الخطبة : 0836 - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم - التعاون من خلال الآية 29 من سورة الفتح . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0836 - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم - التعاون من خلال الآية 29 من سورة الفتح .


2002-05-24

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

رحمة النبي :

 أيها الأخوة الكرام: لازلنا في ذكرى مولد سيد الأنام عليه أتمّ الصلاة و السلام، موضوع الخطبة اليوم:" رحمة النبي".
 لاشك أنكم ترون القسوة و القتل و الاغتيال و القهر و الإفقار، هذا هو الكفر، الكفر جريمة، الكفر ذلّ، لكن الإيمان شيء آخر، النبي عليه الصلاة و السلام في حديث صحيح يُعرف نفسه تعريفاً جامعاً مانعاً يقول:

((عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِيهِمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ))

[الدارمي عن أبي صالح ]

 رحمة الله بالخلق ظهرت رحمة في قلب النبي للخلق، لذلك قال العلماء: أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة و السلام، أرحم بنا من أنفسنا:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة التوبة: 128]

 أيها الأخوة الكرام ، لكن رحمة النبي ليست رحمة الضعفاء البائسين لكنها رحمة الأقوياء الباذلين، النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

(( الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ؛ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ ]

 إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الشيء الذي يتميز به المؤمن تميزاً صارخاً الرحمة في قلبه، الرحمة التي اشتقها من الله من خلال اتصاله به، يؤكد هذا قول الله عز وجل:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 علامة إيمانك أن ترحم الخلق، علامة إسلامك أن تكون وقافاً عند حدود الله، فرق كبير بين المؤمن و غير المؤمن، المؤمن يرحم و الكافر يقتل، يتلذذ إذا رأى مصائب الآخرين، يتلذذ بقتلهم و إفقارهم و إذلالهم بينما المؤمن يتقطع قلبه رحمة بالخلق، لذلك أيها الأخوة إن كان لك اتصال بالله ففي قلبك رحمة، و إن كان هناك انقطاع عن الله فالقلب قاس.

 

رحمته صلّى الله عليه و سلم بالنّفس :

 أيها الأخوة الكرام: من منا يصدق أن الرحمة عند النبي عليه الصلاة و السلام خير من الإفراط في العبادة و أزكى، لقد خرج النبي عليه الصلاة و السلام عام الفتح إلى مكة في رمضان حتى بلغ موضعاً يدعى كراع الغنم فصام و صام الناس، و لما رأى صلى الله عليه و سلم بعض الناس قد شقّ عليهم الصيام بسبب جهد السفر دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس جميعاً إليه ثم شرب، و لما قيل له: إن بعض الناس لا يزال صائماً؟ قال عليه الصلاة و السلام: أولئك العصاة، إذا وضعت في كفة العبادة و في كفة الرحمة رجحت كفة الرحمة على كفة العبادة، ماذا فعل؟ هو صائم لكن حمّل نفسه ما لا تطيق، حمل أعضاءه ما لا تطيق، و قد أباح الله له الإفطار في السفر، فحينما بلغ النبي عليه الصلاة و السلام أن بعض أصحابه بقي صائماً ما زاد عن أن قال عنهم: أولئك العصاة.

 

رحمته بالوالدين :

 أيها الأخوة الكرام ، سمع صوت طفل يبكي و هو يصلي فاقتصر في صلاته على أقل الآيات، فلما سئل قال: سمعت طفلاً يبكي ينادي أمه ببكائه فكرهت أن أشق على أمه، إنما هو رحمة مهداة.
 أيها الأخوة الكرام ، ألا تعلمون أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، و أن أعلى مرتبة في الإسلام أن تقدم نفسك في سبيل الله، رجل يسرع الخطا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليبايع النبي عليه الصلاة و السلام على الهجرة معه و على الجهاد في سبيل الله تحت رايته يقول:

((عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ نَاعِمًا مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ ؟ قَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ ؟ قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا))

[ متفق عليه عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ]

 و أن تحسن صحبة والديك هو عند رسول الله صلى الله عليه و سلم جهاد و هجرة في سبيل الله، و جاءه رجل آخر فاستأذنه في الجهاد فقال:

((عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ ]

 أرأيت إلى رحمة رسول الله للأم و الأب و كيف أنهما في أشد الحاجة إلى ابنهما؟ فهذا الذي يدع أمه و أباه و يسافر و يستوطن في بلاد بعيدة و ينسى حقوق والديه عليه هذا ما عرف من الدين شيئاً، و جاءه رجل آخر قال:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا))

[ النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ ]

 

 أيها الأخوة الكرام ، إن بسمة تعلو شفتي أب حنون و تكسو وجه أم رؤوم لا تقدر عند رسول الله صلى الله عليه و سلم بثمن، حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله، يثبت الدعوة و ينشر الراية في الآفاق، و إذا كانت العبادة تتحول إلى تعذيب حينما تكون على حساب الرحمة فإنها - أي العبادة - تتحول إلى عقوق إذا تمت على حساب الرحمة بالوالدين، هذا عن رحمته بالنفس و عن رحمته بالوالدين فماذا عن رحمته بالأهل و الزوجة ؟

رحمته بالأهل و الزوجة :

 أما رحمته بالأهل فشيء عجيب أيها الأخوة، لقد ربط صلى الله عليه و سلم الخيرية المطلقة برحمة المرء أهله و إحسانه إليهم، فقال عليه الصلاة و السلام:

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِه))

[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

 خيركم: الخيرية المطلقة، أوضح علامة للمؤمن أنه رحيم بأهله، رحيم بزوجته، بأولاده، يعطيهم من رحمته الشيء الكثير، يحرص على سلامتهم، و على سعادتهم، و على إيمانهم :

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِه))

[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

 و قال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً فَقَالَ: أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا))

[ الترمذي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ]

 و قال عليه الصلاة و السلام: " استوصوا بالمرأة و الضعيف خيراً" و في حديث آخر:

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ ))

[ ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أحرج أي أُضيق. و في حديث آخر أيضاً يقول عليه الصلاة و السلام:

(( خيركم خيركم للنساء))

[ صحيح عن ابن عباس]

 و:

(( أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم.....))

[ ابن عساكر عن علي]

 لهذا الحديث روايات متعددة، إحدى رواياته:

((.... وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً، من أن أكون لئيماً غالباً ))

 تتجلى رحمة النبي عليه الصلاة و السلام بالأزواج من خلال هذه القصة القصيرة:

((عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ ))

[منفق عليه عَنْ أَبِي قِلَابَةَ]

 شببة: شباب، بلاد إسلامية لا تقبل موظفاً معاراً من دولة إسلامية إلا من دون زوجة، هؤلاء كانوا عند النبي و أقاموا عنده عشرين ليلة و علم أن لهم زوجات فقال عليه الصلاة و السلام:

((ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ))

[منفق عليه عَنْ أَبِي قِلَابَةَ]

 رحم الزوجات حينما غاب عنهن أزواجهن عشرين يوماً، سيدنا عمر حينما تسلم منصب الخلافة قال: " أيها الناس أربعة أشياء خذوني بهن، لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، و ألا أنفقه إلا بحقه، و لكم عليّ ألا أجمركم في البعوث- أي السفر يجب أن يكون محدوداً رعاية لحق الزوجة - و لكم عليّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، و إذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا".
 أيها الأخوة الكرام :رحمته بالأهل هكذا فكيف رحمته بالزوجات؟ صحابي جليل هو عثمان بن مظعون دخلت زوجته على السيدة عائشة تشكو بثها و حزنها فعثمان زوجها مشغول عنها بالعبادة؛ يقوم الليل و يصوم النهار، فلقي النبي صلى الله عليه و سلم عثمان بن مظعون فقال له: يا عثمان أما لك بي أسوة ؟ قال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله؛ قال عليه الصلاة و السلام تصوم النهار و تقوم الليل؟ قال: نعم إني أفعل هذا، فقال عليه الصلاة و السلام: لا تفعل، إن لجسدك عليك حقاً، و إن لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، و امتثل عثمان نصيحة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و التزم أمره، و قرر أن يؤدي حق أهله، و في صبيحة اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبي صلى الله عليه و سلم عطرة نضرة كأنها عروس و اجتمع حولها النسوة و أخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء و زينة قلن لها: ما هذا يا زوج ابن مظعون؟ قالت و هي تضحك: أصابنا ما أصاب الناس، رحم النفس و رحم الأبوين و رحم الأهل و رحم الزوجات، بل إن النبي عليه الصلاة و السلام وعد المرأة التي تحسن تبعل زوجها بأن لها درجة عند الله تعدل درجة المجاهد في سبيل الله، و الجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام، فعن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها قالت: يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك، إن الرجال فضلوا علينا بالجمع و الجماعات و عيادة المرضى و شهود الجنائز و الحج و العمرة و الرباط، فقال لها عليه الصلاة و السلام: انصرفي أيتها المرأة و أعلمي من ورائك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها و طلبها لمرضاته و اتباعها و موافقتها له تعدل ذلك كله.

 

رحمته بالأولاد :

 أيها الأخوة الكرام: هذا عن رحمته بالنفس و الأهل و الأزواج فماذا عن رحمته بالأولاد؟
 أيها الأخوة الشيء الأول الذي يرتبط بذكرى مولد النبي عليه الصلاة و السلام الشيء الأول أن نتبعه، لا ينفعنا إلا أن نتبعه، ينبغي ألا نكتفي أن نمدحه، إذا مدحناه هو فوق ما نمدحه لكننا دونه كما بين السماء و الأرض هو حيث هو و نحن حيث نحن، أما إذا اتبعناه ارتقينا، كان صلى الله عليه و سلم إذا رأى طفلاً يظهر له البشر و السرور إيناساً له و تطييباً لقلبه، و كان يأخذ أطفال أصحابه بين يديه و يحملهم و يداعبهم، كان إذا مرّ بصبية يقرئهم السلام يقول: السلام عليكم أيها الصبية، و حدث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى صبية يتسابقون فجرى معهم تطييباً لهم، و كان يلقى الصبي و هو يركب ناقته يدعوه إلى ركوب الناقة ليدخل السرور على قلبه، و الذين يفرحون الأطفال لهم قصر في الجنة، هذا الذي يأتي بدمية يفرح بها ابنته له مكان خاص في الجنة تكريماً له:

(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَو َأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟ ))

[منفق عليه عَنْ عائشة َ]

 أي ماذا أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك؟ لقد مات لإحدى بنات النبي صلى الله عليه و سلم طفل صغير فلما رفع إليه فاضت عيناه:

(( عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))

[منفق عليه عَنْ أَبِي عثمان]

 في بيتك ارحم، في عملك ارحم، في الطريق ارحم، ارحم من تعرفه و ارحم من لا تعرفه، ارحم من يلوذ بك و من لا يلوذ بك، بل أن ترحم من يلوذ بك هذا طبع مركب في كل البشر، و يكاد يكون الأجر عليه قليلاً لأنك مدفوع بطبعك، أي أترى أنك إذا استيقظت جائعاً و تناولت طعام الإفطار ألك أجر كبير تعبدي؟ لابد من أن تأكل لأنك جائع، دافع الجوع دفعك لأن تأكل، هذا طبع في الإنسان، و أن يرحم الإنسان أولاده فقط طبع فيه، لذلك لم يرد في القرآن وصية لله في الأولاد و لكن ورد وصية للأولاد بالآباء، لأن رحمة الآباء للأبناء طبع بينما رحمة الأبناء بالآباء تكليف، و الله يأمر أمراً تكليفياً و يدع الأشياء الفطرية دون أن يأمر بها لأن الدافع الذي أودعه الله بالإنسان كاف أن يدفعه إلى فعل ذلك، لذلك متى تعلو قيمة الرحمة؟ إذا رحمت من لا تعرف، إذا رحمت طفلاً في محلك، ترحم ابنك لاشك إنه ابنك لكن ينبغي أن ترحم هذا الطفل الذي في سن ابنك، قد يكون يتيماً ينبغي أن تحرص على مستقبله، ينبغي أن تربيه، ينبغي أن تحرص على أخلاقه، ينبغي أن تحرص على سلامته و على صحته.
 أيها الأخوة الكرام: قال عليه الصلاة و السلام:

((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))

[منفق عليه عَنْ أَبِي عثمان]

 ورد أن النبي عليه الصلاة و السلام يقول: " أول من يمسك بحلق الجنة أنا فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي قلت: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها و ترك لها أولاداً صغاراً فأبت الزواج من أجلهم" إنها رحمت الصغار و آثرت تربية الصغار على حظها من الرجال، هذه المرأة تنازع رسول الله صلى الله عليه و سلم دخول الجنة.

 

رحمته بالخدم :

 أيها الأخوة الكرام: رحمته بالخدم قال:

((عن الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ))

[منفق عليه عن الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ]

 أخوه، لا تحقرن أحداً، الله عز وجل قادر أن يجعلك في خدمة الناس، إذا سمح لإنسان أن يخدم إنساناً ينبغي أن يشعر المخدوم أن هذا الذي يخدمه أخوه في الإنسانية.
 أي إنسان حولك في عملك، موظف عندك ينبغي أن ترحمه كما ترحم ابنك:

((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ))

[ مسلم عن أبي مسعود الأنصاريٍ]

 و كأن النبي عليه الصلاة و السلام بهذا ينهاه عن ضربه يقول عليه الصلاة و السلام:

(( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))

[أحمد عن عبادة بن الصامت ]

(( إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ))

[البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ]

رحمته بالجيران :

 أما عن رحمته بالجيران: مشكلات لا تعد و لا تحصى في عالم المسلمين بين الجيران، كل جار يتفنن في إيذاء جاره، يتفنن في إلقاء الأقذار عليه، يتفنن في تجاهل راحته، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ))

[البخاري عن ابن عمر]

 و عند الفقهاء أربعون بيتاً شرقاً كلهم جيرانك، و أربعون بيتاً غرباً كلهم جيرانك، و أربعون بيتاً شمالاً كلهم جيرانك، و أربعون بيتاً جنوباً كلهم جيرانك، و أربعون بيتاً فوقك كلهم جيرانك، و قد لا يعرف الجار أحياناً اسم جاره من القطيعة:

(( وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: الْجَارُ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا بَوَائِقُهُ ؟ قَالَ شَرُّهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 يخاف من جاره، يخاف من جاره أن يشتكي عليه، قد يشتكي الجار على جاره لا لضر أصابه أبداً و لكن ليغيظ جاره، آلاف الشكاوى تأتي من الجيران من دون أن يتضرروا، لو تضرروا موضوع آخر، أتدرون ما حق الجار؟ إن استعان بك أعنته، و إن استنصرك نصرته، و إن استقرضك أقرضته، و إن مرض عدته، و إن أصابه خير هنأته، و إن أصابته مصيبة عزيته، و إن مات شيعته، و لا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، و إذا اشتريت فاكهة فأهدِ له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً، و لا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، و لا تؤذه بقتار قدرك - أي برائحة طعامك - إلا أن تغرف له منها .

 

رحمته بالناس عامة :

 هذا عن رحمة النبي بالجيران فماذا عن رحمة النبي بالناس عامة؟ أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سألت النبي عليه الصلاة و السلام يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: إيمان بالله، قال: أمع الإيمان عمل؟ قال: أن تعطي مما رزقك الله، قال: يا نبي الله فإن كان فقيراً لا يجد ما يعطي؟ قال عليه الصلاة و السلام: يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، قال: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف و لا أن ينهى عن المنكر؟ قال فليعن الأخرق - أي ضعيف الرأي - قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: فليعن مظلوماً، قلت: فإن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوماً، فتعجب النبي عليه الصلاة و السلام و قال: أما تريد أن تدع لصاحبك من خير ليمسك أذاه عن الناس، قال: قلت: يا رسول الله أو إن فعل هذا دخل الجنة؟ فقال عليه الصلاة و السلام: " ما من عبد يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة".
 أن تأمر بالمعروف، و أن تنهى عن المنكر، و أن تعين الأخرق، و أن تعين مظلوماً، أو أن تمسك أذاك عن الناس هذه رحمته بالناس.

رحمته بالحيوان :

 أيها الأخوة الكرام: في الحديث الصحيح الذي يبين رحمة النبي بالحيوان:

(( عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر ]

 أتصدقون أن يستحق إنسان دخول النار إذا عذب هرة؟ حبسها ما أطعمها و ما سقاها، دخل النبي بستاناً لأنصاري رأى فيه جملاً، فلما رأى الجمل النبي أنّ إليه، ذرفت عيناه فجاءه النبي و مسح ذفريه و قال:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ، قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ؟ أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]

 ينبغي أن ترحم الحيوان، أحياناً في سوق الدجاج تذبح الدجاجة و توضع فوراً في ماء يغلي كي ينتف ريشها بسهولة و لا تزال حية، هذا الذي يعذب الحيوان يعذبه الله يوم القيامة.

 

رحمته بأمته :

 أيها الأخوة الكرام: رحم أمته فحينما سمع لغطاً في المدينة، مشادة بين الأوس و الخزرج قال: " يا معشر المسلمين الله الله! أبدعوى الجاهلية و أنا بين أظهركم؟ أبعد أن هداكم الله إلى الإسلام و أكرمكم و قطع به عنكم دعوى الجاهلية و استنقذكم به من الكفر و ألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً".
 أيها الأخوة الكرام: الفرقة عذاب، الفرقة ضعف، أي إنسان يسهم في الفرقة بين المسلمين، يشق وحدتهم، يجعلهم شيعاً و أحزاباً، يضعف قيمتهم، هذا ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة و السلام:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة آل عمران: 101]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 102-103]

 أيها الأخوة الكرام ، هذا الذي يشق صفوف المسلمين، يقيم شرخاً بينهم، يجعلهم شيعاً و أحزاباً، يغري بعضهم ببعض، هذا من أعداء المسلمين و إن بدا أنه منهم، لذلك نخشى على الإسلام لا من أعدائه بل من أدعيائه.
 أيها الأخوة الكرام ، يقول عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتْ النَّاسَ فَقَالَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))

[ متفق عليه عن جرير]

 لأن الله عز وجل يقول:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة التوبة : 128-129]

من لا يَرحم لا يُرحم :

 أيها الأخوة الكرام ، ملخص هذه الخطبة النبي عليه الصلاة و السلام نبي الرحمة و من لا يَرحم لا يُرحم، و إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، و الفرق الصارخ بين المؤمن و غير المؤمن رحمته بالخلق، و نحن نتكلم عن رحمة النبي، و نرى كل يوم و نسمع ما يجري في العالم من قهر، و من قتل، و من اغتيال، و من ظلم، و من إفقار، و من تجهيل، و من تجويع، هذا هو الكفر:

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

[ سورة البقرة: 256]

 لقد أعانونا أن نكفر بهم، هؤلاء الذين يتبجحون بحقوق الإنسان و الحريات و الرفق بالحيوان هم أكثر الناس إجراماً لأنهم يقتلون شعوباً:

 

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفــر
وقتل شعب مسلـــم مسألة فيها نظر
***

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

الاجتماع على الحق و الاعتصام به سبيل القوة :

 أيها الأخوة: يقول الله عز وجل:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 ما مثلهم ؟ أول استنباط أيها الأخوة: متى كانوا أشداء؟ عندما كانوا مجتمعين.

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 فإذا اجتمعنا كنا أقوياء، إن اجتمعنا على الحق كنا أقوياء، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾

[ سورة آل عمران: 103]

 لابد من شيء نعتصم به، أما إذا اتحدنا لا على الحق بل على الباطل فنحن ضعاف، لابد من أن نعتصم بالحق، لابد من أن نجتمع على الحق.

 

نقل الخبرة إلى الآخرين :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 بعض النباتات يخرج في أصلها شطأ أي فسيلة، ما الذي يعين الفسيلة على النمو؟ الأم.

﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 هذه الفسيلة، هذا شيء واضح في الزيتون، الشطأ يخرجه النبات الأم من أصله كفرع مشابه له تماماً، أي شيء يدعمه و يغذيه و يقويه؟ الشجرة الأم:

﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 من الذي آزره؟ الزرع، النبات الأصلي، الأم:

﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 بعد أن آزره اعتمد هذا الشطأ على ذاته فنما نمواً ذاتياً أي أصبح غليظاً، قوياً، ثخيناً:

﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 هذا قانون أيها الأخوة، إذا كنت متفوقاً في شيء لابد من أن تعلم إنساناً و ليكن ابنك، و ليكن قريبك، و ليكن مؤمناً، ينبغي أن تدعمه إلى أن يستطيع أن ينمو وحده اعتماداً على طاقته:

﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 النبات الأم آزر الشطأ فلما بلغ مستوى يمكن أن ينمو وحده كان الذي كان:

﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 كأن الله سبحانه و تعالى يعلمنا أنه لابد من أن تنقل خبرتك إلى الآخرين، لابد من أن يكون خلفاء لك، لابد من أن تعلم هذه الحرفة لأناس آخرين، أما أن يكتفي الإنسان بالتفوق دون أن يضع علمه و خبرته في أناس آخرين فهذا بعد عن جوهر الدين، متى كان النبي و أصحابه أشداء على الكفار؟ حينما كانوا معه، حينما رباهم و قواهم ثم نموا هم بأنفسهم.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الآية من أمثال القرآن الكريم الرائعة.

 

قوانين الله في النبات قواعد ينبغي أن نستفيد منها :

 أيها الأخوة: المقصود من عملية الاستغلاظ هو الزيادة في السُمك، فالفرع يعتمد على نفسه في الزيادة بعد أن اعتمد على أمه، فالأم تخرج هذا الشطأ ينبغي أن تؤازره إلى أن يعتمد على نفسه، عندئذ يعتمد هذا الشطأ على نفسه فيكون غليظاً ثخيناً قوياً، و هذا من سنة الله في خلقه، قوانين الله في النبات قواعد ينبغي أن نستفيد منها:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾

[ سورة الفتح: 29]

 أيها الأخوة الكرام ، تعاوننا و استمتاعنا و تآزرنا أصبح فرضاً علينا لأن المسلمين جميعاً مستهدفون، و الطرف الآخر لا يفرق بين مسلم و مسلم، ينبغي أن نتعاون، و ينبغي أن تكون هذه الآية نبراساً لنا:

﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: 72 ]

 قيمة المؤمن عمله، مادام لا يعمل، و لا يأخذ موقفاً، و لا يعطي لله، و لا يمنع لله، فهذا بعيد بعد الأرض عن السماء عن أن يكون مؤمناً.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، و أذل الشرك و المشركين، خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، أهلك أعداءك أعداء الدين، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، و اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018