الخطبة : 0818 - خلق المسلم - صفات الداعية إلى الله 1 - الوضوح والصدق - حكمة الله في الأمراض . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0818 - خلق المسلم - صفات الداعية إلى الله 1 - الوضوح والصدق - حكمة الله في الأمراض .


2001-12-21

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كبيراً ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

المسلمون في محنة كبيرة و ضياع شديد :

 أيها الأخوة الكرام ، في غمرة الضلالات المنتشرة في شتى بقاع الأرض ، وفي غمرة الكيد للإسلام ظاهراً أو باطناً من قِبَلِ أعدائه أو أدعيائه ، في غمرة الحقائق المزورة عن الدين ، في غمرة ضياع المسلمين ، في غمرة الإحباط الذي أصابنا ، ماذا ينبغي أن نعمل ؟ ها نحن نبدأ سنة هجرية جديدة بعد رمضان ، فماذا ينبغي أن نعمل ؟
 أيها الأخوة الكرام ، كلمة واحدة سأحاول شرحها في عدة خطب ، ينبغي أن تكون مسلماً ، لأن هذا الدين دين الله عز وجل ، فإذا طبقته كما أراد الله كان لهذا الدين وهج كبير ، وكان لهذا الدين تأثير خطير ، عندئذٍ تتسع دوائر الحق ، وتضيق دوائر الباطل ، المسلمون في محنة كبيرة ، المسلمون في ضياع شديد ، بعضهم أشرف على اليأس ، وبعضهم سلك طريقاً غير صحيح ، وبعضهم تفرق ، وبعضهم غالَى ، هذه المتاهة التي يعيشها المسلمون ما الخلاص منها ؟ لابد من الحل ، من السهل جداً أن تصف الداء ، ولكن البطولة أن تصف الدواء ، وأن تصف الدواء الناجح ، وأن يكون لهذا الدواء تطبيقات واضحة .
 أيها الأخوة الكرام : من صحيح أدعية النبي عليه الصلاة والسلام عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ :

((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ . . . ))

[ مسلم عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]

 ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ عَمِّهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ ))

[ الترمزي عن زياد بن علاقةٍ]

 من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ :

((اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي))

[ أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ]

 من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ))

[البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :

((أعوذ بك من الهرم ، والقسوة ، والغفلة ، والعيلة ، والذلة ، والمسكنة ، وأعوذ بك من الفقر ، والكفر ، والفسق ، والشقاق ، والنفاق ، والسمعة ، والرياء ، وأعوذ بك يا ربي من الصمم ، والبكم ، والجنون ، والجذام ، والبرص ، وسيئ الأسقام ))

[ورد في الأثر]

مكارم الأخلاق حقيقة الدّين و ثمن الجنة :

 أيها الأخوة الكرام ، لا يشد الناس إلى الدين فكرُه فقط ، ولا العبادات فقط ، الذي يشد الناس إلى الدين بشكل لا يصدق هو خلُقُ المسلم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ))

[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 مكارم الأخلاق هي حقيقة الدين وهي ثمن الجنة ، وهي التي توسِّع دوائر الحق ، وهي التي تجذب الناس إلى الدين ، لا يمكن أن يصدِّقَ الناس أحقِّية هذا الدين من خلال كتاب يقرؤونه ، ولا من خلال شريط يسمعونه ، لا يمكن أن يصدق الناس أحقية هذا الدين إلا من خلال مجتمع مسلم تقطف فيه ثمار الدين ، إلا من خلال مجتمع الصدق والعفة والأمانة وإتقان العمل والالتزام .
 أيها الأخوة الكرام ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام حصر المهمة التي بعث فيها في هذا الأمر .
 يا أيها الأخوة ، إن نحن فهمنا الأخلاق على أنها تَعاملُ العبد مع الله أولاً ، ومع الناس ثانياً ، فالأمر واضح وهذه حقيقة الدين .

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[سورة مريم : 31]

 لُخِّص الدين كله بكلمتين ؛ أن تحسن العلاقة مع الله ، وأن تحسن إلى عباد الله .

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[سورة مريم : 31]

 إنْ فهمنا مكارم الأخلاق في هذا الحديث الصحيح :

((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ))

[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 إنْ فهمنا مكارم الأخلاق على أنها تعاملُ العبد مع الله ومع الناس فالأمر واضح ، وهذا هو الدين كله ، كيف تتعامل مع الخالق ؟ كيف تعبده وتوحده وتجتنب ما يسخطه ؟ كيف تتعامل مع المخلوق كائناً من كان ؟ يدخل في هذا الملائكة والنبيون والصالحون والأقربون ، كيف تتعامل مع أعداء الله من الشياطين والكفار والفساق والمنافقين والفجار ؟ حينما تحسن التعامل مع الله معرفة وعبادة وإخلاصاً وحباً وقرباً ، وحينما تتعامل مع المؤمنين ولاءً وتعاوناً ، وحينما تتعامل مع الكفار والمنحرفين براءة وبعداً ، فهذه مكارم الأخلاق ، إذاً جوهر هذا الدين أن تتمم مكارم الأخلاق .
 أيها الأخوة الكرام ، أما إذا أصررت على أن تفهم مكارم الأخلاق على أنها التعامل مع الناس وحدهم إذاً يُحملُ هذا الحديث على بيان علو مكارم الأخلاق في التعامل بين الناس كما يقول عليه الصلاة والسلام :

((الحج عرفة ))

[ أبو داود و الترمذي عن ابن عباس]

 إن أبرز ما في الحج الوقوف بعرفة ، بيان فضل هذا الركن من أركان الحج ، أو الدين النصيحة ، على كلٍّ لو وسعنا مفهوم الأخلاق وتضمنت التعامل مع الله معرفة وعبادة وإخلاصاً وانصياعاً وتقرباً ، والتعامل مع المؤمنين تعاوناً وإحساناً ، والموقف من الكفار والمنحرفين براءة وابتعاداً فقد فهمنا حقيقة الدين .

صدق المسلم و أمانته و إخلاصه دعوة إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام : نحن في أمس الحاجة إلى دعاة إلى الله ، لا أعني الدعاة المتخصصين ، ولا أعني الدعاة المتفرغين ، ولا أعني الدعاة المتبحرين في الدين ، أعني أن كل مسلم ينبغي أن يكون داعية ، وهو في الحقيقة داعية شاء أم أبى ، لأن صدق المسلم دعوة، لأن أمانة المسلم دعوة ، لأن إخلاص المسلم وعفته دعوة ، أنت ينبغي أن تكون داعية شئت أم أبيت ، حينما تلتزم ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، وحينما تنتهي عما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام تألقتَ في المجتمع ، وأصبحت محط الأنظار ، وشددتَ الهمم إليك ، إذاً فأنت داعية :

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت : 33]

 ينبغي أن يشار إليك بالبنان ، أن يشار إلى استقامتك وصدقك ، وإلى أمانتك وورعك وعفتك ، لا أقصد الدعاة المتفرغين ولا المتخصصين ولا المتبحرين ، إن أردت لهذا الدين أن يقف على قدمين ، إن أردت لهذا الدين أن يعزه الله عز وجل ، إن أردت لهذا الدين أن ينصره الله على أعدائه ينبغي أن تكون مسلماً ، ولا تعبأ بنطقك ، ولا بفصاحة لسانك ، ولا ببيانك ، ولكن اعبأ فيما إذا كنت مطبقاً لأحكام الله أو لم تطبق ، أما هذه العبادات الشعائرية التي يتقنها المسلمون ولا يتقنون العبادات التعاملية هنا موطن الخطر ، كيف تشد الناس إلى الدين إن لم تكن صادقاً ؟ كيف تشد الناس إلى الدين إن لم تنجز وعدك ؟ إن لم تحفظ عهدك ؟
 وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : مَا خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ :

(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 أيها الأخوة الكرام ، هنا موطن الخطر المسلم يطبق العبادات الشعائرية ، ولكنك إذا عاملته بالدرهم والدينار خيّب ظنك ، لكنك إذا جاورته أو سافرت معه أو شاركته خيّب ظنك ، كما يقولون : الخط العريض في المجتمع دهماء الناس وسوقتهم يفهمون الدين من خلال المتدينين ، عامة الناس يفهمون الإسلام من خلال المسلمين فقط ، لذلك أنت كمسلم أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتَيَّنَ مِن قِبَلِك ، لا تكن سبباً في خيبة ظن إنسان بالإسلام من خلالك ، لا تكن سبباً في خيبة ظن شارد عن الإسلام من خلالك ، ولتكن هذه الآية الكريمة في أعلى مقام في نفسك :

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

[سورة الممتحنة : 5]

 يا رب المسلم الصادق يدعو الله ألا يفعل شيئاً يدعو الكافر إلى التشبث بكفره ، وإلى الزهد بالدين ، إن عاملت كافراً ولم تكن صادقاً زهدته في دينك وتشبث بكفره ، إن عاملت كافراً ولم تكن متقناً لعملك صغرت من عينه وكبر هو في عين نفسه .

الوضوح و الصدق من صفات المسلم حتى يكون داعية :

 أيها الأخوة الكرام ، لا أعني أبداً دعاة متخصصين ولا متفرغين ولا متبحرين ، أعني كل مسلم ينبغي أن يكون داعية ، الشاب المسلم في بيته هو نافذة إلى السماء من خلال أسرته، فإذا كان صادقاً ولطيفاً ومهذباً وعفيفاً وأميناً رفع اسم الإسلام في هذا البيت ، كل واحد منا في دائرة عمله أو في دائرة سكنه أو في دائرة علاقاته الاجتماعية مظنة صلاح ، محسوب على هذا الدين ، ومحسوب على أنك من رواد المساجد ، لك دعوة إلى الله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام ، تكاد تكون صفة الصدق هي الصفة الأولى من صفات المسلم حتى يكون داعية ، وحتى يسهم في توسيع دوائر الحق ، وتضييق دوائر الباطل ، حتى يسهم في نصرة المسلمين ، وفي إعزازهم ، ولمِّ شتاتهم ، وتوحيد كلمتهم ، ورفعة شأنهم ، ينبغي أن تكون صادقاً بالمعاني العديدة لهذه الكلمة .
 أيها الأخوة ، أكثر الناس يفهمون الصدق على أنه صدق في الأقوال ، لا ، فالصدق كلمة واسعة جداً ، من مضامينها صدق الأقوال ، ومن مضامينها أيضاً صدق الأفعال، أن تأتي أقوالك وفق الواقع ، وأن تأتي أفعالك وفق ما تبطن فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ :

((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ . . .))

[ابن ماجة عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ]

 أعظم صفة في المسلم الوضوح ، فالأساليب الملتوية إظهار شيء ، وإخفاء شيء ، الأساليب التي تكون من وراء الظهور ، الأساليب التي يخطط لها في الأمكنة المظلمة بعيدة عن المسلم بعد الأرض عن السماء ، فهو واضح وضوح الشمس ، ما في سريرته يظهر في علانيته، ما في علانيته كامن في سريرته ، خلوته كجلوته ، سره كعلانيته ، ما يعلن كما يبطن ، ما يبطن كما يعلن ، هذا هو الصدق ؛ الوضوح في الأقوال والأفعال ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[سورة التوبة : 119]

 إذًا فصفة الوضوح ملازمة لصفة الصدق ، وهما توأمان في ميزان المسلم .

الصدق في الأقوال أعظم شيء في الصدق :

 وقد يغفل الناس عن عظم هذه الآية ، أنت إن جلست مع المشركين برئت منك ذمة الله ، إن أدمت الجلوس معهم اقتربت من أفكارهم ، وقبلت انحرافهم ، وسوغت لهم مؤامراتهم ، أما إن كنت مع الصادقين فأنت في صحوة دائمة ، في صواب شديد .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[سورة التوبة : 119]

 أحد أكبر الأسباب لتكون متقياً لله عز وجل أن تكون لك بيئة صالحة من الصادقين. كم من مجلس عنوانه : كذب وكذب ؟ وتزوير وتَزوير ؟ إذًا صَاحِبِ الصادق ، ولا تصاحبْ مَن لا ينهض بك إلى الله حالُه ، ويدلُّك على الله مقالُه ، صاحبِ الذي يقول ما يفعل ، ويفعل ما يقول .
 أيها الأخوة الكرام ، ينبغي أن نكون صادقين في حمل هذا الدين ، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الصادقين في كِفَّة ، والمنافقين في كِفَّة ، فقال تعالى :

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾

[سورة الأحزاب : 24]

 فأنت إما أن تكون صادقاً بمعاني هذه الكلمة الواسعة ، وإما أن تكون منافقاً .
 أيها الأخوة الكرام ، الصدق في الأقوال هذا أعظم شيء في الصدق ، بماذا وُصِفَ النبي ؟ بأنه صادق :

((حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ))

[ أحمد عن أم سلمة ]

 ينبغي ألا يجرب عليك الناس كذباً قط ، بل إن أبا سفيان المشرك قبل أن يسلم ، سأله هرقل سؤالاً فأجاب صادقًا ، وقال : " لولا أنني أخشى أن تؤخذ علي كذبة لكذبتُ " إذا كان الإنسان ، وهو مشرك ، وهو في الجاهلية يخاف أن يكذب لئلا تسجل عليه كذبة ، فكيف بمسلم يطيع الله عز وجل ؟
 أيها الأخوة الكرام ، أبو سفيان يقول : " لولا أن يؤثروا عني كذبة لكذبت " فلماذا يكذب المسلمون مع أنفسهم ؟ يقولون ما لا يصدقون ؟ يقولون ما لا يقتنعون ؟ يقولون ما لا يؤمنون ؟ يجاملون ، ينافقون ، فكيف يستطيع المسلم أن يجتذب الناس إليه وهو يقول كذباً ونفاقاً ويرجو بشراً ولا يخشى خالقاً ؟ كيف يحترم الناس دينك ومنهجك في الحياة إن لم تكن صادقاً ؟
 أيها الأخوة الكرام ، الصدق في الأقوال ينبغي ألاَّ يُجرِّب الناسُ عليك كذباً قط ، ولا كُذَيْبَة . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

((مَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ تَعَالَ هَاكَ ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فَهِيَ كَذْبَةٌ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 ينبغي ألاّ تكذب أبداً ، والله هو الرزاق ، أما هذا الذي يقول بشكل سخيف إن لم أكذب لا أرزق فمن قال لك ذلك ؟ ما عند الله لا ينال بمعصية ، إن لم أغش لا أعيش ، وعندي أولاد ، هذه مقولات الشيطان ، وكم من مقولات للشياطين تعج بها حياتنا ، بل إن هناك مصطلحات مخيفة ، الفتاة المتفلتة يقال لها : سبور ، والمنافق يقال له : لبق ، والذي يأكل المال الحرام يقال له : شاطر ، والكافر يقال له : واضح ، واقعيٌّ ! .
 يا أيها الأخوة الكرام ، يجب أن نجرد ما علق في أذهاننا من مفهومات خاطئة جاءتنا من عصور الانحطاط ، والتدني ، والتخلف .

 

على المسلم أن يكون موضوعياً و منصفاً :

 شيء آخر في المسلم أي مسلم ينبغي أن يكون داعية إلى الله ، أي مسلم ينبغي أن يشار إليه بالبنان ، أن يشار إلى صدقه ، وإلى أمانته ، وإلى عفته ، وإلى إتقان عمله ، وإلى أُبُوَّته الكاملة .
 أيها الأخوة ، سئل الفضيل بن عياض عن معنى قوله تعالى :

﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[سورة هود : 7]

 قال : أخلصه وأصوبه ، قيل : يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل ، فلا يقبل حتى يكون خالصاً ، أي ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً أي ما وافق السنة .
 أيها الأخوة ، صدق الأقوال أن تقول وفق الواقع من دون زيادة ، ألاّ يحملك بغضُك لإنسان أن تقول فيه ما ليس فيه ، وألاّ يحملك حبُّك لإنسان على أن تقول فيه ما ليس فيه ، ينبغي أن تكون موضوعياً .
 النبي عليه الصلاة والسلام رأى زوج ابنته أسيراً ، وجاء ليخاطبه ، فلما رآه قال لمَن حوله : " والله ما ذممناه صهراً " ، إنه أبو الربيع بن العاص . كان صهر النبي ، فلم ينسَ النبي أن يثني على أخلاقه مع ابنته ، وهو مشرك ، وجاء ليقاتله ، هل تستطيع أن تنصف الناس من نفسك ؟ هل تستطيع أن يكون حكمك موضوعياً على الأشخاص ؟ ألاّ تحملك محبتهم على التغاضي عن مساوئهم ؟ وألاّ يحملك بغضهم على أن تطمس محاسنهم ؟ ينبغي أن تكون منصفاً .

من صفات الداعية أيضاً صدق الأعمال :

 أيها الأخوة الكرام : صدق الأعمال شيء هامٌّ وعظيم ، أن يكون السر كالعلانية ، أي أن تكون مخلصاً في عملك ، أن تبتغي به وجه الله والرفعة عند الله ، لا أن يقول الناس كذا وكذا ، لذلك علامة الإخلاص ألا ترجو على عملك الطيب جزاءً إلا من الله عز وجل ، وعلامة الإخلاص ألاّ يكون بين سرك وعلانيتك مسافة يكشفها مَن حولك . عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَالَ :

((لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ وَقِيلَ قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثًا فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ، َصِلُوا الْأَرْحَامَ ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ))

[سنن ابن ماجة عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى]

 ينبغي أن يظن الناس فيك الصدق ، ويروا فيك وجهًا صادقًا ، لكن هناك وجوهاً مخيفة ، فيها احتيال ، ومكر ، وخداع ، وتلاعب ، يعطيك من طرف اللسان حلاوةً ويروغُ منك كما يروغُ الثعلبُ ، نقل عن بعض السلف أن بعض الدعاة كان إذا وعظ أبكى الناس ، حتى تختلط الأصوات ، ويعلو النحيب ، وقد يتكلم في المجلس مَن هو أغزر منه علماً ، وأجود منه عبارة ، فلا تتحرك القلوب ، ولا يبكي أحد ، فسأله ابنه يوماً عن هذا قال : يا بني لا تستوي النائحة الثكلى ، والنائحة المستأجرة ! هناك أمٌّ تنوح على ابنها ، وهناك نائحة مستأجرة تنوح مقابل الأجر ، لا تستوي النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة .
 أيها الأخوة الكرام : حينما تكون صادقاً- وهذه حقيقة صارخة - فأنت مطبق لما تقول ، مخلص فيما تقول ، أعني بالصدق الإخلاصَ ، وأعني به الالتزامَ ، حينما تطبِّق ما تقول وتخلص فيما تقول يَهَبُ الله لكلامك قوةَ تأثيرٍ عجيبةً ، وقد يكون من هو أعلم منك ، وأكثر منك علماً لا يملك هذه القوة ، إنها مكافأة الله على إخلاصك ، وعلى توحيدك ، هذا المسلم يحتاج إلى أن يكون صادقاً في أقواله وأفعاله ، ألاّ تكون مسافة بين أقواله وأفعاله إطلاقاً ، ولا بين دعوته ، ولا بين نيته ، ولا بين سريرته ، ولا بين علانيته .

الصبر أحد أكبر أخلاق المؤمن :

 وهناك صفة أخرى يحتاجها المسلم الداعية الذي ينبغي أن يكون داعية وهي الصبر ، انظر إلى قوله تعالى :

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾

[سورة السجدة : 24]

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران : 120]

 أحد أكبر أخلاق المؤمن الصبرُ ، مقاومته متينة ، ليست هشة ، لا تثنيه عن مبدئه ولا عن دعوته ، لا سبائك الذهب اللامعة ، ولا سياط الجلادين اللاذعة ، كان بلال رضي الله عنه يقول : أَحَدٌ أَحَدٌ ، قال بعض العلماء : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين .

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾

[سورة الروم : 60]

 المسلم يريد الدنيا كما يشتهي ، فإذا جاءه ضغط بسيط ترك ما كان عليه ، إذا جاءه إغراء بسيط ترك ما كان عليه ، هذا الذي لا يحتمل لا ضغطًا ، ولا إغراءً ، هذا عديم الصبر .

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

[سورة النحل : 127]

 عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]

 هذا ما قاله عليه الصلاة والسلام وهو قدوتنا وأسوتنا ، دخل في مضائقَ صعبة ، ومع ذلك صبر ، فهو قدوتنا .

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 142]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[سورة العنكبوت : 2]

 والمسلمون اليوم في محنة ، وفي فتنة ، وضعافهم يئسوا من رحمة الله ، ورأوا أن القوة هي كل شيء ، وأن القوي يفعل ما يريد ، ولا عبرة في الطرف الآخر أكان مسلماً أو غير مسلم ، هذه فكرة خطيرة سيطرتْ على قلوب الضعفاء من المؤمنين ، فأين الصبر ؟ لقد حدّق الكفار بالنبي وأصحابه في الخندق ، حتى إنّ أحداً ممَّن كان مع النبي قال : " أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدُنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟"
أيها الأخوة الكرام :

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾

[سورة الروم : 60]

 إنَّ دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان ، فعليك أن تصبر ، وعليك أن تثق بوعد الله ، وأن زوال الكون أهونُ على الله مِن ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين ، إن الله مع المؤمنين ومع المتقين .

 

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾

[سورة المائدة : 12]

 ولكن هذه المعية مشروطة ، فإن لم نحقق شروطها لن تأتينا ، وحينما لا تأتينا ينبغي أن نبحث عنها ، وأن نبحث عن شروطها ، فإذا توافرت فينا جاءتنا معية الله عز وجل ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
 أيها الأخوة الكرام ، أمام ضغوط الكفار ، وأمام إغراءاتهم كثيرون وكثيرون الذين يَدْعُونك إلى ترك هذه الدعوة ، وإلى أن تكون موالياً لهم ، معادياً لأعدائهم ، ولو كان أعداؤُهم على حق ، هذه دعوة أساسها الخور والضعف والوهن ، هذه دعوة أساسها قصر النظر ، وأساسها الجهل بالله عز وجل .

مهمة الداعية إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام : المشكلة الخطيرة أن هناك واقعاً سيئاً وأن الدعاة إلى الله بدل أنْ يرفعوا هذا الواقع إلى مستوى الشرع هبطوا هم إليه ، فأيُّ شيء انتشر واتسع حتى صار شائعاً ، عَدُّوه هو الأصل ، وقلبوا الفتاوى حول هذا الواقع السيئ ، فجاءت الفتاوى من كل حدبٍ وصوب ، تغطي كل معصية وكل انحراف ، هذه هي المشكلة ، أنت كداعية مهمتك أن ترفع الناس إلى مستوى الحق ، وإلى مستوى الشرع ، ولو قلّ من حولك ، وأنت كداعية مهمتك أن تحافظ على مبادئ الدين لا أن يأتيك إغراء أو ضغط فتصدر الفتوى تلوى الفتوى مما لم ينزل الله بها من سلطان .
 أيها الأخوة الكرام ، يأتي على الناس زمن لا يبالي المرء ما أكل أمن الحلال أم من الحرام .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَكِلُ الرِّبَا فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ ))

[أبو داود والنسائي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 معنى ذلك أن المكاسب دخلتها الشبهات ، وجاء من يغطي هذه الشبهات بفتاوى يزعم أصحابها أنهم واقعيون مع أن الواقع السيئ في الإسلام لا يعتد به ولا تؤخذ منه الفتوى .
 أيها الأخوة الكرام ، صدق في الأقوال ، وصدق في الأفعال ، وصبر على الطاعة وعلى المعصية ، وعلى قضاء الله وقدره ، وعندئذ لعل الله سبحانه وتعالى أن يخلق الفرج القريب إنه سميع مجيب .
 عَنْ خَبَّابٍ قَالَ : أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ؟ فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ :

((قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَحَضْرَمُوتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ))

[البخاري عَنْ خَبَّابٍ]

 مرة ثانية ، يجب أن نجرد ما علق في أذهاننا من مفهومات خاطئة ، جاءتنا من عصور الانحطاط ، والتدنِّي ، والتخلف .
 أيها الأخوة ، مرة ثانية على المسلم ألاَّ يستعجل النتائج والثمرات ، ينبغي أن يسعى، ويعتمد على الله تعالى ، وينبغي أن يبذل كل جهد في سبيل ترسيخ دعائم هذا الدين ، وفي سبيل نشر هذا الحق المبين .

هدف الداعية مخاطبة عقل الإنسان و قلبه :

 أيها الأخوة ، هناك أناس أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعافيهم من هذا ، لهم أهداف كبيرة جداً ، تبدو الآن غير محققة ، مستحيلة ، فإن لم تتحقق هذه الأهداف الكبيرة لا يفعل شيئاً أصبح عبئاً على الأمة ، علّم إنساناً ، أرشِدْ أخاك الضال ، ادعُ إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ربِّ أولادك ، وساهم بعملٍ طيبٍ ، إن لم تحقق أهدافك الكبرى بنصرة هذا الدين ، وتطبيق شرعه الحنيف ، وإنْ لمْ تفعل شيئَا آخر فهذا انهزام ، وثمّة ملايينُ الأعمال الصالحة متاحةٌ لكل مسلم ، ملايين ملايين الأعمال الصالحة متاحة لكل مسلم ، فإذا طبقناها جميعاً فهناك أرضية صلبة يُبنَى عليها بناء آخر . طبعاً لم يأتِ الوقت الذي لا يذكر فيه اسم الله في الأرض ، هذا الوقت لم يأتِ بعد ، لا زال في النفوس الخير ، ولا زال هناك من يستجيب ، ولكن حينما تحسن مخاطبة قلب الإنسان وعقله ، حينما تأتي بالإسلام القويم وبالدين الحنيف نقياً من كل شائبة وبدعة ، حينما تأتي بالعقيدة السمحة الواضحة وبالسلوك الطاهر ، فالناس يقبلون عليك ، لازال في الناس بقية خير .
 يا أيها الأخوة الكرام ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا . . . ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ . . .))

[مسلم عن جرير بن عبد الله]

 فكل عمل له جزاء ، وكل داعية له أتباع .
 أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حكمة الله من الأمراض :

 أيها الأخوة ، مرة ثانية لألخص ما قلته قبل قليل : أكثر المسلمين يسأل ماذا نعمل بعد إحباط ألمَّ بهم ؟ كنْ مسلماً فحَسْبُ ، فإن كنت مسلماً ، وأدّيتَ الذي عليك بقي مِن الله الذي لك ، كن صادقاً في أقوالك ، وفي أعمالك ، وكن صابراً على طاعة الله ، وعن معصيته ، وعلى قضائه ، وقدره ، وأَحسِنِ الظنَّ به .
 أيها الإخوة ، شكا لي أخوة كثيرون انتشارَ الأمراض ، والحقيقة أنّ وتيرة الأمراض عالية ومُخيفة ، ولا سيما الأورام ، ولابد من أن نعود إلى الفطرة ، وإلى منهج الله عز وجل ، ولكن خاطرة جاءتني وأنا في طريقي إليكم أن المرض الذي يصيب المسلم المؤمن هو تقريبٌ له من الله عز وجل ، بدليل أنه كان من الممكن أن يختفي المرض من حياة الناس قاطبة ، ولهذا الكلام شاهد عليه بعيد بعض الشيء ، ولكن له علاقة .
 أيها الأخوة ، قبل خمس وثلاثين سنة أقامت فرنسا في صحراء الجزائر تفجيراً نووياً، هذا التفجير كما تعلمون لهيب حارق ، وضغط ماحق ، لا يُبقِي شيئاً ؛ لا نباتاً ، ولا حيواناً ، ولا إنساناً ، فجرت قنبلة نووية قبل خمسة وثلاثين عاماً في صحراء الجزائر ، وشكَّل هذا الانفجار حفرة كبيرة جداً ، وشكّل كرة من النار تعلو مساحات شاسعة ، ثم فوجئ الخبراءُ بعد نهاية الانفجار ، وسكونِ الأرض بوجودِ عقربٍ يمشي على أرض الانفجار ‍! نظرياً ينبغي ألاّ يبقى كائن حيٌّ ، لا نبات ، ولا حيوان ، ولا إنسان ، فالضغط ماحق ، واللهيب حارق ، فعكف علماء الحيوان ربعَ قرن على دراسة هذا العقرب فوجدوا أن العقرب يستطيع أن يبقى بلا طعام ولا شراب ثلاث سنوات متتالية ، ووجدوا أن العقرب يستطيع أن يكتم أنفاسه تحت الماء لمدة يومين كاملين، ووجدوا أنه إذا وُضِع في الثلاجة في درجة عشرة تحت الصفر ، ثم نقل إلى رمل الصحراء المحرقة في درجة ستين يتكيف مع هذا التبدل الطارئ ، كما وجدوا أنه إذا وضع في بؤرةٍ مِنَ الجرائيم ذات الذيافين الفظيعة لم يتأثر بها إطلاقاً ، ثم عرضوه لأشعة نووية تزيد ثلاثمئة ضعف عما يتحمله الإنسان فتحمَّلها ولم يتأثر ، ماذا نفهم من هذا ؟ كان من الممكن أن تكون بنية الإنسان كهذا العقرب ، ولا يتأثر !! لكنّ المرض مقصود من الله عز وجل .
 أولاً : الأمراض الوبيلة بوابة خروج ، والأمراض السارية تقريب من الله عز وجل ، مالك يا بنيتي ؟ قالت : حمى لعنها الله ، قال : لا تلعنيها ، فوالذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب ، أكثر من ثلاثين حديثاً صحيحاً يؤكد أن المرض للمؤمن قُرْبٌ من الله عز وجل ، وتقريب منه ، وكان من الممكن أن يختفي المرض مِن حياتنا إطلاقاً .
 أيها الأخوة الكرام : كأن الله سبحانه وتعالى ثبت أشياء لا تعدُّ ولا تحصى ترسيخاً للنظام ، وإراحة للإنسان ، ولكنه حرّك الصحة والرزق كي يربِّيَ هذا الإنسان ، ولا سبيل إلى تربية الإنسان إلا من طريق الدخول على صحته ، وعلى رزقه ، فمن خلال الصحة والرزق يهرَع الإنسان إلى باب الله عز وجل ، والقصد أن نكون مع الله عز وجل .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنّا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمِنَّا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم انصرهم على أعدائك أعداء الدين ، اللهم شتت شملهم وفرق كلمتهم يا رب العالمين ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين ، اللهم ارزقنا استقامة تؤهلنا أن نكسب نصرك يا رب العالمين ، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على عدونا يا رب العالمين ، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018