الخطبة : 0684 - الإنفاق - من هم الذين يستحقون أن تنفق عليهم ؟. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0684 - الإنفاق - من هم الذين يستحقون أن تنفق عليهم ؟.


1999-01-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

المال ليس نعمة أو نقمة إنما هو ابتلاء :

 أيها الأخوة الكرام : مما أُثِر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان جواداً، وكان أجود ما يكون في رمضان، فهو كالريح المرسلة، وانطلاقاً من هذه الصفة العالية في رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت محور هذه الخطبة الإنفاق.
 أيها الأخوة الكرام: المال الذي تملكه هو في الحقيقة مال الله، ويدك عليه يد الأمانة، والله عز وجل جعلك مستخلفاً فيه لينظر ماذا تعمل، كيف تنفقه؟
 بادئ ذي بدء: المال الذي بين يدي الإنسان ليس نعمة وليس نقمة، بل هو ابتلاء، فإذا أنفق في طاعة الله، وفي وجوه الخير انقلب إلى نعمة، أما إذا أنفق في المعاصي والآثام فينقلب إلى نقمة، والنبي عليه الصلاة والسلام عدَّ الغِنى الذي يحمل الإنسان على المعصية أحد مصائب الدنيا، الغنى المطغي، فالمال هو مال الله، وأنت مستخلف فيه، ويدك عليه يد الأمانة، وليس نعمة أو نقمة ولكنه ابتلاء، فإذا أُنْفِقَ في طاعةِ الله، وفي وجوه الخير، وفي دعم الحق انقلب إلى نعمة وأي نعمة، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

[سورة الحديد: 7]

 الله عز وجل سمى الزكاة صدقة في هذه الآية قال تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 103]

 في هذه الآية سميت الزكاة صدقة لأنها تؤكد صدق المؤمن.

 

التناقض بين الطبع و التكليف ثمن الجنة :

 إذاً الإنسان مفطور على حب المال فإذا أنفقه خالف طبعه، وإذا خالف طبعه ارتقى عند الله عز وجل، ولا بد من التناقض بين الطبع وبين التكليف، ولا بد من التوافق بين التكليف وبين الفطرة، التكليف متوافق مع الفطرة يكسبها راحة ما بعدها راحة، متناقض مع الطبع، هو في الحقيقة ثمن الجنة، لأن التكليف متناقض مع الطبع، حينما تخالف طبعك وتنفق المال فهو ثمن الجنة الأول.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات : 40-41]

 أيها الأخوة الأكارم : الإسلام يرفض أشد الرفض النظرة الجبرية للفقر.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس: 47]

 لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله الأغنياء أغنياء، والفقراء فقراء، ليمتحن الأغنياء بالإنفاق، ويمتحن الفقراء بالصبر، وأنت مكلف أن تنفق من مالك على الفقير.

الإنفاق :

 يا أيها الأخوة الكرام : قد يتوهم أحدكم أن الرزق هو المال، الرزق مطلق، أي شيء حباك الله به، أي شيء أكرمك الله به، أي شيء متعك الله به، أي شيء خصك الله به، أي حظ من حظوظ الدنيا منحته يجب أن تنفق منه، فالإنفاق يشمل كل أنواع الرزق، العلم يُنْفَق، والجاه يُنْفَق، والخبرة تُنْفَق، والوقت يُنْفَق، والمال يُنْفَق، ولأن المال أوضح أنواع الرزق كلما ذكر الإنفاق توجه الإنسان في الإنفاق إلى إنفاق المال، ولكن هناك من يُنْفِق علمه، وهناك من يُنْفِق جاهه، وهناك من يُنْفِقُ خبرته، وهناك من يُنْفِق وقته، وهناك من يُنْفِق جهده العضلي، وكل هذا عند الله إنفاق.

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[سورة البقرة: 3]

 وأنت حينما تُنْفِق الله جل جلاله يؤتيك أضعافاً مضاعفة، هو غني عن مالك لكن أراد أن يكسبك هذا الفضل، ولو شاء الله أغنى كل الفقراء.

﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[سورة محمد: 4]

 ليمتحنك لعلك ترقى عنده بالإنفاق، وليمتحن الفقير لعله يرقى عنده بالصبر، وكل حظ من حظوظ الدنيا إذا مُنِحْتُه فهو امتحان، وإذا حُرِمْتُه فهو امتحان، أنت مُمْتَحَنٌ فيما آتاك الله، ومُمْتَحَنٌ فيما حرمك الله عز وجل.

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 261]

من ينفق عليه ألا ينتظر الجزاء في الدنيا و إنما ينفق ابتغاء وجه الله :

 أيها الأخوة الكرام : الله جل جلاله إذا أعطى أدهش، سيدنا عبد الرحمن بن عوف كان يقول: ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء.
 أيها الأخوة الكرام: ولكن المؤمن لا ينبغي له حين ينفق أن ينتظر الجزاء في الدنيا، ينبغي أن ينفق ابتغاء وجه الله عز وجل، ولكن الله عز وجل لحكمة بالغة إما أن يعجل له العطاء في الدنيا، وإما أن يدَّخره له في الآخرة، عليك أن تنفق والله يفعل ما يشاء.
 نقطة دقيقة جداً: الإنسان حينما يقدم هدية يضع اسمه على الهدية ليعلم الذي أهدى إليه الهدية أنها من طرفه، يبدو أن كل إنسان حريصٌ حرصاً بالغاً على أن يعلم الذي أعطاه من الذي لم يعطه؟ وهذا سلوك يفعله الناس جميعاً، ولاسيما في تقديم الهدايا، فالإنسان حينما ينفق، الله جل جلاله في آياتٍ ثلاثة طمأنه قال تعالى:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾

[سورة البقرة: 270]

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة:215]

 حتى لو أنفقت ليرةً واحدة، حتى لو أطعمت لقمة واحدة، حتى لو أطعمت نصف تمرةٍ واحدة.

﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة التوبة : 121]

 المؤمن يطمئن أن نفقته وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، إن الله يعلم، وحينما تعلم أن الله يعلم تطمئن.

 

من يعامل الله في إنفاقه فالله عز وجل أكرم منه :

 أيها الأخوة الكرام : شيء آخر في موضوع الإنفاق، يقول الله عز وجل :

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 272]

 أخٌ كريم من رواد هذا المسجد أقسم لي في صحن هذا المسجد أن له قريباً توفي، فزار أولاده وهو يُغَسَّل، سألهم كم عليه من دين؟ قالوا له: عليه دين ولم يحددوا الرقم، فقال : دينه عليّ، قال: بعد يومين سألتهم عن مبلغ الدين فقالوا : مئة وثلاثون ألفاً. فقال لي: أنا في ذهني عشرة آلاف أو عشرون ألفاً دفعتها وأنا راضٍ، أقسم بالله عز وجل أنه ما مضى يوم أو أكثر حتى عوضه الله المبلغ نفسه من طريقٍ خصه الله بها. يقول تعالى :

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 272]

 يوفَّ أضعافاً مضاعفة، ليس معنى هذا أنك ينبغي أن تنفق وتنتظر متى يأتي التعويض، ليس هذا من أخلاق المؤمن ولكن حينما تعامل الكريم فهو أكرم منك.

 

المال الذي ينفقه الإنسان هو الذي يبقى له في الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

[سورة سبأ: 39]

 إذاً طمأنك أنه يعلم، وأنه سيعوض عليك الذي أنفقته أضعافاً مضاعفة.

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 261]

 ولكن هناك آية دقيقة في معناها لها معنيان متعاكسان، قال تعالى :

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 195]

 أنت إن لم تنفق أهلكت نفسك، والمعنى الآخر: أنفقوا في سبيل الله ولا تنفقوا كل أموالكم، فلعل إيمانكم لا يصمد أمام الشعور بالفقر الشديد عقب الإنفاق الجزيل، فالصّدّيق وحده أنفق كل ماله، وما قَبِلَ النبي الكريم من غيره أن ينفق ماله كله في سبيل الله، ماذا أبقيت لنفسك يا أبا بكر؟ قال : الله ورسوله، فأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن لم تنفقوا، أو إن أنفقتم كل ما عندكم.
 أيها الأخوة الكرام : يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الحديد : 10 ]

 هذا المال الذي لم تنفقه لا يبقى لك، لا بد من أن تغادر الدنيا ولا تأخذ شيئاً معك، فإما أن تنفق، وإما أن تخسر، المال الذي تنفقه هو الذي بقي لك في الآخرة. " يا رسول الله لم يبق إلا كتفها، كان عليه الصلاة والسلام يوزع شاة فلم يبق إلا كتفها، قالت : لم يبق إلا كتفها‍! أي أبقه لنا لنأكله، فقال عليه الصلاة والسلام : بل بقيت كلها إلا كتفها "
 فالذي أنفقته هو الباقي.

(( عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ : يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))

[ مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ]

 وما سوى ذلك ليس لك.

 

الفرق بين الكسب و الرزق :

 فرق كبير بين من الكسب وبين الرزق، المال الذي تنتفع به هو الرزق، والذي لا تنتفع به هو الكسب، وأنت محاسب عن كِلا المالين، محاسب عن مال انتفعت به، وعن مال لم تنتفع به.

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الحديد : 10 ]

 حينما تحجم عن إنفاق المال قد يأتي الوارث لينفق المال في المعاصي والآثام، روح الميت ترفرف فوق النعش تقول فيما ورد في الأثر : يا أهلي يا ولدي لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حلّه وغير حلّه فالهناء لكم والتبعة عليّ. فإن لم تنفق هذا المال لن يبقى لك، سوف تتحول عنه إلى قبر مظلم، فمن فقد ماله أمامه سرّه اللحاق به.

 

الإسراع بالأعمال الصالحة :

 يا أيها الأخوة الكرام : ورد في بعض الحكم أن هلك المسّوفون، إن أردت أن تنفق فأنفق فوراً، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 254]

 بادروا للأعمال الصالحة، ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 بادروا بالأعمال الصالحة، العمر قصير، ولا يدري أحد متى يموت، فقد يعاجله الموت قبل أن ينفق، وبالمناسبة درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك، والله أيها الأخوة : أخوة كثر أوصوا ببعض الأموال في سبيل الله للفقراء والمساكين وطلبة العلم وللمساجد وما إلى ذلك، وعندي والله عدة وصايا لم تنفذ واحدة، الأولاد والأهل يبخلون على أبيهم بمبلغ يسير تركه لينفق في سبيل الله من بعده، درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك.

﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة المنافقون: 10-11]

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة التغابن : 16]

الإنفاق الاستهلاكي :

 أما الإنفاق الاستهلاكي فمن صفات المؤمن قال تعالى :

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 29]

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

[ سورة الفرقان : 67]

 والذي يقّتر على أهله ليس منا، من وسّع الله عليه ثم قتّر على عياله ليس منا، قال تعالى :

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾

[ سورة الطلاق: 7]

 الأهل الذين يحملون رب البيت على أن يأتيهم بكل شيء وهو لا يملك يخالفون منهج الله عز وجل، ورب البيت ليس مكلفاً أن يأكل المال الحرام ليرضي أهله وأولاده، مكلف أن يطعمهم مما يأكل، وأن يلبسهم مما يلبس، ليس مكلفاً أن يكسب المال الحرام ليرضي أهله وأولاده.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن: 14]

 قال بعض العلماء : هي عداوة مآل، أي يوم القيامة حينما يرى أنه كسب المال الحرام إرضاءً لزوجته تنقلب زوجته إلى عدوة لدودة لأنها سبب دخوله النار.
 يا أيها الأخوة الكرام: كانت الصحابية الجليلة تخاطب زوجها قبل أن يخرج من البيت تقول له :

(( اتَّق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ))

[الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، هكذا هي المرأة الصالحة، أعظم النساء بركة أقلهن مؤنة، وأقلهن مهراً، لا تحمِّل زوجها ما لا يطيق.

المؤمن الكامل إذا فاته فعل الخير حزن عليه :

 أيها الأخوة الكرام : من صفات المؤمنين الصادقين أنهم يتألمون أشدّ الألم حينما لا يجدون ما ينفقون، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت : لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، كيف أصبحت يا زيد ؟ قال : إن فعلت الخير سرني ذلك، وإن فاتني حزنت عليه، المؤمن الكامل إذا فاته فعل الخير حزن على ذلك، إن لم يستطع أن ينفق يتألم أشدّ الألم، بل إن الله جل جلاله من خلال فريضة زكاة الفطر أراد أن يذيق كل إنسان طعم الإنفاق ولو كان فقيراً، على المسلم في العام كله أن ينفق صدقة الفطر ليذوق طعم الإنفاق.

 

الإنفاق عند الله عز وجل لا يقبل إلا إذا كان مما تحب :

 أيها الأخوة الأكارم : الإنفاق عند الله عز وجل لا يقبل إلا إذا كان الشيء تحبه أنت، قال تعالى :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 92]

 الشيء الذي تحبه، الطعام الذي تحبه، الشيء الذي ترغب فيه، أنفق هذا لترقى عند الله عز وجل.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

[ سورة البقرة: 267]

 غني عن عطائكم، قدم لله شيئاً ترقَ عنده.

العمل لا يقبل إلا بشرطين؛ الإخلاص و الصواب :

 أيها الأخوة الكرام : الفضيل بن عياض يقول : العمل لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنّة، فإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل، وإن كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 265]

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة: 99]

 يتقرب إلى الله بإنفاق المال، يثبت نفسه عند الله بإنفاق المال، إنفاق المال يثبت مكانتك عند الله، ويقربك إلى الله:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة: 274]

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 134]

 المؤمن ينفق سراً وجهراً، ينفق في السراء وفي الضراء، ينفق ليتقرب إلى الله، ويثبت مركزه عند الله، وليبتغي بهذا وجه الله عز وجل، هذا هو الإخلاص في الإنفاق.
 أما الذي لا يملك ماذا يفعل؟ قالوا : الدال على الخير كفاعله :

﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 91]

 أنت لا تملك، لك شخص يثق بك، وتعرف إنساناً محتاجاً جداً فإذا كنت وسيطاً بين الذي يملك ولا يعلم وبين من تعلم أنه فقير أشدّ الفقر فإذا كنت وسيطاً بينهما ودللت الغني على إعطاء هذا الفقير فلك مثل أجر الغني، لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ :

﴿ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 91]

 فالدال على الخير كفاعله.

ما يبطل الإنفاق و ثوابه :

 يا أيها الأخوة الكرام : ما الذي يبطل الإنفاق وثوابه؟

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 262]

 يجب أن تَفعَل الخير وأن تنسى هذا الخير، أما إذا فُعِل معك الخير يجب ألا تنساه إلى الأبد، المؤمن إذا فعل عملاً طيباً ينساه من تَوِّه، وإن فُعِل معه عمل طيب لا ينساه أبداً، والعكس غير صحيح، أما أن تنفق النفقة فتخدش سمع الذي أعطيته المال بفضلك ومنّتك وعطائك، وهناك كلمات كثيرة جداً لا تليق يقولها بعض الأغنياء حينما ينفقون أموالهم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[ سورة البقرة: 264]

 هذا شأن المؤمنين فما هو شأن الكافرين ؟ أيها الأخوة الكرام :

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[سورة التوبة: 34]

 الكفار لا ينفقون، يستهلكون المال على شهواتهم وأنفسهم، أما إذا أنفقوا فهذا إنفاقهم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 36]

 وهذه الآية أيها الأخوة ترونها رأي العين:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 36]

 وإذا أنفق في وجوه الخير المصطنعة قال :

﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً ﴾

[سورة البقرة: 38]

 أما حينما ينفقون على الحضارة والتقدم وبناء الصروح، قال :

﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 117]

 إن أنفقوا في وجوه الخير يراؤون، ينفقون لإطفاء نور الله عز وجل، ومحاربة أهل الحق، فإذا أنفقوا أنفقوا للدنيا، والدنيا تنتهي بما فيها :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 53]

 والكافر فوق ذلك لا يكتفي أنه لا ينفق بل ينهى عن الإنفاق:

﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴾

[سورة المنافقون: 7]

 يا أيها الأخوة الكرام : آيات الإنفاق كثيرة جداً تزيد عن مئتي آية، هذه بعض الآيات مصنفة ومرتبة بحسب موضوعاتها، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المنفقين، وإنكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم فسَعوهم بأخلاقكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من هم الذين يستحقون أن تنفق عليهم ؟

 سؤال أيها الأخوة : يتبادر إلى الذهن: من هم الذين يستحقون أن تنفق عليهم ؟ أيها الأخوة الكرام : يقول الله عز وجل :

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 273]

 هذا الذي لا يسألك، ولا يقتحم عليك، ولا يتضعضع أمامك، ولا يستكين، ولا يتزلل، ولا يبذل ماء وجهه، ولا يقدم لك الوثائق تلو الوثائق، وثيقة مجلّدة بالنايلون لأنه يستخدمها كثيراً مئات المرات، وهذا الذي إذا رأيته تحسبه غنياً.

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة: 273]

 إذا كان هذا الذي يستحق لا يبدو عليه أنه فقير وعزيز النفس لا يسأل ما واجبك أنت الآن بعد هذه الآية؟ أن تبحث أنت عنه، أناس كثيرون لمجرد أن يعطي المال لأي يد يرتاح، لا، هناك جهد كبير في وضع المال في مكانه الصحيح، هناك عقبتان : العقبة الأولى أن تنفق، وتسخو نفسك بالإنفاق، وبعد هذا هناك مشكلة ثانية لمن تعطي؟ لمن تحسبه غنياً، للمؤمن عزيز النفس الذي لا يسأل، لذلك قال بعض العلماء :

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات: 19]

 من هو المحروم؟ هو الذي لا يسأل فيحرم، نفسه عزيزة، وشخصيته قوية، نفسه ليست هيّنة عليه، ماء وجهه ثمين، هذا الذي لا يسألك، ولا يقتحم عليك، ولا يقدم لك الأدلة الكثيرة المزورة هذا الذي تحسبه غنياً، هذا المؤمن العزيز الذي يبدو أنيقاً وله بيت، هل كل إنسان يستحق المال ينبغي أن يكون جالساً في الطريق؟ لا، له بيت لكن دخله أقل من حاجاته الأساسية، أناس كثيرون جداً لهم دخل يكفيهم لكن أي نفقة استثنائية تعجزهم، عملية جراحية فجائية لا يملك ثمنها، فإذا اقترض ثمنها كيف يسدُّ هذا القرض؟ من مصروفه اليومي، فأتمنى عليكم إذا أنفقتم أن تبحثوا وتدققوا، ابحثوا عن الذين لا يسألون، عمن يبدو لكم غنياً، هذا الذي يستحق، إذاً من خلال هذه الآية أنت مكلف أن تستقصي وتسأل كلما التقيت بأخٍ كريم، اسأل عن أحواله، عن وضعه، عن ديونه، اسأله واستحلفه بالله، كن أنت المبادر لأن الله يقول : الذي يستحق العطاء ليس الذي يسألك، بل الذي لا يسألك.
 أيها الأخوة الكرام :

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة: 215]

 إن أنفقت على قريب لك فلك أجران،‍‍‌‍‍‍ هذا الإنفاق صدقة وهو صلة في الوقت نفسه، ولا تقبل زكاة المؤمن وفي أقربائه محاويج ، لأن الناس أنت لهم وغيرك لهم، أما القريب الذي لاصق بك فمن له غيرك؟ من يعلم حاله إلا أنت؟ فلذلك ينبغي أن تنفق على من يلوذ بك أولاً، على الأقربين واليتامى والمساكين ولا تجوز الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي.

 

إنفاق المال ضروري لنشر الإسلام وتعريف الناس بحقيقة هذا الدين :

 هناك تعليق دقيق يقول الله عز وجل :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 هنا جاءت آية الإنفاق تابعة لآية الإعداد للجهاد، فلو أن المسلمين أنفقوا أموالهم الطائلة لترجيح قوى الخير على قوى الشر لكانوا في حال آخر، حينما أنفقوا أموالهم على حظوظهم وشهواتهم وانحرافهم حينما فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يأخذ ما في أيديهم، أما لو أنفقوا أموالهم في سبيل نشر الإسلام.. جاء رجل إلى الحج من أميركا ألقى محاضرة قال : نحن أقوى دولة في العالم لو أنكم أقنعتمونا بالإسلام لكانت قوتنا لكم، هذا كلام دقيق جداً فحينما ينشر المال في سبيل نشر الحق وترسيخ القيم ونشر الدعوة هذا المال.

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 272]

 فيجب أن ننفق المال لنشر الإسلام، وتعريف الناس بحقيقة هذا الدين، أما الساحة فارغة لأعدائنا، هم يلقون في روع الأقوياء أن المسلمين إرهابيون متخلفون، فالساحة فارغة لأعداء المسلمين، لو أن المسلمين أنفقوا أموالهم الطائلة سابقاً في سبيل تعريف الأقوياء بالإسلام لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، هنا الحكمة من قوله تعالى :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 في هذا الطريق وهذا الحقل بحقل الإعداد للأعداء يوفّى إليكم وأنتم لا تظلمون.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم يا أكرم الأكرمين، أعطنا سؤلنا إنا نسألك مما سألك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم بفضلك ورحمتك اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعِز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين، عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018