الخطبة : 0821 - الإسلام والصحة - حمل هموم المسلمين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0821 - الإسلام والصحة - حمل هموم المسلمين .


2002-01-11

الخطبة الأولى:

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإسلام دين الفطرة :

 أيها الأخوة الكرام ، الإسلام كما تعلمون دين الفطرة ، أي أن كل تعاليمه الكبرى، والتفصيلية تنطبق تماماً مع فطرة النفس الإنسانية ، فالإنسان حينما يستقيم على أمر الله يمتلأ قلبه راحةً لا توفِّرها له كلُّ مُتَع الحياة الدنيا ، ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فُتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أَحَبُّ إليك من كل شيء .
 فالإسلام أيها الأخوة دين الفطرة ، يحرص في تعاليمه على صحة الجسد ، وطهر النفس ، ويوازن بين المادة والروح ، والحاجات ، والقيم ، ويهدف إلى إصلاح الدنيا وإصلاح الآخرة ، دين متوازن ، دين وسطي ، دين يغطي كل حركات الإنسان ، دين يشمل كل نشاطات الإنسان ؛ يشمل جسده ، ويشمل نفسه ، ويشمل آخرته ، ويشمل ، دنياه ، ويشمل أفراحه ، وأحزانه ، يشمل حاجاته الأساسية يشمل قيمه الإنسانية .

من صفات المؤمن صحة الجسد ورجاحة العقل :

 أيها الأخوة ، إن لم يكن الذي أقوله كائنًا فإنه ينبغي أن يكون ، المؤمن إنسان متميز جداً يرى ما لا يراه الآخرون ، يشعر بما لا يشعرون ، يتمتع بوعي عميق وإدراك دقيق له قلب كبير وعزم متين وإرادة صلبة ، هدفه أكبر من حاجاته ، ورسالته أسمى من رغباته ، يملك نفسه ولا تملكه ، يقود هواه ، ولا ينقاد له ، تحكمه القيم ، ويحتكم إليها من دون أن يسخرها ، أو يسخر منها ، سما حتى اشرأبت إليه الأعناق ، وصفا حتى مالت إليه القلوب .
 أيها الأخوة ، هذه الشخصية الفذة التي تجمع بين رجاحة العقل وسمو النفس هل يعقل أن تكون هذه الشخصية الفذة مركبة في جسد عليل سقيم؟ كلا أقصد بالجسد العليل السقيم إذا كان بسبب من تقصير الإنسان ، أما إذا كان بسبب من قضاء الله وقدره فصاحبه معذور .
 أيها الأخوة ، إن صحة الجسد مُرتَكَزٌ لسلامة النفس وسمُوِّها ، منطلق لصحة العقل وتفوقه ، الله سبحانه وتعالى جعل صحة الجسد وقوته ورجاحة العقل واستنارته علة الاصطفاء فقال الله تعالى متحدثاً عن طالوت:

﴿ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾

[ سورة البقرة: 247]

 إذاً قوة الجسد ، صحة الجسد ، هما علة الاصطفاء ، كما ورد في القرآن الكريم .
 أيها الأخوة ، قال تعالى:

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[ سورة القصص: 26]

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ومن القوة قوة الجسد ، لذلك أيها الأخ المؤمن الكريم صحتك ليست ملكك بل ليست ملْكَ أسرتك ، إنها ملْكُ المسلمين ، وجسدك أداة عملك الصالح ، فإذا أهملت رعايته أهملت سلامته ، وأهملت قوته انقطع عملك ، الآجال لا تتغير ، ولا تتبدل ، ولكن الفرق شاسع بين أن تمضي هذا العمر الذي سمح الله لك أن تمضيه عليلاً ، وبين أنْ تمضيه نشيطاً.

صحة الجسد ثلث الدين :

 أيها الأخوة الكرام ، بل النبي عليه الصلاة والسلام جعل صحة الجسد ثلث الدين قال:

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[ ابن ماجه عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ ]

 صحةُ الجسد ، وأمنُ الإيمان ، وطعام يقيم أودك ، فمَن مَلَكَ هذه الأشياء الثلاثة لم يفُتْه من الدنيا شيء .

الهدى والصحة والكفاية من نعم الله :

 الإمام علي رضي الله عنه جعل الصحة دون الهدى ، وفوق الكفاية ، وكأنه سلسل نعم الله العظمى بالهداية أولاً :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 113 ]

 ثم بالصحة ثانياً ثم بالكفاية ثالثاً ، وقد تحدثت عن غنى البطر وعن الغنى الذي دعا النبي عليه الصلاة والسلام لمن أحبه أن يكون غنياً بمعنى أن يكون مكتفياً ، اللهم من أحبَّني فاجعلْ رزقَه كفافاً .

الفقر ثلاثة أنواع الكسل و القدر و الإنفاق :

 وقد تحدثت مرةً عن فقر الكسل وعن فقر القدر وعن فقر الإنفاق ، فقر الكسل مذموم وفقر القدر معذور وفقر الإنفاق محمود ، ماذا أبقيت يا أبا بكر؟ قال الله ورسوله .
 أيها الأخوة الكرام ، سمعت خبراً مزعجاً أن بلداً إسلامياً في شمال إفريقيا فيه ستمائة ألف إنسان مصاب بالإيدز ، فهو شعب أشل ، نسب المدخِّنين في بلاد المسلمين مرتفعة جداً ، بل إن أعلى نسبة المدخِّنين في العالم هي في بلاد المسلمين ، نحطِّم صحتنا ، ونقوِّض دعائمنا ، ونقوِّي أعداءنا ، والصحة النفسية أساس تماسكنا .

أربع نصائح لا تقدَّر بثمن :

 أيها الأخوة الكرام ، الحديث عن الصحة يطول ، وسأتناول جانبين فقط من جوانب الصحة ، هناك جانب طبيعي ، وهناك جانب وقائي ، وسأتناول في هذه الخطبة الجانب الطبيعي ، والجانب النفسي ، والجانب الوقائي والعلاجي نتناوله إلى خطبة أخرى إن شاء الله تعالى .
 أيها الأخوة الكرام ، شخصية المسلم مرتكزة على العطاء ، لا على الأخذ ، مرتكزة على بذل الجهد لا على استهلاك الجهد ، مرتكزة على العمل لا على الأمل ، مرتكزة على الإيثار لا على الأثرة ، مرتكزة على التضحية لا على الحرص ، مرتكزة على إنكار الذات ، لا على تأكيدها ، إذاً بذلُ الذات صحة .
 لقد أنبأني أحد الأخوة لأطباء الكرام أنّ الحد الأدنى الأدنى الأدنى مِن الرياضة أن تخدم نفسك في البيت ، وأن تتحرك ، وأن تذهب ، وأن تعود ، لا بد من حركة ، لا بد مِن بذل الجهد ، ولأحد الأطباء أربع نصائح لا تقدَّر بثمن قال: كُلْ كل شيء لأن كل شيء خلقه الله عز وجل هو فيما يبدو لك غذاء ، لكنه في حقيقته دواء ، فقد قرأت عن أن خلايا الدماغ محتاجة حاجةً ماسةً إلى بعض أنواع الغذاء ، وسلامتها لا توجد إلا في هذا الغذاء ، كُل كلَّ شيء ، ثم كُلْ باعتدال ، ثم ابذل جهداً ، ثم وحِّدْ ، إن وحَّدتَ لا تصاب بما يسمى الشِّدَّةَ النفسية .

حالة أجدادنا جهد عضلي وراحة نفسية :

 سأتحدث بعد قليل عن هذه الشدة ، ما كان وضع أسلافنا الصالحين ؟ كانت حياتهم خشنة ، وكانت حياتهم فيها بذل جهد كبير ، ولكن نفوسهم كانت مرتاحةً في معرفة ربهم ، وبالاستسلام له ، وبالتوحيد ، فحالة أجدادنا جهد عضلي ، وراحة نفسية ، أمّا حالة الناس اليوم فكسلٌ عضلي ، فكل شيء متوفر ، لا تتحرك إطلاقاً ، من المركبة إلى المكتب ، إلى البيت ، إلى المصعد ، حتى الجهد البسيط ينبغي أن تستغني عنه بحركة آلية ، حتى رفع البلور في المركبة يجب أن يكون أتوماتيكياً ، فهذا الكسل العضلي ، مع الشدة النفسية ، مع القهر ، مع الخوف ، مع القلق ، مع الحسد ، كلُّ هذا وراء أكثر أمراض البشر ، كسل عضلي وشدة نفسية ، أما أجدادنا راحة نفسية وجهد عضلي .

صحة القلب تكون بـ :

1 ـ بذل الجهد :

 أيها الأخوة الكرام ، في بعض مؤتمرات القلب اتفق المؤتمرون على أن صحة القلب في بذل الجهد ، وراحة النفس ، وأن طبيعة هذا العصر تقتضي الكسل العضلي ، والتوتر النفسي ، وهما وراء تفاقم أمراض القلب في معظم البلدان المتقدمة .
 أيها الأخوة الكرام ، أرأيتم إلى مثل صارخ من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، كان أصحابُه في معركة بدر يقتربون من الألف ، والرواحل ثلاثمائة ، فما الحل ؟ أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قمة المجتمع ، قمة المجتمع دينياً ، ومدنياً ، رئيس دولة ، وقائد جيش ، ونبي أمة ، أعطى أمراً قال: كل ثلاثة يتناوبون على راحلة ، أما هو فقال: وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة . غير معقول ، قائد الجيش ، زعيم الأمة له دوْر ، فركب النبي عليه الصلاة والسلام ، وسار صاحباه معه ، فلما جاء دوره بالمشي توسلا إليه أن يبقى راكباً، فقال: ما أنتما بأقوى مني على السير ، فهو قوي ، وما أنا بأغنى منكم عن الأجر ، أنا أريد أجر المشي ، وأنا قوي أسير مثلكما .
في بعض أسفاره أرادوا أن يعالجوا شاةً ، فقال أحدهم: عليَّ ذبحها ، وقال الثاني: عليّ سلخها ، وقال الثالث: عليَّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب ، قالوا: يا رسول الله نكفيك ذلك ، قال: أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً عن أقرانه .
 طبعاً بذل الجهد مروءة ، بذل الجهد تواضع ، بذل الجهد عمل صالح ، لكنه في الوقت نفسه رياضة ، لكنه في الوقت نفسه أحد أسباب صحة الجسد .

2 ـ الابتعاد عن الشدة النفسية :

 أيها الأخوة الكرام ، هذا من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام ، الطب الطبيعي ؛ أن تبذل جهداً ، أن تتحرك ، أن تمرن هذه العضلات ، أن تحرك هذا الجسد ، أن تمشي ، أن تحمل ، أن تصعد ، هذا كله من الطب الطبيعي ، وهو في الوقت نفسه عمل طيب، وفي الوقت نفسه تواضع ، في الوقت نفسه مروءة ، في الوقت نفسه مساواة مع الآخرين .
 أيها الأخوة ، أما الطب النفسي ، فقد سألتُ أحد الأطباء : لماذا تصاب هذه الشرايين بالتضيق ؟ فقال لي ما يلي : هذا الشريان له صنعة عجيبة ، إنّ جُدُرَهُ الداخلية زَلِقَة، حيث لا يمكن أن يعلق شيء عليها ، كما لو أنك جئت ببلاط سيراميك في حمام ، ما هو هذا السيراميك؟ صقيل إلى درجة أن شيئاً لا يمكن أن يعلق عليه ، هكذا جُدُر الشرايين ، ولا سيما الشريان الإكليلي ، لكن قال: الأزمات النفسية ، والشدة النفسية ، والخوف ، والقلق ، والوهم ، والجبن ، هذه تحدث ندبات في جُدُرِ الشرايين إذا سار الدم فيها ، وفيه ذرات من بعض الدهون تعلق في هذه الندبات ، وتتراكم ، وهذه مشكلة العالم الأولى ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، إن أردت أن تكون معافىً فوَحِّد ، فلا ترى أن في الكون إلهاً آخر إلا الله ، إنه في السماء إله ، وفي الأرض إله ، لا تستسلم ، لا تيأس ، لا تخنع ، لا تتشاءم ، إن الشدة النفسية أبلغ في إحداث المرض مِن أيِّ سبب آخر .

3 ـ التوحيد :

 أيها الأخوة الكرام ، حتى إن بعضهم قال: إن ضغط الدم المرتفع ما هو إلا ضغط الهمِّ ، لذلك حينما يقع الإنسانُ في هوة الشرك ، يحمِّل نفسه من العذاب ما لا يطاق ، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

 الإيمان بالله ؛ خالقاً ، ومربياً ، ومسيراً ، وأنه في السماء إله ، وفي الأرض إله ، وأنه يرجع الأمر إليه كله ، وأنه خالق كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل ، وأنه يحكم ، ولا معقِّب لحكمه ، وأنه لا يشرك في حكمه أحدا ، وأنه يقضي بالحق ، والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء وأنه:

﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 56 ]

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة فاطر: 2]

﴿ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 53]

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

 

[ سورة النحل: 97 ]

 

الإيمان يملأ النفس شعوراً بالأمن :

 هذا الإيمان أيها الأخوة ، يملأ النفس شعوراً بالأمن ، الذي هو أثمن ما في الحياة النفسية يدفع عنها القلق الذي يدمرها ، والذي يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، دققوا في هذه الآية:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81-82]

 نعمة الأمن أيها الأخوة في هذه الآية خاصة بالمؤمنين ، أولئك لهم الأمن ، ما قال الله عز وجل: أولئك الأمن لهم ، لو أنه قال: أولئك الأمن لهم ، فالمعنى أيضًا: ولغيرهم ، أما: أولئك لهم الأمن ، يعني وحدهم ، إن أردت أمناً ، إن أردت راحةً فكن مع الله .

كن مع الله ترى الله معك  واترك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطاك من يمنــعه  ثم من يعطي إذا ما منعك
***

أمر المؤمن بيد الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ، لسان حال المؤمنين :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

 إنْ كنتَ مستسلمًا ، تعلم علم اليقين أن أمرك بيد الله ، وهو الحكيم ، وهو الرحيم، وهو العليم ، وهو العدل ، وهو اللطيف ، وما عليك إلا أن تطيعه ، والأمر بعدها كله إليه ، وأنّ في الدنيا جنة ، مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، وماذا يفعل أعدائي بي ، أنا بستاني في صدري ، إنْ حبسوني فحبسي خلوة ، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة .
 وقال إبراهيم بن الأدهم ، وكان زاهدًا: "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ، نعمة الأمن التي يتمتع بها المؤمن لا تقدَّر بثمن .
 أيها الأخوة ، لذلك قالوا: إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين ، سَمِّها إن شئت سكينة ، سَمِّها راحة، سَمِّها رضا ، سمِّها طمأنينة ، سمِّها تجليًّا ، إن شئت سمِّها لطفًا ، فحياة المؤمن النفسية نعمة ينفرد بها .

انحراف العصر أتلف جهاز المناعة عند الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ، ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدتَ كل شيء ، وإنْ فُتُّكَ فاتك كل شيء ، وأنا أَحَبُّ إليك من كل شيء ، لو دخلنا في المجال العلمي ، فلدى الإنسان أيها الأخوة جهاز خاص للشفاء الذاتي ، لم تأتِ على ذكره فهارس كتب الطب ، أو قواميسه ، هناك حالات مرضية مستعصية شفيت بشكل غامض ، ودون سبب واضح ، فهذا الجهاز المسؤول عن الشفاء الذاتي هو جهاز المناعة ، الذي أتلفه انحراف العصر ، سمعت خبراً اليوم أن أربعين مليونًا في الأرض مصابون بمرض الإيدز ، وأنه في صباح كل يوم ألف وخمسمائة إصابة جديدة بهذا المرض ، بسبب انحراف الأخلاق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر بهذا:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 مسيرات للشاذين ، يطالبون بحقوقهم ، فيهم وزراء في بلاد الغرب ، فمثلاً وزير الصحة البريطاني ، ووزير في إيطاليا ، كلُّهم يتبجحون أنهم شاذُّون .

(( . . . لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ...))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 في السودان ستمئة ألف مصابون بهذا المرض .

الذاكرة العجيبة أهم ما بجهاز المناعة :

 أيها الأخوة الكرام ، هذا الجهاز الرائع الذي أبدعه الخالق ليس له مكان تشريحي ثابت ، وهذا من ميزاته ، بل هو جهاز جوال مبرمج ليتعرف على أية خلية غريبة عن خلايا الجسد ، ليقوم بتمييزها ، وأهم ما بهذا الجهاز ذاكرته العجيبة ، يعني إذا جاء مرض ، وصنعت عناصر هذا الجهاز مصلاً مضاداً لهذا المرض ، وغاب هذا المرض سبعين عاماً ، ثم عاد فلهذا الجهاز ذاكرة لا تقدر بثمن ، عنده ملف لهذا الجرثوم الذي دخل إلى الجسم قبل سبعين عاماً ، يخرج هذا الملف ، وهذه المناعة تتصدَّى أساساً ، فلماذا نأخذ اللقاحات؟ كي نعطي هذا الجسد أهليةً لمقاومة هذا المرض ، يصنع مصلاً مضاداً بشكل مخفِّف ، ويدخل بذاكرته العجيبة .

عناصر جهاز المناعة تصنع في نقي العظام :

 أيها الأخوة ، هذه العناصر ؛ عناصر هذا الجهاز تصنع في نقي العظام ، ويتمُّ إعدادها القتالي في الغدة الصعترية (التيموس) معهد إعداد المقاتلين ، وعناصر هذا الجهاز موزعة بين مهمات الاستطلاع ، وتصنيع المصل المضاد ، والقتال ، والخدمات ، لكن فيروس الإيدز يدخل الجسم متخفياً في صورة أحد هذه العناصر ، وهنا قوته ، وهو أضعف فيروس في الأرض ، لكنه يتخفى بشكل كريات الدم البيضاء ، فالكريات حينما تراه تظنه صديقاً ، فإذا تمكّن من الجسد فَتَكَ به .

جهاز المناعة فيه فرقة مغاوير :

 أيها الأخوة الكرام ، في هذا الجهاز ، جهاز المناعة المكتسب فرقة مغاوير ، ذات كفاءة عالية جداً ، اكتشفت هذه الفرقة في السبعينات ، وعناصر هذه الفرقة تستطيع أن تتعرف على الخلايا السرطانية ، وتتجه إلى تدميرها في وقت مبكر جداً .
 إن هذا الفيروس؛ فيروس الإيدز يُضعِف جهاز المناعة ، ومع ضعف جهاز المناعة يقوى هذا المرض ، لذلك حينما قال النبي الكريم عن حبة البركة: فإن فيها شفاء من كل مرض عَجِبَ الأطباء ، عقد مؤتمر ، فإذا بحبة البركة تقوي جهاز المناعة ، وإذا قوي جهاز المناعة قوي على كل الأمراض .

جهاز المناعة يضعف بالشرك و يقوى بالتوحيد :

 إخوانا الكرام ، حقيقة خطيرة جداً ، جهاز المناعة المكتسب هو أخطر جهاز في جسم الإنسان ، وهو الذي يكافح الأمراض كلها ، ولاسيما السرطانية والجرثومية ، لكن هذا الجهاز ، وأنقل لكم بالحرف الواحد ما قرأته في مجلة فيها هذا المقال مترجماً قال: إن هذا الجهاز يضعفه الاكتئاب ، والحزن ، والتوتر ، والقلق ، والحقد ، والشدة النفسية ، وإنّ هذا الجهاز يقويه الحبُّ ، والأمن ، والرضى ، والتفاؤل .
 معنى ذلك إذا كنت موحداً قَوِيَ جهازك المناعي ، وإذا كان الإنسان مشركاً خاف، وامتلأ قلبه خوفاً ، ولا سيما في هذه الأيام ، امتلأ قلبه خوفاً من هؤلاء الذين يهددون ، ويتهمون ، ويتوعدون ، وينذرون ، وهم في قبضة الله عز وجل ، وما أمرك الله أن تعبدهم ، بل أمرك أن تعبده وحدَه .
 أيها الأخوة الكرام ، الحب ، والأمل ، والهدوء ، والتفاؤل تُقَوِّي هذا الجهاز ، لذلك فالتوحيد صحة ، إذا كنت موحِّداً فجهاز مناعتك قوي جداً ، وإذا كان جهاز مناعتك قويًّا جداً قَوِيَ على الأمراض كلِّها .

الحالة النفسية تتحكم ببوابات الألم :

 أيها الأخوة الكرام ، دراسة ثانية ، في الإنسان طريق للألم يبدأ من النهايات العصبية ثم يسير عبر النخاع الشوكي إلى البصلة السيسائية إلى قشرة الدماغ هذا طريق الآلام، لكن اكتشف العلماء على أن لهذا الطريق بوابات تفتح وتغلق ، فإذا أُغلِقت ضَعُف تأثير الآلام ، وإذا فُتِحت تضاعفت هذه الآلام ، وقالوا: من يتحكم في فتح هذه البوابات ، وفي إغلاقها؟ الجواب حالة المريض النفسية ، فكلما ارتقت حالته النفسية أُغلِقت هذه البوابات ، ولم يصل إليه من الألم إلا النزرُ اليسير .
 فيا أيها الأخوة ، التوحيدَ التوحيدَ ، والإيمانَ الإيمانَ ، ألاّ ترى مع الله أحدًا ، وترى أن يد الله تعمل وحدها ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يشرك في حكمه أحداً ، ولو لم تفهم بعض الحالات ، ولو كان هناك استفهامات كبيرة ، فأنت مؤمن ، لأن لله في خلقه شؤونًا ، وله حِكمًا لا نعلمها نحن ، لا يمكن أن ترى عدل الله من أفعاله إلا بحالة مستحيلة ، أن يكون لك علم كعلمه ، ألا تكفيك هذه الآية:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216]

ما لم تكفر بالكفر فالطريق إلى الله مغلق :

 هؤلاء المسلمون في العالم هم اليومَ مقصِّرون ، بعيدون عن تعاليم دينهم ، بعيدون عن عقيدتهم الصحيحة ، جاءتهم صعقة مِن أجل أن يصحوا ، ومن أجل أن يعودوا إلى دينهم ، وإلى شريعة ربهم ، ومن أجل أن يكفروا بالكفر ، أمَا قال الله عز وجل ؟:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 ما دمت تعتقد أن هؤلاء كبار ، وأن هؤلاء راقون ، وأن هؤلاء يحترمون الإنسان، هم يدمرونه في كل مكان ، هم يقتلون الأبرياءَ بلا سبب ، وبلا ذنب ، فلا بدّ أنْ تعيد حساباتك ، وتعدِّل رؤيتك .
 أيها الأخوة ، ما لم تكفر بهم ، وبقيمهم ، وبمبادئهم ، وبمقولاتهم فالطريق إلى الله ليس سالكاً .

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 أيها الأخوة الكرام ، في خطبة قادمة إن شاء الله سنأتي على ذكر ما في الإسلام العظيم من الطب الوقائي ، ثم ما في الإسلام العظيم من الطب العلاجي ، أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين .

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

المؤمن ينبغي أن يكون رحيماً بالمؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام ، المؤمن كما ينبغي أن يكون ، وها أنا ذا أصف المؤمن الذي ينبغي أن يكون ، وأعرض عما هو كائن ، فقد يكون حال المؤمنين اليومَ لا يعجبنا ، لكن المؤمن كما ينبغي لا بدّ أن يكون قلبُه مع واقع المسلمين ، قلبه يتحرق على واقع المسلمين ، على أوضاع أمته في مشارق الأرض ومغاربها ، يعطف على إخوانه ، يحقق قوله تعالى:

﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الفتح: 29 ]

 لا يكون شأنه شأن الخوارج في الدهر الأول ، الذين يقتلون أهل الإيمان ، ويَدَعُون أهل الأوثان ، المؤمن ينبغي أن يكون شديداً على الكفار ، رحيماً بالمؤمنين ، يحقق في نفسه قوله صلى الله عليه وسلم:

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

[متفق عليه عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 في هذه الأيام الباردة القارسة التي تتدنّى الحرارة فيها إلى ما دون الصفر ، ثلاث وسبعون بيتاً تهدّم في فلسطين ، وأصبح أهلها ، وقد بلغوا مائةً وسبعًا وثلاثين أسرة في العراء ، بلا مأوى ، ولا طعام ، ولا شراب ، وصاروا في خيام ، أيّ مسلم لا يتأثر لهذا ، أيّ مسلم لا يتفطر قلبه لهذا ، أيّ مسلم يهنأ له العيش وإخوانه هكذا في فلسطين؟ علامة المؤمن أنه يتعاطف مع إخوانه المؤمنين يألم لألمهم ، ويفرح لفرحهم ، يسر لمسرتهم ، ويتمزق لمصابهم ، ولو كانوا مقصرين ، ولو لم يكونوا على منهج الله قائمين ، هم إخوانه ، شاء ، أم أبى ، وهم قدره أساساً .

علامة المؤمن أنْ يحمل همّ المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام ، هذا ينبغي أن يكون واقعاً عند كل مؤمن ، فإنْ لم تتأثر لما يصيب المسلمين في شرق آسيا ، وفي غربها ، وفي الشمال ، وفي الجنوب ، وفي بقاع الأرض فما انتماؤك لهذا الدين؟ هؤلاء إخوانك ، سواء كانوا مقصِّرين أم غير مقصرين ، هذا بحث آخر ، لكن هم إخوانك ، هم من بني دينك .
 فيا أيها الأخوة ، من علامة إيمان المؤمن أنه يتأثر لحال المسلمين لذلك:

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ))

[الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

 ما بال المسلمين في بلاد أخرى يتمتعون ، وهم غارقون في الملذات ، وفي الحفلات ، وفي النزهات ، وفي الولائم ، وكأن الأخبار المدمِّرة يستمتعون إليها استمتاعاً ، وكأن الأخبار مِن هدم البيوت ، وتقتيل الأبرياء شيء طريف ، يستمتعون به ، ويتحدثون به في مجالسهم ، أليس لك قلب؟ أليس في قلبك رحمة على هؤلاء؟
 أيها الأخوة ، علامة المؤمن أنْ يحمل همّ المسلمين ، وهذا شيء آخر مريعٌ ومفزِع ، إنه الغيثُ ، فنحن نشكر الله عز وجل على هذا العطاء الكبير ، الذي امتن به علينا في مناطق عديدة من سورية ؛ فالثلج وصلت سماكته إلى متر ونصف ، وإلى مترين في بعض المحافظات ، وهذا خمير الأرض .
 كنت مرةً في نزهة في الربيع ، في محافظة جنوبية ، وجدت ديدانًا لا تعد ولا تحصى في الأرض ، فسألت ، فقالوا: لم يأتِ ثلج هذا العام ليقتلها ، معنى ذلك أنّ للثلج فائدة كبيرة جداً ، فضلاً عن أنه ماء ، واللهُ سبحانه وتعالى أكرمنا ، وتفضل علينا ، ومنحنا هذا العطاء ، فلعل هناك أطفالٌ رضع ، وشيوخٌ ركع ، وبهائم رتع ، هذه كلها رِزْقُها على الله ، فلا بد أن نشكره مِن أعماق قلوبنا .
 أيها الأخوة ، إياك ، ثم إياك ، ثم إياك أن تقول: منخفض قطبي متمركز في أوربا، متجه إلينا ، هذا شرك ، لكنها رحمة الله قد أدركَتْنا ، إنها رحمة الله نزلت علينا ، إنها رحمة الله أصابتنا ، هذه رحمة ، أما مصطلحات أهل الدنيا ، أن منخفضاً متحركاً متمركزاً سائراً بسرعة كذا ، هذا كلام علمي صحيح ، لكن إياك أن تظن أن هذا المنخفض هو الذي منَحَنَا هذا العطاء ، بل إن رب المنخفض هو الذي منحنا هذا العطاء .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، و بارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك ، و إنه لا يذل من واليت و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، و لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا و لا تهنا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا و ارض عنا ، اجعلنا يا رب العالمين من عبادك الصالحين ، صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك و نبتلى بحمد من أعطى و ذم من منع و أنت من فوقهم ولي العطاء ، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء ، اللهم أصلح قلوبنا ، أصلح ذوات بيننا يا رب العالمين ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، و بطاعتك عن معصيتك و بفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك و لا تهتك عنا سترك و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك و رحمتك اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين ، و لا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين ، يا رب العالمين ، اللهم بفضلك و رحمتك أعز الإسلام و المسلمين ، وأذلّ الشرك و المشركين ، خذ بيد ولاة المسلمين إلى ما تحب و ترضى ، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018