الخطبة : 0816 - فهم الأحداث من خلال الكتاب والسنة - الإنفاق . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0816 - فهم الأحداث من خلال الكتاب والسنة - الإنفاق .


2001-12-07

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تفاوت الناس في تأويل الأحداث :

 أيها الأخوة الكرام، فكرة هذه الخطبة حول قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 45 ]

 قبل أن نقف وقفة متأنية عند هذه الآية لا بد من تمهيد.
 إنسان يركب مركبته في أثناء سيره تألق ضوء أحمر في اللوحة التي أمامه، وإنسان آخر، وآخر، ولو أن مئة إنسان في أثناء قيادة مركباتهم تألق ضوء أحمر على لوحتهم فعرفوه، ما الذي يحصل؟ من يملك التفسير الصحيح لسبب تألق هذا الضوء هو الذي ينجو، هذا ضوء خطر، أي الزيت في المحرك أصبح قليلاً جداً، المحرك على وشك أن يحترق، الذي يملك التفسير الصحيح لتألق هذا الضوء يقف فجأة، ويحل المشكلة بمئة ليرة سورية، أما الذي يظن أن هذا الضوء ضوء تزييني، ويستمر في قيادة المركبة يكلفه إصلاحها فوق الأربعين ألفاً، إذاً ليست العبرة أن أصدق أو لا أصدق تألق المصباح، العبرة أن أفهم ماذا يعني تألق المصباح لأن سلوكي سوف يبنى على فهمي الصحيح لتألق هذا المصباح، إن أيقنت أن هذا التألق يعني أن هناك خطراً أقف فجأة، وأزود المحرك بالزيت، فأحل هذه المشكلة بمئة ليرة، أما حينما أفهمه فهماً مغلوطاً، أفهمه على أنه ضوء تزييني وأتابع السير فقد يكلفني إصلاح المحرك ما يزيد عن أربعين ألف ليرة. العبرة في التفسير لا في التأكد من الحدوث، موضوعات كثيرة إما أن تؤولها، أو أن تفهمها فهماً توحيدياً دينياً قرآنياً فينبني على هذا الفهم سلوك فيه نجاة وفيه فوز، وإما أن تفهم هذه الأحداث التي وقعت فهماً أرضياً شركياً تنشأ الأحقاد وينشأ الشقاء، وقد يقود هذا الفهم الخاطئ لما يجري إلى نهايات لا تحمد عقباها، هذا محور الخطبة.
 أيها الأخوة الكرام، لو أن حدثاً كبيراً في الأرض كالذي جرى في الحادي عشر من أيلول فهمناه قهراً لقوة كبيرة تستقطب العالم كله، إذا فهمناه قهراً ينبغي أن نذل، وأن نخنع، وأن نرضى، وأن ننبطح، وأن نركع، أما حينما نفهمه تسليطاً.

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 90 ]

 إن فهمناه تسليطاً نعود إلى الله عز وجل، ونرجع إليه، ونتوب إليه، ونصطلح معه، ونقبل عليه، فرق كبير في فهم الأحداث، أنا أعتقد أنه ما من إنسان على وجه الأرض إلا ورأى بأم عينه ماذا جرى في الحادي عشر من أيلول، وكان تفاوت الناس لا في تصديق أو تكذيب ما حدث ولكن في تأويل ما حدث، في تفسير ما حدث، إما أن تفسر الأحداث تفسيراً توحيدياً إلهياً، وإما أن تفسر ما حدث تفسيراً أرضياً شركياً، التفسير التوحيدي يقودك إلى التوبة، يقودك إلى الصلح مع الله، يقودك إلى الإقبال عليه، يقودك إلى إصلاح بيتك الداخلي، يقودك إلى إصلاح علاقاتك مع الآخرين، يقودك إلى إصلاح كسب مالك، أما التفسير الأرضي فيولد في نفسك الحقد واليأس والخوف والخنوع والخضوع، وشتان بين التفسيرين.

 

بطولة الإنسان أن يفهم الأحداث فهماً توحيدياً :

 أيها الأخوة الكرام، ليست العبرة أن أرى ما حدث، العبرة أن أفهم الذي حدث، لأن الفهم الصحيح ينبغي أن يقودني إلى السلامة، وينبغي أن يقودني إلى السعادة، لذلك يمتاز المؤمن عمن سواه بأنه يملك التفسير الصحيح، لا من عنده ولكن من عند خالق السموات والأرض، يملك التأويل الصحيح لكل ما حدث وما يحدث وما سيحدث، المؤمن معه نور من الله، إنه القرآن الكريم، معه تبيين لما في هذا النور إنه قول النبي الكريم، المؤمن يملك التفسير، يملك بالتعبير المعاصر فلسفة صحيحة للكون والحياة والإنسان، يملك تفسيراً أو فلسفة صحيحة لسرّ وجود الإنسان، وغاية وجوده، والحكمة من وجوده، والرسالة التي أنيطت به، ابحث عن التفسير الصحيح، مثل قريب منا: أحداث جرت إلى جوارنا دامت عشرات السنين، وأزهقت مئتي ألف إنسان، لها تفسير أرضي شركي يزيد الأحقاد، ويزيد الألم، ويزيد اليأس، ولها تفسير علوي إلهي توحيدي.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل: 112 ]

 هذا هو التفسير المعتمد، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 إذاً هناك نقص في الإيمان أو نقص في الشرك.

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81 ـ 82 ]

أي موضوع في الحياة له تفسير توحيدي قرآني وتفسير أرضي شركي :

 أيها الأخوة، لنأتي على بعض التفصيلات، مرض الإيدز الذي قضى على اثنين وعشرين مليون إنسان في العالم، والذين يحملون هذا المرض ستة وخمسين مليون إنسان الآن، شغل الغرب الشاغل أن يبحث عن مصل مضاد لهذا الفيروس، لأنه فهمه فيروساً، قوته في ضعفه، وقوته في خفائه، وقوته في تلونه، هناك أشكال تشبه أشكال الكريات البيضاء، قوة هذا الفيروس أنه على شكل كرية بيضاء، فالكريات البيضاء في الجسم لا تحاربه، تتوهم أنه منها، بعد أن يتمكن يفتك في الجسم، حينما نفهم هذا المرض على أنه فيروس ليس غير نحاول أن نبحث عن مصل له، أما حينما نفهم أن هذا المرض عقاب من الله عز وجل على الفساد في الأرض كما قال الله عز وجل :

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41 ]

 كان من الممكن ألا يذيق الله الناس بعض الذي عملوا، إذاً لا يرجعون، يزدادون في انحرافهم وانحلالهم، علة أن يذوق الناس نتائج معصيتهم في الدنيا أن يرجعوا إلى الله، ويسلموا، ويسعدوا، حينما نفهم هذا المرض عقاباً إلهياً، فالبعوضة عندما تغرس خرطومها في جسم المصاب بمرض الإيدز ثم تذهب إلى إنسان سليم معافى وتغرس خرطومها في جسم السليم المعافى لا يتنقل هذا المرض عن طريق البعوض، مع أن الدم يختلط، لا ينتقل إلا عن طريق الانحرافات الجنسية، حينما نفهم هذه الحكمة علاجه بسيط جداً، صون سلوكنا من كل انحراف أكبر علاج له، العالم كله شارد عن هذه الحقيقة، يبحث عن مصل مضاد له ولا يراه عقاباً إلهياً على انحراف أو سلوك، إذاً أين النجاح؟ في حسن التفسير.
 الجفاف الذي نعانيه ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا، ونحمد الله على أن رحمنا أيضاً، هذا الجفاف حينما تفسره تفسيراً شركياً أرضياً من انتقال خطوط المطر، وبانتقال التصحر، وبارتفاع نسب غاز الأوكسجين ماذا تفعل؟ هذا واقع، هذا قهر، إذاً سوف نعاني من أزمات اقتصادية لقلة الإنتاج الزراعي، ولقلة المياه، أما حينما تفسر الجفاف تأديباً من الله عز وجل على معصية العباد.

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن: 16 ـ 17 ]

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الأعراف: 96 ]

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾

[ سورة المائدة: 66 ]

 وقس عليه القرآن.

﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة: 66 ]

 عندئذ بدل أن نيئس، ونتشاءم، ونتوقع الفقر المدقع، نعود إلى الله نصطلح معه، ونصلي صلاة الاستسقاء مع إزالة المظالم، هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، تفسير الجفاف إما أن يقودنا إلى اليأس وإلى القلق وإلى الهم، أو أن يقودنا إلى الصلح مع الله، أعود وأكرر البطولة في صواب تفسيرك ما حدث، ما حدث حدثَ، والكل يعلم أنه حدث، ولا يستطيع إنسان أن ينكر ما حدث، لكن الناس يتفاوتون في تأويلهم وتفسيرهم لما حدث، الموت مثلاً من منا على سطح الكرة الأرضية في القارات الخمس أو الست كما يقولون من خلال ستة آلاف مليون إنسان من هؤلاء البشر يجرؤ أن ينكر حدث الموت؟ أبداً، بماذا يتفاوت الناس؟ هناك من يرى أن الموت نهاية الحياة، لذلك..

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي
***

 لذلك يقول لك: بما أن العمر محدود فعش حياتك، هذا الذي يفهم أن الموت نهاية الحياة، أما الذي يفهم أن الموت بداية حياة أبدية يتغير سلوكه مئة وثمانين درجة، فهم الموت ليس هناك من دين ولا ملة ولا محنة ولا اتجاه ولا مذهب ولا طائفة تنكر حدث الموت، ولكن المؤمن يفهم حدث الموت بداية حياة أبدية سرمدية.

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾

[ سورة الفجر: 24 ـ 26 ]

 هذا الموضوع طويل جداً أيها الأخوة، أي موضوع في الحياة له تفسير توحيدي إلهي قرآني نبوي وله تفسير أرضي شركي مصلحي:

﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ ﴾

[ سورة الزمر : 44]

 أتيت بالتفسير الإلهي، بالتعليل القرآني، بالتوجيه النبوي:

﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِر الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 44]

التفسير التوحيدي يعطيك قوة لا حدود له أما التفسير الشركي فيوقعك باليأس :

 إنسان - سمعت هذه القصة من عشرين عاماً- يعمل في التجارة في تجارة الأقمشة، عنده موظف اختلف معه فطرده، فاشتكى عليه فضبطوا المستودعات فإذا في المستودعات بضاعة ليست نظامية، كلفوه قبل عشرين عاماً بستمئة ألف، وعلم هذا التجار أن الذي سبب هذه المصيبة التي فوق طاقته هو هذا الموظف، في ساعة غضب أطلق النار عليه فأرداه قتيلاً، حكم بثلاثين عاماً في السجن، هذا لو فهم هذه المصيبة أن الله سمح بها، وأن هذا الموظف كان أداة، كان موحداً لله، فبحث عن ثغراته وعن أخطائه السابقة وتلافاها وأكرمه الله بالتعويض، فرق كبير بين أن تحقد وبين أن تتوب، التفسير الأرضي الشركي لما يحدث يجعلك تحقد، أو تبرم، أو تيئس، أو تذل، أو تخنع، لكن التفسير التوحيدي الإلهي القرآني النبوي لما حدث يعطيك قوة لا حدود لها، تنهض وتصطلح مع الله، وتعود إليه، وتتوب إليه، وتقبل عليه، وتنال منه ما تريد.
 مرة ثانية:

﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ ﴾

 إذا فسرت الأمور تفسيراً توحيدياً إلهياً ،

﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾

  أما إذا فسرت الأحداث تفسيراً أرضياً شركياً قوى متصارعة، أقوياء وضعفاء، أذكياء وأغبياء، مخلصون وخونة، حينما تفهم الأحداث تفسيراً أرضياً تقع باليأس.
 أيها الأخوة الكرام ، إذا فسرت العداوة والبغضاء تناقض مصالح، تتعقد هذه العداوة والبغضاء، أما إذا فهمت العداوة والبغضاء كما ذكرها الله عز وجل فقال:

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة المائدة: 14 ]

 ما من عداوة أو بغضاء بين جهتين، بين فئتين، بين شخصين، بين جماعتين، بين أمتين، بين شعبين، إلا بسبب أن أحدهما أو كلاهما ابتعدا عن منهج الله،

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

 أي قرأت إحصاء عن إفلاس الشركات في أوربا، تسعة أعشار الشركات التي أفلست بسبب سوء الإدارة، ونصف بالعشرة بسبب حدث سماوي، ونصف بالعشرة بسبب اختلاس، أم التسعة أعشار فبسبب سوء الإدارة، الآن تسعة أعشار مصائبنا بسبب سوء الفهم، سوء الفهم عن الله عز وجل، التيسير والتعسير، قد نفهم التيسير فهماً أرضياً شركياً، تيسير بشبكة علاقات عامة متينة في كل مكان، لك صاحب يدعمك، هذا تفسير شركي أرضي، وهناك تفسير توحيدي قرآني.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 5 ـ 10 ]

 بين أن تقيم علاقات، تقدم الهدايا، وتقيم الولائم، وتدفع المبالغ الطائلة من أجل أن تقيم شبكة علاقات عالية جداً حتى تتيسر أمورك هذا فهم أرضي شركي، وبين أن تستقيم على أمر الله، وأن تعطي مما أعطاك الله، وأن تصحح عقيدتك، عندئذ الرد الإلهي هو التيسير، فرق كبير.
 الشقاء الأسري.

((ما تواد اثنان، ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))

[ أخرجه أحمد عن ابن عمر]

 أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي كما قال أحد العارفين.
 حينما تفهم الشقاء الزوجي بسبب مخالفة ارتكبها أحد الطرفين أو كلاهما تعود إلى الله عز وجل ، أما حينما تفهم الشقاء الزوجي لأن هذا نصيب وهذا قضاء وقدر وهذا نصيبي في الحياة ولم أوفق في هذا الزواج فأنت في ألم دائم، وفي حقد دائم، وفي حسرة دائمة، وفي سوء ظن بالله دائم.

 

المصيبة دواء من الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، المصبية إن فهمتها مصيبة بمعناها اللغوي تصيب الهدف تشعر أنها دواء من الله.

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان: 20 ]

 النعم الباطنة هي المصيبة، لولا المصيبة لما عدت إلى الله، لما اصطلحت معه، بل إني أعتقد أن تسعين بالمئة من المؤمنين الصادقين الملتزمين المحسنين سبب عودتهم إلى الله واصطلاحهم معه وتوبتهم إليه أن الله ساق لهم مصيبة، فخافوا فالتجؤوا وأقبلوا، بين أن تفهم المصيبة فهماً حاقداً، فهماً يائساً، وبين أن تفهمها علاجاً ربانياً حكيماً، بين أن ترى المصيبة أن يد الله تدخلت، وأن يد الله رحيمة تحركت وفعلت.

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح: 10 ]

 حينما تقرأ هذه الآية:

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 لا تحقد على أحد، لا تقف موقفاً شديداً، لا.

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 39 ـ 40]

 ولكن فهمك للمصيبة فهماً توحيدياً إلهياً قرآنياً لا يحملك على أن تحقد أبداً، تماماً كما لو أن إنساناً ضرب آخر بعصاه، الآخر هل يحقد على العصا؟ يكون مجنونًا، يحقد على الضارب، فإذا كان كل هؤلاء الأشرار في الأرض، أو كل هؤلاء الدواب في الأرض عصي بيد الله، والله كماله مطلق، ما الذي يحصل؟ ردت الكرة إلى ملعبك، بدل أن تحقد، هذا الذي آذاني بيد الله عز وجل والله سمح له، بل سلطه علينا.

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 90 ]

 لماذا سلطه عليك؟ الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

 آية واضحة لا تحتاج لا إلى تفسير الزمخشري، ولا إلى تفسير البيضاوي، ولا إلى الجلالين، ولا إلى الطبري، ولا إلى أي تفسير آخر.

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

أمثلة عن الفهم التوحيدي و الفهم الشركي :

 أيها الأخوة الكرام، زواج الفتاة حينما تتوهم الفتاة لبعدها عن الله أنها إن لم تبرز مفاتنها، وإن لم تختلط بالناس، وبكل المجتمعات، ومع الرجال، ومع الشباب، لا تتزوج، هذا تفسير شركي أرضي، وحينما ترى الفتاة أن الزواج نعمة من الله، وأن الله لا ينساها من فضله، فهي لا تعصي الله أبداً، تعقد أملها على الله دون أن تعصيه، نماء المال حينما ترى أن بالحسابات السريعة على الآلات الحاسبة أنك إذا وضعته في مؤسسة ربوية در عليك مبلغاً كبيراً، عافاك من كل مشكلة في الحياة لا تعب، ولا تأسيس عمل، ولا سرقة موظفين، ولا تلف بضاعة، ولا ضرائب، ولا هم يحزنون، ترى بالعقل القاصر أن استثمار الأموال في البنوك شيء مريح، وحينما تغفل عن كلام الله أن الله يمحق الربا، وقد محقت سبعمئة مليار دولار في بلاد الغرب وجمدت وسوف تؤخذ كلها لأن أصحابها آثروا أن تنمو عند الكفار، فذهبت بأكملها وهذا معنى قوله تعالى:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

 الله شرع نماء المال بالأعمال لا أن يلد المالُ المالَ، بعقلك قد تقول: نماء المال بالمال أريح، لا يوجد عمل، ولا جهد، ولا مسؤولية، ولا ضرائب، ولا مشكلة، تضعه في مكان آمن، فإذا بهذا المال يذهب كله.

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

 حينما تفهم الأمور فهماً توحيدياً إلهياً قرآنياً أن سلامة المال لا في وضعه في بنوك بعيدة جداً وبأرقام سرية، لا، سلامة المال تتأتى من مشروعية كسبه، ومن أداء زكاته فقط، فإذا كسبت المال الحلال وأديت زكاته صانه الله لك، وحفظه من التلف، فرق كبير بين أن تفهم الأمور فهماً توحيدياً قرآنياً نبوياً سماوياً، وبين أن تفهم الأمور فهماً أرضياً شركياً مصلحياً.
 الحياة الضنك تفهمها بالفقر، فتركض وراء المال ليلاً نهاراً:" عبدي خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوق لك كل حين؟ وعزتي وجلالي لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك ـ دققوا الآن ـ  فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد".

 

السعادة ليست بالمال فقط إنما بمعرفة الله وطاعته والقرب منه أيضاً :

 أنت حينما تفهم أن الحياة الضنك هي الفقر تقع في شر عملك، تركض وراء المال إلى أن تكون ضحية المال، إلى أن تكون من نتائج الهلاك سعيك الحثيث وراء المال، لأن الدنيا تغر وتضر وتمر، والذي يسعى إلى المال فقط كل رأس ماله بضربات قلبه، فإذا توقفت أصبح كل شيء ليس له.
 أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل قال:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 أي ذكر وأي أنثى على وجه الأرض.

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 أما إذا فهمت الشقاء بالفقر فقد قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 لو معك أربعة آلاف مليون، لو معك تسعون مليار دولار.

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ ﴾

[ سورة طه: 124- 126]

 كنت أعمى في الدنيا.

﴿أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه: 126 ]

 السعادة ليست بالمال فقط، المال قوام الحياة، السعادة بمعرفة الله، وطاعته، والقرب منه، هذه هي السعادة، فهمك للسعادة إن كان أساسه المال فأنت واهم، وقد تسعى لكسبه كما قال الله عز وجل:

﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾

[ سورة المدثر: 50 ـ 51 ]

 ليلاً نهاراً، ثم يأتي ملك الموت فجأة وأنت صفر اليدين، أما إذا كسبته باعتدال، وكان في خدمتك لا في خدمته، هناك خط في سلم المال، تحت هذا الخط هو في خدمتك، فوق هذا الخط أنت في خدمته.

 

العاقل من يفهم كل شيء من خلال القرآن والسنة :

 أيها الأخوة الكرام، أنا ذكرت أمثلة عشوائية في كل ما يجري، وفي كل ما جرى، وفي كل ما سيجري، إياك أن تنسى التفسير الإلهي، ما في القرآن وما في السنة، قد يذهب إنسان إلى بلد غربي، أقول لكم بالتأكيد لو أنه ضعيف الإيمان يختل توازنه، لماذا؟ يرى فسقاً وفجوراً وتفلتاً لا حدود له، ويرى غنى ورفاهاً وأمطاراً وأبنية وحدائق وحاجات لا حدود لها، إذا وازن بين بلاد المسلمين وبين بلاد هؤلاء يختل توازنه، أما إذا قرأ القرآن وفهم التفسير الإلهي.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة التوبة: 55 ]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[ سورة آل عمران: 196 ـ 197 ]

﴿تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42 ]

 يقنع بما آتاه الله، ويحب بلده، لأن فيها معالم الدين، هناك من يأتي إلى بلده الشام يسجد في المطار شكراً لله على أنه عاد إليها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
 أخرج الحافظ أبو بكر النجار في جزء التراجم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( بينا أنا نائم رأيت عمود الإسلام احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا فإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام ))

[الحافظ أبو بكر النجار في جزء التراجم عن أبي الدرداء]

 هناك من يفهم أن النبي عليه الصلاة والسلام قصد أن في الشام أعمالاً كثيرة، و دخلاً كبيراً، وبيوتاً جميلة، لا ! ما قصد النبي هذا إطلاقاً، هذا فهم أهل الدنيا، قصد النبي أن عاصمة الإسلام في آخر الزمان هي الشام، وأن الإيمان في الشام، وأن العلم الشرعي في الشام، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لذلك يعود إليها راضياً بوصف الله لها، العبرة أيها الأخوة أن نفهم كل شيء من خلال القرآن والسنة، أن نفهم كل شيء من خلال تفسير خالقه لنا، هذا هو الإيمان.
 أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إنفاق المال يطهر الغني و الفقير و المال :

 أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 من تفيد التبعيض أي خذ بعض أموالهم، ليس في الإسلام كله أن يأخذ المال كله مصادرة،

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 وجاءت الأموال جمعاً لأن الزكاة واجبة في كل الأموال، في عروض التجارة، وفي النقدين، وفي الزروع، وفي الثمار، وفيما إلى ذلك " صدقة " الصدقة سميت صدقة لأنها تؤكد صدق إيمانهم، وصدق محبتهم، فإنفاق المال أغلى عنده من كنزه ابتغاء مرضاة الله.

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 الغني يتطهر بالزكاة من الشح، وقد برئ من الشح من أدى زكاة ماله، والفقير يتطهر بالزكاة من الحقد، لا شح عند الغني، ولا حقد عند الفقير، والمال نفسه يطهر من تعلق حق الغير به، فالحجر المغصوب في البناء سبب انهدامه، الحجر المغصوب في البناء ربما كان سبب انهدامه، والمال الذي تعلق به حق الغير دون أن يؤدى سبب لإتلافه.
 وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة. تطهرهم، تطهر الغني والفقير والمال.

﴿وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 الزكاء النمو، تنمو نفس الغني، يرى أن له عملاً عظيماً، يرى أنه رسم البسمة على وجوه البائسين، يرى أنه قد زوج الشباب، عالج المرضى، له وجود قوي في المجتمع، له مهمة كبيرة في المجتمع، أحد أركان المجتمع الغني، لماذا؟ لأنه بماله يحل مشكلات الآخرين، تنمو نفسه، يرى أنه قريب من الله عز وجل ، يرى أن الله يحبه، يرى أنه في خدمة عباد الله، يرى أن الله ما أكرمه إلا ليكون سبباً لحل مشكلات عباده، تنمو نفسه، والفقير حينما يأتي الغني ويعطيه زكاة ماله يرى أنه ليس مهملاً في المجتمع، ليس منسياً، ليس مهاناً، هناك من يهتم به، من يهتم بأسرته، بأولاده، بطعامه، بشرابه، بكسوته، بتعليم أبنائه بمعالجته، تنمو نفس الفقير، وتنمو نفس الغني، وينمو المال نفسه بالزكاة.

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾

[ سورة سبأ: 39 ]

((أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً))

[ البزار من حديث ابن مسعود وأبي هريرة ]

 وفي الأثر القدسي :

((أنفق يا بن آدم أنفق عليك ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 فالمال نفسه ينمو، والغني نفسه تنمو، والفقير نفسه تنمو، أما نمو المال فبطريقين، إما بطريق وفرة القوة الشرائية بأيدي الفقراء، إن أعطيت الفقير خمسة آلاف ماذا يفعل بها على العيد؟ سيشتري قميصاً وطعاماً ولحماً وغذاءً، وما إلى ذلك، هو سيشتري من الغني مرة ثانية، إذاً تروج الأسواق إذا دفعت الزكاة، وقد ينمو المال بطريقة إلهية لا نعلمها طريقة الحفظ الإلهي، الله عز وجل يلهم هذا الذي أنفق زكاة ماله طريقاً ينمو ماله بالعناية الإلهية المباشرة، وهذه يعرفها الأخوة الكرام جزاهم الله خيراً الذين يؤدون زكاة أموالهم.
 الزكاة أيها الأخوة تؤخذ ولا تعطى، هذا الأمر موجه لا إلى النبي على أنه نبي بل على أنه ولي أمر المسلمين:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

الفرق بين الزكاة و الصدقة :

 فيا أيها الأخوة الكرام، رمضان موسم الإنفاق، موسم البر والإحسان، موسم أداء الزكاة، موسم أداء الصدقة، وأنا ألتقي بأناس كثيرين ليس مستعداً أن يدفع قرشاً خارج الزكاة، يحاور أيجوز أن أعطي الزكاة لأولادي؟ لأولاد أولادي؟ لأبي؟ يبحث عن أن يعطي الزكاة إلى من تجب عليه نفقته، فإذا فعل ذلك كأنه ما زكى إطلاقاً.
 للإمام الشافعي قول دقيق أنه من أدى زكاة ماله لمن لا يصلي إنكاراً لوجوبها لا تقصيراً لها لا تسقط عنه الزكاة، إنكاراً لوجوبها، من أنكرها فقد كفر، والزكاة تؤخذ من أموال المسلمين وترد إلى فقرائهم، أما الصدقة فبابها مفتوح، يسع كل شيء، يسع بناء المساجد، يسع تأليف الكتب، طبع الكتب، توزيع الأشرطة، يسع إقامة المعاهد، إقامة المصحات، يسع كل شيء، بل إن الله عز وجل يفرق بين الزكاة وبين الصدقة، قال:

﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

[ سورة البقرة: 177 ]

 معنى ذلك إيتاء الزكاة فريضة، وإيتاء المال على حب الله باب آخر، وفي المال حق سوى الزكاة، فهذا الذي ليس مستعداً أن يدفع ليرة واحدة إلا من الزكاة، حتى أن بعضهم يتوهم أنه إذا دفع الضرائب فهي من الزكاة، الضرائب مقابل خدمات تؤديها لك الدولة، أي الغرامات والضرائب كل شيء يحب أن يجعله من الزكاة بل حتى البضاعة الكاسدة التي لا تباع معه يؤديها زكاة بسعر ثمنها رائجة، وكأنه ما دفع الزكاة، أي لا يوجد شيء أعظم من أن تنفق من مالك في سبيل الله، من زهوة مالك، من أفضل شيء في مالك.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملا صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤخذنا بفعل المسيئين، يا رب العالمين، اللهم دمر أعداءَك أعداء الدين، اللهم أهلك الشرك والمشركين، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم انصر جندك المسلمين في شتى بقاع الأرض، في شمالها وجنوبها، في شرقها وغربها، إنك على ما تشاء قدير، اللهم ألف قلوب ولاة المسلمين، ألهمهم أن تكون كلمتهم واحدة يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة الأمور لما تحب وترضى، واجمعهم على الخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018