الخطبة : 0823 - التوبة 1 - شروط التوبة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0823 - التوبة 1 - شروط التوبة.


2002-02-01

الخطبة الأولى:

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التوبة :


 أيها الأخوة المؤمنون، انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

[ سورة الشورى: 30]

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾

[ سورة آل عمران: 165]

 فالشيء البديهي، وأول خطوة نحو السلامة، ونحو النجاح، ونحو التفوق والنصر أن نتوب إلى الله، لذلك فهذه الخطبة عن التوبة، ولعل الله سبحانه وتعالى يكرمنا بموضوع آخر متعلق بالتوبة، لكن الأمر بالتوبة واضح في القرآن الكريم، يقول الله عز وجل في سورة النور:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون﴾

[ سورة النور: 31]

 لكن كلمة (جميعاً) تلفت النظر، فلابد أن تتوب، أتاب الناس أم لم يتوبوا، أكنت وسط مجتمع شارد ضال أم لم تكن، لا بد أن تتوب، لكن الناس إذا تابوا جميعاً قطفتم ثماراً يانعة، ما قيمة هاتف عندك وحدك وكل مَن حولك لا يملكون هذا الهاتف؟ إذاً لا جدوى منه، أما عندما يكون كل مَن حولك عندهم هذا الجهاز شعرت بقيمته، وكانت اتصالاتك مثمرة.
 أيها الأخوة، الأمر بالتوبة واضح في نص هذه الآية:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة النور: 31]

 لعلكم تنجحون، لعلكم تسلمون، لعلكم تسعدون، أما الآية الثانية ففيها وعيد:

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة الحجرات: 11]

 إما أن تكون تائباً، وإما أن تكون ظالماً، فحركة الحياة تقتضي من دون علم، ومن دون إيمان، ومن دون اتصال بالله أن تأخذ ما ليس لك، هكذا حركة الحياة، فإذا أنت لم تتب، ولم تتعرف إلى الله، ولم تلتزم منهجه فأنت في الخط الآخر حتماً.

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[ سورة الحجرات: 11]

 أيها الأخوة، لا شك أن كل واحد، بل إن كل مذنب يتمنى أن يتوب، وقد يتوهم أن هناك عقبات تحول بينه وبين التوبة، وهنا موضوع الخطبة، هناك عقبات يتوهمها بعض من أرادوا أن يتوبوا، ويظنون أن هذه العقبات لا حل لها.

 

من أصرّ على المعصية كانت حجاباً بينه و بين الله :

 أيها الأخوة، الشيء الأول يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾

[ سورة التحريم: 8]

 التوبة النصوح هي التوبة التي لا تُنقَض بالعودة إلى الذنب:

﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾

[ سورة التحريم: 8]

 بل إن الله سبحانه وتعالى رحمةً بنا كما أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

((إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات ))

[المعجم الكبير للطبراني من حديث أبي إمامة]

 لعلها حقب، أو لعلها أزمنة متعارف عليها وقت ورود هذا الحديث.

(( صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ فإن ندم واستغفر منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة ))

[المعجم الكبير للطبراني من حديث أبي إمامة]

 الإنسان حينما يُذنِب يُمهَل، لعله يندم، لعله يستغفر، لعله يراجع نفسه، فإن أصر على ذنبه كتب عليه هذا الذنب، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

[ سورة البقرة: الآية 286]

 (كسبت) فعل ثلاثي، أما (اكتسبت) فهي فعل خماسي، حينما لا تندم، وحينما لا تستغفر، وحينما تتباهى بالذنب، وحينما تفتخر به، وحينما تذكره للناس، عندئذ يسجل عليك ذنب.
 المشكلة أيها الأخوة مع معظم المسلمين، أن معظم المسلمين لا يقعون في الكبائر كالقتل، والزنا، وشرب الخمر، أي في الأعم الأغلب في بلاد المسلمين هذه كبائر، والناس يبتعدون عنها لأنها كبائر، لكن الذي يهلك الناس تلك الذنوب التي يحتقرونها، وهي الصغائر، فحينما أصروا عليها قلبوها إلى كبائر، حينما أصروا عليها كانت حجاباً بينهم وبين الله، فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ))

[ البخاري عن أنس ]

 المشكلة أن المعاصي إذا انتشرت إنْ لم يكن الإنسان يقظاً، ولم يكن متعلماً علماً شرعياً، ولم يكن له مجلس علم، ولم تكن له مرجعية يسأل حول أوضاعه، يظن هذه المعاصي التي أَلِفها الناس، وانتشرت، وشاعت حتى أصبحت جزءاً من حياتهم، يظنها ليست بمعاص.
 فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ))

[ البخاري عن أنس ]

 فلذلك لا تصاحب إلا من يرقى بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، لا تصاحب من هو أدنى منك ديناً، إنك إن فعلت ذلك رأيت شخصًا ولياً، أما إذا صاحبت من هو أقوى منكَ إيماناً فتشعر أن هناك مسافات ينبغي أن تقطعها كي تصل إلى مستواه.

 

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :

 أيها الأخوة الكرام، إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرَّ على أنفه، فقال به هكذا - حرَّكَ يدَه - فذبَّه عنه.
 وهذه قاعدة: كلما عَظُم الذنب عندك صَغُر عند الله، وكلما صغر الذنب عندك عظم عند الله، فالمؤمن علامته أنه يرى ذنبه كالجبل، والمنافق يرى ذنبه كالذبابة، لذلك عليه الصلاة والسلام حذرنا فقال: "إياكم ومحقرات الذنوب" دعك من الكبائر، لا زلنا بخير إن شاء الله، ولا زال المجتمع الإسلامي بعيداً عن الكبائر في خطه العريض. عفَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ ))

[ أحمد عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 وفي رواية أخرى:

((إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنـــه ))

[أحمد والطبراني من حديث سهل بن سعد]

 وأنا أقول لكم أيها الأخوة، وهذا كلام موجَّه إلى رواد المساجد لا إلى رواد الملاهي، رواد الملاهي في الكبائر، لكن رواد المساجد في محقرات الذنوب:" إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه "، كيف يهلكنه؟ يقول لك: أصلي فلا أشعر بشيء، وأقرأ القرآن فلا أشعر بشيء، وأذكر الله فلا أشعر بشيء، أي من معاني الخشوع، معنى ذلك أن هناك خللاً خطيراً في دينك، وفي إيمانك، وفي علاقتك بربك، أيْ أنّ هذه المحقرات حجبتك عن الله عز وجل، فأيُّ ذنب يحجب عن الله، ولو كان صغيراً، مفعول الذنب في الحجاب كمفعول الكبيرة، لكن الكبيرة حجاب مستمر، بينما الصغيرة حجاب مؤقت، لذلك ما من قول يثلج الصدر كقول أحد الصحابة: "لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر على من اجترأت." والحديث الجامع المانع في هذا الموضوع:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 والمثل الذي كنت أضربه توضيحاً لهذه الحقيقة أنك تركب مركبةً في طريق عريض جداً، ومستقيم، وعن يمينه واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، فإذا حرفت المقود درجةً واحدة، وثبت هذا الانحراف فالمصير إلى الوادي، أما الكبيرة فأن تحرف المقود تسعين درجة فجأةً، لكنّ الصغيرة درجة واحدة إن ثبتت فالمصير إلى الوادي.

 

اقتران الصغائر بقلة الحياء و عدم المبالاة :

 أيها الأخوة الكرام ، ذكر أهل العلم أن الصغيرة قد يقترن بها قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف من الله، والاستهانة بها، عندئذ تلحق بالكبائر، واعلمَ أنّ القرآن الكريم متوازن، فهناك من يأخذ فقرةً مِن آية، ولا يتابعها، يقول لك:

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة البقرة: 173]

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الحجر: 49 ]

 أكمل الآية:

﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

[ سورة الحجر: 50]

 يقول لك:

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[ سورة الزمر: 53]

أكمل الآية:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 54-55]

 معنى ذلك أن هذه التوبة، باب التوبة مفتوح لمن أراد أن يتوب، و لمن آمن وعمل صالحاً، وأصلح ما سبق منه. شيء آخر، حينما قال الله عز وجل:

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾

[ سورة هود: 3]

 معنى ذلك أنّ الاستغفار شيء، والتوبة شيء آخر، التوبة فيها زيادة على الاستغفار ألف مرة، المسلمون كلما وقعوا في ذنب فعليهم أن يستغفروه، وينبغي أن تعقد العزم على ألاّ تعود إليه.

 

شروط التوبة :

1 ـ الإقلاع عن الذنب فوراً وأن يكون ترك الذنب لله :

 لذلك حدَّدَ العلماء شروطَ التوبة ؛ أولاً الإقلاع عن الذنب فوراً، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة في المستقبل، فالتوبة تحتاج إلى علم، لابد أن تطلب العلم، فإنْ طلبت العلم، وعرفت أنك واقع في ذنب كبير فلا بد أن تشعر بندم شديد حال التوبة، علم، وحال، أما العمل فالإقلاعُ فوراً، وإصلاح الماضي، والعزم على ألاّ تعود إلى هذا الذنب.
 كذلك شيء آخر مهم جداً، وإذا بحثنا هذا الشيء دخلنا في صميم العبادة، ينبغي أن يكون ترك الذنب لله، لا لشيء آخر، إنسان يعاقر الخمر، فينصحه الطبيب أن هذه الخمرة تفسد كبده، إذاً يتركها أخذًا بنصيحة الطبيب، ليست هذه هي التوبة إطلاقاً، التوبة أن تدع الذنب خوفاً من الله وحده، والذي يدع الذنب خوف كلام الناس، أو خوف أن يفتضح ليس تائباً، ولا يسمى تائباً مَن ترك الذنوب لأنها تؤثر على مكانته الاجتماعية، وسمعته بين الناس، ولا يسمى تائباً مَن ترك الذنب خوف أن يفصل من عمله، ولا يسمى تائباً من خاف من الناس، لا يسمى تائباً من حرص على صحته مثلاً كان يزني، فترك الزنا خوفاً من الإيدز، فهذا ليس تائبًا.
 أيها الأخوة الكرام، بل إن النية في هذا الموضوع لها أثر كبير، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ؛ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ ]

 لذلك أيها الأخوة، لا يسمى تائباً مَن عجز عن فعل معصية بأمرٍ خارج عن إرادته، هذا الشرط الأول؛ أن يكون ترك الذنب لله.

 

2 ـ استشعار قبح الذنب و ضرره :

 والشرط الثاني أن يستشعر قبح الذنب وضرره، أحد كبار العلماء جزاه الله خيراً عدَّدَ بعض أضرار الذنوب فقال: قد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، وقد يحرم العلم، ويشعر بوحشة في القلب، وتعسير في الأمور، ووهن في البدن، وقد يحرم الطاعة، وتمحق البركة من حياته، ولا يوفق، ويضيق صدره، وهذه الذنوب تولد ذنوباً أخرى، ويعتاد الذنوب، ويهون المذنب على الله عز وجل، ويهون على الناس، ويلعنه الناس أجمعون، ويلبس بالذنب لباس الذل، ويطبع على قلبه، ويمنع من إجابة الدعاء، والذنب يفسد البر والبحر، والذنب يقلل الغيرة، أو يعدمها، ويذهب بالحياء، وتزول معه النعم، وتنزل النقم، ويملأ قلب المذنب بالرعب، ويقع في أسر الشيطان، وسوء الخاتمة، وعذاب الآخرة. إذاً ينبغي أن تدع الذنب لله أولاً، وأن تستشعر قبح هذا الذنب، فإن أنست به، واستمرأته، وارتحت له، فهناك مشكلة كبيرة ينبغي أن تعالج، هناك مشكلة يقع فيها بعضهم، كأنْ يبحث عن معصية ذات إثم أقل، دعك من هذه الكبيرة، فيفعل صغيرة، ما دام يبحث عن المعاصي التي لها آثام أقل، فهو في حيز المعصية.
 يا أيها الأخوة الكرام، أهم شيء في هذا أن تكون لك بيئة طيبة، أن يكون لك رفقاء صالحون، أن يكون لك مجتمع طاهر، أما إذا عشت مع أهل الدنيا، مع أهل المعاصي والفجور فلا بد أن تعاود الذنب الفينة بعد الفينة.

3 ـ المبادرة إلى التوبة من دون تأخير :

 الشرط الثالث أيها الأخوة: أن تبادر إلى التوبة من دون تأخير، لأن تأخير التوبة في حدّ ذاته ذنب، والله عز وجل يقول:

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾

[ سورة النساء: 17]

 أي بعد الذنب مباشرةً، كلما طال الأمد بين الوقوع بالذنب وبين التوبة أصبح بينك وبين التوبة حجباً سميكة.

 

4 ـ قلق التائب من أن يعود إلى الذنب ثانية :

 الشيء الرابع أنّ التائب، وهو ينعم بالتوبة، وهو غارقٌ في سعادة التوبة، يجب أن يقلقه أن يعود إلى هذا الذنب مرة ثانية، يجب أن يخشى على توبته من النقض.

5 ـ استدراك التائب ما فاته من حق الله تعالى :

 الشيء الخامس من شروط التوبة أن يستدرك ما فات من حق الله تعالى، إن كان ممكناً، فإن كان ميسوراً، وعليه زكاة سنة سابقة فليؤدِّ ما عليه من حق الله إن أمكنه ذلك.

6 ـ مفارقة موضع المعصية :

 أما أخطر شيء في شروط التوبة أن تفارق موضع المعصية، أن تفارق بيئة المعصية، أن تفارق رفقاء المعصية، أن تفارق جو المعصية، أن تفارق مكان المعصية، لأن وجودك في هذا المكان، ومع هؤلاء في هذه الأجواء، وفي تلك البيئة يدفعك إلى أن تقع بذنبك مرةً أخرى.
 أعرف رجلاً لم يدع معصيةً إلا اقترفها، ثم تاب توبةً نصوحًا، إلاّ أنه اشتاق إلى رفاقه قبل التوبة، وعاد إليهم فنقض توبته.

7 ـ مفارقة من أعانك على المعصية :

 الشيء السابع أيها الأخوة: أن تفارق من أعانك على المعصية، هذا من جنود إبليس، ولا بد من حِميةٍ اجتماعية، ولا بد أن تبدل رفاقك، مِن رفقاء سوء إلى رفقاء صالحين، لأن الله عز وجل يقول:

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة الزخرف: 67]

8 ـ إتلاف كل المحرمات الموجودة في البيت :

 هناك شرط ثامن للتوبة؛ أن تتلف كل المحرمات الموجودة عندك في البيت؛ كشريط، وكتاب، وآلة طرب، والأشياء التي يمكن أن تحنَّ إليها بعد حين، أو في ساعة غفلة، فينبغي أن تزيلها من بيتك، وهذا أيضاً من شروط التوبة.

9 ـ اختيار الرفقاء الصالحين و البيئة الطيبة :

 الشرط التاسع أيها الأخوة، أن تختار الرفقاء الصالحين، والبيئة الطيبة، وأن تأوي إلى مساجد، أن تأوي إلى بيوت الله، وأن تكون مع المؤمنين، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 ومِن معاني هذه الآية:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[ سورة الكهف: 28]

 مَنْ تَتْبَع إذاً؟ قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾

[ سورة لقمان: 15]

10 ـ أن يعمد الإنسان إلى الوقت الذي أمضاه في المعصية فيمضي مثله في الطاعة :

 الشرط العاشر من شروط التوبة النصوح أن يعمد الإنسان إلى الوقت الذي أمضاه في المعصية فيمضي مثله في الطاعة، كان يرتاد الملاهي، ينبغي أن يؤوي إلى بيوت الله، كان يفعل السيئات، ينبغي أن يفعل الصالحات.

11 ـ أن تكون التوبة قبل الغرغرة :

 وأهم شرط في هذا أن تكون التوبة قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها، فمن تاب إلى الله قبل أن يغرغر قَبِلَ الله منه، ومَن تاب قَبْل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِنِصْفِ يَوْمٍ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ قَالَ فَحَدَّثَنِيهَا رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِضَحْوَةٍ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ قَالَ فَحَدَّثَهُ رَجُلًا آخَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ نَفَسُهُ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ))

[ أحمد عن عبد الرحمن بن البيلماني]

 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، العاقل من اتعظ بغيره، و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

توعية المسلمين من توجيهات الطرف الآخر للعالم الإسلامي :

 أيها الأخوة الكرام، من باب التوعية، من باب توعية المسلمين لما يحاك ضدهم، هناك حرب عسكرية قد تنتهي بانتصار وهزيمة، ولكن هؤلاء في الطرف الآخر يريدونها حرباً ثقافية، يريدون تبديل النظم، وتبديل القيم، وتبديل قانون الأحوال الشخصية، فقد وقع تحت يدي خطة يدبرها العالم الغربي ضد المجتمع الإسلامي، ذلك أن هناك توجيهاً لهذه الدول المسلمة أن يكون عقد الزواج عقداً مدنياً بين رجل وامرأة، بينما مؤتمر السكان قرّر أنّ يكون الزواج بين شخصين، وهذا أمرُّ وأدهى، بين رجل وامرأة بغضِّ النظر عن ديانتيهما، وأن يكون العقد أقرب ما يكون إلى عقد شراء سيارةٍ، أو عقار، أو أي شيء آخر يباع ويشترى إلى أمد معين.
 أيها الأخوة الكرام، من هذه الخطط الماكرة منع التعدد، لأن هذا تميزاً ضد المرأة، لكن الذي يحصل في بلاد الغرب أن كل زوج له عدد كبير من العشيقات، بينما الإسلام كان منهجاً واقعياً، سمح بالتعدد لحل مشكلات قائمة في أي مجتمع.
 أيها الأخوة الكرام، رفع سن الزواج إلى سن متأخرة، والسماح بعلاقات خارج نطاق الزوجية، هذا أيضاً من توجيهات الطرف الآخر للعالم الإسلامي، ونحن إن شاء الله متمسكون بتعاليم الإسلام العظيمة.
 شيء آخر أيها الأخوة الكرام، هناك رد اعتبار للمرأة العازبة، ينبغي أن يرد اعتبارها، وهناك رد اعتبار للطفل الطبيعي، الذي لم يكن ثمرة زواج شرعي، وهناك دعوة إلى الثقافة الجنسية، وتوفير الواقي كما يقولون، من أجل عدم انتقال الأمراض من خلال هذه العلاقات، هذا كله يشاع، ويتمنَّون علينا أن نصدر قوانين نغير فيه أحكامنا الشخصية، عندئذ يغدقون علينا بالمعونات، والمساعدات، والقروض، وما إلى ذلك.

حلّ مشكلات المسلمين يكون بالعودة إلى الله و التمسك بقواعد الشرع :

 أيها الأخوة الكرام، نية الكافر شر من عمله ، نحن ليس لنا إلا أن نعتصم بهذا الدين، قال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

[ سورة آل عمران: 103]

 ينبغي أن نعتصم بهذا الوحي العظيم، ينبغي أن نعتصم بهذا التشريع الحكيم، ينبغي أن نعتصم بهذا الإسلام العظيم، هكذا ينبغي، فليس لنا مِن حَلٍّ إلا أن نعود إلى الله، إلا أن نعود إلى منهج الله، إلا أن نستمسك بقواعد الشرع، ليس هناك من حل، القوة بيد الله وحده، والنصر بيد الله وحده، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحمينا، وهو الذي يوفقنا، لكن شرطَ أن نكون له كما يريد، حتى يكون لنا كما نريد، عبدي! أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلَّمتَ لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
 أكاد أجزم أيها الأخوة الكرام بأنه ما من حلّ لمشكلات العالم الإسلامي في القارات الخمس، واللهِ هذه مشكلات لم يمر على العالم الإسلامي وقتٌ في تاريخهم هم في أشد الحاجة إلى أن يعرفوا الله، وأن يعودوا إليه، وأن يتوبوا إليه، وأن يصطلحوا معه كهذا الوقت، فالحل الوحيد في التوبة إلى الله، وابدأ بنفسك.
 ابن آدم عِظْ نفسك، فإذا وعظتها فعِظْ غيرك، وإلا فاستحِ مني، أَقِمِ الإسلام في بيتك، هذا هو الحل الأول، أَقِمْهُ في عملك، أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك، واعلمْ هذه الحقيقة:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 ينبغي أن يترجم سماع الخطب إلى سلوك، وإلى مواقف عملية، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 ما لم تقف موقفاً عملياً، ما لم تتخذ قراراً، ما لم تنفذ هذا القرار، ما لم تعدل في حياتك، ما لم تعدل في نظام حياتك، في علاقاتك بالآخرين، فالمؤامرة رهيبة، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى التوبة، وموضوع التوبة هو الموضوع الأول، لأنَّ سبب كل ما أصابنا هو المعصية، قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

[ سورة الشورى: 30]

 الحل الطبيعي هو التوبة.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تُهنّا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، اجعلنا يا رب العالمين من عبادك الصالحين، صُن وجوهنا باليسار، و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، و نبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم أصلح قلوبنا، أصلح ذوات بيننا يا رب العالمين، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمِنّا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين، و لا تهلكنا بالسنين، و لا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعز الإسلام و المسلمين، و أذل الشرك و المشركين، خذ بيد ولاة المسلمين إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018