الخطبة : 0686 - الاستعاذة بالله - اتباع عادات الغرب - فندق ومستشفى للكلاب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0686 - الاستعاذة بالله - اتباع عادات الغرب - فندق ومستشفى للكلاب


1999-01-22

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك :

 أيها الأخوة الكرام ... قال العلماء : كُلُّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك .

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[ سورة الكهف : 29 ]

 هذا أمر تهديد .

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾

[ سورة البقرة : 187 ]

 هذا أمر إباحة .

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾

[ سورة النور : 32]

 هذا أمر نَدْب .
 كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك ، فحينما يقول الله عزَّ وجل في محكم قرآنه :

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾

[ سورة الأعراف : 200 ]

 ما أمرك أن تستعيذ به إلا ليُعِيذك ، وما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك، وما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك ، أمرك أن تستعين به كي يُعينك ، وأمرك أن تدعوه كي يجيبك .

((فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

العاجز من عجر عن الاستعانة بالله و الاستعاذة به :

 من هو العاجز ؟ هو الذي عجز عن أن يدعو الله ، عجز عن أن يستعين به ، عجز عن أن يستعيذ به .
 فيا أيها الأخوة الكرام ... لا يليق بالله عزَّ وجل أن يقول كلاماً لا معنى له ، أمرك أن تستعيذ به كي يعيذك ، ما عليك إلا أن تستعيذ به .

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾

[ سورة الأعراف : 200 ]

 علماء اللغة يقولون : عاذ به يعوذ عَوْذاً وعياذاً ومعاذاً ، لاذ إليه ، لاذ فيه ، ولجأ إليه ، استعاذ به ، لجأ إليه ، أعوذ أي أعتصم بحضور قلبٍ وجمع هِمَّة ، والعياذ واللياذ بمعنى واحد ، معاذ الله أي أعوذ بالله معاذاً ، العوذُ هو الالتجاء إلى الغير والتعلُّق به .
 أيها الأخوة الكرام ... أن تستعيذ بالله أي أن تلجأ إليه ، أن تستعيذ بالله أن تستنصره، أن تستعيذ بالله أن تلوذ به ، أن تستعيذ بالله أن تحتمي بحماه ، أن تستعيذ بالله أن تتقوى بقوَّته ، والإنسان خُلِقَ ضعيفاً ، والمخاطر حوله كثيرة فهذا الوضع الدقيق ، الإنسان خلق ضعيفاً والأخطار حوله بدءاً بالأمراض ومروراً بالفقر والقهر وما إلى ذلك ، الإنسان ضعيف والأخطار كبيرة ، إذاً لابدَّ من أن يكون لك ملجأٌ تلجأُ إليه ، وملاذٌ تلوذ به، وركنٌ تحتمي به ، وقوةٌ تدعمك ، وناصرٌ ينصرك ، وموفقٌ يوفِّقُكَ .
 أيها الأخوة الكرام ... يقول الله عزَّ وجل :

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 200 ]

 يسمع قولك ، وبصيرٌ بحالك ، لو بقيت ساكتاً عليمٌ بحالك ، عليمٌ بحاجتك ، عليمٌ بما يجول في نفسك ..

﴿ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾

[ سورة الأنفال : 24]

((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين))

[ من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب ]

((عبدي كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك))

[ورد في الأثر]

من استعاذ بغير الله زاد خوفاً و رهقاً و تعباً :

 أيها الأخوة الكرام ... الآية الكريمة :

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 200 ]

 أما هذا الذي يستعيذ بغير الله ..

﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾

[ سورة الجن : 6]

 وقس على ذلك أية جهةٍ في الأرض ، إن استعذت بغير الله زدت خوفاً ، ازددت خوفاً ، وازددت رَهَقَاً ، وازددت تعباً ، لأن الذي استعذت به ضعيف ، ضعيفٌ مثلك ، ما من مخلوقٍ كما ورد في الأثر ..

((ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته فتكيده أهل السموات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه))

﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾

[ سورة الجن : 6]

 الله عزَّ وجل في قرآنه الكريم أمرنا أن نستعيذ به في مواضع شتَّى..

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة النحل : 98]

 كي لا تفهمه على نحوٍ ما أراده الله ، كي لا تفهمه على نحوٍ لا يرضي الله ، كي لا تأتيك الخَطَرَات أثناء قراءته .

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة النحل : 98]

الشيطان و الجهل و التّكبر ثلاثة أخطارٍ كبيرة تنتظر المؤمن الشارد :

 أيها الأخوة الكرام ... أخطر شيءٍ ينبغي أن تستعيذ به بعد الشيطان، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، لأن الجهل أعدى أعداء الإنسان ، ولأن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة النحل : 98]

 أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، أكبر خطرين يُهَدِّدان المُسلم الشيطان والجهل .

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة النحل : 98]

 أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، إن جاءت الخطرات ، إن جاءت الوساوس ..

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 200]

 هذا التطاول ، هذا التألِّي على الله ينبغي أن تستعيذ به ، " هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله " ، سمع النبي مقالة هذه المرأة قال :

((وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم ))

[ البخاري عن أم العلاء رضي الله عنها ]

 التألِّي على الله أن تحكم على أشخاصٍ حكماً مُبرماً ، أن تحكم على المستقبل حكماً مُبرماً ، أن تصف نفسك بصفةٍ ثابتة لا تتحول عنها ، هذا من التألِّي على الله .

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

[ سورة هود : 47]

 أيها الأخوة ... يبدو أن ثلاثة أخطارٍ كبيرة تنتظر المؤمن الشارد ، الخطر الأول الشيطان ، والخطر الثاني الجهل ، والخطر الثالث ..

﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة غافر : 27]

 الشيطان استعذ بالله منه ، والجهل استعذ بالله منه ، وإنسانٌ متكبرٌ لا يؤمن بيوم الحساب ، ورد في الأثر القدسي :

((أن يا موسى خف ثلاثاً ؛ خف نفسك ، وخفني ، وخف ممن لا يخافني))

 هذه موضوعات الاستعاذة في القرآن الكريم .

 

استعاذة النبي الكريم من :

1 ـ النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل :

 لكن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد المرسلين واصدق القائلين استعاذ بالله ممن ؟ ألا نقرأ جميعاً في الأدعية المأثورة :

((وَأَسْتَعِيذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

[ أحمد عن عائشة ]

 النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ بالله من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل ، وكما قال سيدنا علي : " يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير ، وما شرٌ بعده الجنة بشر ، وكل نعيمٍ دون الجنة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية " سيدنا عمر كانت إذا أصابته مصيبة قال : " الحمد لله ثلاثاً ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذ أُلْهِمْتُ الصبر عليها " فكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل .

2 ـ الشّقاق والنّفاق وسوء الأخلاق :

 واستعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق ..

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاقِ))

[النسائي عن أبي هريرة ]

 أن تشاقق الله ورسوله ، أن تكون في خندقٍ معادٍ لأهل الإيمان، أن تكون في خندقٍ مضادٍ للحقائق ، للإيمان ، من الشقاق أن تشاقق الله ورسوله ، أن تشاقق المؤمنين ، أن تشاقق أهل الحق ، أن تكره الحق ، أن تكره ما نزَّل الله ، كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الشقاق والنفاق ؛ الازدواجية ، مظهر ومخبر ، سريرة وعلانية ، باطن وظاهر ، خلوة وجلوة ، دائماً هناك موقفين ، موقف مُعْلَن و موقف مُبَطَّن ، موقف ظاهر و موقف باطن ، موقف تفعله في جلوتك وموقف تفعله في خلوتك هذا هو النفاق .. وسوء الأخلاق لأنه من زاد عليك في الأخلاق زاد عليك في الإيمان .

3 ـ شرّ السمع وشرّ البصر وشرّ اللسان وشرّ القلب :

 وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من شرّ السمع ، وشرّ البصر ، ومن شرّ اللسان ، ومن شرّ القلب ، أن يسمع كلاماً لا يرضي الله ، أن يسمع الباطل ، أن يستمع إلى الغناء ، من شرّ سمعي ، ومن شرّ بصري ، أن يملأ عينيه من الحرام ، أن يتتبع بهما عورات المسلمين ، ومن شر لساني أن يقع في الغيبة والنميمة والبهتان والكذب والإفك وما إلى ذلك ، ومن شر قلبي أن يضمر الكبر والعداوة والبغضاء والحسد ، وما إلى ذلك ، ومن شر نفسي وأعوذ بك من شر ما صنعت ، هذه استعاذات النبي عليه الصلاة والسلام .

4 ـ شرّ ما عمل و شرّ ما لم يعمل :

 والنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله قال :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ))

[مسلم عن عائشة ]

 شيءٌ ما فعلته ولكن أردته ، عقدت العزم عليه ، أيضاً هناك محاسبة دقيقة في الحرم :

﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[ سورة الحج : 25]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾

[ سورة النور : 19 ]

 لماذا ؟ أراد الفحشاء ، هو في خندقٍ آخر معادٍ للمؤمنين ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ وَالأَعْمَالِ وَالأَهْوَاءِ))

[ الترمذي عن زياد من علاقة عن عمه ]

5 ـ العلم الذي لا ينفع :

((... إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ ...))

[ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

 أن تمضي حياتك كلها في علمٍ لا ينفع ، في اختصاصٍ لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، في اختصاصٍ لا يرضي الله ، في علمٍ مجهدٍ ثمرته قليلة :

((... إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا ))

[ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

6 ـ الهم والحزن والعجز والكسل :

 أيها الأخوة الكرام ... أدعية النبي تعليمٌ لنا ، كان عليه الصلاة والسلام يدعو الله ويستعيذ به من الهم والحزن ، ومن العجز والكسل ..

((من قصر في العمل ابتلاه الله بالهم))

[ورد في الأثر]

 الهم مصيبة ، الهم يأكل القلب :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ))

[البخاري عن أنس بن مالك ]

 العجز أن تستسلم للوضع السيِّئ ..

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 هذا الذي يستسلم لواقعه السيِّئ دون أن يصلحه ، لا يتحرَّك ، لا يسأل ، لا يغَيِّر ، لا يطور ، حينما يرى مصيبةً تلوح بالأفق يستسلم لها ..

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى : 39]

 يا أيها الأخوة الكرام ... استعاذات النبي عليه الصلاة والسلام علمٌ دقيق .

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا))

[ مسلم عن عبد الله بن نمير ]

((... أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ ، وَالْحَزَنِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ...))

[أبو داود عن أبي سعيد الخدري]

 الكسل مرض ، ومن لوازم الكسل الفقر ، وهناك فقر الكسل وهو مذموم ، الإنسان الذي يسوِّف ، ويُرْجئ ، ولا يتقن ، ولا يتابع عمله .
 أيها الأخوة الكرام :

(( ... اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ ، وَالْحَزَنِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ ))

[أبو داود عن أبي سعيد الخدري]

7 ـ زوال النعمة و تحول العافية و فجاءة النقمة :

 أيها الأخوة الكرام ... قد يكون الإنسان في نعمة ، فجأةً تنقلب الأمور رأساً على عَقِب ، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ))

[البخاري عن عبد الله بن عمرو ]

 الاستعاذة بالله صلةٌ به ، والاستعاذة بالله أمنٌ وطمأنينة ، والاستعاذة بالله ضمانٌ للمستقبل ، والاستعاذات بالله قربٌ من الله عزَّ وجل .

8 ـ الخطأ و الذنب و شرّ النّفس :

 والنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ ويقول :

(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي خَطَئِي وَعَمْدِي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَهْدِيكَ لأَرْشَدِ أَمْرِي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي ))

[أحمد عن عثمان بن العاص ]

((... أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ...))

[ابن ماجة عن أبي هريرة ]

 قال تعالى :

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود الآية: 55-56 ]

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة زمر : 62]

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[ سورة الأعراف : 54 ]

9 ـ عذاب القبر و وسوسة الصدر و شتات الأمر :

 أيها الأخوة الكرام ... يستعيذ عليه الصلاة والسلام من عذاب القبر..

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾

[ سورة غافر : 46 ]

 من ستة آلاف عام ..

﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة غافر : 46]

 النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من عذاب القبر ، ومن وسوسة الصدر ، ومن شتات الأمر .

10 ـ الكفر و الفقر :

 ويستعيذ عليه الصلاة والسلام من الكُفر والفقر وما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا ، وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل ، يعوذ بالله من الكفر والفقر ومن عذاب القبر.

11 ـ أن يرد إلى أرذل العمر :

 ويستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام أن يُرَدَّ إلى أرذل العمر يقول عليه الصلاة والسلام :

((... وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ...))

[ البخاري عن سعد ]

 أخٌ حدثني عن قريبٍ له أم ملقاةٌ على السرير من اثنتي عشرة سنة، تربط يداها إلى أعلى رأسها ، وتربط رجلاها إلى مؤخرة السرير ، سأله : لماذا ؟ قال : لأنها إن أطلقت يداها خلعت ثيابها وأكلت من غائطها ..

﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾

[ سورة الحج : 5 ]

 أيها الأخوة الكرام ... كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من أن يرد إلى أرذل العمر وهذا تعليمٌ لنا .

((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا))

[ البخاري عن عمرو بن ميمون الأودي ]

 الدنيا تغر وتضر وتمر .

12 ـ أن يكون مضلاً للآخرين أو تقع الضلالة عليه :

 وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله يقول :

((اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ ...))

[ أبو داود عن أم سلمة ]

 أن أكون مضلاً للآخرين ، أو أن تقع الضلالة علي :

((اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ))

[ أبو داود عن أم سلمة ]

 وقد تضيق الدنيا بالإنسان حتى يكاد الفقر أن يكون كفراً .

13 ـ ضيق الدنيا و سوء الكبر و المصيبة في الدين :

 كان عليه الصلاة والسلام يقول :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا))

[أبو داود عن شريق الهوزني ]

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ))

[ مسلم عن عبد الله ]

 وقد ورد في الأثر أيضاً :

((اللهم إني أعوذ بك من الحرمان ، و المصيبة في ديني))

14 ـ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ))

[ مسلم عن ابن عمر]

15 ـ أن يصيب في السوق يميناً فاجرة أو يحقق صفقةً خاسرة :

 دخل إلى السوق :

((اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يميناً فاجرة أو صفقةً خاسرة ))

[ المعجم الأوسط عن سليمان بن بريدة عن أبيه]

16 ـ الجوع و الخيانة :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ))

[النسائي عن أبي هريرة]

17 ـ جار السوء في دار المُقامة :

 أن يخونك الذين حولك .

((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ))

[النسائي عن أبي هريرة]

 هناك جارٌ ترخص به الدار ، وهناك جارٌ تغلو به الدار .

((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ))

[النسائي عن أبي هريرة]

18 ـ فتنة النساء وحال أهل النار و طوارق الليل والنهار :

(( أعوذ بك من يوم السوء ، ومن ليلة السوء ، ومن ساعة السوء ، ومن صاحب السوء ، ومن جار السوء ))

[الطبراني عن عقبة بن عامر]

((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء ))

[الخرائطي فى اعتلال القلوب عن سعد بن أبي وقاص]

 فكم من امرأةٍ أهلكت إنساناً وحطمته ، وشردت أولاده ، وهدمت أسرته ..

((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء ))

[الخرائطي فى اعتلال القلوب عن سعد بن أبي وقاص]

((وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 الكبر ، والانحراف ، والفجور ، والتطاول .

((اللهم إني أعوذ بك من طوارق الليل))

[الطبراني عن أبي مالك الأشعري]

((أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ اللاتِي لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا ، وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الأَرْضِ ، وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، إِلا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ))

[مالك عن يحيى بن سعيد ]

19 ـ جهد البلاء ودرك الشقاء وسوق القضاء وشماتة الأعداء :

((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 يا أيها الأخوة الكرام ... هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام ، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ، لكن الله يحمي المؤمن من كل هذا ، هذا الذي لا يكترث ، يعتمد على ذكائه ، يعتمد على حكمته ، يعتمد على ماله ، يعتمد على قوته ، يعتمد على أتباعه هذا مشرك ، اعتمد على الله واستعذ به من كل ذلك ، فكم من إنسانٍ حصيفٍ أردته امرأة ، وكم من إنسانٍ حصيفٍ أغراه الشيطان بمعصية فدمره الله عزَّ وجل .

 

تلخيص لما سبق :

 يا أيها الأخوة الكرام ... في القرآن ثلاثة موضوعاتٍ كبيرة ينبغي أن نستعيذ بالله منها ، الجهل ، والشيطان ، وإنسان مستكبر لا يؤمن بيوم الحساب ، والنبي عليه الصلاة والسلام أول شيءٍ استعاذ به النار ، والشقاق أن تكون عدواً لأهل الحق ، أن تكون عدواً للدين ، أن تكون في خندقٍ معادٍ للمسلمين ، من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق ، من شر معاصي السمع ، أن يستمع الإنسان إلى ما لا يرضي الله ، أن يستمع إلى الغناء ، من شر البصر أن يطلق بصره في الحرام ، من شر اللسان أن يقع في الغيبة والنميمة ، من شر القلب المتكبِّر المتغطرس ، ومن شر نفسي ، ومن شر ما صنعت .
 أيها الأخوة الكرام ... كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء ، ومن علمٍ لا ينفع ، ومن قلبٍ لا يخشع ، ومن نفسٍ لا تشبع ، ومن دعوةٍ لا يستجاب لها ، ويعوذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال ومن زوال النعمة وتحول العافية وفجأة النقمة وجميع سخط الله عزَّ وجل ، وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من كل شر دابةٍ هو آخذٌ بناصيتها، ومن عذاب القبر ، ووسوسة الصدر ، وشتات الأمر ، ومن الكفر والفقر ، ومن أن يكون في أرذل العمر ، ومن فتنة الدنيا ، وأن أضل أو أُضل ، أو أذل أو أُذل ، أو أظلم أو أُظلم ، أو أجهل أو يجهل علي .
 وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من ضيق الدنيا ، ومن الكسل والهرم وسوء الكِبَر ، ومن الحرمان ، ومن المصيبة في الدين ، ومن وعثاء السفر ، وكآبة المنظر ، وسوء المُنْقَلَب ، وأن يصيب في السوق يميناً فاجرة ، أو يحقق صفقةً خاسرة . وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الجوع فإنه بئس الضجيع ، ومن الخيانة فإنها بئست البطانة ، ومن جار السوء في دار المُقامة ، ومن فتنة النساء وحال أهل النار ، ومن طوارق الليل والنهار ، ومن جهد البلاء ودرك الشقاء وسوق القضاء وشماتة الأعداء . وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من إمام السوء الذي إن أحسنت لم يقبل وإن أسأت لم يغفر .
 وكان يستعيذ بالله من جار السوء ، الذي إن رأى خيراً كتمه ، وإن رأى شراً أذاعه .

القضايا المقلقة هدفها الوحيد من قِبَلِ الله عزَّ وجل أن تدفعك إلى بابه :

 هذه كلها أخطارٌ واقعة ، أخطارٌ موجودة ، سبيل النجاة منها لا أن تعتمد على مالك تقول : الدراهم مراهم ، أن تعتمد على الله ، أن تستعيذ بالله ، والعبرة أيها الأخوة أن هذه الأشياء المُقلقة والمخيفة موجودةٌ لحكمةٍ بالغة بالغةٍ ، موجودةٌ لحكمةٍ أن تدفعك إلى الله ، أن تدفعك إلى باب الله ، أن تدفعك إلى العبودية لله ، هذه مهمتك .
 ذكرت مرةً أن أماً تمسك بيد ابنها ، هذا الابن الصغير كل سعادته أن يكون مع أمه، وكل شبعِهِ أن يكون مع أمه ، وكل أناقته وحسن هندامه مع أمه ، وكل رغائبه تتحقق مع أمه ، وكل أمنه وسلامته أن يكون مع أمه، وكل نظافته والعناية به أن يكون مع أمه ، فإذا ترك يدها نبح عليه الكلب ، نباح الكلب أي عُد إلى أمك ، أمسك بيدها ، استعذ بها ، احتم بحماها ، هذا تفسيرٌ مبسطٌ لكل المصائب في الدنيا .

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 وهذه الاستعاذةُ ، وهذه المشكلاتُ ، وهذه القضايا المقلقة هدفها الوحيد من قِبَلِ الله عزَّ وجل أن تدفعك إلى بابه ، كي تلوذ به ، فتسعد بالقرب منه ، خلق الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره .
 أيها الأخوة الكرام ... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكَيِّسُ من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تجنب اتباع عادات الغرب :

 أيها الأخوة الكرام ... ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ))

[ البخاري عن أبي سعيد ]

 وهذا الحديث أيها الأخوة من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء الغربيون عاداتهم ، وتقاليدهم ، وأخلاقهم ، وانحلالهم ، وتفلُّت أسرهم ، وانحلال تربية أولادهم ، هذا النَمَط السلوكي صار قدوةٌ للشعوب كلها ، لذلك شُرَّاحِ الحديث قالوا : " لتتبعن سنن أي سُبَلَ ومناهج وعادات الأمم الذي سبقوكم ، شبراً بشبرٍ كناية عن شدة الموافقة لهم في عاداتهم ، على الرغم ما فيها من سوءٍ وشر ومعصيةٍ لله عزَّ وجل ومخالفةٍ لشرعه " ، ولا أدَلّ على ذلك من الأزياء التي يلبسها النساء المسلمات ، لو كانت فاضحة ، لو كانت متبذلة ، المرأة حرصها على متابعة صرعات الغرب أقوى من حرصها على دينها هذا معنى الحديث الشريف ، إذاً على الرغم مما فيها من سوءٍ وشر ومعصيةٍ لله تعالى ومخالفةٍ لشرعه .
 جحر الضب ثقبه وحفرته التي يعيش فيها ، والضب دويبيةٌ تشبه الجرذون ، والتشبيه بجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته ، ونتن ريحه وخبثه ، وما أروع هذا التشبيه الذي صَدَّقَ معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 أيها الأخوة الكرام ... نشاهد نحن اليوم تقليد أجيال الأمة لأمم الكفر في الأرض ، فيما هي عليه من أخلاقٍ ذميمة ، وعاداتٍ فاسدة تفوح منها رائحة النَتَن ، تمرَّغ فيها أنف الإنسانية في مستنقعٍ من وحل الرذيلة والإثم ، وتنذر بشرٍ مستطير .
 أيها الأخوة الكرام ... سقت هذا الحديث وشرحه تمهيداً لخبرٍ نشر في إحدى الصحف اليومية في دمشق ، أنه بات بإمكان حيوانات بلدٍ عربيٍ فقير التنعم بفندق خمس نجوم، وبمستشفى حديث التجهيز للاعتناء بصحة الكلاب ، كما بات بإمكان أصحاب هذه الكلاب التجوُّل في سوبر ماركت لشراء كل ما يمكن أن تحتاجه الحيوانات هذه صديقة الإنسان .. والبلد فقير.. ويقع هذا المركز في حي المهندسين الراقي ، وهو يضم مستشفى ومختبراً ، إضافةً إلى سوبر ماركت يضم أربعمئة صنف من البضائع ، بينها معجون أسنان للكلاب وألعاب وشامبو وأطعمة خاصة لا تسبب سِمْنَةً للكلاب ، وفيها حديقةٌ ، وفيها وحدات سكنية ، يمضي فيها الكلب وقتاً ممتعاً بانتظار عودة مالكه المسافر في أغلب الأحيان.
 وهناك تفاصيل كثيرة جداً عن هذا المركز ، فندق ، ومطعم ، وحدائق ، ومنتجع ، وعناية فائقة طبية وما إلى ذلك ، وهناك أناسٌ يموتون من الجوع ، وأُناسٌ يحتاجون إلى عملٍ جراحي ولا يجدون ثمناً له ، هذا هو اتباع الغربيين ، شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ وباعاً بباع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه .
أيها الأخوة الكرام ... علينا باتباع السنة ، وعلينا بتطبيق منهج الله عزَّ وجل ، فهو الذي يعصمنا من الزلل ، وهو الذي يحقق هدفنا من الحياة ، وهو الذي يسعدنا في الدنيا والآخرة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018