الخطبة : 0819 - صفات الداعية إلى الله2 ، التواضع - مقاييس أهل الإيمان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0819 - صفات الداعية إلى الله2 ، التواضع - مقاييس أهل الإيمان .


2001-12-28

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده و رسوله ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

على كل مسلم أن يكون داعية إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام ، متابعة لموضوع الخطبة السابق حيث إن معظم المسلمين يسألون : ماذا ينبغي ؟ ماذا نعمل وقد حدث ما حدث ؟ ما مهمتنا ؟ ما الواجب الذي ألقي علينا؟ ماذا نعمل ؟ أنتألم ويجترّ بعضنا بعضاً همَّه ووجده أم نتحرك ؟ فكان الجواب عن كل هذه الأسئلة : ينبغي أن يكون كل مسلم داعيةً إلى الله ، وليس شرطًا أن يدعو بلسانه ، فهذا يحسنه بعضهم ، لكن العبرة أن يكون داعيةً إلى الله بسلوكه ، وعمله ، فحينما يشد النظر إلى عظمة هذا الدين ، وإلى ثماره اليانعة التي يقطفها المؤمنون ، حينئذ تتسع دوائر الحق ، وتضيق دوائر الباطل .
 والناس كما قلت في الخطبة السابقة لا ينجذبون إلى هذا الدين في كتاب ألّف فيه ، ولا بشريط ألقي على مسامع الحاضرين ، ولكنهم ينجذبون إلى هذا الدين من خلال الثمار الطيبة التي يجنيها المؤمن في حسن علاقته بالله ، وحسن علاقته بالخَلْق ، وقد بينت أن جوهر هذا الدين هو حسن علاقتك بالله ، إيماناً ، واتصالاً ، والتزاماً ، وإحساناً للخلق ، وحسْنُ علاقتك مع الخلق أن تنصفهم ، وأن تكون محسناً معهم ، وبيَّنتُ أن مجموع المؤمنين في الخطبة السابقة مستهدفين مِن قِبَلِ الطرف الآخر ، الطرف الآخر لا يميِّز بين مذهب ومذهب ، ولا بين طائفة وطائفة ، ولا بين اتجاه واتجاه ، إنّ مجموع المسلمين عند الطرف الآخر مستهدفون .
 لذلك ما الذي يمزقنا ؟ ما الذي يشتت جمعنا ؟ ما الذي يمزق وحدتنا ؟ أن يكون بأسنا بيننا ، ما أسباب هذا البأس الذي هو بيننا ؟ هو فَقْدُ صفةٍ في الدعاة إلى الله هي التواضع .

التواضع خُلُق حميد من أخلاق الدعاة إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام ، أنا أتكلم لا على أن التواضع خصلة حميدة وخلق كريم من أخلاق المؤمنين ، أتكلم عن التواضع كخُلُقٍ حميد من أخلاق الدعاة إلى الله ، وبما أن كل مسلم - وهذا ملخص الخطبة السابقة - بما أن كل مسلم مكلف أن يكون داعيةً إلى الله ؛ إنْ بقلبه ، وإن بعمله ، أو بهما جميعاً ، فينبغي أن يتسم هذا المسلم بالتواضع ، لأن الكبر يمزق شمل هذه الأمة .
 التواضع في أدق التعاريف التي عرّفه بها النبي عليه الصلاة والسلام من خلال مفهوم المخالفة حين عرّف الكبر فعرّف التواضع ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 أنْ تردّ الحق ، ألاّ تقبل الحق ، ألاّ تنصاع له ، ألاّ تخضع له ، أن تستعلي عليه ، أن تستنكف عن اتباعه ، فبطر الحق هو ردُّ الحق ، يأتيك حديث صحيح فتقول : غير معقول ، ولا يناسب هذا الزمان ، فهذا كبر ، وغمط الناس أنْ تستخف بهم ، ألاّ تضعهم في مكانهم الصحيح ، فحينما يردُّ الإنسانُ الحقَّ ، ويبخس الناسَ أشياءَهم ، عندئذ تلصق به صفةُ الكبر ، أمّا التواضعُ فعكسُ ذلك .

التواضع شيء أساسي في الداعية لانتشار الدعوة بين الناس :

 أيها الأخوة الكرام ، التواضع في الأصل أنْ نقول للكبير : ينبغي أن تكون متواضعاً، لأن التواضع يعني أنك لست وضيعاً ، ولكنك متواضع ، فليس المتمارض مريضاً ، وليس المتعاظم عظيماً ، وليس المتواضع وضيعاً ، بل هو كبير ، لكن نقول لهذا المؤمن : تواضعْ كي تسريَ هذه الدعوةُ بين الناس ، ألاَ يكفيك أن الله سبحانه وتعالى علَّمنا التواضع بآيتين ؟ وعلَّم النبيَّ عليه الصلاة والسلام أن يقول للطرف الآخر الكفار الفجار الفساق المشركين :

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة سبأ : 24]

 الحق إما أن يكون معنا ، وإما أن يكون معكم فاجلسوا للحوار ، أليس هذا تواضعاً؟ قال تعالى :

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة سبأ : 24]

 الحقُّ معنا ، أو معكم ، فاجلسوا للحوار .
 بطولتك أيها الأخ الكريم لا أن تلقي الأحاديث الصحيحة على إنسان مؤمن مقتنع بها ، مغمور برحمة الله عز وجل ، بل في استطاعتك أن تقنع الطرف الآخر البعيد عن الله عز وجل ، وأنْ تدخله في هذا الدين .
 بعض العلماء الصالحين الذين تُوفُّوا - رحمهم الله تعالى - كان يقول لإخوانه : يا إخواني ائتوني بإنسان من الملهى لا من مسجد آخر ، بطولتك أن تأتي بإنسان من الطرف الآخر لا أن تقنع إنساناً له شيخ تفسد عليه شيخه وأن تأتي به إلى المسجد ، لا تأتي بإنسان من مسجد إلى مسجد ، لكن ائتِ به من ملهى إلى مسجد .
 أيها الأخوة الكرام ، لابد من التواضع ، آية ثانية :

﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة سبأ : 25]

 أرأيتم إلى أدب القرآن الكريم ، فهل دعوة النبي إجرام ؟! علَّمنا القرآن من خلال توجيه النبي عليه الصلاة والسلام كيف يكون التواضع مع الطرف الآخر ، حتى تأسِر قلبه ، وتلينه ، كي تخاطب عقله ، كي تتجه إلى قلبه لابد أن تتواضع له ، فالداعية الذي يتأبَّى ، ويستكبر يصد الناس عنه ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق وسيد ولد آدم والذي أقسم الله بعمره الثمين ، والذي ما خاطبه الله إلا بلفظ النبوة يا أيها النبي ، ولفظ الرسالة يا أيها الرسول ، النبي الذي بلغ سدرة المنتهى ، النبي الذي بلغ قمة البشر ، هو مَن هو ، قال الله له :

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 فما بالك بإنسان ليس نبياً ، ولا رسولاً ، ولا ولياً ، ولا عالمًا ، ولا عُوَيْلِمًا ، ولا داعيةً، وليس عنده عصمة ، ولا منهج ، ولا وحي ، ولا معجزة ، وهو فظ غليظ القلب ، ولِمَ الغلظة يا أخي ؟
 أيها الأخوة الكرام ، لكننا نقول لهذا الذي له شأن كبير : تواضعْ كي تسري هذا الدعوة بين الناس ، كي يحبك الناس ، كي يلتفوا حولك ، لأن الإنسان إذا اتصل بالله امتلأ قلبه رحمةً ، فإذا امتلأ قلبه رحمةً انعكست الرحمة ليناً ، فإذا كان لين الجانب التفَّ الناس حوله ، أما إذا كان منقطعاً عن الله امتلأ قلبه قسوةً ، فإذا امتلأ فلبه قسوةً أصبح قلبه فظاً غليظاً ، فإذا كان فظاً غليظ القلب انفض الناس من حوله كأنها معادلة رياضية ، تتصل فتستقر الرحمة في قلبك ، ثم تنعكس ليناً فيلتفُّ الناسُ مِن حولك ، تنقطع ، فيمتلئ القلب قسوةً ، ثم تنعكس غلظةً وفظاظةً ، فينفض الناس مِن حولك ، قال تعالى :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

الاستعلاء على الناس يورث ذلاً و انكساراً :

 أيها الأخوة الكرام ، نقول للإنسان الكبير بمقياس أو بآخر : تواضعْ ، ونقول للإنسان الصغير : اعرفْ قَدْرَ نفسك ، فأنت المكرَّم الأول ، فينبغي أن تكون لله ، ولا ينبغي أن تكون لغير الله ، وقبيح بك أن تكون لغير الله ، ولا يليق بك أن تكون لغير الله ، وهذا من انتهاك قدرك أن تكون لغير الله ، فأنت لله ، خَلقتُ لك ما في السموات والأرض ، ولم أَعْيَ بخلقهن ، أفيعييني رغيف أسوقه إليك كل حين ، لي عليك فريضة ، ولك عليّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إنْ لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطنّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، ولا أبالي وكنتَ عندي مذموماً .
 تروي الكتب أيها الأخوة أن الإمام الفذ عبد الله بن المبارك قدم خراسان فقصد رجلاً مشهوراً بالزهد والورع ، فلما دخل عليه لم يلتفت الرجل إليه فلم يأبه له ، ولم يعبأ به ، فخرج من عنده عبد الله بن المبارك فقال له بعض مَن عند هذا الزاهد الورع : أتدري مَن هذا الذي دخل عليك ؟ قال : لا ، قال : هذا أمير المؤمنين في الحديث هذا كذا ، هذا كذا . . . فبهت الرجل ، وخرج إلى عبد الله بن المبارك مسرعاً يعتذر إليه ، ويتنصل مما حدث ، وقال : يا أبا عبد الرحمن اعْذُرْنِي وعظني ، قال ابن المبارك : إذا خرجت من منزلك فلا يقع بصرُك على أحد إلا رأيت أنه خير منك ، هذا التواضع ، هل تعلم خاتمته ؟ لعله يسبقك .
 أيها الأخوة ، الإنسان أحياناً يأخذ من زهده ليعينه الله على طاعته ، لكنّ بعضَهم يزهده الله في الدنيا ، فيستعلي على الناس ، ألم يقل بعض الصالحين : رُبَّ معصية أورثتْ ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكباراً .
أحياناً تكون الطاعة حجاباً بينك وبين الله ، أنا أدعو إلى الطاعة فقط ، ولكن أحياناً مَن كان ضعيف التوحيد يحاول أنْ يستقيم على أمر الله ، فيحجب عنه كبراً ، ويرى نفسه فوق الخَلق ، وهذا مزلق خطير .
 أيها الأخوة ، طالب علم ، بل طويلب علم ، لا يحسن قراءة صفحة من كتاب الله ، ولا يحفظ الحديث عن رسول الله يضع نفسه نداً لعالم جليل وله باع طويل في الدعوة !! هذا مِن حمق الإنسان ، ومن ضعف توحيده ، ومن نقص أخلاقه ، لك أن تختلف مع أي عالم ، فهذا من حقك إذا كان لك رأي ، واجتهاد ، ومعك الدليل ، وإذا كنت أهلاً لذلك ، أمّا أن يتحوّل هذا الخلاف إلى معول تهدم به مكانة هذا العالم ، وتحُطَّ من قدره ، وتزدري عليه ، وتسيء الأدب معه ، فهذا لا يليق بالمؤمن ، لك أن تختلف مع أي إنسان ، ولك أن تقارع الحجة بالحجة ، دون أن تحقره ، ودون أن تهدم كرامته ، لأنه حينما تحطمت المثُلُ عند المسلمين ضاعوا ، المسلمون يحتاجون إلى مُثلٍ عليا ، ولا خير في أمة لا توقِّر كبيرها ، ولا ترحم صغيرها ، ولا تعرف لعالمها حقَّه .
 أيها الأخوة الكرام ، إذا جاز أن يقع هذا من دهماء الناس ، وعامتهم من أهل البدعة ، والضلال ، فلا يجوز ألف مرة أن يقع هذا من طالب علم ، رحم الله عبداً عرف قدر نفسِه فوقف عنده ، ولو أن المسلمين عرفوا حقَّ علمائهم ، وعرفوا لهم أقدارهم ، لتمكَّن العلماء أن يضاعفوا من ثمار دعوتهم ، لكن ما مِن جهة إلا وتحطِّم الجهة الأخرى ، فبالمحصلة : ليس للمسلمين مُثُلٌ عليا ، ولا فيهم دعاة صادقون ، عُدَّ للمليون قبل أن تهزّ مثلاً أعلى لفئة أو جماعة ، وبالطرف المقابل هناك أناس يسبغون على الدعاة العصمة المطلقة ، كأنهم يؤلِّهونهم ، وهذا انحراف آخر خطير .

النبي الكريم معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها :

 أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام أمَّر أنصارياً على بعض أصحابه في سرية ، وكان هذا الأنصاري صاحب دُعابة ، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

((بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا نَارًا فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا - حكَّموا عقولهم - فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))

[متفق عليه عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 المعصوم الوحيد في حياة المسلمين هو رسول الله ، معصوم بمفرده ، بينما أمته معصومة بمجموعها ، لا ينبغي أن يدَّعِي أحدٌ العصمة ، ولا ينبغي أن تصف أحدًا بالعصمة ، هذا هو الموقف المعتدل المتوازن ، فكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء ، كما قال الإمام مالك ، فلا ينبغي أن تدَّعيَ العصمة ، كما أنّه لا ينبغي أنْ تصف مخلوقاً بالعصمة بعد رسول الله .
 أيها الأخوة الكرام ، أقول دائماً : إن الفِرَقَ الضالَّةَ تؤلِّه الأشخاص ، وتخفِّف التكاليف ، وتعتمد على نصوص موضوعة ، وهي ذات نزعة عدوانية ، ولن تجد فرقة ضالة في العالم الإسلامي مِن عهد رسول الله إلى يوم القيامة إلا وهي متلبسة بهذه الصفات الأربعة .

على الداعية أن يكون مسلماً حقيقة :

 أيها الأخوة الكرام ، خلاصة الحديث : ماذا نعمل ؟ ينبغي أن تكون مسلماً ، ينبغي أن تكون مسلماً حقيقةً ، إذاً ينبغي أن تكون صادقاً ، وينبغي أن تكون مع الصدق أميناً ، قال تعالى :

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[ سورة القصص : 26]

 واليوم ينبغي أن تكون منصفاً والمنصف تخضع له الرقاب ، تذل له النفوس ، أما غير المنصف فيتأبى الناس عليه .
 قال العلماء : مِن التواضع أن تعرف قدر نفسك ، ضع نفسك في الموضع الصحيح ولا تكَبِّرْ حجمها ، ولا تعطِها ما لا تستحقه ، وعرِّفها قدرها ، فرحِمَ الله امرأً عرفَ قدْرَ نفسِه فوقف عنده .
 أيها الأخوة ، وصف النبي الصديق رضي الله عنه فقال : " ما طلعت شمس بعد نبي أفضل من أبي بكر " قال لعمر : " مُدَّ يدك لأبايعك ، فقال عمرُ : أنا ؟ أيُّ أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر ؟ قال : يا عمر أنت أقوى مني ، قال : أنت أفضل مني ، فقال عمر : اجعلْ قوتي إلى فضلك " كلاهما يعرف قدر صاحبه لا ينبغي أن تسلط الأضواء على ذاتك وأن تعتم على الآخرين فهذا ليس من الإنصاف في شيء ، ولقد رأى النبي صهره مع الأسرى فقال : " والله ما ذممناه صهراً ".

المؤمن يخضع للوحيين و لا رأي له مع وحي الله :

 أيها الأخوة الكرام ، أّما ما يقوله بعض طلاب العلم : هم رجالٌ ، ونحن رجال ، فهذه لها تفسيرات كثيرة ، فمن معاني الرجولة كما قال الله عز وجل :

﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾

[ سورة التوبة : 108]

 من معاني الرجولة البطولة ، قال تعالى :

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾

[ سورة النور : 36-37]

 وقد يُعبَّر عن الرجولة بالفحولة والذكورة ، قال تعالى :

﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾

[ سورة الجن : 6]

 فأنْ تقول وأنت طويلب علم لإنسان له باع طويل في الدعوة : هم رجال ونحن رجال فهذا تطاول .
 أيها الأخوة الكرام ، كلمة (أرى) من دون دليل ، وكلمة (أنا) فمَن أنت ؟ كلمة (قلت) فمَن أنت حتى تقول : قلت ؟ وكذا كلمة عندي ، اعرفْ حقيقةَ نفسِك ، ومدى علمك ، ثم تكلَّمْ ، وتحدَّثْ ، إنْ كان لك علمٌ .

يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ  فمن أنتم حتى يكونً لكم عندُ؟
***

 المؤمن يخضع للقرآن والسنة ، المؤمن يخضع للوحيين لا رأي له مع وحي الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 36]

 مع النص الشرعي ليس لك اختيار ، وليس لك رأي ، ولا (عندي) ، ولا (أرى) ، ولا (أعتقد) ، ولا (أتصور) ، وهذا لا أقبله ، أو هذا غير مناسب ، فهذا كله كلام فارغ ، ما دمت مؤمناً فليس هناك مع كلام خالق الأكوان ولا مع كلام المعصوم رأي آخر ، لا تقدِّم بين يدي الله ورسوله ، لا تقدِّم رأياً مخالفاً للوحيين ، لا تقدِّم اجتهاداً يتناقض مع كلام الله عز جل .
 أيها الأخوة ، التواضع بمفهومه الأول أنْ تعرف قدر نفسك ، وكلما تواضع الإنسان زاده الله رفعةً ، وليست هناك مِن كلمة أطرب لها مِثل أنْ أسمع من عالم جليل يقول : إنني طالب علم ، يا الله من عالم جليل يقول : أنا طالب علم ، وقد قال الشافعي رحمه الله : " ويظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل "

 

التواضع مع الأقران :

 الآن لنبْحث في التواضع مع أقرانك ، وهذا هو البند الثاني ، تثور بين الأقران ، وأحياناً بين الأنداد تهبُّ ريحُ المنافسة ، والتحاسد ، وربما استعلى بعضهم على بعض ، وفرِحَ بعضهم بالنيل من بعض ، وسعى بعضهم للحطِّ مِن قدر بعض ، وربما عاب أحد على أخيه أمام ملأ كبير ، وربما ضَخَّم نفسَه ، وصَغَّر غيرَه ، فهذا ليس من التواضع في شيء ، والحقُّ كما قيل قديمًا : إذا عز أخوك فهن أنت ، إن كنت مخلصاً لله ، وكنتَ تحمل همَّ المسلمين رجّحتَ مصلحةَ المسلمين على مصلحتك ، إذا أعز الله أخاك فكن في معيته ، وكن في خدمته، فالهدف أن يحقَّ الحقُّ ، ويبطل الباطل ، لذلك قال الإمام الشافعي : " أتمنى أن يهتدي الناس بدعوتي دون أن تنسب إلي " .
 أيها الأخوة الكرام ، قد يقع التحاسد بين الدعاة ، إن رأى أحدهم إقبال الناس الشديد على غيره ، وانصرافهم عنه ، بدل أن يقول : لعلي مخطئٌ في الدعوة ، ولعلي مقصِّر ، لعل هناك خللاً عندي ، فلا يعوض هذا النقص بتحطيم الطرف الآخر ، أمّا حينما يسمع أن هناك مئات الألوف تحضُر مباراة كرة القدم ، أو حفلاً غنائيًّا فلا يتأثر ، إذًا متى غلى مرجلُه واتَّقَدَ واضطرب ؟ عندما رأى الناس قد أقبلوا على شخصٍ استقطبهم بدعوته .
 أيها الأخوة الكرام ، أول نقطة أن تعرف قدر نفسك ، وأن تضعها في موضعها الصحيح ، والنقطة الثانية أنْ تتواضع مع أقرانك ، ومع أندادك وأصدقائك ، وزملائِك ، مع مَن هم في سِنِّك .

تواضع الإنسان مع من هو دونه :

 والشيء الثالث أنْ تتواضع مع من هم دونك ، إنْ وجدتَ أحداً أصغر منك سناً ، قال : " يا غلام إياك أن تسقط في الحفرة ، فقال الغلام لأبي حنيفة : بل أنت يا إمام إياك أن تسقط ، إني إنْ سقطتُ في الحفرة سقطتُ وحدي ، وإنك إنْ سقطتَ سقطَ معك العالَمُ ، لا تحقرَنّ أحداً ، ولو كان صغيراً " .
 قال أحد الخلفاء لغلام يافعٍ : اجلسْ أنتَ وليقُمْ مَن هو أكبر منك سناً ، ولْيتكلَّمْ ، فقال الغلام : أصلح اللهُ الأميرَ ، المرءُ بأصغريه ؛ قلبه ولسانه ، فإذا وهب اللهُ العبدَ لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً ، فقد استحقَّ الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول يا أمير المؤمنين لكان في الأمة مَن هو أحقُّ منك بهذا المجلس .
 يا غلام لمَ لمْ تهرب مع مَن هرَبَ ؟ لقد رأى سيدنا عمر غلمانًا يلعبون في الطريق فلما رأوه تفرّقوا إلا غلامًا منهم قال : أيها الأمير ، لستَ ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ، والطريق يسعني ويسعك .
 حينما تكون متواضعاً تحترم الكبير والصغير ، ويحترمونك ، كان عليه الصلاة والسلام يسلم على الصبيان ، كان عليه الصلاة والسلام يجري معهم أحياناً تطييباً لقلوبهم ، وكان يدعوهم إلى ركوب الناقة .
 أيها الأخوة ، مِنَ التواضع أنْ تتواضع مع مَن هو دونك ، مع مَن هو أصغر منك سناً ، أو أقل منك قدراً ، فلا تحتقره ، فهذا أسلم لقلبك ، وأعظم لمقامك عند الله عز وجل ، حتى لو رأيت إنساناً فاسقاً ، وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه ، واحمَدِ الله على أن نجاك مما ابتلاه به ، وتذكَّرْ ، فربما يكون في عملك الصالح رياء ، أو عُجب يحبطه ، وقد يكون عند هذا المذنب مِنَ الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سبباً لغفران ذنبه ، تذكَّرْ هذا ، لا تستعلِ حتى على فاسق .
 وعَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ :

((وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ أَوْ كَمَا قَالَ))

[ مسلم عَنْ جُنْدَبٍ]

 إياك أن تستكبر حتى على عاص ، ادْعُ له بالتوبة ، واشكُر اللهَ على أن نجاك من هذه المعصية ، أما أنْ تستعلي عليه فهذا لا يليق بمسلم متواضعٍ ورعِ .
 أيها الأخوة ، لو شعر طالبُ العلم أن هذا الفاسق له طاعات ليست عنده ، وأنّ عند هذا الطالب عيوباً ربما لا تكون عند صاحبه لَتلَطَّف معه ، فالعبرة أن يراك ليِّنَ الجانب ، وأن يلين قلبُك له حتى يلين قلبُه لك .

مِن التواضع ألاّ يعظمَ في عين الإنسان عملُه إن عمل خيراً :

 أيها الأخوة الكرام ، مِن التواضع ألاّ يعظمَ في عينك عملُك إن عملت خيراً ، أحياناً يقدِّر الله لإنسانٍ عملاً كبيراً في الدعوة ، وفي خدمة الخلق ، وفي رَأْبِ الصدع ، وفي نشر الخير ، وفي إنفاق المال ، حتى في هذا المستوى ينبغي ألاّ ترى عملك أنه من جهدك وتقول : إنما أوتيته على علم عندي ، بل قل : هذا مِن فضل الله عليّ ، وهذا جهد المقل ، حتى لو كان لك عمل طيب ينبغي ألاّ يحجبك عن الله عز وجل ، إنما يتقبل الله عز وجل من المتقين ، قال بعض السلف : " لو أعلم أن الله قَبِلَ لي تسبيحةً لتمنيتُ أن أموت الآن " فالعبرة بالقبول ، لا بحجم العمل ، فقد تكون ذكياً ، وقد تكون عميقَ التفكير ، وقد تصل إلى أكبر الأهداف ، فالعبرة أنْ يَقْبَلَ اللهُ عملك .

من علامة التواضع قبول النصيحة :

 أيها الأخوة ، مِن التواضع أنك إذا سمعت نصيحة فإن الشيطان يدعوك إلى ردِّها ، وسوء الظن بالناصح ، لأن معنى النصيحة أنّ أخاك يقول لك : إن فيك من العيوب كذا وكذا ، لاحظوا حينما تنصح إنساناً ، ولو على انفراد ، ولو بينك وبينه ، ولو بأدب ما بعده أدب ، ولو بلطف ما بعده لطف ، فإنه مباشرةً يبحث لك عن عيب ، مباشرةً يستكبر أن يقبل ، فمِن علامة التواضع أن تقبل النصيحة ، ألم يقل الصحابي الجليل وهو يذوب حباً لرسول الله : يا رسول الله هذا الموقع - في بدر- وحيٌ أوحاه الله إليك ؟ - أي إذا كان الأمر كذلك فليس لي رأيٌ ، وليس لي كلام - أم هو الرأي والمشورة ؟ قال عليه الصلاة والسلام : بل هو الرأي والمشورة ، قال : واللهِ ليس بموقع ، فأثنى النبي عليه ، وشَكَرَه ، وأَمَرَ أصحابَه أنْ يتحوّلوا إلى موقع جديد اقترحه هذا الصحابي الجليل .
 هذه فضيلة أن ترجع إلى الحق ، أن تراجع نفسك ، أنا على الحق ، والطرف الآخر على الباطل ، وقد أكون مخطئاً ، والطرف الآخر على الباطل ، وأنا على الحق ، وقد يكون مصيباً ، فأَبْقِ هامشَ تراجعٍ بسيطًا .
 أيها الأخوة الكرام ، لهذا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 لذلك سيدنا عمر وهو عملاق من عمالقة الإسلام وهو صحابي جليل وهو من الخلفاء الأربعة ، قال هذا الصحابي الجليل : " رحم الله امرأً أهدى إلينا عيوبنا ".
 أيها الأخوة الكرام ، مِن التواضع أن تكون عادلاً ، وهذا يؤخِّر إلى خطبة أخرى إن شاء الله تعالى .
 أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا و سيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المتفوق من قيّم نفسه بمقاييس أهل القرآن و السنة :

 أيها الأخوة ، مِن مسلَّماتِ الإيمان أنك إذا كنت في أسفل درجة من السلم الاجتماعي ، أقلَّ وظيفة ، وأقلَّ دخلاً ، وكنت مؤمناً لله ، مطيعاً له ، فأنت الرابح الأكبر ، ولو كنتَ في أعلى مكانة في المجتمع الدولي ، ترأس أكبر دولة في العالم ، ولم تكن مؤمناً بالله ، ولم تكن متبعاً لمنهجه ، ولا محسناً لخَلْقِه ، فأنت الخاسر الأكبر ، ولو آتاك اللهُ مالاً كمالِ قارونَ ، ولم تكن مطيعاً لله ، فأنت الخاسر الأكبر ، ولو كنت فقيراً فقراً مدقعاً ، وكنت مع الله عز وجل فأنت الغني ، هذه حقائق ، ولو كنت وسيماً وسامةَ يوسفَ ، ولم تكن مطيعاً طاعة يوسفَ كانت هذه الوسامة عبئاً عليك ، ولو كنتَ على غير هذه الوسامة ، وكنتَ مطيعاً لله عز وجل فأنت الرابح الأول ، كان بعض التابعين قصير القامة ، أسمر اللون ، أحنف الرِّجل ، مائل الكتف ، غائر العينين ، ناتئ الوجنتين ، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب ، وكان مع ذلك سيِّدَ قومه ، إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف ، لا يسألونه فيمَ غضب ؟ وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته لم يشربه ، فكان في مقام عالٍ بين قومِهِ ، وله السيادة والطاعة . فنحن حينما نحكِّم مقاييس البشر ، مقاييس أهل الدنيا ، حينما نحكِّم مقاييس الكفار ، مقاييسهم المال ، والقوة ، والوسامة ، والذكاء ، حينما نحكِّم مقاييس أهل الدنيا في تقييم ذواتنا نقع في إحباط شديد ، أما حينما نقيِّم أنفسَنا بمقاييس القرآن والسنة فنحن نشعر بتفوق كبير ، العبرة في هذه المعنويات ألاّ تنهار ، العبرة أن تكون رابحاً بطاعتك لله ، العبرة أن تسري هذه الآية في كل قطرة من دمك ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 العبرة أن تتمثل قوله تعالى :

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾

[ سورة آل عمران : 185]

 قد تجد غطرسةً ، وكبراً ، وتعالياً ، وغنىً ، وذكاءً ، وقهراً ، وسيطرةً ، وتبجُّحاً ، وافتخاراً ، وقد تجد الطرف الآخر ضعيفاً ، فقيراً ، مقهوراً أحياناً ، فأنت تأخذ بمقاييس أهل الكفر؟ لا ، ولكنْ لتتحكَّم فيك مقاييسُ أهل الإيمان ، قال تعالى :

 

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 إن هذه الدنيا دار ابتلاء ، لا دار استواء ، ومنزل ترح ، لا منزل فرح ، فمَن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة مِن بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .
 لو أن أهل الأرض مجتمعون وصفوا واحداً بأنه مجرم ، ولم يكن عند الله مجرمًا فهو الرابح الأول ، ولو أن أهل الأرض أثنوا على واحد ، ولم يكن محباً لله ، وليس على منهج الله فهو الخاسر الأكبر ، ابتغوا الرفعة عند الله ، العبرة أن تقيّم نفسك وفق مقاييس القرآن والسنة، لا وفق مقاييس أهل الدنيا .

 

على الإنسان أن يكون مطيعاً لله محبوباً عنده :

 أنا أنصح كل أخ كريم ألا يوازن بين إنسان وآخر ، ولا بين جهة وجهة ، ولا بين أمة وأمة ، ولا بين منتصر ومنهزم ، ألاّ توازن بين جهتين إلا بعد أن تضم الآخرة لكل منهما ، قال تعالى :

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾

[ سورة آل عمران : الآية 196-197]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[ سورة إبراهيم : 42]

 هكذا ينبغي ، فلا تنسَ قوله تعالى :

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 ولو انتهت حياة الإنسان ولو انتهت قهراً وظلماً ، فهو في روضات الجنات ، العبرة أن تكون عند الله مطيعاً ، العبرة أن تكون عند الله محبوباً ، العبرة أن تكون في رضوان الله ، لا في سخطه ، لذلك ورد في بعض الأحاديث :

((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ))

[ البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

 له معنى دقيق يغيب عن معظم الناس : إن لم تستحِ بهذا العمل مِن الله ، ولا تعبأ بكلام الناس ، ولا بتقييمهم ، ولا بوصفهم ، إذا لم تستح مِن كل هؤلاء فاصنع ما تشاء .
 العبرة أيها الأخوة أن نعود إلى قرآننا الكريم ، إلى سنة نبينا عليه أتمّ الصلاة والتسليم ، وأن نقيّم أنفسنا وفق ما في الكتاب والسنة .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، و بارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، و بطاعتك عن معصيتك ، و بفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمِنَّا مكرك ، و لا تهتك عنا سترك ، و لا تُنسِنا ذكرك ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، و من الخوف إلا منك ، و من الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، و من شماتة الأعداء ، و من السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين ، اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، و ذمِّ مَن منع ، و أنت من فوقهم ولي العطاء ، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء .
 اللهم أصلح شؤون المسلمين في شتى بقاع الأرض يا رب العالمين ، اللهم احفظهم من أعدائهم ، و انصرهم و عافهم و اعف عنهم يا رب العالمين ، اللهم وفق ولاة المسلمين في شتى بقاع الأرض لما تحب و ترضى ، اجمعهم على الحق و الرضا يا رب العالمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018