الخطبة : 0814 - مقاييس الفوز في القرآن الكريم والصبر لحكم الله تعالى . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0814 - مقاييس الفوز في القرآن الكريم والصبر لحكم الله تعالى .


2001-11-23

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده و رسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حبّ التّفوق :


 أيها الأخوة الكرام، الإنسان في أصل خلقه جُبل على حبّ التفوق، هذا الميل إلى التفوق يمكن أن يلبَّى ضمن منهج الله، و يمكن أن يلبى بعيداً عن منهج الله، و لكن المشكلة أن كل إنسان في أعماقه مقاييس للتفوق، فمن هو المؤمن؟ المؤمن هو الإنسان الذي تطابقت مقاييس التفوق في أعماقه مع مقاييس القرآن، لاشك أن التفوق في الدنيا يعني أحياناً أن تكون غنياً، تشتري ما تشاء، تسكن أي بيت تريد، تتزوج من تشاء، تذهب إلى أي مكان تشاء، تنغمس في أية متعة مشروعة أو غير مشروعة، و لا شك أن من التفوق أن تكون ثرياً، أن تملي إرادتك على الآخرين، أن يكونوا صاغرين لك، أن تستمتع بالسيطرة، و الجبروت، و الهيمنة، و هذا أيضاً من مقاييس التفوق في الدنيا، و يمكن أن يكون التفوق في الدنيا أن تحرز مرتبة علمية عالية جداً، فيكون كلُّ من يعمل في مجال العلم خاضعين لك، و هذا تفوق، و من التفوق أن تكون غارقاً في مُتَعٍ لا نهاية لها مشروعة أو غير مشروعة، و لكن لو قرأنا القرآن الذي هو أصل منهجنا، وهو وحي السماء لوجدنا مقاييس التفوق، فأين هي هذه المقاييس في القرآن ؟

 

مقاييس التفوق في القرآن الكريم :

 يقول الله عز وجل:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 قد : حرف تحقيق، حقق الفوز الحقيقي، حقق النجاح، حقق الفلاح، حقق التفوق:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 أمّا مَنْ تعلَّق بالحياة الدنيا، وجعلها نصب عينيه، وجعلها محط آماله، ومنتهى رغباته فقد قال الله:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 تغر و تضر و تمر، إن هي إلا أيام معدودة، الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، ومن علامة إيمانك أن يكون مقياس التفوق عندك مطابقاً لمقاييس القرآن.
 فالمقياس الأول:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 لا أن تحرز نصراً يقوم على ظلم العباد، و إزهاق أرواحهم، و النيل من كرامتهم، و التمثيل بهم، ليس هذا هو الفوز، هذا فوز في الدنيا قذر ، و لكن الفوز أن تزحزح عن النار ، و أن تدخل الجنة.
 أيها الأخوة الكرام، مقياس آخر من مقاييس الفوز:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: 71]

 سماه الله فوزاً عظيماً، أي يكفي أن تكون في طاعة الله، يكفي أنك لا تقترف الزنا، و لا تشرب الخمر، ولم تكن سبباً في إزهاق روح إنسان، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، يكفي أن تجتنب الكبائر، و أن تجتنب الصغائر، و أن تكون مطيعاً لله، مطبقاً لمنهجه، متصلاً به، متوجهاً إليه، راجياً رحمته، خائفاً من عذابه، هذه نعمة سماها القرآن فوزاً عظيماً:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: 71]

 يقاس على ذلك أنه من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[ سورة النساء: 113]

 أيها الأخوة، إن كنت في طاعة الله، إن كان رزقك حلالاً، و إنفاقه في وجه مشروع، و كان بيتك مسلماً، و أهلك يطبِّقون السنة، و أولادك على دين قويم، ويعرفون الله بفضل جهدك الكبير، فأنت في نعمة لا تعدلها نعمة، و لو خسرت الدنيا بأكملها، و لو كانت حياتك أخشن حياة، أنت الفائز، مقياس ثالث:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾

[ سورة الأعلى : 14-15]

 هذا الذي عرّف نفسه بربها، و حملها على طاعته، و حملها على التقرب إليه بالعمل الصالح، فاستنارت بنور الله، و سارت وفق منهج الله، هذا هو الفائز الأكبر، هذه مقاييس القرآن لم تأت هذه المقاييس لا على وسامة، و لا على ذكاء، و لا على مال، ولا على قوة، و لا على وجاهة، إنما أتت مِن معرفة الله، و أن يكون عملك صالحاً:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾

[ سورة الكهف: 107]

 هؤلاء لهم العاقبة:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة الأعراف: 128]

مقاييس الناس تحدد عاقبتهم :

 ما مقياسك ؟

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[ سورة القصص : 79-80]

 قل لي ما الذي يعجبك في الناس أَقُلْ لك من أنت؟ يعجبك في الناس الغنى فأنت من أهل الدنيا، يعجبك في الناس القوة فأنت من أهل الدنيا، أمّا إذا كان يعجبك من الناس معرفتهم بالله عز وجل، واستقامتهم على أمر الله، وصلاح عملهم، و إقبالهم فأنت من أهل الآخرة.
 أيها الأخوة الكرام: قد تفوز بمعركة، وأنت خاسر عند الله، وقد تخسر معركة، وأنت رابح عند الله، العبرة أن نصبر على حكم الله، ولهذا الكلام تفصيل بعد قليل.

 

الإيمان درجة علمية و أخلاقية و جمالية :

 أيها الأخوة، قيل: كفاك على عدوك نصراً أن يكون في معصية الله، والله عز وجل يذمُّهم ويحتقرهم قال:

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾

[ سورة الإنسان: 27 ]

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾

[ سورة المدثر : 8-10]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

[ سورة آل عمران: 196-197]

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾

[ سورة البقرة: 126]

 لكن رؤية إبراهيم عليه السلام اقتضت أن يكون:

﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[ سورة البقرة: 126]

 قال: ومن كفر فسأرزقه من الثمرات، وسأجعل بلاده خضراء، وأمطاره غزيرة، والمال بين يديه كالتراب، وأعطيه قوة تفوق حدّ الخيال:

﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[ سورة البقرة: 126]

 فذرهم، ذرهم احتقاراً لهم:

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾

[ سورة الطور: 45]

 أَمَّن يأتي يوم القيامة آمناً في روضات الجنات كمن يأتي مصعوقاً مخبّلاً؟؟ لا يستوون:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾

[ سورة القلم: 35-36]

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

[ سورة القصص: 61]

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء: 77]

 خالق السموات والأرض يقول لك: متاع الدنيا قليل، من فاز بالدنيا لم يفز بشيء، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.
 سيدنا عمر يرى رسول الله ينام على الحصير، وقد أثر في جنبه الشريف، فيبكي، يقول له: ما يبكيك يا عمر؟ قال: رسول الله ينام على الحصير- سيد الخلق- و كسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟ فقال الرسول الكريم: أما ترضى أن تكون الدنيا لهم و الآخرة لنا؟ أفي شك أنت يا عمر؟ يا عمر إنما هي نبوّة، وليست مُلكاً.
 فأن تكون مؤمناً فتلك منزلةٌ لا توصف، المؤمن في أعلى مرتبة، الإيمان درجة علمية، عرفتَ الحقيقة الكبرى، وانسجمت معها، ودرجة أخلاقية، أنت منضبط بمنظومة قيم أخلاقية، ودرجة جمالية، أنت في سعادة لا توصف، لأنك موصول برب العالمين، أنت في جنة في الدنيا، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.

رحمة الله مصدر سعادة المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾

[ سورة الإنسان: 27]

﴿قَالَ يَا قَوْمِ﴾

[ سورة هود: 28]

 دققوا في هذه الآية:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾

[ سورة هود: 28]

 الأمور واضحة تماماً، أنا أعرف لماذا خلقت؟ و لماذا أنا في الدنيا؟ و ماذا بعد الموت؟ و لماذا خلقني الله عز وجل؟ و ماذا يريد مني؟ و ما هو الأبد؟

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾

[ سورة هود: 28]

 هذه رحمة الله، وهي أعظم عطاءِ الله، بها تسعد ولو كنت في النار، كما كان إبراهيم في النار:

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

[ سورة الأنبياء: 69]

 بها تسعد ولو كنت في بطن الحوت:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الأنبياء: 87-88]

 بها تسعد ولو كنت في كهف تخاف أن يتبعوك إليه، كحال أهل الكهف:

﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾

[ سورة الكهف: 16]

 بها تسعد وأنت فقير، ومن دونها تشقى وأنت غني، بها تسعد وأنت ضعيف، ومن دونها تشقى وأنت قوي، بها تسعد وأنت مريض - لا سمح الله - ومن دونها تشقى وأنت صحيح، هذه رحمة الله:

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 158]

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[ سورة الزخرف: 32]

 هذه مقاييس القرآن، أمّا الذي يبعدنا عن مصدر السعادة فأن نقيس أنفسنا بمقاييس أهل الدنيا، وأن نقيس مكانتنا بأموالنا، وأن نقيس مكانتنا بما نملك، ينبغي أن تقيس نفسك بما آتاك الله:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[ سورة النساء: 113]

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة يوسف: 22]

الحكمة و العلم و القرب مِن الله جزاء أهل الإيمان :

 لقد أعطى الله عز وجل المُلكَ لفرعون، وهو لا يحبه، وأعطى المال لقارون، وهو لا يحبه، لكنه أعطى المُلك لسليمان، وهو يحبه، وأعطى المال لسيدنا عثمان، وهو يحبه، إذاً المُلك والمالُ ليسا مقياساً أصلاً تقاس بهما سعادة الإنسان، بل المُلك والسلطان والمال يُعطيهم الله لمن يحب، ولمن لا يحب، ولكن الحكمة و العلم و القربَ مِن الله لا يعطيهم إلا لمن يحب.
 أيها الأخوة الكرام، أتمنى أن تكون واضحة لديكم هذه الحقيقة، لا تقس نفسك، ولا تقس غيرك، و لا تقس مجتمعاً، ولا تقس بلداً، ولا تقس أمة إلا بمقياس القرآن، عندئذٍ ترتاح نفسك:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

[ سورة آل عمران: 12]

أوامر الدين تحقق مصلحة العباد :

 هناك موضوع آخر أيها الأخوة متمِّم لهذا الموضوع: الإنسان بعقله، فحينما يتلقى أمراً من الله عز وجل يراه لصالحه في الدنيا و الآخرة، يقبله، ويطبِّقه، ويعتز به، هذا شيء طبيعي جداً، ويفعله كل المؤمنين، حتى الضعاف منهم، ولكن لله حكمة في بعض الأوامر التكوينية أي أفعاله التكليفية، أعني أوامره، لا تتضح الحكمة فيها، بل تبدو غريبة أشد الغرابة، بل لا يقبلها عقل لأوّل وهلةٍ، ولا منطق، ولا تنسجم مع أيَّة قيمة أمر إلهي، قال تعالى:

﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾

[ سورة الصافات: 102]

 أب يذبح ابنه، مَن ابنه؟ أمجرم هو؟ لا، بل هو نبي:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾

[ سورة الصافات: 102]

 هذا أمر من نوع آخر، أوامر الله عز وجل التكليفية في معظمها لتحقيق مصالحه في الدنيا والآخرة، فالمؤمن العادي يتلقاها بالقبول، ويعتزّ بها، ويطبّقها كما لو أن أباً حكيماً نصح ابنه بنصائح لمصلحته في الدنيا، نصحه أن يدرس، نصحه أن يعتني بأسنانه مثلاً، نصحه أن يكون صادقاً، فكل هذه الأوامر لأنها تتصل اتصالاً مباشراً بمصالح الابن في الدنيا يقبلها و يعلن ولاءه لها، و يعظِّمها، ويثني على والده من أجلها، لكن هذا الابن لا يُمتحن ولاؤُه لأبيه إلا بأمر غير منطقي، إلا بأمر غير مفهوم عنده، إلا بأمر يستهجنه، فإذا وقف موقف المطيع الأديب الراضي معنى ذلك أنّ ولاءه لأبيه في أعلى مستوى، لذلك معظم أوامر الدين لمصلحة العباد، فالشريعة مصلحة كلها، عدل كلها، حكمة كلها، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، و من العدل إلى الجور، و من الحكمة إلى خلافها، و من الرحمة إلى القسوة، فليست من الشريعة و لو أُدخلت عليها بألف تأويل و تأويل، و لكن شاءت حكمة الله أن يكون في أوامره التكليفية أو في أوامره التكوينية في أفعاله، شاءت حكمة الله أن يكون في هذه الأوامر شيء لا يقبله العقل، و لا يُفهم، هنا تأتي الآية الكريمة:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

[ سورة الإنسان: 24]

 إذا كان الحكم واضحاً لا يحتاج إلى صبر، إذا كان الحكم و لو كان مقروءًا لكن في صالحك لا يحتاج إلى صبر، ألا ترى أن الطالب الجامعي في سنة التخرج لا ينام الليل، لأنه تجتمع أمامه مرتبته العلمية، ووظيفته الراقية، وزوجته الرائعة، وبيته الجميل، هذه كلها أحلامه، كلها تجتمع من خلال نجاحه في هذه السنة، لذلك لا ينام الليل، لا نقول له: اصبر، لماذا يصبر؟ هو يعمل شيئاً لصالحه، و لكن حينما يكلف عملاً غير واضح، وبالمناسبة أيّ أمر إلهيٍّ واضح جداً تضعف فيه مرتبة العبودية لله، و أي أمر إلهي ليس واضحاً لا ترى فيه حكمة فيما يبدو لك فهذا أمر تعلو فيه نسبة العبودية لله، فنحن مأمورون أن نطيعه في أوامره الواضحة، وفي أوامره غير الواضحة.

 

مصادر الإيمان التحقيقي :

 أيها الأخوة، الإنسان يعرف الله بفطرته، لكن أمام ضغوط الشهوات، وأمام كثرة الضلالات، ربما لا تكفي فطرته، ولا تصمد فطرته أمام هذه الضلالات، وتلك الشهوات، ولا بد من إيمان تحقيقي، هذا الإيمان التحقيقي له مصادر ثلاثة؛ إما من الكون الذي أبدعه اللهُ عز وجل، وكلّ ما في الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وإما من خلال قرآنه، وإنّ الله لا يظلم الناسَ شيئاً.

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾

[ سورة غافر: 17]

﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

[ سورة الروم: 9]

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾

[ سورة النساء: 124]

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾

[ سورة النساء: 77]

﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾

[ سورة فاطر: 13]

﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

[ سورة الأنبياء: 47]

 آيات تزيد على خمسين آية تنفي جنس الظلم عن الله عز وجل، فأنت تعرفه من خلال كلامه، وتعرفه من خلال خلقه- مِن خلق الإنسان، ومِن خلق الحيوان، ومَن خلق النبات- لكن إن أردت - وهذا أخطر ما في هذه الخطبة - أن تعرفه فقط من أفعاله فهذا طريق مفعم بالألغام، لأنك لن تستطيع فهم حكمته فيما يفعل إلا إذا كان لك علم كعلم الله، وهذا مستحيل، لذلك إن كان إيمانك الفطري كافياً لمعرفة الله فالأمر جيد، أمّا إنْ ضَعُفَ إيمانك الفطري عن أن يصمد أمام الشهوات، وأمام المغريات، وأمام الضغوط فلا بد من إيمان تحقيقي.
 من خلال الكون تعرف الله، وفي القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية كونية، مِن أجل أن تفكر فيها، وأن تعرف الله من خلقه، فإذا تلوت القرآن، وتدبرت آياته، عرفتَ الله مِن كلامه في ضوء معرفتك بالله مِن خلقه، ومن كلامه تفسّر أفعاله، أما أن تنحِّي إيمانك الفطري، وأن تنحِّي إيمانك بالكون، وأن تنحِّي فهمك للقرآن، وأن تقتصر على معرفة الله من خلال أفعاله فقد تضيع، بل إن هذا الطريق مفعم بالألغام، لأنك قد تجد أمةً قويةً بلادُها خضراء، أمطارُها غزيرة، بحيراتُها رائعة، ثرواتُها مخيفة، قوية، متغطرسة، مستعلية، تملك زمام المبادرة في الأرض كلها، وتفرض إرادتها على كل الشعوب، وَمَن لا يخضع لها تحطمه، ومِن جهةٍ أخرى فأنت ترى في بلاد المسلمين فقرًا شديدًا وضياعًا، رغم أنهم موحدون ويقولون: لا إله إلا الله، لا تستطيع أن تعرف الله من خلال أفعاله فقط إلا أن يكون لك علم كعلمه.

 

امتحان الله لعباده المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام، أنت حينما تتلقى أمراً من الله ويتوافق مع مصالحك الدنيوية والأخروية، فاسمح لي أن أقول لك إنْ تلقيت هذا الأمر بالقبول، وهو يحقق لك مصالحك، ثم إذا جاءك أمر آخر تكويني أو تكليفي لا يحقق مصالحك فرفضته إنك لا تعبد الله، ولكنك تعبد ذاتك، وينبغي عليك بعد الآن أن تعبد الله بعقدٍ إيمانيٍّ جديد بينك وبين الله سبحانه،

﴿يا أيها الذين آمنوا﴾

 خاطب الله بها المؤمنين في مئتين وتسع وثمانين آية،

﴿يا أيها الذين آمنوا ﴾

 يا من آمنتم بي، يا مَن آمنتم بكمالي، يا من آمنتم بحكمتي، يا من آمنتم برحمتي، يا من آمنتم بقدرتي، يا من آمنتم بعدلي افعلوا كذا وكذا...، علة أيِّ أمر أنه أمر، لذلك عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ:

((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَائِشَة]

 وإن جاءت الأمور على خلاف ما يريد صبَر، فقد يتلقى الإنسان معلومات على خلاف ما يريد، وعلى خلاف ما يتمنى، وعلى خلاف ما كان يحلم به، وعلى خلاف ما كان يطمح إليه، قد تأتيه معلومات لا ترضيه، بل تزعجه، فينبغي ألاّ تحمله هذه المعلومات على أن تُيَئِسَهُ من رحمة الله، هناك امتحان دقيق لعباده المؤمنين، لذلك عَنْ صُهَيْبٍ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا ))

[ مسلم عَنْ صُهَيْبٍ]

الإعداد والتوكل كلاهما شرط لازم غير كاف :

 أيها الأخوة الكرام، لماذا قال الله عز وجل في آل عمران؟

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

[ سورة آل عمران: 140]

 قال أحد المفسرين رحمهم الله عز وجل: لو أن المؤمنين ينتصرون دائماً لدخل الناس في دين الله، ولو كانوا كفاراً أو منافقين فالنصر محبب، ولو كان الكفار ينتصرون دائماً لخرج الناس من دين الله أفواجاً، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون النصر والهزيمة مع هؤلاء تارةً وهم مؤمنون، ومع هؤلاء تارةً وهم كفار، هكذا مشيئة الله، وهكذا حكمة الله:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

[ سورة آل عمران: 140]

 ألم يُهزَم المؤمنون في أحد بخطأ تكتيكي؟ بخطأ في معصية أمر قائد المعركة؟ فلو أنهم انتصروا على معصيتهم لقائد المعركة لسقط أمر القائد، لو أن طالباً لم يكتب وظيفته، ولم يعاقَب، ولم يكافأ الذي كتب وظيفته لسقطتْ قيمة الوظيفة في التعليم، ولو أن الله نَصَرَ المؤمنين في حنين لسقط التوحيد، فسُنة الله قائمة، ولا بد من إعداد كافٍ، ولا بد من توكلٍ كافٍ، فالإعداد، والتوكل كلاهما شرط لازم غير كاف، قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

[ سورة الأنفال: 60]

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الروم: 47]

 فالإيمان شرط لازم غير كافٍ، دققوا: إنه شرط لازم غير كاف، والإعداد شرط لازم غير كاف، فالمسلم إنْ يعد أعلى عدة، ولا يتوكل على الله فلا ينتصر، وقد يتوكل أعلى توكلٍ، ولا يعدُّ العدة المتاحة فلا ينتصر، فالله عز وجل عنده قوانين.
 هناك شيء آخر ؛ مَن يضحك أولاً يضحك قليلاً، ويبكي كثيراً، ومَن يضحك آخراً يبكي قليلاً، ويضحك كثيراً، والأمور بخواتيمها، والعاقبة للمتقين.

 

مهمة الإنسان في الدنيا أخذ أمر الله بالتطبيق و شكر نعمه :

 أيها الأخوة الكرام، حتى النبي عليه الصلاة والسلام لم يُكَحِّل عينيه بمرأى مصير أهل الدنيا، قال تعالى:

﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

[ سورة يونس: 46]

 لكن مهمة المرء في الدنيا دقيقة جداً، تجدها في آيتين:

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾

[ سورة الأعراف: 144]

 تنحصر مهمتك في أن تأخذ أمر الله بالتطبيق، وأن تشكر نعمه، وما سوى ذلك لا يعنيك، قال تعالى:

﴿فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 144]

 وقال تعالى:

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

[ سورة الزمر: 66]

 تنتهي هنا مهمتك، ولا تُلامُ على تعاطفك، وهذا شيء طيب، شيء يؤكد إيمانك، لا تلام على بكائك، إن لم تأتِ الأخبار كما تتمنى، لا تلام على ضيقك وتأثُّرك، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: يَا بْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه]

 لا تلام على تعاطفك، ولا على بكائك، ولا على تأثرك، لأن الأمور جاءت على غير ما تتمنى، ولكن تلام حينَ تعترض على الله عز وجل، تلام أن تشك في حكمة الله، تلام أن تشك في عدالة الله، تلام أن تنصب نفسك نداً لله تحاسبه لِمَ فعلت كذا وكذا؟ هنا تلام، فعليك أنْ تستسلم لقضاء الله وقدره كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الطائف حيث قال في دعائه: " إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي- دعاء النبي في الطائف- ولك العتبى حتى ترضى ولكن عافيتك أوسع لي" .

 

الاعتماد على الله فقط في كل الأمور :

 أيها الأخوة الكرام هناك شيء آخر، إنْ أردت أن تحقق مشروعاً- وهذا درس بليغ- أردت أن تُحْدِث شيئاً في عالم المؤمنين، واعتمدتَ اعتماداً كلياً على مبادرة عامتهم العفوية فإن خطتك غير ناجحة، أن تبدأ بشيء، وأن تجعل الثقل كله اعتماداً على عفوية المسلمين، وأن يناصروك، فلا تَعقِد عليهم الآمال لأنهم ضعفاء، أضعفُهم حب الدنيا، وكراهية الموت، فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

[ أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ]

 هذا الذي يعلق عليهم الآمال يكون نظره قاصراً، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ:

((أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]

 هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.

 

زوال الكون أهونُ على الله مِن ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين :


 أيها الأخوة الكرام، هذه حقائق أضعها بين أيديكم من أجل أن نكون متوازنين، من أجل ألاّ نفقد الثقة بهذا الدين العظيم، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

 والله لزوال الكون أهونُ على الله مِن ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

 وما يدريكم، لعلكم ترون في القريب العاجل حكمةً ما بعدها حكمة، وإنجازاً ما بعده إنجاز، وهيمنةً لدين الله على بقية الأديان ما بعدها هيمنة، لعل هذا نراه بأعيننا - إن شاء الله عز وجل - وقد قالوا في الحروب: خسارة معركة شيء وخسارة الحرب شيء آخر.
 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم فيا فوز المستغفرين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018