الخطبة : 0822 - أثر العقيدة في حياة الإنسان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0822 - أثر العقيدة في حياة الإنسان .


2002-01-25

الخطبة الأولى:

 الحمد له رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العقيدة الصحيحة أعظم نعمة على الإطلاق يُنعِم الله بها على المؤمن :


 أيها الأخوة الكرام ، الموضوع اليوم موضوع دقيق له مقدمة ، وعرض ، وتطبيق، فالمقدمة : إن أعظم نعمة على الإطلاق يُنعِم الله بها على المؤمن عقيدته الصحيحة ، ذلك أنّ أيّة عقيدة لا بد أن تنعكس على السلوك ، ولو أن العقيدة كانت في منأى عن السلوك فاعتقدْ ما شئت ما من نعمة على الإطلاق توازي أن تكون عقيدتك صحيحة
ولكن ما من عقيدة إلا ولها منعكس سلوكي ، ولأنّ السلوكَ أساسُ تقييمِ الإنسان عند الله، وأساس سعادته وشقائه في الدنيا والآخرة ، لذلك تنطلق الأخطاء من عقيدة فاسدة ، كما ينطلق التقصير من عقيدة فاسدة ، ينطلق الخوف من عقيدة فاسدة ، وينطلق النفاق من عقيدة فاسدة ، وينطلق الظلم من عقيدة فاسدة ، وينطلق الإجرام من عقيدة فاسدة ، فما من نعمة على الإطلاق توازي أن تكون عقيدتك صحيحة ، وفق ما جاء في الكتاب وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأضرب لكم بعض الأمثلة : مَن اعتقد أن الإنسان مجبَر على أعماله شلَّت إمكانيته ، وما من عقيدة سبَّبَتْ تخلف العالم الإسلامي في هذه السنوات ، وهذه الحقب المتتابعة كعقيدة الجبر ، كل شيء مجبور عليه حسب هذه العقيدة ، طاعاتك ، وسيئاتك ، ومعاصيك ، فهذه العقيدة تشلُّ الإنسان.
 جاء رجل إلى سيدنا عمر وقد شرب خمرًا ، قال : أقيموا عليه الحد ، قال : واللهِ يا أمير المؤمنين إنّ الله قدّر عليه ذلك ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ؛ مرةً لأنه شرب الخمر ، ومرةً لأنه افترى على الله ، ويحك يا هذا إنّ قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
 فحينما يعتقد الإنسان أنه مجبور فقد بطل الثواب والعقاب ، بطل الوعد والوعيد ، بطلت الجنة والنار ، بطل إنزال الكتب ، بطل إرسال الرسل ، وقد انتهى كل شيء ، والحياة تمثيلية سمجة ، مِن دون أن تكون مخيراً ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 3]

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

[ سورة البقرة : 148]

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النحل : 35]

 عقيدة الجبر عقيدة فاسدة شلّت العالم الإسلامي
يكفي أن تعتقد أن الله أجبرك على حسناتك فلا أجر لك بها ، وأن الله أجبرك على سيئاتك فلا وزر عليك ، وانتهى كل شيء ، وما مِن عقيدة فاسدة شلّت العالم الإسلامي لحقب طويلة كعقيدة الجبر ، يكفي أن تعتقد اعتقاداً بالشفاعة ساذجاً ، فافعلْ ما شئت ، وافعل الكبائر، والنبي عليه الصلاة والسلام سوف يشفع لك ، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟ " يا فاطمة بنت محمد يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه" .
 يكفي أن تتوهم أنك مهما فعلت فالنبي عليه الصلاة والسلام سيشفع لك ، هذه عقيدة فاسدة ، حملت المسلمين على أن ينحرفوا .
 يكفي أن تعتقد أن الله غفور رحيم ، بلا سعي منك ، عندئذ تفعل كل شيء ، لكن هناك ثماني آيات في كتاب الله ، منها :

﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 153]

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

[ سورة الحجر : 49-50]

 أيها الأخوة الكرام ، ما من نعمة ينعم الله بها علينا كنعمة العقيدة السليمة ، أن تكون عقيدتك لا من حكايات القصاصين ، ولا من أوهام المتوهمين ، ولا من ضلالات الضالين، ولكن عقيدتك من وحي السماء ، ومن سنة سيد الأنبياء هذه عقيدتنا .

 

مبادئ النظرية الغربية :

 أيها الأخوة ، لازلنا في نطاق العالم الإسلامي ، ولكن ألا تعتقدون معي أن كل واحد منا يقلقه هذا الطرف الآخر ، الذي يقصف ، ويقتل ، ويسفك ، ويتبختر ، ويتعجرف، ويتغطرس ، كيف يفكر ؟ كيف يتصرَّف ؟ الحقيقة إن لم نطلع على فكر الطرف الآخر لا نستطيع أن نفهم أعمالهم ، أما إذا اطلعنا على أفكارهم وعلى ما يعتقدون فشيء لا يصدق ، وقعت تحت يدي مقالة في طريقها إلى النشر في مجلة إسلامية عن النظرية الغربية ، وعن الفلسفة الغربية ، وإليكم بعض الفقرات ، وسأعلق عليها ، وسأوازنها بما في الكتاب والسنة .
 تقول النظرية الغربية أو الفلسفة الغربية : المبادئ الأخلاقية ، والقيم ليست ثابتة ، وقد كنت في مؤتمر في بلاد الغرب ، فقام أحد المتكلمين وقال : هذه البلاد ليس فيها شيء ثابت ، كل شيء مهما بدا لنا مقدساً ، خاضعاً للبحث ، والدرس ، والرفض ، وفرقٌ كبير بين عالَم المسلمين وبين عالم الشاردين ، المسلمون عندهم قيم ثابتة ، ليست من صنعهم، ولا من صنع البشر ، لكنها هي مِن صنع خالق البشر ، من عند خالق الأكوان ، قال تعالى:

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 27]

 ثوابت الدين الإسلامي منهج لسلامتنا وسعادتنا
القول الثابت هذه القوانين وتلك السنن التي قنّنها الله وسنَّها لتكون منهاجاً للبشر ، وطريقاً إلى سلامتهم وسعادتهم .
 المبادئ الأخلاقية والقيم ليست ثابتة ، ولكنها نسبية ، فما يبدو في مكان حراماً ، فهو في مكان آخر حلالاً ، وما يبدو في مكان رذيلةً ، هو في مكان غيرِه فضيلة ، وما يبدو شنيعاً، قد يبدو مقبولاً في زمانٍ ما أو مكان ما ، لذلك نحن ربما لا نستغرب وفق هذه القاعدة أن يقف وزيرٌ بريطانيٌّ ويقول : أنا شاذ جنسياً ، هذه مقبولة عندهم ، ولا نستغرب مِن مدينة ثلاثة أرباع سكانها شاذون ، وهي مِن أضخم مدن العالم الغربي ، شيء عجيب ، ليس هناك شيء ثابت في حياتهم ، لكننا معنا وحي السماء ، معنا منهج الله ، معنا كلام خالق الأكوان ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء : 87]

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14 ]

 عند الغرب القوة هي الحقّ ولو كانت بالباطل
أيها الأخوة ، في عالمنا الإسلامي وهذه من نعم الله الكبرى أن عندنا ثوابت ، وهذه الثوابت ليست من صنع بعضنا حتى يقول الطرف الآخر : ونحن عندنا ثوابت أيضًا ، هذه الثوابت من عند خالق الأكوان ، وهذه الثوابت من الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ومِن فقرات هذه المقالة حوْلَ هذه النظرية الغربية التي لا تعتقد إلا بالواقع قال : فمن ينجح ولو على حساب الآخرين فهو على حق ، من ينجح إذا كان قوياً ولو على حساب الشعوب ، ولو على حساب كرامة الشعوب ، ولو على حساب ثقافة الشعوب ، ولو على حساب حقوق الشعوب ، فهو على حق ، أنت قوي ، إذاً أنت على حق ، أمَّا عندنا في الإسلام فالحقُّ هو الله ، والحقّ مِن عند الله ، والحق ما جاء به الوحيان ، لكن الحق يحتاج إلى قوة ، فرق كبير بين أن تعتقد أن القوة هي الحق ، وبين أن تعتقد أن الحق هو القوة ، منطلقات متباعدة ، أو متناقضة ، فمن ينجح ولو على حساب الآخرين فهو على حق ، ومن يفشل فهو على باطل، فالحق والباطل والخير والشر عندهم - كما يقولون - هو ما نعتقده نحن ، وما يستقر في أنفسنا، لا بما جاء به كتاب مقدس ، أو وحي السماء .
 أيها الأخوة الكرام ، ويتابع كاتب هذه المقالة قولَه : وما سوى ذلك أوهام ميتافيزيقية، أوهام لا تقوم عندنا إطلاقاً ، وليس في التاريخ ميل صاعد يوجِّه الإنسان نحو قيم الخير والتقدم، فكل شيء يعتمد على جهد الإنسان ونجاحه هو الحق ، وإخفاقه هو الباطل ، إذاً أنجح تجارة تجارةُ المخدرات ، أنجح تجارة تجارةُ الأعراض ، والرقيق الأبيض ، فهذه أربح تجارة ، ووفق هذا المبدأ يجب أن تنجح في كسب المال ، وليس هناك قيمة تمنعك من ذلك ، وهذا الذي يقع في بلاد الغرب التجارة الأولى ؛ تجارة الأسلحة لقتل البشر ، والمخدرات ، والرقيق الأبيض ، أمّا المسلم فعنده ألف قيد وقيد يمنعه أن يؤذي نملة ، عنده ألف قيد وقيد يمنعه أن يكذب ، ويمنعه أن يخدع ، ويمنعه أن يأخذ ما ليس له ، نحن في نِعَمٍ لا يعلمها إلا الله ، ولكننا ألِفناها ، فلم ننتبه إليها ، عندنا بقية أمانة ، وبقية صدق ، وبقية إخلاص ، وبقية تضحية .
 لذلك أيها الأخوة ، العقل من دون سياج خُلُقي يدمر صاحبه ، العقل يبحث عن مال ، فإذا كان هناك تجارة رابحة جداً يمارسها الإنسان ولو دمرت مجتمعاً بأكمله ، وهذا الذي حصل في العالم من أجل تجارة الجنس دُمِّرَت بيوت ، والعالَم الغربي ما حارب العالم الثالث إلا بالمرأة ، و بهذه الصحون .

 

انضباط المؤمن بمئات القيم :

 أيها الأخوة ، ما لم نحصِّن أنفسنا ، وما لم نحصِّن أولادنا ، وما لم نحصّن أهلنا ، فنحن في خطر كبير ، خطر بعيد عن الخطر العسكري ، إنه خطر ثقافي ، يؤدِّي إلى انهيار الإنسان مِن داخله ، قال تعالى :

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 إنّ المؤمن منضبط بمئات القيم التي تضبطه مِن أن يكذب ، من أن يخون، من أن يبني مجده على أنقاض الآخرين ، من أن يبني حياته على موتهم، من أن يبني أمنه على إخافتهم، من أن يبني غناه على فقرهم ، لذلك فالنجاح عندهم هو مقياس الحق والباطل ، النجاح مقياس الصحيح والخطأ عندهم ، لا يوجد مقياس موضوعي فوق الجميع مستمدٌّ من قيم أخلاقية موضوعية ، بل المقياس المعتمد مستمد من الغريزة ، من شهوة الجنس ، وشهوة المال ، ومن المصلحة الذاتية ، ومن الرغبات الشخصية ، لكننا في عالم المسلمين: }إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾

 

.

 

نعم الله لا تعد و لا تحصى :

 أيها الأخوة مرةً ثانية قد تنعم بنعم لا تعد ولا تحصى ، أنا ذكرت في لقاءات العيد أن أحد علماء دمشق من عادته أن يأخذ إخوانه في اليوم الأول إلى المقابر ليعرفوا قيمة الحياة ، فأنت حي ترزق ، وقلبك ينبض ، وبإمكانك أن تتوب ، وبإمكانك أن تستغفر ، وبإمكانك أن تطلب العلم ، وبإمكانك أن تعمل عملاً صالحاً نعم الله عز وجل لا تعد ولا تحصى
وفي اليوم التالي يأخذهم إلى المستشفيات ليعلموا قيمة الصحة ، تنام ملء عينك ، تتحرك ، ترى بعينك ، تسمع بأذنك ، تنطق بلسانك ، تفرغ مثانتك ، ليس هناك نمو غير طبيعي في الخلايا ، ليس هناك ضيق في الشرايين ، فنعمة الصحة ينعم بها معظم الناس ، ولا ينتبهون لها ، بكم تشتري هذا الكأس يا أمير المؤمنين ؟ كأس ماء قال : بنصف ملكي ، قال : فإذا منع إخراجه ، قال : بنصف ملكي الآخر .
 وفي اليوم الثالث يأخذهم إلى السجون للتعرف على قيمة الحرية ، لست ملاحقاً ، وليس هناك مذكرة بحث عنك ، بل تنام مطمئناً في بيتك ، ماذا فعلت بنعمة الأمن ؟ ماذا فعلت بنعمة الحياة هل تبت إلى الله ؟ ماذا فعلت بنعمة الصحة ؟ هل كانت لك قوةً على طاعة الله؟ ماذا فعلت بنعمة الأمن ؟ هل انطلقت فيها إلى عمل صالح ؟
 وفي اليوم الرابع كان يأخذهم إلى مستشفى الأمراض العقلية ، ليعرفوا قيمة العقل ، معظم الناس يتمتعون بنعمة الحياة ، ونعمة الصحة ، ونعمة الحرية ، ونعمة العقل ، وهناك نعمة تفوق كل هذه النعم ، وهي أنْ تعتقد أن لهذا الكون إلهاً واحداً ، هل تصدق أنه في بعض بلاد شرقي آسيا هناك مَن يعتقد أن هذا الجرذ إله ، وأنا رأيت بأم عيني معابدهم، ومئات الجرذان على أكتافهم ، وعلى رؤوسهم ، لأنها آلهتهم ، هل تصدق أنه في شرق آسيا البعيدة يعبدون ذَكَرَ الرجل من دون الله !! هناك من يعبد البقر ، وهناك من يعبد الحجر ، وهناك من يعبد أمواج البحر ، وهناك من يعبد النار ، أليست هذه نعمة لا تعدلها نعمة أن نعبد الواحد القهار ؟ أن نعبد خالق السموات والأرض ؟

عظمة الدين و مبادئه تحكم المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام ، عندهم في هذه النظرية أن القوة يجب أن تكون على حساب الحق، وأن الوسيلة مهما تكن قذرة تبررها الغاية ، وأن المبدأ يُضَحَّى به من أجل المنفعة ، سيدنا عمر حينما جاءه جبلة بن الأيهم ، وكان ملِكًا ممَّن أسلم ، طاف حول الكعبة لأداء العمرة ، فداس طرفَ ردائه أحدُ البدو ، فضربه جبلةُ ضربةً هشمت أنفه ، فشكاه الأعرابيُّ لعمر ، استدعاه ، وقال له : أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ قال : لستُ ممن ينكر شيا ، أنا أدّبتُ الفتى ، أدركت حقي بيديّ ، قال له : أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه ، مازال ظفرك عالِقاً بدمائه ، أو يهشمنّ الآن أنفك ، وتنال ما فعلته كفُّك ، قال : كيف ذاك يا أمير هو سوقة وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟ قال : نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية ، قد دفناها ، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً ، قال : كان وَهْماً ما جرى في خلدي ؛ أنني عندك أقوى ، وأعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني ، قال : عنق المرتد بالسيف تُحَزُّ ، عالم نبنيه ، كلُّ صدع فيه بشبا السيف يُدَاوَى ، وأعزُّ الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
 ماذا فعل عمر ؟ ضحّى بملِك ، ولم يضحِ بمبدأ ، هذه عظمة الدين ، مبادئ تحكمنا ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا :

((أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا : وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[متفق عليه عن عائشة ]

 عبد الله بن رواحة ، صحابي جليل ، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر ليقيم تمرهم وفق اتفاقية سابقة ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ :

((أَفَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانُوا وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَنْتُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَلَيْسَ يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ قَدْ خَرَصْتُ عِشْرِينَ أَلْفَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ فَإِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلِي فَقَالُوا بِهَذَا قَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ قَدْ أَخَذْنَا فَاخْرُجُوا عَنَّا))

[ أحمد عن جابر بن عبد الله]

مقارنة بين الإنسان بحسب النظرية الغربية والإنسان في ضوء القرآن :

 الإنسان في ضوء القرآن هو كائنٌ أَوَّل، خاضع لقيم مِن عند الله
أيها الأخوة الكرام ، الغاية تبرر الوسيلة ، نضحِّي بالمبدأ من أجل المنفعة ، هكذا يعتقدون ، وهكذا يفكرون ، ومِن هنا ينطلقون ، لذلك فالإنسان أيها الأخوة بحسب النظرية الغربية كائن خاضع للغريزة التي تمثل الجانب المادي والحيواني ، أما الإنسان في ضوء القرآن فهو كائنٌ أَوَّل ، خاضع لقيمٍ مِن عند الله عز وجل ، وهذا يمثل فيه الجانب الروحي، والجانب المثالي ، الإنسان عندهم كائن يبحث عن المصلحة الخاصة ، ولو على حساب الآخرين ، أما الإنسان في الإسلام فيوازن بين المصلحة الخاصة والعامة ، وهناك ضوابط كثيرة تضبط المصلحة الخاصة ، والمصلحة العامة ، فلا يتعارضان ، ولا يتداخلان ، الإنسان عندهم أناني ، ينفي الآخر ، ولا يرى الآخر ، ويحتقره ، ما دام قوياً لا يرى الآخر إطلاقاً ، ما دام قوياً يستغله ويبيده إذا لزم الأمر ، أما الإنسان في الإسلام فهو كائن غيري ، يحترم الآخرين ، ويكرمهم ، ويعاملهم أطيب معاملة ، القيم عندهم نسبية ، أمّا القيم في الإسلام فثابتة ، لأنها نابعة من وحي السماء ، الواقعية عندهم انتهازية، يُغتال الحق فيها ، أما الواقعية في الإسلام فهي التيسير ، ورفْع الحرج ، والبعد عن الإفراط والتفريط ، غايتهم فردوس الأرض ، أمّا هدف المؤمن الرئيسي فهو فردوس الجنة ، فإذا ضمَّ إليها فردوس الأرض فلا مانع ، والأصل أنك تعمل للآخرة ، تعمل لجنة عرضها السموات والأرض .

أخبار من التلمود :


 أيها الأخوة الكرام ، أما هؤلاء ؛ الطرف الآخر الذين يقتلون كل يوم العديدَ مِن المسلمين ، ويهدمون البيوت كل يوم فانظروا ما في كتبهم المقدسة ؛ قالوا : من ضرب إسرائيلياً على فكه فكأنما اعتدى على الحضرة الإلهية - هذا في كتبهم - الأغيار غير اليهود ، الأغيار في ديانتهم مِن أصناف البهائم والحيوانات ، لكن الله تعالى قال في القرآن الكريم وهو أصدَقُ القائلين :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

 عقيدة اليهود الباطلة حللت لهم العدوان على غيرهم من الشعوب
في تلمودهم الأغيار غير اليهود ، الأغيار بهائم وحيوانات ، يقول فقهاء التلمود : لا يجوز للطبيب الحكيم اليهودي الماهر أن يعالج أحداً من بقية الأمم ، ولو بالأجرة ، أما إذا كان الطبيب اليهودي غير الماهر بصنعته يجب أن يتعلم بمعالجة بقية الأمم ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ))

[ النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 أما عندهم فينبغي أن يتعلم هذا الطبيب بغيره مِن الأمم ، لا يجوز للأغيار أن يلمسوا طعام اليهودي ، فإذا لمسوه فعليه أن يلقيه في سلة المهملات فوراً ، قال تعالى :

﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾

[ سورة المائدة : 5]

 أيها الأخوة الكرام ، يجوز لليهودي أن يتعامل بالربا مع غير اليهودي ، وله أن يمتص غيره من الأمم والشعوب ، له أن يسرقه ، له أن يشهد بالزور عليه ، له أن يقتله ، له أن يكذب عليه ، له أن يغدر به ، له أن يغتصبه ، أن ينتقم منه ، أن يشتهي امرأته ، هذا كله في التلمود ، فيه مجموعة سخافات ، هذا هو التلمود ، و هكذا يعتقدون ، ألم أقل لكم قبل قليل : ما من نعمة أعظم من أن تكون عقيدتك سليمة .
 أيها الأخوة الكرام ، نريد أن نؤكد لكم هذا الواقع مِن خلال تطبيقٍ نقوم به في الخطبة الثانية إن شاء الله .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا ان ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، و تمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القوة لا تصنع الحق ولكن الحق يصنع القوة :

 أيها الأخوة الكرام ، ذكرت لكم وهذا ليس من عادتي في خطب الجمعة بعض عقائد الطرف الآخر كي تشكروا الله عز وجل على نعمة العقيدة الصحيحة ، وقد وازنتُ لكم بين ما في القرآن وسنةِ النبي العدنان وبين ما عند الطرف الآخر من عقائد لا يمكن أن يُستَمَع إليها ، ولا يمكن أن يُعتقَدَ بها ، ولا يمكن أن تُقبَل ، فلذلك ما يجري في العالم من سفك دم ، ومن اغتصاب أرض ، ومن هدم بيوت ، ومن قتل أطفال ، فهذه الأعمال كلها مبررة لديهم ، مبررة بحسب كتبهم الدينية ، لذلك أيها الأخوة الواقع غير ذلك ، والقوة البشرية مهما عظمت فهي محدودة ، والعلم مهما اتسع فهو قاصر ، وأن الإنسان المتأله مصيره القصم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل :

((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 إنّ اعتماد القوة وحدها لا يحقق الهدف ما لم يكن مصحوباً بدرجة عالية من الاستماع الجيد إلى الطرف الآخر ، والتفهُّم الدقيق للرأي الآخر ، ومراعاة لمصالحه ، وخصوصياته ، وتوفير كرامته ، وما لم تحلَّ مشكلات المظلومين في العالم ، فإن المشكلة تبقى قائمة ، بل وربما تفاقمت ، فالقوة لا تصنع الحق ، ولكن الحق يصنع القوة ، والقوة من دون حكمة تدمر صاحبها .

 

نتائج الظلم لا يمكن ضبط حساباتها ولا تقدير ردود أفعالها :

 أيها الأخوة الكرام ، دققوا فيما سأقول : هذه العين مهما تكن حادة النظر لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينها وبين ما تنظر إليه ، وهذا العقل البشري مهما يكن ألمعياً من دون وحي السماء ، ومن دون هدى رب الأرض والسماء سيخطئ ، وسيدمر ذاته ، وأغبى الأغبياء في الأرض هؤلاء الذين لا يعلمون أن الله موجود ، وفعال ، وبيده بأية لحظة قلب موازين القوى كلها ، فهؤلاء الذين يتحركون من دون إيمان بالله ومن دون إيمان باليوم الآخر هم أغبى خلق الله قاطبةً .
 نتائج الظلم لا يمكن ضبط حساباتها
أيها الأخوة ، شيء آخر : هؤلاء الذين يتصدَّون لما يسمونه إرهاباً ، لو سألوا أنفسهم : لماذا يُقْدِم هؤلاء الشبان على الموت ؟ سيجدون هؤلاء أنفسهم بحاجة إلى وقفة شجاعة تخلِّصهم من مسلسل الذعر المنتظر ، ومسلسل عداوات المقهورين .
 يا أيها الأخوة ، إن نتائج الظلم لا يمكن ضبط حساباتها ، ولا تقدير ردود أفعالها ، ذلك أن ردود أفعال المقهورين والمظلموين كشظايا القنابل ، تطيش في كل اتجاه، وتصيب من غير تصويب ، إن ردود أفعال المظلومين والمتوترين لا يمكن التحكُّم في مداها ، ولا في اتجاهها ، إنها تطيش متجاوزة حدود المشروع والمعقول .
 أيها الأخوة ، إن أحرص الناس على الحياة سيظلون في حيرة عندما يتعاملون مع مَن يلغي حياته مِن حساب الأرباح ، ويسجل نفسه كأول رقم في قائمة الضحايا ، إن أعظم ما يملكه القوي أن ينهي حياة الضعيف ، فإذا أراد الضعيف أن يقدم أثمن ما يملك ، وهي حياته لِزَلْزَلَةِ كيان القوي صار هذا الضعيف أقوى منه ، وقد قيل : بدأت الحرب بالإنسان، ثم أصبحت بين آلتين ، ثم بين عقلين ، ثم انتهت بالإنسان.
 أيها الأخوة الأحباب ، إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف ليست دعوة للرضا بالضعف ، أو السكوت عنه ، بل هو دعوة لاستشعار القوة ، حتى في حالة الضعف ، فيجب أن نبحث في كل مظنة ضعف عن سبب قوة كامنة فيه ، ولو أخلص المسلمون في طلب ذلك لوجدوه ، ولصار الضعف قوةً ، لأن الضعف ينطوي على قوة مستورة ، يؤيدها الله في حفظه ورعايته ، فإذا قوة الضعيف تهدُّ الجبال ، وتدكُّ الحصون ، قال تعالى :

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾

[ سورة الفتح : 4]

 أيها الأخوة الكرام ، لا نملك إلا أن ندعو لإخوتنا في الأراضي المحتلة ، أن ينصرهم الله على عدوهم الشرس ، على هذا الثور الهائج المصاب بجنون البقر ، بل جنون البشر ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصرهم ، وأن يحميهم ، وأن يعوضهم الجنة ، لمن فقد حياته، واستشهد منهم .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، و بارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، و لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا و لا تهنَّا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا و ارض عنا ، اجعلنا يا رب العالمين من عبادك الصالحين ، صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك و نبتلى بحمد من أعطى و ذم من منع، و أنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء ، اللهم أصلح قلوبنا ، أصلح ذوات بيننا يا رب العالمين ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، و بطاعتك عن معصيتك ، و بفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمِنّا مكرك و لا تهتك عنا سترك ، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك و رحمتك اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين ، و لا تهلكنا بالسنين و لا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك و رحمتك أعز الإسلام و المسلمين ، و أذل الشرك و المشركين ، خذ بيد ولاة المسلمين إلى ما تحب و ترضى ، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018