فقه السيرة النبوية - الدرس : 07 - زواجه من السيدة خديجة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 07 - زواجه من السيدة خديجة.


2005-06-13

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الإسلام دين الفطرة:

 أيها الأخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ننتقل في هذا الدرس إلى زواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة.
بادئ ذي بدء، قال عليه الصلاة والسلام:

(( أشدكم لله خشية أنا، أنام وأقوم، أصوم وأفطر, أتزوج النساء، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي ))

( أخرجه أحمد في مسنده)

 فالإسلام دين الفطرة, قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

( سورة الروم الآية: 22 )

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾

( سورة فصلت الآية: 37 )

 من آياته الدالة على عظمته:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

 

( سورة الروم الآية: 21)

 إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بدين الفطرة، وهو قدوة لنا، وإسلامنا العظيم جمع بين الحاجات والقيم، وجعل المصالح مع المبادئ في وقت واحد.

ما الذي كان يشغل الرسول قبل نزول الوحي ؟

 أيها الأخوة, كان عليه الصلاة والسلام شاباً من الشباب الذين يشار إليهم بالبنان، في الأعم الأغلب الشباب التائهون الشاردون عن أمر الله عز وجل ضائعون، إما أن يتظاهروا بأشياء يتوهمون أنها تجذب الفتيات إليهم، وإما أنهم يبالغون بالقوة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أفقٍ أعلى, قال تعالى:

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النجم الآية: 7 )

 كان يحمل هموم البشرية، كان يبحث عن خلاص البشرية، كان يرى ما حوله من تصادم، وضعف، وقهر، وظلم، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام شاباً متميزاً، هذا قبل البعثة، والذي يؤكده علماء السيرة أن الأنبياء معصومون بعد الوحي، وقبل الوحي.

ماذا تعني السيدة خديجة بالنسبة للرسول ؟

 أيها الأخوة الكرام، كان زواج الرسول من السيدة خديجة رضي الله عنها امرأة لا كالنساء،

(( كمل من الرجال الكثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع منهن السيدة خديجة ))

(ورد في الأثر)

 لو قرأتم سيرتها لوجدتموها المرأة الأولى في العالم التي كانت في أعلى درجات الوفاء لزوجها، لذلك حينما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة بعد عشرين عاماً من الصراع مع الكفر والشرك، ركز لواء النصر أمام قبرها، ليعلم العالم كله، أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، والحقيقة أن السيدة خديجة كانت سند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الداخل, دققوا فيما سأقول: أعظم النساء من أضافت إلى جمالها جمال أخلاقها، وأعظم النساء أيضاً من أضافت جمالاً ثالثاً وهو جمال عقلها، فإذا اجتمع في المرأة جمال الشكل، وجمال الخلق، وجمال العقل، فهي امرأة لا كالنساء، والمرأة كما تعلمون أيها الأخوة في الإسلام مساوية مساواة تاماً للرجل من حيث التكليف، ومن حيث التشريف، ومن حيث المسؤولية.
أيها الأخوة، يقول بعض العلماء: الرجال العظماء في أمس الحاجة إلى امرأة عظيمة، ولقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( إنما النساء شقائق الرجال ))

(أخرجه أحمد في مسنده عن أنس )

 فهذه المرأة التي عندك هي شقيقتك، بمعنى أنه ينبغي أن تكون متكاملاً معها, قال الرسول:

(( إنما النساء شقائق الرجال ))

(أخرجه أحمد في مسنده عن أنس )

 وقال أيضاً:

(( النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته؟ ))

(أخرجه ابن حبان عن أنس )

 الأخ الكريم الذي عنده فتاة مؤمنة، محجبة، تتلو كتاب الله أناء الليل وأطراف النهار، ينبغي ألا يتسرع في تزويجها، ينبغي أن يبحث لها عن طالب علم، أن يبحث لها عن شاب يقدر دينها، ويقدر ثقافتها الإسلامية، وورعها، وانصرافها إلى أعمالها الصالحة، فلذلك تعد المرأة للعظماء سندهم من الداخل، وأصاب من قال: وراء كل عظيم امرأة.

لمحة مختصرة عن سيرة خديجة بنت خويلد:

 أيها الأخوة, خديجة بنت خويلد فهي امرأة ذات شرف ومال، كانت تكلف الرجال وتضاربهم في مالها، وحقيقة المضاربة، وقد أتينا على ذكرها هي الطريق الواضح النظيف للاستثمار، والحاجة إلى استثمار المال حاجة متأصلة في كل مجتمع بشري، هناك الشيخ الكبير، والموظف المتقاعد، هناك الطفل الصغير الذي ورث مالاً، هناك الأرملة، هناك المرأة التي لا تحسن التجارة، فيأتي شاب في ريعان الشباب مكتمل الرجولة، عنده خبرة عالية فيشتغل بهذا المال، يأخذ بعض الربح، ويعطي صاحب المال بعضه الآخر، هذا الطريق النظيف الآمن للاستثمار المال، لكن الذين جمعوا الأموال، ولم يكونوا في المستوى المطلوب، ضعفوا ثقة الناس بالقناة الشرعية النظيفة، وقووا ثقة الناس بالمصارف الربوية، فكان عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، أول شريك مضارب، المال مال خديجة، والجهد جهد النبي صلى الله عليه وسلم طبعاً قبل البعثة.

 ما هو السبب الذي دفع السيدة خديجة إلى أن يتاجر الرسول في أموالها ؟

 فلما بلغ خديجة رضي الله عنها عن رسول الله أمانته, وعفافه, وأخلاقه العالية، طمحت أن تعمل معه في التجارة، وكانت تعطيه أفضل ما تعطي بقية التجار, ولكن أقول لكم هذه الكلمة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأمانة غنى ))

( ورد في الأثر)

 أثمن شيء تملكه على الإطلاق أن تكون أميناً، أنت بأمانتك تملك أكبر ثروة في الأرض، ألا وهي ثقة الناس بك.
لذلك ضاربت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسفار، كان أهم هذه الأسفار إلى الشام، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج في مالها، وخرج معه غلامه ميسرة حتى قدم الشام، وكان التوفيق حليف رسول الله، وعاد بالتجارة، وقد ربح الضعفين، فسرت السيدة خديجة أيما سرور.

رغبة السيدة خديجة من زواجها من الرسول:

 

 أيها الأخوة, هذه السيدة الوقور التي هي أرقى بيوتات مكة طمحت بالزواج من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أرسلت له امرأة اسمها نفيسة، فخاطبت النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: ما يمنعك من أن تتزوج؟ فقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم كان شاباً: ما بيدي لأتزوج به، قالت: فإني كفيت لك ذلك، قال: فمن هي؟ قالت: خديجة، قال: ومن لي بذلك؟ فقالت: علي ذلك، هذه البداية.
 لذلك ورد في الأثر: أنه من مشى بتزويج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة قام ليلها، وصام نهارها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في النكاح ))

(أخرجه ابن ماجة في سننه)

 

 فهذه المرأة ساهمت في تقريب وجهات النظر بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين خديجة، وأشارت إلى السيدة خديجة أن الطريق سالك للزواج من رسول الله، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا ابن العم، إني قد رغبت فيك لقرابتك، وشرفك في قومك، وأمانتك, وحسن خلقك, وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها.

ما هي نظرة مجتمعاتنا حول موضوع عرض الفتاة على الشاب ليتزوجها ؟

 

 أيها الأخوة, التقاليد عندنا تمنع أن تعرض فتاة نفسها على شاب لحيائها ولخجلها، لكن التقاليد أيضاً تمنع أن يعرض أب فتاته على شاب توسم فيه خيراً، لكن سيدنا شعيب ماذا قال؟

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾

 

( سورة القصص الآية: 27 )

 لذلك أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون كساد الفتيات، كل إنسان غارق بهمومه، لكن نحن كمؤمنين ينبغي أن نسعى لتزويج الشبان الأطهار من الفتيات المؤمنات، هذا عمل عظيم، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما عرض عليه الزواج من خديجة، قبل ذلك, وكانت خديجة كما يقولون: أوسط النساء نسباً، وكانت أعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً، وكل قومها كان حريصًا على ذلك لو يقدرون عليه.
أنا أقول كإسقاط من هذه السيرة لواقعنا: الشاب المؤمن الذي يرجو رحمة الله، ويخافه، ويتقرب إليه، له مكافئة عند الله عاجلة، ألا وهي زوجة صالحة تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها، والشابة المؤمنة التي ترجو رحمة الله، وتخشى ربها، وتطيع نبيها، وتحفظ كتاب ربها، لها عند الله مكافئة أيضاً أن يرزقها شاباً مؤمناً يعرف قيمتها، ويحفظها، لذلك الزواج بيد الله عز وجل ثمنه الاستقامة على أمر الله، وثمنه العفة.

زواج السيدة المصون من رسول الله:

 أيها الأخوة، لما جاء هذا العرض المغري لرسول الله من نفيسة أولاً، ومن خديجة ثانياً، عرض هذا على أعمامه، وفاتحهم برغبته، فما كان منهم إلا أن سارعوا لتلبيته، والمضي لما يريد فذهب أبو طالب، وحمزة، وغيرهم إلى عم السيدة خديجة عمر بن الأسد، كان أبوها قد مات في حرب الفجار، وخطبوا إليه ابنة أخيه، وساقوا إليها الصداق عشرين بكرة، أي ناقة، قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت .
 يروى أن أبا طالب وقف يخطب في حفل الزواج قائلاً: إن محمداً لا يوزن به فتاً من قريش، إلا رجح به شرفاً ونبلاً، وفضلاً وعقلاً، وإن كان في المال قِلٌ، فإن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، هذه خطبة النكاح، خطبها عمه أبو طالب.
 فقال عند ذلك ولي خديجة عمها عمر: هو الفحل الذي لا يجدع أنفه، وأنكحها منه، وله 25 سنة، ولها يومئذ 40 سنة، وقد حضر العقد بنو هاشم، ورؤساء مضر، وكان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الشام بشهرين.
 القضية بدأت تجارة، وانتهت بزواج، والمؤمن حصيف، إذا عُرضت عليه فرصة لا يفوتها، وهذا خير ساقه الله إليه، أو هدية ساقها الله إليه.

عدد أفراد أسرة الرسول:

 أيها الأخوة, بقي النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة إلى أن توفيت في الـ 65، وبقي النبي معها تقريباً ربع قرن.
ولدت السيدة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، فهو أبو القاسم، وقد ورد في بعض الأحاديث:

(( من دعي فلم يلبي فقد عصا أبا القاسم ))

(ورد في الأثر)

 ثم ولدت له زينب، ثم أم كلثوم كوكبة الإسلام، ثم فاطمة، ثم رقية، كما يروي في الطبراني في المعجم الكبير، ثم عبد الله الملقب بالطيب أو الطاهر، فأما القاسم وعبد الله فماتا قبل الإسلام، مات القاسم بعد سن تمكنه من ركوب الدابة، ومات عبد الله وهو طفل، وأدركت البنات الإسلام فأسلمن جميعاً، وهاجرن إلى المدينة، وماتوا جميعاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة فقد ماتت بعده بستة أشهر.

ما هي الحكمة الربانية التي شاءت بأن تجعل النبي يعيش في هذه الظروف ؟

 

 قد يسأل سائل: مات أبوه قبل أن يعرفه، وماتت أمه وهو في السادسة، ومات جده وهو في الثامنة، وماتت بناته جميعاً عدا فاطمة، وماتا ولداه القاسم وعبد الله قبل الإسلام، ولم يبقَ من ذريته إلا فاطمة، بل مات ابنه إبراهيم من مارية القبطية، لا شك أن هناك حكمة ما بعدها حكمة، ولا شك أن هناك حكمة بالغة أنه ليس من نسله ولد ذكر، فكروا، وابحثوا، ودققوا, لو أن لهذا النبي الكريم أباً عظيماً تعزى فضائله، وتعزى شمائله إلى تربية أبيه، وكأن النبوة ألغيت، لو أن له أماً قديرةً، حكيمة، حصيفة، أيضاً تعزى فضائله لأمه، أراد الله جل جلاله أن تكون هذه الفضائل كلها بسبب قربه من الله عز وجل، فهذا من الحكمة أنه لم يعرف أباه كما أن أمه لم تسهم في تربيته، وكان يتيماً وكأن هذا الإنسان العظيم قدوة لكل يتيم، واليتيم أحياناً يكون مكسوراً فله سيد الأنبياء وهو اليتيم أسوة حسنة.
 لو أنه له ولداً عاش من بعده، وله ذرية فهو ابن رسول الله، ولم يكن معصوماً ربما انتقلت البغضاء إلى أبيه، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا سلمان الفارسي, فقال:

(( يَا سَلْمَانُ! لاَ تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! كَيْفَ أُبْغِضُكَ، وَبِكَ هَدَانَا اللّهُ؟ قَالَ: تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي ))

(أخرجه الترمذي في سننه)

 هناك حكمة بالغة جداً أن النبي الكريم ليس له ذرية ذكور من بعده.
 أيها الأخوة, السيدة خديجة كانت المثل الأعلى لكل نساء العالمين، واست زوجها، وقدمت له كل ما يحتاجه من حنان، وعطف، وتأييد، ومال، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

(ورد في الأثر)

 الحقيقة وقفت مع النبي الكريم في أحلك أيامه، وفي أصعب أيامه، وكانت كما قلت قبل قليل: سنده من الداخل، ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:

(( خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد ))

( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما )

 ولكن الآن دققوا في كلمة قالتها للنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه الوحي:

 

(( دثروني دثروني, فقالت له: والله مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا, إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ))

 

( أخرجه مسلم في الصحيح عن جابر )

 كيف عرفت ذلك؟ استنبطت هذا من فطرتها.

 

كلمة للشباب:

 

 أيها الأخوة, أنا أخاطب الشباب، وأخاطب الشابات مستحيل وألف مستحيل أن يعامَل شاب مستقيم ورع، يخاف الله عز وجل, ويؤدي عباداته، ويدفع نفسه إلى طاعته، كما يعامل شاب تائه متفلت، هذا تناقض مع عدل الله, قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21)

 

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾

( سورة السجدة الآية: 18)

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم الآية: 35-36)

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

( سورة القصص الآية: 61)

 دققوا في هذا الكلام، لا يمكن أن تعامل أيها الشاب التائب، لأنه ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب، لأن الله يباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، وما من شيء أحب إلى الله من شابة تائبة، إن الله يباهي بها الملائكة، فهذا الذي يمشي في طريق الحق له عند الله مكافأة في الدنيا والآخرة، والدليل:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

( سورة الرحمن الآية: 46)

 قال علماء التفسير: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة.

نساء دخلوا في عالم البطولة وتألق ذكرهن في عالم الوجود:

 

 أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام:

(( خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون, وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ))

 

( أخرجه أحمد في مسنده )

 مرة ذكرت قصة أيها الأخوة، لأريكم عظمة المرأة، فرعون عنده ماشطة تمشط شعر ابنته، مرة في أثناء تمشيط شعرها وقع المشط على الأرض، فقالت: بسم الله، قالت ابنة فرعون لماشطتها: ألك رب غير أبي؟ قالت: الله ربي وربك، ورب أبيك، فقالت البنت: سأخبر أبي، قالت: أخبريه، فلما أخبرت أباها أنها تعبد إلهاً غيرك، أنت لست إلهها، إلهها هو الله، فأتي بها، وأتى بأولادها الأربعة، وجاء ببقرة من نحاس، وأضرم فيها ناراً، وأمسك ولدها الأول، وقال لها: ألك رب غيري؟ قالت: الله رب وربك، فألقاه في النار حتى تفحم، ثم أمسك ولدها الثاني، وقال: ألك رب غيري؟ قالت: الله ربي وربك، ألقاه في النار حتى تفحم، أمسك ولدها الثالث، قال: ألك رب غيري؟ قالت: الله ربي وربك، ألقاه في النار حتى تفحم، أمسك الرابع، الرابع رضيع، فلما قال: ألك رب غيري؟ بكت، تضعضعت، فأنطق الله الغلام كما ورد في الحديث الشريف، قال: اصمدي يا أمي، أنت على حق، فقالت: الله ربي وربك، ألقاه في النار حتى تفحم، ثم ألقاها في النار حتى تفحمت، وانتهى الأمر.
 النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء عروجه إلى السماء شم رائحة ما شم مثلها قط ، فسأل جبريل: ما هذه الرائحة؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون.
 يمكن أن تكون المرأة بطلة، ويمكن أن تكون المرأة في أعلى مستوى عند الله عز وجل، السيدة خديجة من هذا المستوى.
أنا أتمنى على الأخوة أن يقرؤوا سيرة السيدة خديجة، لعلي فصلت كثيراً في سيرة هذه المرأة العظيمة في عدد كبير من الأشرطة، أتمنى على أخواتنا النساء أن يقرأن سيرة هذه المرأة العظيمة لتكون هذه المرأة قدوة لهن في معاملة الزوج.
آسية امرأة فرعون كانت تحت طاغية من كبار طواغيت الأرض، هذا الطاغية يقول:

 

﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 

( سورة القصص الآية: 38 )

 هذا الطاغية يقول:

 

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

 

( سورة النازعات الآية: 24)

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

( سورة التحريم الآية: 11)

 لم يستطع هذا الطاغية بكل جبروته أن يحمل آسية على أن تعبده من دون الله.

هكذا يكون الزوج:

 أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام من أعلى الأزواج وفاء لزوجته خديجة، فلما ماتت كان يبعث باللحم حين يذبح فيطعم صديقاتها، ويكثر في مدحها، الآن إذا تزوج الزوج امرأة جديدة يتقرب إليها بذم السابقة، ما في مثلك أنت، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان وفياً بعد موتها، " لذلك قال عليه الصلاة والسلام، وقد سأله رجل توفي والداه: ماذا بقي علي من بر والدي؟ قال عليه الصلاة والسلام: صلّ عليهما، وأن تدعو لهما, وأنا تصل صديقاهما وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، وأن تنفذ عهدهما ".

( ورد في الأثر)

 فمن تمام الوفاء أن تصل أصدقاء أبيك، وصديقات أمك، سيدنا رسول الله بعد أن ماتت هذه الزوجة العظيمة كان يصل صديقاتها بقطع اللحم تقرباً إليهم، ووفاء بعهد خديجة.

فضل السيدة خديجة رضي الله عنها:

 أيها الأخوة, يروي البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

(( ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب ))

( أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح)

هذه بشارة من الله مباشرة لهذه المرأة.
 أخواننا الكرام، باب البطولة مفتوح على مصراعيه، وإله الصحابة إلهنا، والظروف نفسها، وكل إنسان يمكن أن يكون بطل، وكل فتاة يمكن أن تكون بطلة.
في رواية أخرى, تقول:

(( ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، ربما ذبح الشاة ثم يقطعها عطاء، ثم يبعثها لأصدقاء خديجة، فربما قلت له مرة من شدة الضجر كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول إنها كانت وكانت وكانت، وكان لي منها الولد ))

( ورد في الأثر)

 مرة قال:

 

(( قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء ))

 

(أخرجه أحمد عن عائشة رضي الله عنها في مسنده)

 أيها الأخوة, من أروع ما سمعت من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:


(( الحمد لله الذي رزقني حب خديجة ))

(ورد في الأثر)

عد حبها رزقاً، الحمد لله الذي رزقني حب خديجة.
 وأنا أقول لكم أيها الأخوة كلامًا خطيرًا جداً، الحب تصنعه أنت، كيف؟ إذا كنت وفياً, إذا كنت كريماً، إذا كنت رحيماً, تحبك زوجتك، تحبك محبة لا حدود لها، وتقطف أنت ثمار هذه المحبة، والبغض يصنع بأيدينا، الإهمال، عدم الإصغاء، عدم الاحترام، الحرمان أحياناً، الإهانة، السخرية، البغض نصنعه بأيدينا، والحب نصنعه بأيدينا، وكانت السيدة عائشة تسال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف حبك لي؟ يطمئنها، ويقول: كعقدة الحبل، تسأله من حين لآخر، كيف العقدة؟ يقول: على حالها.
 ومرة حدثته عن أبي زرع ومحبته لأم زرع، ووفاؤه لأم زرع، وكرمه على أم زرع، قال عليه الصلاة والسلام: أنا لك كأبي زرع لأم زرع، لكنني لا أطلقك، لأن أبا زرع طلق أم زرع في النهاية، تعلم من هذه الشمائل العالية، تعلموا هذا السلوك العظيم لسيد المرسلين.

صفات السيدة خديجة الخُلقية:

 أيها الأخوة، هذه المرأة لم تشارك قومها لهوهم وسفاحهم وتبرجهم، بل لزمت بيتها وتاجرت بمالها من دون أن تحتك بنفسها مع الرجال، كانت امرأة في القمة، وما عرف عنها تبرج ولا اختلاط، وكانت تتمثل بفطرتها القويمة، ولقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( كُلّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرّتْ بالمَجْلِسِ، فَهِيَ زَانِيَةً ))

(ورد في الأثر)

 السيدة خديجة أيها الأخوة واست زوجها، ووقفت معه في أصعب الأيام، وكانت معه في أحلك الليالي، وما تكبرت عليه في مالها، والله أنا اطلعت على قصص عديدة، من شباب أخطؤوا كثيراً حينما تزوجوا بنساء غنيات، صفة المرأة الغنية على زوجها ذي الدخل المحدود الاستكبار والاستعلاء والمن، لكن امرأة غنية جداً وتزوجت رسول الله، وهو فقير جداً، ومع ذلك من أعظم صفاتها أنها ما تكبرت عليه في مالها بل أنفقت منه بإذنه، ولم تكن القوامة لها، القوامة له وهي تنفق عليه بإذنه، فكانت مثلاً أعلى للنساء من بعدها.

 حصن الزواج وبركته:

 

 أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( خَيْرٌ النّكَاحِ أَيْسَرَه ))

( أخرجه أبو داود في سننه)

(( أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا ))

(أخرجه أحمد في مسنده)

(( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة ))

( أخرجه أحمد عن عائشة في مسنده)

 جاء رجل للإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما, قال: إن لي بنتًا, فمن ترى أن أزوجها له؟ قال: زوجها من يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وكانت عائشة رضي الله عنها, تقول: النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته؟

خديجة قدوة لكل من آمنت بهذا النبي:

 أيها الأخوة الكرام، أنا أرى أن هذه السيدة خديجة رضي الله عنها التي أكرم الله بها رسوله هي قمة في الكمال، وقدوة لنساء المسلمين، فينبغي أن نحرص على قراءة سيرتها، وعلى معرفة كمالها في معاملتها لزوجها، وينبغي أن نعرف كمال النبي صلى الله عليه وسلم في وفائه لها، وفي تقديره لها، على كل قال تعالى:

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

( سورة البقرة الآية:201 )

 قال علماء التفسير: المرأة الصالحة حسنة الدنيا، فإذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك، وإذا أمرتها أطاعتك، عليكم بذات الدين تربت يداكم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018