الخطبة : 0672 - سورة الكهف6 - قصة يأجوج ومأجوج - الإتقان - الساعة البيولوجية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0672 - سورة الكهف6 - قصة يأجوج ومأجوج - الإتقان - الساعة البيولوجية.


1998-09-04

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الأخير من دروس سورة الكهف، مع يأجوج ومأجوج. أيها الأخوة الكرام، مرةً ثانية النبي عليه الصلاة والسلام ندبنا أن نقرأ سورة الكهف كل يوم جمعة، لأن فيها من الحقائق، ومن الدروس والعبر، ما تغطي المشكلات التي قد تنشأ في الأسبوع، ذكرت لكم من قبل أن الدرس الأول:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 216]

 هذا الدرس مستفاد من قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، والدرس الثاني موجه إلى الأغنياء، حينما يرى الغني أن هذا المال إنما حصَّله بجهده فقد أشرك، أما إذا رآه مال الله في يده يتواضع، وينفقه، ويرقى به إلى أعلى عليين، والدرس الرابع كان موجهاً إلى الأقوياء، هؤلاء الذين مكنهم الله في الأرض، ما مكنهم إلا لهدف عظيم، إلا ليقيموا العدل، إلا ليأخذوا على أيدي المفسدين، هذا درس رابع للأقوياء في الأرض، والدرس اليوم فرع من الدرس السابق، حتى ذو القرنين لا يعنينا من هو، يعنينا ماذا فعل، يعنينا من ذي القرنين النموذج البشري المستمر ماذا ينبغي أن يفعل القوي:

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾

[سورة الكهف: 93]

 وجد قوماً ضعافاً، لا يستطيعون حيلة، لا يستطيعون حماية أنفسهم، لا يملكون من العلم ولا من أسباب القوة ما يمكنهم من حماية أنفسهم. إن مهمة الممكن في الأرض أن يقف إلى جانب الضعيف، لا أن يقف بجانب الضعيف لينصره كل مرة، دققوا ؛ ليعطيه أسباب القوة، لينتصر دائماً.. مهمة الممكن في الأرض أن يقف إلى جانب الفقير لا ليطعمه كل مرة، بل ليمكنه من أسباب الرزق. يكاد يكون المغزى الدقيق ما قاله بعضهم: لا تطعمني سمكةً، ولكن علمني كيف أصطاد السمك... إنك إن أطعمتني سمكةً أكلتها وبقيت جائعاً، أما إن علمتني كيف أصطاد السمك فمكنتني من أسباب الرزق.

 

من يسعى إلى إفساد البشر و أخلاقهم مثله كمثل يأجوج ومأجوج :

 هؤلاء قالوا: يا ذا القرنين، هؤلاء القوم الضعاف الفقراء وجدوا في ذي القرنين القوة، وجدوا فيه العلم، وجدوا فيه العدل، فاستنجدوا به ليحميهم من قوم ظالمين فاسدين في الأرض، قالوا:

﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾

[سورة الكهف: 94]

 ما أكثر الأقوام التي تفسد في الأرض.. أعداؤنا الألداء، مهمتهم الأولى الإفساد في الأرض، إفساد العلاقات، إفساد المثل، إفساد القيم، إفساد الحياة، إفساد الاقتصاد:

﴿ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾

[سورة الكهف: 94]

 أي قوم يسعون إلى إفساد البشر، إلى إفساد أخلاقهم، إلى إفساد علاقاتهم، إلى إفساد قيمهم، هم يأجوج ومأجوج، نموذج متكرر.. إن أقوام يأجوج ومأجوج كثيرون في الأرض، هذا الذي يسعى لأن يبني مجده على أنقاض الآخرين، يسعى لأن يبني غناه على إفقار الآخرين، يسعى لأن يبني قوته على إضعاف الآخرين، هذا مثله كمثل يأجوج ومأجوج..

﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾

[سورة الكهف: 94]

 خرجاً: مالاً نعطيك إياه، جزيةً، ضريبةً. يبدو أن هؤلاء القوم المفسدين يغيرون على هؤلاء الضعاف من بين جبلين، من ممر بين جبلين، يغيرون عليهم، يأكلون أموالهم، يستحيون نساءهم: قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا كان هؤلاء المفسدون يأتون من ممر بين جبلين.. بماذا أجابهم ذو القرنين؟

﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾

[سورة الكهف: 95]

 أي ربي عز وجل مكنني في الأرض من أجل أن أفعل الخير، وجزائي عنده على فعل الخير خير من كل أموالكم.

 

من عرف الله و الدار الآخرة تتبدل مقاييسه و موازينه :

 والآن دققوا ؛ الإنسان إذا مُكّن من فعل الخير، وأراد أن يأخذ على عمله أجراً مادياً يكون أخسر الخاسرين، يكون أتعس خلق الله أجمعين، إذا مكنك الله من عمل تبتغي به رضوان الله، لا تحبط هذا العمل بأخذ مبلغ من المال تصرفه في أيام، وليس لك عند الله شيء، إن فعلت عملاً اجعله خالصاً لوجه الله، إن فعلت عملاً لا تبتغ أجراً إلا عند الله، المؤمن حينما عرف الله، وحينما عرف الآخرة تبدلت مقاييسه، أصبحت مقاييسه عجيبة، يسعده الإنفاق لا يسعده الأخذ، يسعده خدمة الآخرين لا أن يستهلك جهودهم، الإنسان إذا كان ميزانه دنيوي يحرص على أن يأخذ لا أن يعطي، يحرص على أن يتلقى خدمات الآخرين، لا على أن يقدم الخدمات للآخرين، حينما تؤمن بالله الإيمان الحق، وحينما تؤمن بالآخرة الإيمان الحق، تنعكس الموازين، لك ميزان آخر، يسعدك أن تعطي لا أن تأخذ، يسعدك أن تبذل جهداً كبيراً لإسعاد الخلق، ترجو به رحمة الله، ولا يسعدك أن تنال على هذا العمل أجراً كبيراً. الإنسان أحياناً مكّن من اختصاص نادر، مكّن من اختصاص طبي فحينما يقسو قلبه عن خدمة فقير، حينما يقسو قلبه عن خدمة محتاج لا يتحرك إلا بأجر فوق طاقة الإنسان، ويُتاح له أن يأخذ هذا الأجر، هذا الاختصاص النادر، وهذا التمكين في الأرض، سقط عند الله عز وجل أصبح مادياً.
 والغرب ممَ يعاني؟.. يعاني من النزعة المادية، الأب أحياناً يركل ابنته، إذا بلغت الرابعة عشرة، تنام أينما تشاء، وتأكل مع من تشاء، ليُعفى من الإنفاق عليها، حينما تصبح القيم ماديةً، تصبح الحياة تعيسة. يقول ذو القرنين:

﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾

[سورة الكهف: 95]

 أنا مُكنت لأفعل الخير، وأي إنسان مُكّن في الأرض، كنت غنياً من بين أفراد أسرة فقراء، أسرة كبيرة، أنت الوحيد الغني، أنت ممكّن في الأرض، يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا الغنى الذي مكنك الله به من أجل أن تفعل الخير، ومن أجل أن تستحق الجنة إلى أبد الآبدين، الجنة يستحقها الممكن في الأرض، قد تُمكّن في المال، وقد تُمكّن في العلم، وقد تُمكّن في السلطة، إما أن قرارك نافذ فأنت ممكّن في الأرض، وإما أن لك علماً عميقاً دقيقاً تنفع الناس به، وإما أن لك مالاً وفيراً تحل به مشكلات الناس، ليعلم كل من مكّنه الله في الأرض، بالمال، جعلك صاحب شركة، جعلك صاحب مؤسسة، جعلك تحمل أعلى شهادة في الطب، أنت ممكن في الأرض. أي المتفوقون، الناجحون في الحياة، بكل فروع النجاح، هذا الدرس لهم في الدرجة الأولى:

﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾

[سورة الكهف: 95]

 أي مُكنت في الأرض لأفعل الخير، وأجري عند الله، وأنا غني عن أموالكم، وعن عطاياكم. ذو القرنين يؤكد أن ما أنتظره من جزاء ربه على الخير الذي يقوم به خير من كل مال الأرض.

 

إتقان العمل جزء من الدّين :

 سألهم من أين يأتي هؤلاء المفسدون في الأرض؟ قالوا: من بين الجبلين، فقرر أن يقيم سداً بين الجبلين، الآن الإتقان، سدّ سميك لا يستطيع الأعداء أن يعبروه، وسد عال لا يستطيع الأعداء أن يظهروا عليه، إتقان العمل جزء من الدين، أعداؤنا أتقنوا أعمالهم فاحتلوا الأسواق كلها، نحن حينما لا نتقن لا نستطيع أن نصرف بضاعتنا حتى في الداخل، والآن الحرب القادمة - أيها الأخوة - حرب اقتصادية، لعل الحرب العسكرية قد ولت، بقيت حرب اقتصادية شرسة، لا يصمد في السوق إلا المتقن، إلا المتقن وإلا الذي يعطي السعر الأقل، معنى ذلك أننا بحاجة إلى إدارة قوية جداً، إلى إدارة قوية، وإلى استقامة على أمر الله، وإلى تنفيذ منهج الله عز وجل.
 كان من الممكن أن يبقى معهم، كلما هاجمهم هؤلاء المفسدون صدّ عنهم الهجوم، ليس هذا هو العمل الطيب، يجب أن تعطيهم أسباب القوة، يجب أن تعطيهم سبباً يردون بأنفسهم هجمة الأعداء، لذلك قالوا: لا تطعم الفقير سمكة، علمه كيف يصطاد السمك. روى أبو داود:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ ))

[أبو داود عن أنس بن مالك ]

 والنبي عليه الصلاة والسلام بهذا التصرف أكّد حقيقة أن الذي يعمل إن لم يكن مطمئناً على أهله لا يعمل ولا ينتج في العمل، لابد من أن يطمئن على أهله :

(( وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ ))

[ أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 هكذا فعل النبي، علمه كيف يكسب الرزق، علمه كيف يرفع رأسه، علمه كيف يأخذ المال وهو عزيز النفس، وهذا الذي ينبغي أن نفعله نحن، يجب أن يُحول آخذ الزكاة إلى دافع للزكاة، يجب أن تعطي الفقير عطاءً تغنيه طوال العام، بحيث يأتيك بزكاة ماله آخر العام، لا ينبغي أن تعطيه ما يأكل إلى أبد الآبدين، يجب أن تعطيه ما يغنيه. ذو القرنين أعطى هؤلاء القوم الضعاف أسباب القوة، قال:

﴿ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾

[سورة الكهف: 96]

 القطر: النحاس المذاب.. استعان بهؤلاء الضعفاء، هذا درس آخر، لمَ لم يقل أنتم استريحوا وأنا أنشئ لكم هذا السد؟ ما فعل معهم شيئاً، كل إنسان فيه قوى كامنة، العمل العظيم أن تفجر هذه القوى في النفس، إذا فجرتها رفعت معنويات الإنسان، لا يوجد إنسان ليس له مميزات، التربية السيئة هي التي تقمع وتجمد، وتعطل، والتربية الناجحة هي التي تفجِّر، فذو القرنين عمل على تفجير طاقاتهم، استخدمهم هم في صنع هذا السد.

 

التربية المثلى تكون بتفجير طاقات الإنسان و الاستفادة من هذه الطاقات :

 يقول علماء النفس: في الإنسان طاقات مخبوءة، إما أنها فُجرت وإما أنها لم تُفجر بعد، فالتربية المثلى هي في تفجير الطاقات، أن تكشف هذا الإنسان أين طاقاته؟ ما قدراته؟ عليك أن تفجرها، وأن تستغلها، لا عليك أن تقمعها، لذلك التربية المركزية التي تعيق طاقات الابن هذه تربية مخطئة، أما التربية التي تُفجر طاقات الابن فهي تربية ناجحة، والآباء محتاجون إلى هذا الفهم العميق في إعطاء الثقة لأولادهم، وتفجير طاقات أولادهم ولو أخطؤوا، لابد من الخطأ، أما الأب الذي لا يرضى لابنه أن يخطئ إطلاقاً، كيف يربي ابنه؟ كيف يكسبه الخبرات والمهارات؟ يجب أن تضع في ذهنك أن هذا الابن الشاب يمكن أن يخطئ، تحمل خطأه من أجل أن يكسب الخبرات التي تعينه على مواجهة خطوب الحياة.
 استخدم ذو القرنين طاقات هؤلاء القوم الضعاف، أعطاهم ثقةً بأنفسهم، والإسلام كما تعلمون ينهانا عن الكسل، والأخطر من هذا ينهانا عن أن نعطي أجراً بلا عمل، أي أخطر شيء في الحياة أن تعطي إنساناً مالاً دون أن يعمل، هذا الذي يُعطى المال دون أن يعمل لن يعمل أبداً استمرأ الكسل، شيء مريح، تأخذ المال ولا تفعل شيئاً، وهؤلاء الذين يحتالون، يأخذون من أموال الناس بأساليب متعددة، هؤلاء استمرؤوا الكسل، لا يعجبهم أن يعملوا، وما من رذيلة تصيب الإنسان كالبطالة، وهناك بطالة صارخة ليس له عمل، وهناك بطالة مقنعة، يعمل عملاً شكلياً، يعمل ساعة في اليوم، لا تقدم ولا تؤخر، هذه بطالة، الإنسان حينما يقوم بعمل شكلي، هذا لا يرقى، وجدت في العالم الغربي أنهم انحرفوا عن منهج الله عز وجل، ولكنهم في الأعمال دقيقون جداً أي لا يسمحون لإنسان إلا أن يعطي كل طاقته ليأخذ أجره، هذا يقدم للإنسانية، إنجازاً كبيراً.
 الإنسان متى تقاضى أجراً بلا عمل لا يمكن أن يعمل إطلاقاً، لذلك لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرةٍ قوي، لا يجوز أن تعطي إنساناً شاباً قوياً، أن تعطيه ليأكل، وتقول له: اجلس واسترح في البيت، هذا خطأ فاحش، هذا الخطأ إذا أصاب المجتمع أصبح عاطلاً عن العمل، أو شاعت فيه البطالة المقنعة.
من باب الطرفة، إن لم يوجد من الأعمال في المجتمع ما يشغل كل العاملين فيه ماذا نعمل؟ قال بعضهم: نأمرهم أن يحفروا الأرض ثم يردموها، حتى يتقاضوا أجراً، لابد من أن تقدم عملاً، حتى تأخذ أجراً، إن كنت مريضاً شأن آخر، إذا كان المرء عاجزاً شأن آخر، أما إنسان قوي، شاب قوي، ذو مرةٍ، أو غني فلا يجوز أن يأكل من مال الصدقات. سيدنا عمر، رضي الله عنه، مرَّ على قرية، فإذا الفعاليات الاقتصادية فيها بيد غير المسلمين، فعنفهم تعنيفاً شديداً، فقال لهم بعد أن اعتذروا: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟؟
 أدرك هذا العملاق في الإسلام أن القوي هو المنتج، والضعيف هو المستهلك، والضعيف تحت رحمة المنتج، يتحكم به، يتحكم بطعامه وشرابه ومسكنه ودخله، وهذا الذي يفعله أعداء المسلمين في العالم بحيل شيطانية يخفضون الأسعار، ويرفعونها، وتنهار الاقتصاديات في العالم لأنهم تحكموا بالمال، والبضاعة، وبالأشياء الحساسة في المجتمع..

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 قوة المال، وقوة العلم، وقوة السلطان. أحياناً وهذه نصيحة، أبٌ عصامي يحب أن يقوم بالأعمال كلها بيده والأم كذلك، والأولاد يأكلون ويتفرجون، هؤلاء الأولاد لن يستطيعوا أن يتقنوا عملاً في مستقبل أيامهم، هؤلاء الأولاد رُبوا على تربية اتكالية، هؤلاء لا يتحملون أية مسؤولية، لا يستطيعون إنجاز أي عمل، لأنهم رُبوا على أن يعمل الأب وحده، وأن تعمل الأم وحدها، والأولاد يأكلون ويتفرجون، والأب الذي لا يضع ابنه في معمعة الحياة، ولا يعلمه كيف يكسب المال، يقضي على مستقبله، يجب أن يضع الآباء هذه الحقيقة نصب أعينهم. لابد من أن يتحول الإنسان من الضعف إلى القوة، ومن البطالة إلى العمل، العمل يتيح لك أعمالاً صالحةً كثيرة، إخوة كثيرون يتقون عملاً يقولون: هذا العمل موظف للحق، اطلب منا شيئاً، الذي يتقن له عمل أما الذي لا يتقن شيئاً فماذا يعمل؟ والآخرة بالعمل، وكلما كنت أقوى في علمك، أو في مالك، أو في مكانتك، أتيح لك من الأعمال الصالحة ما لم يُتح للآخرين.

 

المتقن لا يتعطل عمله عند كساد الأسواق و قلة الأعمال :

 ثم قال تعالى:

﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً ﴾

[سورة الكهف:97]

 الدرس الرابع في هذه القصة، الإتقان:" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
 الآن في المستوى المحلي، أصحاب الصنعات، المتقنون لا يتعطلون على الرغم من كساد الأسواق، وقلة الأعمال، أما الذين لا يتقنون فلا يجدون من يطلب منهم عملاً، فالإتقان الإتقان، أعداؤنا أتقنوا، أتقنوا صناعاتهم إتقاناً بالغاً، فاكتسحوا بها الأسواق، والبضاعة تنتقل من سوق إلى سوق، والعالم سيواجه - والعياذ بالله - بعد سنتين أو ثلاث اتفاقية لا يصمد فيها في السوق إلا البضاعة المتقنة الرخيصة، وهذه الاتفاقية لصالحهم، لا لصالح الدول الفقيرة.
 أيها الأخوة الكرام: الإتقان، الإتقان، الإتقان يعطيك على المدى البعيد ربحاً وفيراً، أما عدم الإتقان فقد تتوهم أنه أكثر ربحاً، لكنه في الحقيقة دمار..

﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً ﴾

[سورة الكهف:97]

 أي كان إنشاء هذا السد متقناً بشكل عجيب. هذه القصة تعلمنا الإتقان، وتعلمنا أن نفجر طاقات أبنائنا، وتعلمنا أن نعطي الفقير أسباب الغنى، وأن نعطي الضعيف أسباب القوة، وتعلمنا أن نعلم الإنسان كيف يصطاد سمكة، لا أن نطعمه سمكة، وهذا درس ينبغي أن يبقى في الآباء، وفي كل إنسان مكنه الله في الأرض.

 

مهمات الممكّن في الأرض :

 أما محور الخطبة الأساسي، هو أن الممكن في الأرض ما مكنه الله في الأرض إلا ليفعل الخير، ما مكنه الله في الأرض إلا ليكون مع الضعيف، ما مكنه الله في الأرض إلى ليكون مع الفقير، ما مكنه الله في الأرض إلا ليزيل الفساد في الأرض.. إزالة الفساد، وتمكين الضعيف، وإغناء الفقير، وإزالة المنكر، هي مهمة الممكن في الأرض الذي هو بشكل أو بآخر خليفة الله في الأرض.
 أيها الأخوة الكرام:
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت، قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الساعة البيولوجية :

 أيها الأخوة الكرام: اكتشف أحد العلماء الفرنسيين أن في مقدور النبات حساب الزمن إذ أن أوراق بعض النباتات تؤدي حركات معينة، في وقت محدد من اليوم، إذاً هذا النبات عنده ما يسميه العلماء ساعة بيولوجية، تحسب له الزمن.
 واكتشف العلماء أيضاً أن في الحيوان ما يشبه ما في النبات، فهناك حيوانات تعرف بدقة بالغة مرور الزمن، فتتجه إلى مكان سباتها في الشتاء، لو تأخرت قليلاً لماتت، لو بكرت أو تأخرت لماتت، بحساب دقيق تؤوي بعض الحيوانات إلى أوكارها لترقد طيلة فصل الشتاء ولولا أنها تعرف كيف يمر الزمن لما أمكنها ذلك، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[سورة طه: 49-50]

 لكن الحديث عن الإنسان، وفي الإنسان ساعة بيولوجية مدهشة، أنت بقواك الإدراكية تعرف أن اليوم نهار، والليل ليل، هذا في القوة الإدراكية، أما الأجهزة المعقدة في الجسم والغدد الصماء فكيف تعرف أن هذا الوقت نهار من أجل أن تضع برنامجاً خاصاً للنهار؟ هذا ما يسميه العلماء بالساعة البيولوجية.
 في جسم الإنسان إحساس بالزمن، غير القوة الإدراكية، غير العقل في جسم الإنسان، أي في خلاياه، في أجهزته إحساس بالزمن، لأن خمسين وظيفة حيوية تتعاقب بحسب الليل والنهار. بعض العلماء فسر هذه الظاهرة بالشكل التالي: أن سقوط الضوء فوق الشبكية، ينتقل بوساطة سيالات عصبية عبر أعصاب البصر، إلى الغدة النخامية، وهي ملكة الغدد، والتي تؤمن التكامل والتكيف بين وظائف الأجهزة الداخلية، والنشاط العام للجسم يرتبط بالغدة الدرقية، فالغدة الدرقية التي فيها الاستقلاب تحول الغذاء إلى طاقة، فهذا الغذاء يتحول إلى طاقة عالية في النهار، وطاقة متدنية في الليل، هذه الغدة الدرقية مع الغدة النخامية تتأثر بالزمن، بل هناك ساعة تحسب تعاقب الليل والنهار. أوضح شيء في جسم الإنسان أن كميات الهرمونات في الدم تتبدل من النور إلى الظلام، الهرمونات لها نسب في الليل، ولها نسب في النهار لأن الله جعل النهار معاشاً، وجعل الليل لباساً، هذا التبدل يحدد مستوى حيوية وظائف الجسم التي تزداد نهاراً، وتتدنى ليلاً، فالحرارة مثلاً تصل في الجسم الإنساني إلى أدنى مستوى خلال الليل، وتأخذ بالارتفاع إلى أقصى درجة في الساعة السادسة صباحاً، والنبض يتبدل، نبض القلب يتبدل من الليل إلى النهار، والضغط الشرياني يتبدل من الليل إلى النهار، والضغط التنفسي يتبدل من الليل إلى النهار.
 قال العلماء: مع الاستيقاظ تتراكم في الدم مادة تؤدي إلى تسارع النبض وارتفاع ضغط الدم، وهذا يؤدي إلى نشاط الجسم، لذلك هناك عند معظم الناس ذروتان للعمل، من التاسعة حتى الثانية عشرة ظهراً ومن الرابعة حتى السادسة، في هذه الساعات التي هي ذروة النشاط تزداد قدرة الحواس الخمس، ويُنصح ببذل الجهد في هاتين الذروتين والخلود إلى الراحة في أوقات انخفاض مستوى النشاط البشري، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا.. ))

[ الترمذي عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ ]

 ما تفعله في النهار لن تستطيع أن تفعله في الليل. قال بعض العلماء: هذا الذي يعمل ليلاً ونهاراً بنوبات سريعة هذا تضطرب عنده الساعة البيولوجية في جسمه، والمعدة تكون قدراتها الإفرازية، وقدراتها على هضم الطعام قليلة أثناء الليل.

 اكتشف العلماء مرضاً عند رجال الأعمال، هؤلاء الذين يتنقلون سريعاً من مدينة إلى أخرى، هؤلاء الذين يتنقلون بهذه السرعة تضطرب عندهم الساعة البيولوجية، هذا من أدق صنعة الله عز وجل:

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة النمل: 88]

 عندك ساعة، تبرمج الهرمونات، والنبض، والضغط، والحرارة، والقدرة على الهضم، وهذه الساعة تدرك إذا كنت في النهار أم في الليل دون أن يكون لها علاقة بقوتك الإدراكية، هذا صنع الله الذي أتقن كل شيء..

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الذاريات: 20-21]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرَّ خلقك ونُبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم ما رزقتنا مما نحب، فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب، فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018