الخطبة : 0843 - أدب الاختلاف . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0843 - أدب الاختلاف .


2002-07-12

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر، مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

استهداف الإسلام جملة و تفصيلاً :

 أيها الأخوة المؤمنون: يقول الله جلّ جلاله في كتابه العزيز:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

[سورة الروم: 30-32]

 أن يفرق الدين إلى شيع كثيرة، وإلى فرق كثيرة، واتجاهات متعددة متناقضة متباغضة تتراشق التهم.

﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ*مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

[سورة الروم: 31-32]

 وفي آية أخرى أيها الأخوة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام: 159 ]

 ذلك أن أعداء الإسلام يستهدفون الإسلام كله جملة وتفصيلاً، فلابد من وحدة الصف، ولابد من التعاون، ولابد من أن نفوت على الأعداء ما يصبون إليه من تفرقة المؤمنين.
 أيها الأخوة الكرام: كان عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق يدعو فيقول: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَتْ:

((كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))

[مسلم عن أَبُي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ]

 هذا من أدعية النبي الصحيحة عليه الصلاة والسلام.

 

الاختلاف و موقفنا منه :

 أيها الأخوة الكرام: الاختلاف واقع لكن ما موقفنا من الاختلاف؟ يقول الله عز وجل:

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾

[سورة الشورى: 10]

 إذا اختلفنا لنا مرجعية إنها كلام الله، إنها سنة رسول الله، وإجماع الصحابة الكرام في العصر الذي كانوا فيه، وقد شهد النبي عليه الصلاة والسلام بالخيرية لهذا العصر.

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾

[سورة الشورى: 10]

 وفي آية أخرى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

[سورة النساء: 59]

 كما قال الإمام الشافعي: أولو الأمر هم العلماء والأمراء، العلماء الذين يعلمون الأمر، والأمراء الذين وكلهم الله بتنفيذ الأمر.
 إن اختلفتم معهم في شيء فردوه إلى الله في قرآنه، وإلى الرسول في سنته ولا يعقل ولا يقبل أن يحيلنا الله على كتابه وسنة رسوله، ثم لا نجد شفاء لهذه المشكلة ولا تغطية لهذه القضية، ولا إجابة لهذا التساؤل. آية ثالثة:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

[ سورة آل عمران: 103 ]

 هذا توجيه الله عز وجل، حبل الله المتين هو قرآنه الكريم، وبيان نبيه العظيم.
 أيها الأخوة الكرام: لا شيء يضعفنا كاختلافنا، ولا شيء يجعلنا في متناول أعدائنا كتلك الخصومات التي بيننا.

 

قواعد دقيقة جداً في الاختلاف :

 لذلك أيها الأخوة: هناك قواعد دقيقة جداً في هذا الموضوع، من هذه القواعد أنه ما لا يتطرق إليه الخلل ثلاثة: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة، وما سوى ذلك فليس بمعصوم، هذا منهج، كتاب الله وما صحّ من سنة رسول الله وإجماع الصحابة، وما سوى ذلك فليس بمعصوم.
القاعدة الثانية: لا يجوز لأحد أن يخرج عن المقطوع دلالته من كتاب الله، آية في كتاب الله قطعية الثبوت وكل كتاب الله قطعي الثبوت، قطعية الدلالة واضحة وضوح الشمس، لا يجوز لمسلم في مشارق الأرض ومغاربها أن يخرج عن المقطوع دلالته من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله، وما علم يقيناً أن الأمة قد أجمعت عليه.
 أنت حينما تحاور إنساناً في قضية خلافية ينبغي أن تضع أسساً، هل أنت مؤمن بمطلق كمال القرآن؟ وكمال هدي النبي العدنان؟ وإجماع الصحابة الكرام؟ اجلس كي نتحاور ! لكن ظني الدلالة من كتاب الله، والمتشابهة من الآيات يرد إلى المحكم، والظني الدلالة يرد إلى المقطوع، وهذه قاعدة ثانية مريحة، الآيات ظنية الدلالة مهما كثرت ترد إلى الآيات قطعية الدلالة مهما قلت، والآيات المتشابهة مهما كثرت ترد إلى الآيات المحكمة مهما قلت، حينما يقول الله عز وجل:

﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة المدثر: 31]

 هنا عُزي الإضلال إلى الله، هناك آية أخرى:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

[ سورة الصف: 5]

 هذا الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، الآيات المتشابهة ينبغي أن ترد إلى الآيات المحكمة، والآيات الظنية الدلالة ينبغي أن ترد إلى الآيات القطعية الدلالة:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾

[ سورة آل عمران: 7]

 إن كانت الآيات متشابهات نقف عند لفظ الجلالة.

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾

[ سورة آل عمران: 7]

 وإن كانت من الآيات الأخرى:

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 7]

آداب حول القضايا الخلافية بين مجموع الأمة :

1 ـ التثبت من قول المخالف :

 أيها الأخوة الكرام: هذه بعض الحقائق، ولكن لابد من عدة آداب أفصلها إن شاء الله حول القضايا الخلافية بين مجموع الأمة.
 أولاً - من آداب الاختلاف أن تتثبت من قول المخالف، فلا تقبل قولاً عنه، ينبغي أن تستمع منه مباشرة، أو أن تستمع إلى شريط، ومع الشريط هناك شبهة وقطع ووصل وإدخال وتزوير، لابد من أن تتأكد أن هذه الفكرة سمعتها من المخالف بنفسك، أو تيقنت من أنها منسوبة إليه.
 يا أيها الأخوة: لأن الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

[ سورة الحجرات: 6]

 هذه الحقيقة الأولى: التأكد من صحة نسبة هذه الفكرة أو تلك المقولة إلى من خالفك بالرأي، فقد تنشأ مشكلات وتقوم خصومات، والمخالف لك بريء من هذا الذي نقل إليك، فالنقطة الأولى: أن تتأكد من صحة نسبة هذه المقولة إلى من خالفك بالرأي.

 

2 ـ تحديد محل النزاع و الخلاف :

 أيها الأخوة: البند الثاني في هذا الموضوع أن تحدد محل النزاع والخلاف، فقد يبدأ المتحاورون وموضوع الخلاف ليس واضحاً عند الطرفين، وقد يكونا متفقين دون أن يشعرا، فلابد من تحديد موضوع الخلاف، وتحديد المشكلة أول طريق في حلها.

3 ـ عدم اتهام النيات :

 القاعدة الثالثة: لا تتهم النيّات، مهما كان مخالفك مخالفاً للحق في نظرك، فإياك أن تتهم نيته، افترض في المسلم الذي يؤمن بالقرآن والسنة ولا يخرج عن إجماع الأمة افترض فيه الإخلاص، ومحبة الله ورسوله، والرغبة في الوصول إلى الحق، وناظره على هذا الأساس، وكن سليم الصدر نحوه، هذه الحقيقة الثالثة لا تتهم بالنيات، لاشك أيها الأخ الكريم أنك بهذه الطريقة ستشهد في أن توصله إلى الحق إذا كان الحق في جانبك، أما إذا افترضت فيه سوء النية وقبح المقصد، فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر وهو إرادة كشفه وإحراجه، وإخراج ما تظنه أنه خبيئة عنده، وقد يبادلك مثل هذا الشعور فينقلب النقاش عداوة، والرغبة في الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم المخالف وبيان ضلاله وانحرافه.

4 ـ إخلاص النية لله :

 البند الرابع: أخلص النية لله، اجعل نيتك في المناظرة هي الوصول إلى الحق وإرضاء الله سبحانه وتعالى، وكشف الغموض عن مسألة يختلف فيها المسلمون، ورأب صدع بينهم، وجمع كلمتهم، وإصلاح ذات بينهم، هذه نية المؤمن، ليست التشفي ولا التجني ولا التحطيم، لكن نيته أن يحول من يناظره إلى الحق، إن كانت النية كذلك فالمناظر يثاب على ما يبذله من جهد بهذا الموضوع، قال تعالى:

﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[سورة الزمر: 2]

 عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى...))

[ البخاري عن عمر ]

5 ـ اتباع الحق :

 أيها الأخوة الكرام: لازلنا في قواعد المناظرة وقواعد حل الخلاف فيما ينشأ بين المسلمين، ادخل إلى المناظرة وفي نيتك أن تتبع الحق إن كان مع خصمك، ومناظرك، هذه بطولة، لو وجدت أن الحق مع من يناظرني لاتبعته، هذه موضوعية، هذا إخلاص لله عز وجل.

6 ـ اتهام الرأي :

 أيها الأخ الكريم: وهناك قاعدة سادسة اتهم رأيك لا تطمئن إلى أفكارك اطمئناناً قطعياً، اتهم رأيك، قل: أنا على حق كما قال الشافعي وقد أكون مخطئاً، وهذه بطولة في المؤمن.

7 ـ قبول الحق من المخالف :

 هناك شيء آخر: ينبغي أن تقبل الحق من المخالف، وأن قبول الحق منه حق وفضيلة! لماذا حجب الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم في معركة بدر الموقع المناسب؟ حجبه عنه وحياً واجتهاداً وإلهاماً، إلى أن جاء صحابي يذوب محبة لرسول الله وأدباً معه قال: يا رسول الله أهذا الموقع وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام ببساطة المخلص: بل هو الرأي والمشورة، قال: يا رسول الله ليس بموقع، فما كان من النبي إلى أن شكره وأثنى عليه وأمر أصحابه أن يتحولوا إلى الموقع المناسب، وعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام كيف نرجع عن الخطأ وكيف نرجع إلى الحق، وكيف ننصاع إلى المشورة.
 أيها الأخوة الكرام ، لابد أن تتهم رأيك أحياناً.
 هناك شيء آخر كما قلت قبل قليل: قبول الحق من المخالف حق وفضيلة. عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ هَذَا تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْآخَرُ تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((الْقُرْآنُ يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَلَا يُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ مِرَاءً فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ))

[ أحمد عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ]

 آية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة تجعلها موضع بحث، ليس هذا من أخلاق المؤمن. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[النسائي : 36]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 بطر الحق أن ترد الحق بأدلته الناصعة وحجته القوية، وأن تغمط الناس أقدارهم، هذا هو الكبر.

 

8 ـ الاستماع قبل الإجابة :

 أيها الأخوة الكرام: من آداب المناظرة بين المؤمنين أن تستمع قبل أن تجيب، وتستوعب كلام الطرف الآخر، وتستوعب أبعاده واتجاهاته وأدلته، ينبغي أن تستوعب قبل أن تجيب.

9 ـ أن تجعل لمخالفك فرصة مكافئة لفرصتك :

 وينبغي أن تجعل لمخالفك فرصة مكافئة لفرصتك، كما تتكلم ينبغي أن يتكلم، كما تدلي برأي ينبغي أن يدلي برأي، كما ينبغي أن تأتيه بالحجج ينبغي أن تفسح له مجالاً أن يأتيك بالحجج، أما إذا ظهر عندك إشكال فما المانع أن تستمهل وتقول له: دعني أراجع هذه القضية؟ فهذا من صفات العالم الحقيقي، دعني أراجع، هذا الذي يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً، نصف العلم لا أدري.
 وفد عظيم جاء من أقصى المغرب من الأندلس إلى بلاد الشام، معه ثلاثون سؤالاً التقوا بابن حنبل رحمه الله تعالى، بالإمام العظيم إمام زمانه أجاب عن سبعة عشر سؤالاً، أما الباقي فقال: لا أدري، قالوا: أنت لا تدري؟ قال: قولوا لمن أرسلكم الإمام أحمد بن حنبل لا يدري! حينما تقول لا أدري فأنت عالم، أما هذا الذي يجيب عن أي سؤال بلا تردد ليظهر على أنه في القمة فهو ليس من أهل العلم، فمن صفات أهل العلم التواضع.

10 ـ قبول حكم الله و حكم رسوله إذا ظهر فوراً :

 أيها الأخوة الكرام: حقيقة هي أدق ما في هذه الخطبة: كل من ظهر له حكم الله وحكم رسوله وجب عليه قبوله فوراً قال تعالى:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة النور: 51]

 إن كنت خارجاً عن دائرة الإيمان لك أن تعترض على ما فيه حجة قطعية، أما إذا كنت مؤمناً وكنت المعني بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة التحريم: 6]

 فينبغي أن تنصاع للحق مباشرة، وتدع للحق كل قول مهما كان قائله عظيماً إذا ثبت لك أن هذا حكم الله، وأن هذا حكم رسول الله ثبوتاً قطعياً بدلالة قطعية، ينبغي أن تدع لما ثبت لك كل قول سمعته، أو ألفت سماعه، أو تعظم قائله مهما يكن عند الناس عظيماً، هذا هو الحق، والحق أحق أن يتبع.

 

11 ـ عدم الجدال و المماراة :

 أيها الأخوة الكرام ، لازلنا في قواعد الحوار والمناظرة لا تجادل ولا تمارِ، لا يكن دخولك في نقاش مع أخيك المسلم هدفه الجدال والمماراة، بل يجب أن يكون مقصدك معرفة الحق أو توضيحه لمخالفه، لأن الجدال مذموم والمماراة مذمومة، والجدال والمماراة أن يكون الانتصار لرأيك، وقطع خصمك، وإثبات جهله أو عجزه، وإثبات أنك الأعلم والأفهم، وأنك الأقدر على إثبات الحجة.

12 ـ تحديد المصطلحات :

 يا أيها الأخوة الكرام: كثيراً ما تنشأ خلافات بين المسلمين بسبب عدم تحديد مصطلحاتهم، فالمصطلح الذي يقوله زيد يقصد به المعنى الفلاني، والمصطلح الذي قاله زيد يفهم خصمه معنى آخر، ينشأ خلاف، لابد من أن تحدد المصطلحات.
 تعريف العقيدة، تعريف الإيمان، تعريف الإسلام، الإيمان يزيد وينقص كيف؟ كيف الإيمان قطعي لا يزيد ولا ينقص؟ ما دليل ذلك؟ حينما تحدد المصطلحات تنجو من خصومة طويلة لا تنتهي.

13 ـ قبول الحق و شكر من قبله منك :

 أيها الأخوة الكرام ، إذا تيقنت أن الحق مع مخالفك فاقبله، وإذا قبل الحق منك فاشكره، قل له: جزاك الله خيراً، لفتَّ نظري لقضية غابت عني وهذا من بطولات المؤمن.

14 ـ الانصياع للحق و قبوله و الإعلان عنه :

 ومن دقة علم العالم أن ينصاع للحق ويقبله ويعلن قبوله لا أن يسكت ولا أن يقبله سراً، أن تعلن قبوله، إذا لفت نظرك إنسان مخلص قل له: جزاك الله خيراً، كانت هذه القضية غائبة عني، وإذا قبل منك الطرف الآخر فاشكره ولا تمنّ عليه، اشكره على انصياعه للحق، الود بين المؤمنين فريضة.

15 ـ عدم اليأس ممن خالفك الحق :

 أيها الأخوة الكرام: القاعدة الخامسة عشرة: لا تيئس من مخالفك للحق، قد لا يستوعب ما قلته، لكن بعد ذلك قد يستوعب، الآن لم يستوعب كن حليماً لا تيئس منه، ولا تخرجه من حساباتك، ولا تقطع الأمل منه، اليوم لم يستوعب بعد حين يستوعب، وقد تأتيه ظروف تؤكد له حجتك، فلذلك لابد من أن تكون رحب الصدر حليماً، كاد الحليم أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، أحياناً يشتد النقاش وهذا النقاش والحوار قد يصل لخصومة كبيرة، من حكمة المؤمن أن يوقف الحوار إذا أدى إلى خصومة أو إلى عداوة أو إلى قطيعة، فالصلة بين المؤمنين فريضة، والود بينهم فريضة، الأخوة بينهم فريضة، فضح بسنة أمام فريضة.

16 ـ الإبقاء على الأخوة مع الخلاف في الرأي أولى من دفع المخالف إلى الشقاق :

 القاعدة أيها الأخوة: الإبقاء على الأخوة مع الخلاف في الرأي في المسائل الخلافية أولى من دفع المخالف إلى الشقاق. ينبغي ألا تخسر أخاك، حاول أن تصلحه فإن لم تتمكن فلا تخسره.

17 ـ عدم مقاطعة المسلم لرأي ارتأه :

 أيها الأخوة الكرام: لا يجوز لمسلم أن يقاطع أخوه المسلم لرأي ارتأه، أو اجتهاد اجتهد فيه مادام يعلم أن تحري الحق واجب على كل مسلم، فإذا تحرى الحق سقط عنه اللوم، هو عبد الله فيما اجتهد فيه، والمجتهد إذا أخطأ له أجر، وإذا أصاب فله أجران وهذا من فضل الله عز وجل.

 

تتمة قواعد آداب المناظرة :

 أيها الأخوة الكرام: من تتمة هذه القواعد لا يجوز التشنيع، ولا التبديع، ولا التفسيق لأحد من سلف الأمة ومجتهديها إذا خالف بعض الأمور القطعية اجتهاداً.
 أيها الأخوة: وحدة الصف هي المقدمة ولا سيما في هذه الأيام، ولا سيما أن العدو يستهدف كل المسلمين بكل فرقهم ومللهم ونحلهم، وأن وحدة صف المسلمين مطلوبة في أعلى درجة في هذه الأيام.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العقيدة التي يحملها الإنسان في صدره لها أثر كبير في سلوكه :

 أيها الأخوة: مما يزيد الخطبة وضوحاً هذه الحقيقة: العقيدة التي يحملها الإنسان في صدره ذات أثر كبير في سلوكه، لو لم يكن هناك من علاقة بين ما تعتقد وبين ما تتحرك به اعتقد ما شئت، لأن كل عقيدة أو كل تصور أو كل وهم تتوهمه لابد من أن ينعكس على سلوكك شئت أم أبيت، بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان العملي في حياته ومواقفه تجاه الأحداث التي تواجهه في رحلة الحياة ما هي إلا ترجمة حية لما يحمل بين حنايا قلبه من عقيدة، وما ينطوي عليه فؤاده من مبادئ وقيم، وقديماً قالوا: إن الإناء ينضح بما فيه، هذه بديهية مسلّمة لا يشذ عنها أحد إلا المنافقون الذين يعانون من انفصام في شخصيتهم، بين ما يحملون ويعتقدون من عقائد، وبين ما يسلكون في الحياة من مواقف، لذلك هم أتعس الناس في الدنيا وأشقى الناس في الآخرة.
 النقطة الدقيقة أيها الأخوة: أن الوهم ضرب من العقيدة، كنت أدعو الله فأقول: " اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم والجهل إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات" الوهم عقيدة. الإنسان إذا توهم شيئاً اعتقده، وإن اعتقده انطلق في حركته في الحياة وفق هذا الوهم، والوهم كما يقولون: ضرب من العقيدة بهذا الاعتبار، فالإنسان إذا توهم أمراً في أي شأن من شؤون حياته دفعه ذلك الوهم لاتخاذ مواقف معينة وسلوك محدد يتفق نصاً وروحاً مع ما يمليه عليه هذا الوهم.
 أصبح الوهم لهذا الإنسان عقيدة يعتقدها، خطر الوهم لا يكمن في أنه عقيدة بل بأنه اعتقاد فاسد قد يجر صاحبه وحامله إلى المهالك في الدنيا والآخرة، فكم ضيع الوهم من فرص سانحة، وكم بددت الأوهام من طاقات وشتت من جهود، فأنت قد تخسر صديقاً وفياً يندر في هذا الزمن لأنك توهمت فيه شيئاً لم يكن موجوداً، سقت هذه المقدمة تمهيداً لقصة اطلعت عليها هذا الأسبوع: سائق ليس ملتزماً إطلاقاً يعمل سائقاً لدى أسرة، لاحظ هذا السائق أن بنت صاحب الأسرة مغرمة بقراءة الأبراج، والأبراج باطلة، ومن أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، من أتى ساحراً فصدقه لم تقبل منه صلاة أربعين صباحاً، ولا دعاء أربعين ليلة، هذه الأبراج لا أصل لها إطلاقاً وهم في وهم، لاحظ أن بنت صاحب البيت مغرمة بقراءة الأبراج، فذهب لصاحب المجلة وأغراه بمبلغ من المال وقال في برج هذه البنت: إن في حياتك سائقاً لو تزوجته لكنت أسعد الناس، فقبلت به، جهلها ووهمها دفعها لشقاء الدنيا وشقاء الآخرة.
 أيها الأخوة الكرام: أخطر شيء في الحياة أن تعيش في الأوهام، وفي الأحلام، أن تعيش في الأماني، وأعظم شيء ينفعك أن تكون مع الحق وتعتقد الحق وتسلك الحق والحق هو الله، من عند الله.
 أيها الأخوة: ما من صفة مخجلة في الإنسان كالجهل، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، الجاهل عدو نفسه، أعدى أعداء الإنسان هو الجهل، بل إن أهل النار وهم في النار ماذا يقولون؟

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 أزمة علم الكافر والمنافق والمشرك أنه جاهل واهم يعتقد ما ليس صحيحاً.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[سورة الكهف: 103-104]

 لابد من أن تتيقن من الحقيقة، اطلب الحقيقة من الله، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 69]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، اجمع بينهم ووحد كلمتهم يا أكرم الأكرمين، اللهم دمر أعداءهم، واكتب الصحة والسلامة لكل من يقاوم في سبيلك يا رب العالمين، اللهم أجب دعاءنا بكرمك يا مولانا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018