، والأحلاف ، وكانت موارد رزقهم متنوعة بين العمل في التجارة والزراعة والصناعة والرعي والصيد والاحتطاب ، وكان توزعهم السكني قائماً على هيئة قرى ، أو آكام ، أو حصون تحيط بها البساتين والأراضي المزروعة ، يدخلون حصونهم بعد حلول الظلام ، ويحرسون منازلهم خوف الغزو والغارة ، وتبلغ عدد تجمعاتهم السكنية تسعة و خمسين ، ولكل عشيرة منهم زعامة تقوم على رعاية شؤونها ، وضمان عيشها وأمنها ، ولم تندمل بعد جراحات الأوس والخزرج التي خلفتها بينهم حرب بعاث ، ويمكن وصف الحالة العامة في المدينة بأنها قائمة على تحكم النظام العشائري ، وأعراف القبائل السائدة مع شيوع الجهل والأمية لدى معظم سكان يثرب ، بينما كان أهل الكتاب أهل علم ودين ، لكنهم يمارسون الربا واستغلال التجارة ، ويعملون على إثارة النزاعات بين الأوس والخزرج ليتمكنوا من ضمان سيادتهم ، ومصالحهم ، وسلامتهم .
 ولا شك في أن النموذج النبوي الذي بدأ النبي تطبيقه في المدينة يتوزع في مسارين متوافقين ، أولهما يتعلق بالمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله ، وانقادوا لشرع الله يعملون به ويطبقونه ، وثانيهما يتعلق بالتآلف والتعايش السلمي بين المسلمين ومَن لم يعتنق الإسلام من الوثنيين من الأوس والخزرج وأهل الكتاب .
 وأعظم مهمة أنفذها النبي صلى الله عليه وسلم إقامة نظام عام ، ودستور شامل لجميع ساكني المدينة بين المسلمين وبين سواهم من سكان المدينة .
 أيها الأخوة ؛ هذا عرض تفصيلي لواقع المدينة قبل أن ينظم النبي صلى الله عليه وسلم هذا المجتمع ، ليكون هذا المجتمع على شكل أمة ، على شكل بنية متماسكة تمهيداً لبناء دولة .

التنظيم حضارة و رقي :

 أيها الأخوة ؛ أي مجتمع لا يحاسب أفراده عن أخطائهم فهو هالك
يظن الطرف الآخر أن المسلمين فيهم سذاجة ، فيهم تخلف ، سوف ترون الشيء الذي لا يصدق ، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نظم هذا المجتمع تنظيماً يتوافق مع أعلى درجات المواطنة ، ومع أعلى درجات الحقوق والواجبات .
 فلذلك التنظيم حضارة ، والتنظيم دين ، والتنظيم رقي ، والله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وفق النظام الرائع ، والإنسان خليفة الله في الأرض ، وينبغي أن يقيم النظام الرائع في مجتمعه ، وهذا دليل التفوق في الحياة .
 التخلف في الدين يساوي الفوضى ، التخلف في الدين يساوي التسيب ، مثلاً : النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((مَنْ تَطَبّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبّ فَهُوَ ضَامِن))

[ أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر]

 فهو مسؤول ، وسيحاسب ، وكان عليه الصلاة والسلام يؤكد أن كل إنسان مسؤول عما أنيط به من عمل ، وقد قال الله عز وجل :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الحجر : 92-93]

 وأي مجتمع لا يحاسب أفراده عن أخطائهم فهو مجتمع سائر في طريق الهلاك ، فلابد مِن محاسبة دقيقة ، ومفاهيم موحدة .

التعايش بين الأطراف والشرائح والأطياف والانتماءات جزء من الدين :

 شيء آخر مفهوم قبول الآخر أصيل في الإسلام
سوف ترون بعد قليل كيف أن التعايش بين الأطراف ، والشرائح والأطياف ، والانتماءات جزء من الدين ، ما بال هؤلاء الجهلاء يرفضون الآخر ؟! الآخر مقبول في المجتمع الإسلامي ، بمعاهدة دقيقة جداً ، فيها المهاجرون ، والأوس والخزرج والوثنيون من الأوس والخزرج ، واليهود من الأوس والخزرج ، والقبائل اليهودية ، بنو النضير وبنو القينقاع ، كيف جمعت هذه الوثيقة هذه الأطراف المتنوعة والمتباعدة ؟ إنّ مفهوم المواطنة أصيل في الدين، ومفهوم قبول الآخر أصيل في الدين ، مفهوم التعايش بين الفئات المتعددة أصيل في الدين ، وهذه النغمة التي نسمعها من حين إلى آخر أن المسلم لا يقبل الآخر هذه افتراء من أعداء الدين، سيد الخلق وحبيب الحق ، سيد ولد آدم ، النبي المرسل ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، حبيب رب العالمين ، بحياته ، وبوجوده ، وبتوجيهه ، وبتنظيمه أجرى معاهدة ضمت قريشاً ، وبني عوف ، وبني الحارث من الخزرج ، وبني ساعدة ، وبني جشم ، وبني النجار ، وبني عمرو بن عوف ، وبني النبيت ، وبني الأوس ، هؤلاء طوائف ، واتجاهات ، وألوان ، وشرائح ، وأطياف ، وكلهم ضمتهم معاهدة فيها توضيح شديد للحقوق والواجبات ، ما لنا وما علينا ، فما بال المسلمين اليوم لا يقبلون الطرف الآخر ؟ هذا من الدين ؟

بنود الوثيقة التي ضمت جميع القاطنين في يثرب :

1 ـ جميع القاطنين في يثرب ومَن تبعهم وجاهد معهم أمة واحدة :

 أيها الأخوة ؛ المعاهدة جعلت كل القاطنين في يثرب أمة واحدة
بنود الاتفاقية طويلة جداً ، قبل أن نأخذ بعض بنودها أعطيكم عنها دراسة ، البند الأول في هذه الدراسة أن هذه الاتفاقية ، وأن تلك المعاهدة جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين ، ويثربيين ، ومَن تبعهم ، وجاهد معهم أمة واحدة ، وفي ذلك بعْد آني لمن يقطن يثرب ، وبعدٌ مستقبلي لمعنى الأمة حيث تضمن هؤلاء جميعاً ، ومن يلحق بهم ، ويجاهد معهم .
 إن أول مفهوم للأمة ظهر في المدينة ، أما في مكة فقد قال تعالى :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾

[سورة النساء: 77]

 منع النبي الرد على كل استفزاز ، بل على كل تحرش ، بل على كل جريمة ، لأنه بمكة أراد أن يبني الإيمان ، ولأن في كل بيت عنصراً مسلماً ، وعنصراً مشركاً ، فإذا قاوم في مكة نشبت حرب أهلية ، وهذا مما كان عليه الصلاة والسلام يحرص على الابتعاد عنه ، لذلك ورد في قوله تعالى :

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾

[سورة الأنعام: 65]

 هذه الصواعق ، وحديثاً الصواريخ .

﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾

[سورة الأنعام: 65]

 هذه الزلازل وحديثاً الألغام .

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

كان النبي الكريم أشد الناس بعدا عن الحرب الأهلية

[سورة الأنعام: 65]

 هذه الحرب الأهلية .

﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

 إذاً كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس بعداً عن الحرب الأهلية ، ففي مكة جاء التوجيه القرآني :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

[سورة النساء: 77]

 إذاً : لا بد من مرحلة إعدادية يعد فيه المؤمن إعداداً إيمانياً قوياً ، بل يعد المؤمن نفسه إعداداً إيمانياً قوياً ، لكن بعد حين لا بد من كيان إسلامي ، لا بد من شخصية إسلامية لابد من كلمة إسلامية ، لا بد من موقف إسلامي ، لا بد من رد إسلامي ، لا بد من تحليل إسلامي ، لا بد من حركة إسلامية ، هذا كان في المدينة ، النبي عليه الصلاة والسلام أقام أُسس الدولة الإسلامية في المدينة ، قبِل الواقع ، واحتواه ، واستوعبه ، وفهِم الخصوصيات والمتغيّرات ، هو وأصحابه بند ، وهناك بنود كثيرة ، طوائف ، وقبائل ، وعشائر ، وأديان اليهود ، والوثنيون ، والمسلمون .
 إذاً أول خصيصة لهذه الوثيقة أنها جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين ويثربيين ، ومن تبعهم ، ومن جاهد معهم ، أمة واحدة ، وفي ذلك بعد آني لمن يقطن بيثرب ، وبعد مستقبلي لمعنى الأمة التي تضمن هؤلاء جميعاً ، ومن يلحق بهم ويجاهد معهم .

2 ـ الاعتراف بخصوصية كل مجتمع :

 التحليل الثاني لهذه الوثيقة : اعترفت هذه الوثيقة ، وتلك المعاهدة بالحال الخاص لكل فئة من السكان ، كل فئة لها خصوصياتها ، بل كل فئة لها تركيبها ، هذا الاعتراف بخصوصية كل مجتمع ذكاء وحنكة وحكمة .

عدم اعتراف الطرف الآخر بخصوصية الشعوب :

 مشكلتنا مع الطرف الآخر أنه لا يعترف بخصائص الشعوب
الآن مشكلتنا مع الطرف الآخر أنه لا يعترف بخصوصيات الشعوب ، يريد العولمة ، يريد أن يطبق نظامه ، وقيمه ، وإباحيته ، وانحلاله الخلقي على جميع الشعوب بالقوة ، وما هذه الحروب التي ترونها إلا صورة من صور هذا القهر ، يريد الطرف الآخر أن يعمم ثقافته على كل الشعوب ، الطرف الآخر يتجاهل قيمها ، مبادئها ، ثقافتها ، دينها .
 إنّ من سمات آخر الزمان ظهور الأعور الدجال ، ومع الاحتفاظ بالمعنى الأصولي لهذا المصطلح هناك نموذج معاصر هو أعور ، أعور يرى ثقافته ، ولا يقبل ثقافة الآخرين ، يرى مصالحه ، ولا يعترف بمصالح الآخرين ، يرى كرامته ، ويجرح كرامة الآخرين ، يهدم بلداً عن آخره من أجل أسيرين ، يعتقل عشرة آلاف أسير ، ونخبة من علية القوم من الوزراء ، والنواب في المجلس التشريعي من أجل أسيرين ، أليس هذا بين أيديكم ؟ من هو الأعور ؟ الذي يرى بعين واحد ، يرى كرامته ولا يرى كرامة الآخرين ، يرى ثقافته ويقدسها ولا يقبل ثقافة الآخرين ، يرى مصالحه ويتجاهل مصالح الآخرين ، هذا هو الأعور .
 الصفة الثانية أنه دجال ، يكذب ، يدخل جندي إلى بيت في العراق مع شلة من زملائه فيغتصبون الفتاة ، ويقتلونها ، ويقتلون أباها وأمها وأخاها ، ثم يحرقون البيت ، هذا من أجل الحرية والديمقراطية ، أرأيت إلى دجلٍ فوق هذا الدجل ؟! تهدم البلاد ، تنهب الثروات ، تقهر البشر ، تثار الفتن الطائفية تحت اسم الحرية والديمقراطية ، الأعور الدجال وصفُ جامعٌ مانع لإنسان آخر الزمان القوي .

عاد نموذج متكرر في كل عصر :

 ذكرت لكم من قبل أيها الأخوة كيف أن الله سبحانه وتعالى وصف قوم عاد أنها طغت في البلاد ، لم يقل : طغت في بلدها ، طغت في البلاد ، في جميع البلاد .

﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾

[سورة الفجر: 12]

 أسلحتهم الفتاكة تقصف ، وأفلامهم تفسد ، طغيان وفساد ، مع غطرسة لا تحتمل .

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[سورة فصلت: 15]

 مع تفوق مذهل في العمران .

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

[سورة الشعراء: 128-129]

 تفوق عسكري :

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 130]

 تفوق علمي :

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾

[سورة العنكبوت : 38]

 غطرسة لا تحتمل :

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[سورة فصلت: 15]

 ماذا فعلوا أيضاً ؟ فعلوا أنهم :

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾

[سورة الفجر:11- 12]

 وما أهلك الله قوماً إلا ذكر أنه أهلك من هو أشد منهم قوة إلا قوم عاد حينما أهلكهم قال:

﴿ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

[سورة فصلت : 51]

 ما مصيرها ؟ مصير هؤلاء القوم الطغاة الجبارين أن الله أهلكهم :

﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾

[سورة الحاقة : 6-7]

 هذا الشرح فيه إشارة قرآنية إلى أن قوم عاد قوم طاغوت كنموذج ، ولهم أمثال في كل عصر ، والدليل قوله تعالى :

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾

[سورة النجم : 50]

 ما معنى عاداً الأولى ؟ أي أن هناك عاداً ثانية .

﴿ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ﴾

[سورة النجم : 51]

وثيقة النبي فيها اعتراف بخصوصيات كل فئة و بزعامتها وبمشكلاتها :

 إذاً أيها الأخوة ؛ الشيء الدقيق أن وثيقة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن الاتفاقية والعهد الذي بين المسلمين ، وبين بقية الأطراف ، فيها اعتراف بخصوصيات كل فئة اعتراف بزعامتها ، اعتراف بمشكلاتها ، اعتراف بأعرافها ، بتقاليدها ، وبعقائدها الدينية ، هذا المفهوم الحضاري ، أنت مسلم لك عقيدتك ، ولك عبادتك ، ولك منهجك ، ولك قيمك ، ولك أهدافك ، لكن إذا وجدت في بلد فيه أناس من غير دينك ينبغي أن تسالمهم ، وأن تتقاسم معه الغنائم ، وأن تعرف خصوصياتهم ، وأن تعرف مشاعرهم ، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام .

3 ـ مساعدة الفقراء و الانتباه إلى مشكلاتهم :

 التحليل الثالث لهذه الوثيقة : تتماسك طبقات المجتمع بنصرة الضعفاء
يساعد المؤمنون الذين تعرضوا لوضع مالي شديد من افتقار ، أو كثرة عيال ، ولعل ذلك يشبه صندوق تكافل لجميع الأهالي ، وخاصة في الفدية ، فهؤلاء الفقراء قنابل موقوتة ، فإن لم تنتبه إلى حاجتهم ، وإلى مشكلتهم ، وإلى مأساتهم ، وإلى فقرهم ، وتجاهلتهم ، كان هناك خلل في المجتمع يسهم في انهياره ، وقد قال سيدنا علي :

(( كاد الفقر أن يكون كفراً ))

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنما تنصرون بضعفائكم ))

[ أحمد و مسلم وابن حبان والحاكم عن أبي الدرداء ]

 الضعفاء هم الذين إذا نصرناهم تتماسك طبقات المجتمع ، فهذا الضعيف إن كان فقيراً فينبغي أن تطعمه ، وإن كان مريضاً فينبغي أن تعالجه ، وإن كان مشرداً فينبغي أن تؤويه ، وإن كان جاهلاً فينبغي أن تعلمه ، وإن كان مظلوماً فينبغي أن تنصفه ، إذا نصرت الضعيف تماسك المجتمع ، وأصبح سداً منيعاً لا يمكن اختراقه .

4 ـ منع حدوث تجاوزات في روابط الولاء :

 منع حدوث تجاوزات في روابط الولاء للحفاظ على الثقة والتعاون بين الجميع لابد من قانون يحكم المجتمع
فلا تجاوزات ، وكل إنسان ينبغي أن يلزم حده ، وأن يقف عنده ، وهناك قوانين تحكم جميع الفئات ، لذلك :

(( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ . وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ . وأيْمُ الله ، لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[متفق عليه عن عائشة ]

 ما لم يقم في المجتمع قواعد صارمة يلتزم بها جميع فئاته فلن ينهض المجتمع .
 امرأة سرقت فكان الحكم قطع يدها ، وهي من بني مخزوم ، فجاء حِبُّ رسول الله أسامة بن زيد يشفع لها ، فغضب النبي أشد الغضب ، وقال : ويحك يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟

(( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ . وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ . وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

 أن يأتي إنسان من أعلى أرومة من قريش من وجهاء قريش ، وفي ساعة غضب دون أن يشعر وجه كلمة قاسية لسيدنا بلال ، فقال لك : يا بن السوداء ، فقال عليه الصلاة والسلام وقد غضب غضباً لا يوصف ، قال له :

((يا ذَرّ إِنّكَ امْرُؤ فِيكَ جَاهِلِية ))

 فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على الأرض وشدد على بلال أن يطأ رأسه بقدمه .
 أما سيدنا الصديق فحينما رأى بلالاً يعذبه سيده صفوان ، اشتراه منه ، فقال له صفوان : والله لو دفعت به درهماً لبعتُكَه ، فقال الصديق : والله لو طلبت به مئة ألف لأعطيتكها، هذا أخي في الله ، قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :

(( كَانَ عُمَرُ يَقُولُ : أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا ، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا ، يَعْنِي بِلَالاً ))

[البخاري]

 وكان عمر يخرج إلى ظاهر المدينة ليستقبل بلالاً ، هذا هو الإسلام .
 إذاً : هذه الوثيقة ، وتلك المعاهدة ، منعت التجاوزات في روابط الولاء للحفاظ على الثقة والتعاون بين الجميع .

5 ـ سيادة الدستور والقانون :

 الجميع متساوون أمام القانون
الآن هذه الوثيقة تؤكد أن الجميع متعاونون في مقاومة أي معتد ، أو آثم ، أو ظالم ، أو مفسد ، ولو كان ولد أحدهم ، وفي ذلك سيادة الدستور والقانون ، طبقوا العدالة والمساواة وعندها تحقق الأمن والسلامة للجميع .
 جميع المواطنين تحكمهم قوانين واحدة ، جميع المتعاهدين سواء ، مكانة صغيرهم مثل مكانة كبيرهم في الحقوق والواجبات ، وكلهم يد واحدة ، وذو اعتبار واحد ، هذا مجتمع المسلمين، هذا مجتمع حضاري ، هذا مجتمع ، جميع الناس سواء في الحقوق والواجبات ، هم يد واحدة على من عاداهم ، يجير أدناهم ، يجير مستجيرهم ، ولليهود وهم أعداء تقليديون مثل ما لغيرهم في هذا العهد ، ولليهود دينهم ، و للمسلمين دينهم ، فما من مشكلة أبداً ، لهم دينهم ، هذا هو التعايش ، وهذه هي المواطنة ، وهذا هو الفهم العميق لخصائص الحياة الدنيا ، مجتمعات فسيفسائية كمجتمعاتنا ، أنت مسلم يجب أن تقيم أمر الله ، وأن تقبل الآخر دون أن تضحي بدينك ، دون أن تفسد دينك ، أقم أمر الله ودع الطرف الآخر يعيش على تطوره ، وعلى مبادئه ، وعلى قيمه .

6 ـ المؤمنون وغير المؤمنين سواء ينصر بعضهم بعضاً :

 المؤمنون وغير المؤمنين سواء ينصر بعضهم بعضاً ، هناك ميثاق ، هناك معاهدة دفاع مشترك بالمصطلح الحديث ، لا يحل لأحد ممن عاهد ووافق على هذه الوثيقة وقبل هذه الاتفاقية أن يحدث حدثاً ، أو يؤوي محدثاً ، وإذا فعل ذلك وقع عليه غضب الله ولعنته ، وحرمانه من الحقوق العامة .
 هذا هو التشريع ، هذا هو الالتزام ، لكن لهذا المجتمع رأساً ، مرجعية واحدة ، قراراً نافذاً ، الله عز وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يشاور أصحابه ، قال :

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 لكن :

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

[سورة آل عمران: 159 ]

7 ـ من أخلّ بالاتفاقية من اليهود فهو ظالم لنفسه و لأهله :

 ومن بنود هذه الاتفاقية : من أخلّ بعده من اليهود فإنه ظالم لنفسه وأهله ، وليس له على أهل هذا العهد ذمة ولا ميثاق ، يتحمل كل فريق مشارك في هذا العهد نصيبه في الحرب ، والسلم ، والنفقة ، وعليهم التعاون والمشاركة ، وبينهم النصح ، والبر ، من دون إثم .

8 ـ لا يتحمل أحد وزر غيره :

 من أبلغ ما في هذه المعاهدة وتلك الاتفاقية أنه لا يتحمل أحد وزر غيره لقوله تعالى :

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[سورة الأنعام: 164]

 ولاتزر وازرة وزر أخرى
من أشد المنكرات في المجتمع البعيد عن الله قضية الثأر ، يُقتل إنسان من قبيلة ، كان جميع أفراد القبيلة التي منها القاتل معرّضين للقتل ، بلا سبب ، هذا الثأر وصمة عار بحق الأمة ، علاج الثأر أنه :

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[سورة الأنعام: 164]

 قبل شهرين أو ثلاثة اتصل بي أخ من محافظة بالجنوب ، وقد قُتل من بعض العشائر إنسان ، العشيرة التي منها القاتل هربت ، واختفت ، وسافرت إلى أطراف البلاد ، ولأهل المقتول اتجاه ديني ، اتصلوا بي هاتفياً ، فقلت لهم : ينبغي أن يذهب رئيس عشيرتكم إلى العشيرة التي منها القاتل ، وأن تطمئنوهم ، أننا لن نقتل واحداً منكم ، والقاتل هناك من سيحاسبه ، أما أن نأخذ بالثأر فهذا سلوك جاهلي ، وسلوك لا يرضي الله عز وجل لقوله تعالى :

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

[سورة الأنعام: 164]

 هذا العهد لا يلغي الالتزامات السابقة على المعاهدين ، ولا يعفي ظالماً أو آثماً من جزائه أو معاقبته ، وليس هذا العهد للحرب فقط ، بل هو للسلم أيضاً ، وجعل هذا العهد المدينة المنورة بلداً حراماً .
 أيها الأخوة ؛ هذه بعض بنود هذا العهد الذي أبرمه النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة حينما وصل إليها ، وصدقوا أيها الأخوة ؛ والله لا أبالغ إنه من أرقى الاتفاقيات الحضارية التي يشار إليها بالبنان .
 إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018