الدرس : 07 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 19 - 23 ، طاعة رسول الله عين طاعة الله وطاعة الله عين طاعة رسوله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 19 - 23 ، طاعة رسول الله عين طاعة الله وطاعة الله عين طاعة رسوله


2009-05-22

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

 

الله عز وجل يحسم دائماً ما بين خلقه من خلافات:

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السابع من دروس سورة الأنفال، ومع الآية التاسعة عشر وهي قوله تعالى:

﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19) ﴾

هذه الآية بدأت بكلمة

﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾

الله عز وجل يحسم دائماً ما بين خلقه من خلافات
ولا يغيب عن أذهاننا جميعاً أن الكلمات في اللغة تبدأ بالمعاني المادية، ثم تتطور إلى المعاني النفسية، كيف ؟ الحقد انحباس المطر، ثم أصبح الحقد شعوراً مؤلماً يعتمل في النفس.
الفتح، فتح باب، فتح سجن، إطلاق سراح المساجين، أما الفتح بالمعنى الآخر المعنوي، يعني الحسم، هناك خلاف بين فئتين الله عز وجل يفتح بينهما أي يحسم بينهما، أحياناً يكون هناك طلاق، من الظالم لا نعرف، المظلوم يوفق، فالله تعالى حسم الأمر.
هناك معركة، الله نصر هذه الفئة، فدائماً الله عز وجل يحسم ما بين خلقه من خلافات.

كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
* * *

فالله عز وجل قال:

﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾

أي إن طلبتم من الله الحسم في أن توضح الحقائق.
النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام على حق، استفتحوا الله عز وجل فلما انتصروا في بدر، وفي الخندق، ولما فتح النبي مكة المكرمة، ودان له أهلها، الله حسم الأمر، ونحن إذا كنا مع الله يفتح لنا أي يحسم خلافاتنا مع أعدائنا، أما قضية عالقة من أربعين سنة، أو خمسين سنة ؟!

 

أنواع النصر:

قالوا: الحرب بين حقين لا تكون، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.
النصر الكوني يكون بين طرفين شاردين عن الله والأقوى ينتصر
الحرب بين حقين لا تكون، الحق لا يتعدد، مستحيل أن يكون حرب بين حقين، بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، انتهى الأمر، لكن بين باطلين لا تنتهي، لذلك قالوا: هناك نصر استحقاقي:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

وهناك نصر آخر نصر تفضلي، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ (5) ﴾

( سورة الروم)

هذا نصر تفضلي، أحياناً نسأل الله نصراً تفضلياً إن كنا لا نستحق النصر الاستحقاقي، و هناك نصر كوني، فئتان شردتا عن الله الذي عنده أسلحة مداها المجدي أطول ينتصر، الذي عنده أسلحة دقة الإصابة بها متناهية ينتصر، الذي عنده أقمار صناعية ينتصر، الذي عنده ثلاثين حليفاً على الحق والباطل ينتصر، في تحالفات دولية، في أقمار صناعية، في أموال طائلة، في إعلام خطير، إذا كان الطرفان المتحاربان شاردين عن الله الأقوى ينتصر، هذا اسمه نصر كوني.
وإذا جاءت شظية وقتلت مسلماً صحت عقيدته وتوحيده وأدى عباداته هذا منتصر نصراً مبدئياً، صار عندنا نصر استحقاقي، ونصر تفضلي، نصر كوني، نصر مبدئي.

 

أعظم إنجاز للإنسان أن يكون الله معه بالنصر و التأييد:

لذلك:

﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا﴾

أعظم إنجاز للإنسان أن يكون الله معه بالنصر و التأييد
أي يا كفار قريش وإن تنتهوا فهو خير لكم، كأن في هذه الآية وعيد للكفار إذا أدركتم أن هذا نبي كريم، وأن الله معه، وإذا كان الله معه فمن عليه ؟ وكففتم عن محاربته فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد، إن تعودوا إلى محاربته نعد إلى نصره.
أعظم إنجاز لك أن يكون الله معك، الله عز وجل مع كل خلقه:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )

أما إذا قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

هذه معية خاصة أي معهم بالنصر، والحفظ، والتأييد، والدعم، إن تعودوا إلى حربهم نعود إلى نصرهم:

﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ (19) ﴾

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) ﴾

(سورة البقرة)

فالعدو أحياناً يعتد بقوته، يعتد بأسلحته، يعتد بخبراته، يعتد بأقماره الصناعية، فالله عز وجل يقول:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم )

بعد آيتين:

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) ﴾

( سورة إبراهيم )

الصبر مع الطاعة طريق النصر:

أما أن تحل مشكلات المسلمين في الأرض بكلمتين في القرآن هذا واقع:

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 120 )

الصبر مع الطاعة طريق النصر
الصبر مع الطاعة طريق النصر، أما الصبر أي القهر مع المعصية ليس بعدهما إلا القبر، إن أردتم النصر اصبروا واتقوا، هذا ملخص الملخص:

﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19) ﴾

هذه المعية الخاصة معهم بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق.

 

أشقى الناس من وقف في خندق معاد للمؤمنين:

لذلك أشقى الناس من وقف في خندق معاد للمؤمنين، الآية الكريمة:

أشقى الناس من وقف في خندق معاد للمؤمنين

 

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

 

( سورة التحريم الآية: 4 )

امرأتان حفصة وعائشة:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4) ﴾

( سورة التحريم الآية: 4 )

ما معنى الآية ؟ أي أنت حينما تحارب مؤمناً هل تعلم من وراءه ؟ أحياناً تخاف من طفل صغير لكن وراءه أب كبير، تخاف من دولة صغيرة لكن وراءها دولة كبيرة، تخاف من موظف وراءه الدولة كلها، الإنسان كلما نما عقله عرف من وراء خصمه، أسعد إنسان من وقف في خندق مع أهل الحق، وأشقى إنسان من وقف في خندق معاد لأهل الحق.
الذين كانوا من سادة قريش وزعماء قريش هم الأغنياء، والأقوياء، والوجهاء العظماء، والمؤمنون كانوا ضعفاء، مضطهدين، فقراء، بالنهاية زعماء قريش أين هم ؟ تقول سيدنا أبو جهل ؟ هل تتكلم أنت بهذا الكلام ؟ مستحيل، تقول سيدنا الصديق، سيدنا عمر، وأبو جهل لعنه الله، طبعاً لأنه حارب الحق، لذلك أكبر إنجاز لك أن تكون مع المؤمنين، وأكبر خطأ ترتكبه أن تكون في صف معادٍ للمؤمنين.

 

خطاب الخاصة من المؤمنين بفروع الدين:

أيها الأخوة الكرام، ومع الآية العشرين وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ(20)﴾

الله يخاطب الناس عامة بأصول الدين ويخاطب المؤمنين بفروع الدين
قلت كثيراً في دروس سابقة: إن الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس عامة بأصول الدين:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21) ﴾

( سورة البقرة)

ويخاطب الذين آمنوا، لأنهم آمنوا بالله، آمنوا به موجوداً، وواحداً، وكاملاً، آمنوا به، آمنوا بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، آمنوا بحكمته، ورحمته، وعلمه، وقدرته، لهذه الأسباب كلها هم يخاطبون خطاباً خاصاً، يخاطبون بفروع الدين، وأي أخ كريم مؤمن يتلو قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا فلا يشعر أن هذا الكلام موجه إليه ففي إيمانه شك، ما لم تشعر حينما تقرأ قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أن هذا الخطاب إليك ففي الإيمان خلل.
أي بلاغ عام إلى كل الأطباء في القطر، وأنت طبيب، وهناك قرار حاسم إيجابي أو سلبي، فإن لم يخطر في بالك أنك معني بهذا الخطاب فأنت قطعاً لست طبيباً، و حينما تستمع إلى بلاغ موجه إلى كل الأطباء أنه: ما لم ينل الطبيب ترخيصاً بمزاولة المهنة لأول العام فلا يسمح له بفتح العيادة، وأنت طبيب، هذا قرار مصيري، تتعلق سلامتك واستمرارك بتنفيذ هذا البلاغ، فإن لم يكن يعنيك هذا القرار فأنت قطعاً لست طبيباً، مادام ممنوع أن تفتح العيادة إلا بترخيص جديد، وأنت طبيب، ورزقك من هذه الحرفة، تقول: أنا ليس لي علاقة.

 

من أراد أن يحدث الله عز وجل فليدعه:

من أراد أن يحدث الله عز وجل فليدعه
لذلك مقياس خطير حينما تقرأ قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا، علامة إيمانك أنك معني بهذا الخطاب.
حتى بعضهم قال: إذا أردت أن تحدث الله فادعه، يا رب لك الحمد، يا رب وفقني، يا رب انصرني، يا رب اهدني واهدِ بي، وإذا أردت أن يحدثك الله فاقرأ القرآن، الله عز وجل يقول لك: يا أيها الذين آمنوا، وأنت في الصلاة قد لا تنتبه بعد أن تركع ماذا تقول ؟ سمع الله لمن حمده، الله يسمعك الآن فخاطبه، اشكره، ادعه.
لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (20)﴾

أيها الأخوة، أطيعوا الله في كليات الدين التي تجدونها في القرآن الكريم، وأطيعوا رسوله في تفاصيل الدين التي تجدونها في سنته المطهرة، فأنت ينبغي أن تطيع الله بقرآنه، وأن تطيع النبي فيما صحّ من سنته، والقرآن وحي متلو، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام وحي غير متلو.

 

بطولة الإنسان أن يكون عبد شكر لا عبد قهر:

أيها الأخوة:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ (20)﴾

بطولة الإنسان أن يكون عبد شكر لا عبد قهر
طبعاً أطيعوا الله ورسوله، أي قد يتبادر إلى أحدكم ولا تولوا عنهما، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ (20)﴾

لأنك لا تستطيع أن تتولى عن الله، حياتك بيده، وقيامك بيده، وسمعك بيده، وبصرك بيده، وقلبك بيده، وأجهزتك بيده، ودسامات قلبك بيده، والشريان التاجي بيده، وزوجتك بيده، وأولادك بيده، والأقوياء بيده، والطغاة بيده، ومن دونك بيده، ومن حولك بيده، والرزق بيده، والسعادة بيده، لم يقل: ولا تتولوا عنهما، لأنك لن تستطيع أن تتولى عن الله عز وجل، لكن بطولتك أن تكون عبد الله، عبد إحسان لا عبد امتحان، هناك من هو عبد لله، عبد شكر، وهناك عبد قهر، ما معنى عبد قهر ؟ مهما تكن عظيماً، مهما تكن قوياً، مهما تكن متفوقاً، مهما تكن متمكناً، قوتك وتمكنك وهيمنتك منوطة بسيولة دمك.
والله أحياناً تتجمد قطرة من الدم لا ترى بالعين في أحد فروع أوعية الدماغ، بمكان شلل، بمكان فقد بصر، بمكان عمى، خثرة في الدماغ لها مضاعفات تنهد لها الجبال، وقد يكون ملكاً، خثرة في الدماغ، أصيب بالشلل، فانتهى بثانية، و بقي شكلاً عشر سنوات إلى أن توفاه الله، يكون ملكاً.
فبطولتك أن تكون عبد شكر لا عبد قهر، أما كل البشر عبيد قهر.

 

من عرف الله سلم و سعد في الدنيا و الآخرة:

لا يوجد إنسان إلا في قبضة الله بأي لحظة، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه ؟

من عرف الله سلم وسعد في الدنيا و الآخرة

 

(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك ))

 

[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]

فجأة، بثانية، فقدت كل شيء.
لو أن خللاً عقلياً أصاب صاحب البيت ـ هو الذي اشترى هذا البيت، هو الذي زينه، هو الذي اختار الأثاث، هو الذي ينفق عليه، هو الذي له المكانة الكبرى ـ أقرب الناس إليه زوجته تتوسط كي يكون له مكان في مستشفى المجانين.
فكل قيامك بالله، مكانتك بالله، رزقك بالله، دخلك بالله، هيمنتك بالله، قوة تأثيرك بالله، أنت حينما تعلم أنك بيد الله، من أدق أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم أنا بك قائم بك ))

إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، اللهم أنا بك قائم بك وإليك، هذا المعنى التوحيدي، هذا الشعور أنك في قبضة الله، وأن الله على كل شيء قدير، وأنك إذا عرفته سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة، وأنك إن نسيته بثانية تفقد كل شيء.

 

الذي يسمع الحق هو الذي يطبقه فقط:

أيها الأخوة الكرام،

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾

في قرآنه في كليات الدين، والرسول فيما صحّ من سنته في تفاصيل الدين:

﴿ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾

الذي يسمع الحق هو الذي يطبقه فقط
على من تعود ؟ على النبي عليه الصلاة والسلام، ما قال ولا تولوا عنهما، لأنك مستحيل أن تتولى عن الله عز وجل:

﴿ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ(20)﴾

الله عز وجل هداك بالكون، هداك بالقرآن، هداك بالنبي العدنان، هداك بالدعاة إلى الله، الله عز وجل أسمعك الحق، لكن الله جلّ جلاله كأنه يريد أن يقول لنا: إن الذي يسمع الحق هو الذي يطبقه فقط، أما الذي يسمع ولا يفعل كأنه ما سمع.
مثلاً: قلت لإنسان على كتفه عقرب كبيرة: على كتفك عقرب، بقي هادئاً، التفت نحوك وابتسم، وقال لك: شكراً لك على هذه الملاحظة، وأتمنى أن أرد لك الجميل، هل فهم ما قلت له ؟ إطلاقاً ما سمع شيئاً، لو أنه فهم لصرخ، وقفز، وخلع معطفه فجأة، فالذي يسمع ما عند الله هو الذي يطبق:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

( سورة التحريم الآية: 4 )

مثلاً: درس سمعته إن لم تطبقه لم تسمع شيئاً.

 

إقامة المسلمين على الآثام و المعاصي أبعدهم عن تطبيق كلام الله عز وجل:

صدقوا ولا أبالغ القرآن الكريم يتلى أناء الليل وأطراف النهار، في كل مكان، ولأن المسلمين مقيمون على المعاصي والآثام والله ما سمعوا شيئاً.
مرة اعترضني إنسان و دعاني إلى محله التجاري في أحد أسواق دمشق، قال لي: خطب ابنتي شاب وسيم، ويملك معملاً باسمه، وأنا أرى أن هذه الفرصة فرصة نادرة لن تعوض، لكن هناك رقة في دينه، فما تقول ؟ هو مقتنع مئة بالمئة لكن يحتاج إلى غطاء ديني، يريد شيخاً يقول له: ما شاء الله لا تقف، قلت له: إذا قال الله عز وجل:

إقامة المسلمين على المعاصي أبعدهم عن تطبيق كلام الله

 

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

 

(سورة البقرة: من آية " 221 " )

فعندما تنتهي من قراءة هذه الآية تغلق المصحف وتقول: صدق الله العظيم، فإن زوجت ابنتك لهذا الإنسان أنت لم تصدق ربك العظيم، أنت ما صدقته، طبعاً زوجه إياها، وبعد سبعة عشر يوماً من العرس طلقها، كان بمصيف فتح باب السيارة وركلها برجله، وعاد إلى الشام لأنه ما صدق قول الله عز وجل.
والله أعرف إنساناً يملك محلاً تجارياً، ثلاث واجهات بثلاث واجهات، وتحته مستودع بحجم المحل، وفوقه مكتب استيراد بحجم المحل، وله بيت أربعمئة متر في البناء نفسه، أخذ قرضاً ربوياً، فباع المحل، وباع البيت، وباع المستودع، وباع المكتب، واشتغل تاجر حقيبة، الله عز وجل قال:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

( سورة البقرة: من آية " 276 ")

يجب أن تصدق، العالم كله انبطح أمام انهيار النظام المالي، لأن النظام المالي اعتمد على الربا، واعتمد على المتاجرة بالقيمة لا بالسلعة، واعتمد على بيع الدين.

 

بطولة الإنسان أن يَصْدق الله في كل ما يقول:

عندنا ثلاثة محرمات، نظام عالمي حقق أرباحاً فلكية، أي برميل النفط من خمسين إلى مئة وخمسين، المواد الأولية ارتفعت عشرة أمثال، العالم كاد يرقص من النمو التجاري فجأة، خسر العالم خمسة وعشرين تريليون دولار، أي لا يوجد إنسان إلا فقد نصف ماله، لأن الله يقول:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276) ﴾

(سورة البقرة)

بطولة الإنسان أن يَصْدق الله في كل ما يقول
كل بطولتك أن تصدق الله فيما يقول، فإن لم تصدق لا بد من أن تصدق بعد فوات الأوان، صدق قبل فوات الأوان، ابتعد عن الحرام.

 

طاعة رسول الله عين طاعة الله وطاعة الله عين طاعة رسوله:

أيها الأخوة الكرام، الآن فكرة جديدة:

﴿ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (80) ﴾

( سورة النساء)

طاعة الرسول عين طاعة الله وطاعة الله عين طاعة رسوله
طاعة رسول الله عين طاعة الله، وطاعة الله عين طاعة رسوله، وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله، وإرضاء رسول الله عين إرضاء الله، الآية الكريمة:

﴿ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (80) ﴾

( سورة النساء)

حكماً.

 

الكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة:

شيء آخر:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾

( سورة الحشر )

كليات الدين ذكرت في القرآن أما تفصيلاتها نجدها في السنة
فأنت لست مخيراً، ينبغي أن تطيع الله ورسوله، أن تطيع الله في كليات الدين وهي في القرآن الكريم، أي أقيموا الصلاة، أما كم ركعة، السنة القبلية، البعدية، الركوع، السجود، تفصيلاتها تأتي في السنة:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 110 )

الزكاة، الأنصبة، ومصارف الزكاة، طريقة دفع الزكاة عيناً أو نقداً هذه في السنة، كأن القرآن مجمل والسنة تفصيلية، وحينما تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة الجمعة الآية: 2 )

الكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، القرآن الكريم قطعي الثبوت، أما آياته بعضها قطعية الدلالة، وبعضها ظنية الدلالة، أما الحديث بعضه قطعي الثبوت وبعضه ظني الثبوت ـ الأحاديث الضعيفة ـ وبعضه موضوع.
فأنا أقول دائماً: أطيعوا الله في قرآنه، وأطيعوا الرسول فيما صحّ من سنته، في الحديث هناك حديث موضوع، و حديث صحيح، و حديث متواتر، فنحن بالأحاديث فيما صح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

 

إرضاء الله عين إرضاء رسول الله وإرضاء رسول الله عين إرضاء الله:

أيها الأخوة، النقطة الدقيقة بالآية الكريمة:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ (62) ﴾

( سورة التوبة )

قد يقول أحدكم: أحق أن يرضوهما، هكذا اللغة، أما القرآن الكريم:

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (62) ﴾

( سورة التوبة )

ضمير الغائب المفرد، استنبط العلماء أن: إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، وأن إرضاء الله عين إرضاء رسول الله.

 

علاقة كل إنسان مع الله وحده لأن الله رقيب و عليم:

لو انتزعت فتوى ولست محقاً بها لن تنجو من عذاب الله
أيها الأخوة الكرام، هناك فكرة دقيقة أن الله بالمرصاد، أن الله رقيب، فلو أن مظلوماً ظلم، والمظلوم سامح الظالم، لا بد من حق عام، الله موجود وسيحاسب، لو سامحته، هناك تأديب من الله، أنت علاقتك مع الله، أحياناً إنسان يتمكن بذكاء شديد أن يستصدر فتوى من عالم جليل، لكن بحسب العرض الذكي كأنه يستنطقه بفتوى لصالحه، ويظن أنه ذكي جداً، وأنه بهذه الفتوى فعل ما يشاء دون أن يحاسبه الله عز وجل، وهو غبي جداً، لو انتزعت من فم النبي عليه الصلاة والسلام، المعصوم، سيد الأنبياء والمرسلين، لو انتزعت من فمه فتوى ولست محقاً بها لن تنجو من عذاب الله، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ))

[ البخاري عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

العلاقة مع الله وحده، لو أخوك سامحك، لو كان ضعيفاً و لم يستطع أن يطالبك، أو لو أوهمته وصدقك، هناك حساب مع العليم، مع الرحيم، مع الحكيم، مع الغني، مع القدير.

الله عز وجل أمر الأنبياء أن يبلغوا الناس شفاهاً :

أيها الأخوة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ(20)﴾

الله عز وجل أمر الأنبياء أن يبلغوا الناس إبلاغا شفهيا
الآن: الله عز وجل أمر الأنبياء أن يبلغوا الناس شفاهاً، الآن هناك انترنيت، و ايميل، و كتاب، و نشرة، و أخبار، لكن الأصل في التبليغ أن يكون شفهياً، هذا الأصل.
لذلك الأنبياء أبلغوا أقوامهم إبلاغاً شفهياً، هذا الشفهي يكتب وينقل، أما الأصل في التبليغ أن تُبلّغه شفهياً، لكن هذا الذي أبلغه النبي عليه الصلاة والسلام كُتِبَ وأصبح محفوظاً.

 

معرفة الله عز وجل أصل الدين:

لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

( سورة الإسراء )

معرفة الله عز وجل أصل الدين
والله هناك تفسيرات لطيفة لهذه الآية، من تفسيراتها: أن العقل هو الرسول، العقل كاف لمعرفة الله، أحياناً تركب طائرة أحدث موديل، تقل أربعمئة راكب، تطير بسرعة ألف كيلو متر على ارتفاع أربعين ألف قدم، فيها مقاعد وثيرة، الجو مريح، كل شيء متوافر في هذه الطائرة، هل تصدق أن انفجاراً تمّ في بعض مستودعات المعادن فكانت هذه الطائرة، هل تصدق ؟ هناك عشرة آلاف مهندس، وعشرة آلاف مصمم، و أكثر من مئتي ألف جهة تصنع جزئيات الطائرة، تصدق أن طائرة صنعت وحدها ؟ الطائرة أمام أي شيء الله خلقه لا شيء.
مرة عندي موسوعة علمية من أرقى الموسوعات، و هي موسوعة مترجمة، في بحث الطيور مكتوب: إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطير.
الطير أحياناً يطير ستاً وثمانين ساعة بلا توقف، عنده نظام تبريد عجيب، أي الهواء البارد يصل إلى كل أنحاء جسمه، العضلات المستمرة بالعمل تزداد حرارتها لابدّ من تبريد، تصميم الطائر مذهل، إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطير، فلذلك لا بد من أن نعرف الله عز وجل.

 

العقل كاف لمعرفة الله والفطرة كافية لمعرفة الخطأ:

العقل كاف لمعرفة الله والفطرة كافية لمعرفة الخطأ
لو فكرنا في هذا الكون لعرفنا الواحد الديان، فالعقل كاف لمعرفة الله، والفطرة كافية لمعرفة الخطأ، مثلاً: إنسان يسكن مع أمه، ومضى أسبوع لم يأكلا شيئاً، ثم أصاب طعاماً نفيساً فأكله وحده، وبقيت أمه جائعة، هذا الإنسان ألا يعرف في فطرته أنه أخطأ ؟ يحتاج إلى معلم ؟ إلى مرشد ؟ بالفطرة يكشف الخطأ، والدليل:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾

( سورة الشمس )

فنحن نقول: الإنسان إذا لم تبلغه الرسالات يحاسب على عقله الذي يكفيه لمعرفة الله، ويحاسب على فطرته التي تكفيه لمعرفة الخطأ الذي ارتكبه، ولكنه معفى من تفاصيل الشريعة، هذا اجتهاد وأرجو الله عز وجل أن يكون صواباً.

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ(20)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21) ﴾

 

ما لم يؤدِ الإنسان ما له و ما عليه لا قيمة لإيمانه إطلاقاً:

الآن: أية آية تقرأها وتخالفها أنت لم تقرأها، أية آية سمعتها وأنت تخالفها أنت لم تسمعها:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21) ﴾.

ما لم يؤدِ الإنسان ما له و ما عليه لا قيمة لإيمانه إطلاقاً
المسلمون مليار وخمسمئة مليون هل ترى في أعمالهم ما يؤكد أنهم مؤمنون باليوم الآخر ؟ أبداً، إذا في سبعين ألف دعوى كيدية بقصر العدل، اغتصاب بيت، اغتصاب شركة، إذا إنسان يريد أن يأكل المال الحرام، يريد أن يأخذ ما ليس له، هذا مؤمن بالحساب ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل.
لذلك قرن الله الإيمان بالله باليوم الآخر، المؤمن الصادق يسأل نفسه بكل دقيقة ماذا أقول لله عز وجل يوم القيامة لو سألني لما طلقتها ؟ لما أخرجت شريكك من الشركة بعد أن أخذت خبرته، وأكدت له أنك معه إلى الأبد ؟ وعندما أخذت خبرته، والمال مالك طردته، أو ضايقته حتى انسحب من الشركة، الله كبير.
والله يا أخوان ما لم تؤدِ ما عليك فلا قيمة لإيمانك، ما لم تؤد ما عليك فلا قيمة لعباداتك، ما لم تؤدِ ما عليك فلا قيمة لعقيدتك، شيء خطير:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21) ﴾

أليس هناك غش في حياة المسلمين ؟ في بيعهم وشرائهم ؟ هذا الذي يغش المسلمين يصلي ما قيمة صلاته ؟ تضع مادة مبيضة لكنها مسرطنة من أجل أن يزداد ربحك، إذاً أنت ألغيت عباداتك جميعها.

على الداعية أن يُبلغ الدين بمضمون عميق وتفسير دقيق وتحليل مقنع:

أيها الأخوة الكرام، إلى موضوع التبليغ.
هناك مقولة رائعة جداً وهي: حينما تدعو إلى الله بمضمون هزيل، بمضمون سطحي، بقصص، بمنامات، بكرامات، وبلا أسلوب علمي ولا تربوي، المدعو بهذه الطريقة لا يكون عند الله مُبلّغاً، ويقع إثم تفلته على من دعاه بهذه الطريقة، فأنت إذا بلغت هذا الدين ينبغي أن تبلغه بمضمون عميق، وتفسير دقيق، وتحليل مقنع، وبأدلة قوية نصية وعلمية، وبأسلوب تربوي، حتى يعد هذا الذي تلقى منك هذه الدعوة مبلغاً عند الله.
على الداعية أن يُبلغ الدين بتفسير دقيق وتحليل مقنع
يقول لك: أنا هكذا نشأت من أب غير مسلم ما ذنبي ؟ كم ابن كره حرفة أبيه واختار حرفة ثانية ؟ لو فرضنا سوف يسمح ببيع الوقود بربع السعر، ولكن عن طريق بطاقة خاصة مثلاً وبلاغ أذيع، يبقى مواطن لا يبحث عن هذه البطاقة ؟ أي سعر الحر أربعة أمثال السعر المخفض، فالمخفض ينزل للربع، لكن يحتاج إلى معاملة، إلى بطاقة معينة، وإلى دفتر، و قسائم إلى آخره، يبقى مواطناً واحداً لا يبحث عن هذه البطاقة ؟ لماذا في شؤون دنياك أنا إنسان يقظ وحذر ؟ عندك بيت تملكه تريد بيعه، خرجت من البيت رأيت في وجهك تاجر بيوت قال لك: هذا ثمنه ثلاثة ملايين تبيعه رأساً ؟ تسأل خمسين دلالاً، لماذا في أمور دنياك دقيق تحقق، تسأل، تستنبط، لماذا ؟ أنا هكذا الله خلقني، أنا من أب غير مسلم، لما لم تبحث عن الإسلام الحقيقي ؟ لما كرهت حرفة أبيك ولم تكره دين أبيك ؟ لا يوجد حجة، الحجة قائمة:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية: 29 )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21)إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ(22)﴾

 

الإنسان إما أن يكون من أول المخلوقات عند الله وإما أن يكون إنساناً غافلاً عن الله:

سامحوني بهذه الكلمة: إما أن تكون إنساناً أنت من أول المخلوقات عند الله، وإما أن تكون إنساناً غافلاً عن الله، ومتفلتاً من أمره، ومنحرفاً في سلوكه، دابة، أو دابة فلتانة، همه بطنه وفرجه، همه المال من حلال، من حرام، همه مصالحه، والله اسمع قصصاً لا تنتهي، عندك زوجة مؤمنة، طاهرة، عفيفة، خاضعة، طائعة، لأنه أعجب بفتاة بعمله، صاحبها، ورافقها، واستغنى بها عن زوجته، وترك زوجته وأهمل أولاده، أين عقله ؟ من إما أن تكون إنسانا مكرماً حاملا للأمانة أو أن تكون غافلاً عن الله
دون دين الإنسان ينحرف انحرافاً خطيراً، حينما يكتشف الحقيقة يكاد يموت ألماً، فلذلك أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21)إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ(22)﴾

طبعاً هناك جماد وفوق الجماد يوجد نبات، وفوق النبات يوجد حيوان، وفوق الحيوان يوجد إنسان، فأنت أرقى المخلوقات، الجماد والنبات والحيوان والإنسان، إذا مات العبد الفاجر:

(( يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))

[متفق عليه عن أبي قتادة ]

بقي أحد ؟ فلما انصرف قبل أشهر زعيم الكتلة الغربية في أمريكا، استراحت منه البلاد، والعباد، والشجر، والدواب.
انظر إلى الأنبياء، تذهب إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام بعد ألف وأربعمئة عام تبكي بكاء شديداً، هل رأيته ؟ ماذا قدم لك ؟ لكنه كان إنساناً كاملاً، كان إنساناً يمثل الكمال الإلهي.

 

الفرق بين المؤمن و غير المؤمن:

أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون
أيها الأخوة الكرام، الفرق الآن بين المؤمن وغير المؤمن فرق كبير جداً، مؤمن طاهر، صادق، أمين، عفيف، متواضع، منصف، رحيم، إنسان آخر خسيس، دنيء، كذاب، منافق، يأخذ ما ليس له، يعتدي:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

 

عدم استواء المؤمن مع غير المؤمن:

أيها الأخوة الكرام، لا تصدقوا أن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن الصلاة، لا، هناك فروق لا تعد ولا تحصى.
المؤمن مجموعة مبادئ أما غير المؤمن مجموعة انحرافات
إنسان مجموعة كمالات، مجموعة مبادئ، مجموعة قيم، تعشقه من كماله، وإنسان مجموعة نقائص، وانحرافات، تمقته من جريمته، من يتحمل منكم يشم رائحة قطعة لحم متفسخة ؟ أحياناً يموت حيوان بالفلاة من قبل خمسين متراً تكاد تخرج من جلدك من رائحته النتنة، وأحياناً تكون جائعاً، يقدم لك طعام لحوم مشوية من أرقى مستوى، هذا لحم وهذا لحم، كم المسافة بينهما ؟ صدق ولا أبالغ المسافة بين المؤمن وغير المؤمن كالمسافة بين رائحة قطعة لحم متفسخة، وقطعة لحم مشوية طازجة، الفرق كبير:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

مؤمن صادق، أمين، لا يخون، لا يكذب، عفيف، لا يخدع، لا يتآمر، يقدم لأمته كل خير، في معاملاته طيب رحيم، وإنسان دنيء خسيس لئيم.
يقول سيدنا علي: << والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين >>.

 

لا تسمى عند الله مستمعاً إلا إذا نفذت ما سمعت:

أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21) ﴾

لا تسمى عند الله مستمعاً إلا إذا نفذت ما سمعت، وإذا لم تنفذ لا قيمة لكل الدروس التي تحضرها، لا قيمة لكل المحاضرات التي تتلقاها:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ﴾

( سورة الأنفال )

 

من كان فيه ذرة خير أسمعه الله الحق ليهديه إلى الطريق المستقي:

أيها الأخوة، كلام دقيق جداً لو أن إنساناً فيه واحد بالمليار خير، لا بد من أن يسمعه الله الحق، كي أطمئنكم، لأن الله عز وجل ماذا قال:

من كان فيه ذرة خير أسمعه الله الحق ليهديه ولو كان في أقصى الأرض

 

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

 

( سورة الليل )

وعلى إذا جاء مع لفظ الجلالة تعني الإلزام الذاتي، إنسان ساكن بألاسكا، بأقصى الشمال الغربي في العالم، ويبحث عن الحقيقة، يسافر إلى بلد في أمريكا، ويتجنس بالجنسية الأمريكية، ويذهب إلى الشرق الأوسط بحملة، ويلتقي بعالم مسلم، ويقنعه بالإسلام ويسلم، لا تصدق أن إنساناً عنده خير واحد بالمليار إلا الله عز وجل يسمعه الحق، هذه الآية تحل مليون مشكلة:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ (23) ﴾

( سورة الأنفال )

مرة التقيت مع مندوب شركة من هولندا، فأردت أن أحدثه عن الله عز وجل، لم أتكلم بكلمتين حتى قال لي: هذه المعلومات لا تعنيني، ولا أهتم بها، ولا ألقي لها بالاً، أنا يعنيني أشياء ثلاثة ؛ امرأة جميلة، وبيت واسع، ومركبة فارهة، ومات، والله بحياتي ما تذوقت هذه الآية إلا بعد أن أجابني هذا الجواب:

 

﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ﴾

( سورة الأنفال )

 

الله عز وجل تولى بذاته العلية هداية الخلق:

لا تصدق أن إنساناً فيه ذرة خير واحد بالمليار إلا الله عز وجل يسمعه الحق، والحق يصل إليه لقوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

( سورة الليل ).

الله عز وجل تولى بذاته العلية هداية الخلق.
الله عز وجل تولى بذاته العلية هداية الخلق
مرة شخص من أخواننا الكرام سافر إلى أمريكا، دخل إلى مسجد، وجد شخصاً ينظف دورات المياه، و هو يتمتع بمستوى رفيع جداً، سأله عن نفسه فقال له: أنا ضابط بالجيش الأمريكي، و عندما كنا في الخليج التقيت مع إنسان مسلم، أقنعني بالإسلام فأسلمت، لأن فيه خير ساقه الله إلى بلد إسلامي، والتقى مع عالم مقنع، وأقنعه، وأسلم.
لا تصدق، اطمئن، لا تقلق على الآخرين، هذه الآية اعتبرها منهجاً:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ (23) ﴾

( سورة الأنفال )

أنت تبحث عن الحقيقة، الله عز وجل يقودك إلى مكان ترتاح له، هو ينتظرك:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ (23) ﴾

( سورة الأنفال )

والذين رفضوا الحق، تفضل وقل لهم الحق، قال لي: هذه الموضوعات لا تعنيني، ولا ألقي لها بالاً، ولا أهتم لها، أنا يعنيني أشياء ثلاثة ؛ امرأة جميلة، وبيت واسع، ومركبة فارهة، وقتها أنا تذوقت هذه الآية:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ (23) ﴾

( سورة الأنفال )

أيها الأخوة الكرام، نتابع في الدرس القادم هذه الآيات.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018