الخطبة : 0837 - خلق النبي صلى الله عليه وسلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0837 - خلق النبي صلى الله عليه وسلم


2002-05-31

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونعوذ به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، وعلى من والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ثناء الله عز وجل على خلق النبي الكريم :

 أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في ذكرى مولد سيد الأنام، ولأن الله سبحانه وتعالى حينما أثنى عليه لم يثن على جوانب من العظمة كثيرة في شخصيته، ولكنه أثنى على الجانب الخلقي فقال:

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾

[ سورة القلم: 4 ]

 الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثلت في شخصيته القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تكون في الإنسان، والتي ينبغي أن تكون هدفاً لنا، أن نسير في طريق هذه القيم، مما يلفت النظر حالات متناقضة، من السهل أن تكون ليناً فتعصر، ومن السهل أن تكون قاسياً فتكسر، أما أن تجمع بين اللين وبين القسوة أو وبين الشدة فهذا من صفات العظماء، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا تغيب عن قلبه شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لباها ورعاها وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد، كيف أن الله سبحانه وتعالى حينما وصف إبراهيم عليه السلام قال:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾

[ سورة النحل : 120 ]

 أي أمته في قلبه، مسراتها تفرحه، أحزانها تؤلمه، يحمل همّ أمته في حياته ومن بعده، فالإنسان لا يرقى عند الله إلا إذا حمل هموم من حوله، فالنبي عليه الصلاة والسلام يحمل هموم أمته التي عاش معها والتي تأتي بعده، وهذا من صفات كبار العظماء.

جوانب من عظمة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم :

 أيها الأخوة: هذا الرسول الكريم يكتب إلى ملوك الأرض طالباً منهم أن ينبذوا غرورهم بالباطل، ثم يصغي في حفاوة إلى أعرابي حافي القدمين يقول له في جهالة: اعدل يا محمد فليس المال مالك ولا مال أبيك، بينما هو يكتب إلى ملوك الأرض يصغي إلى أعرابي جاهل، يقسو عليه في الكلمات اعدل يا محمد، فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك، كم من القادة في العالم لو قال له أحدهم هذا الكلام أيبقى حياً؟ كان عباداً أواباً يقف في صلاته يتلو سور طويلة من القرآن في غبطة لا يقايض عليها بملء الأرض تيجاناً وذهباً، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد فيضحي بغبطته الكبرى وحبوره الجياش وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي وينادي أمه ببكائه، من أعلى درجات القرب إلى صلاة مختصرة، رحم باختصار الصلاة أماً تصلي خلفه وابنها الرضيع يبكي، هذا جوانب من عظمة شخصيته صلى الله عليه وسلم.
 جميع الذين شنوا عليه الحرب والبغضاء وقفوا أمامه صاغرين في فتح مكة، هؤلاء الذين مثلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة رضي الله عنه، ومضغوا كبده في وحشية ضارية يقول لهم وهو القادر على إبادتهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، هذا الإنسان الذي جعله الله على قمة البشر علماً وعملاً وكمالاً كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة قال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ طبخها، وقال الثالث: عليّ سلخها، والسلخ قبل الطبخ طبعاً، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، سوى نفسه مع أصحابه، لم يعلو عليهم و لا شعرة، قالوا: يا رسول الله نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذه سنته، وفي أعلى درجات قوته، بعد أن دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، وقف في أصحابه خطيباً فقال: " من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه" ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأنه ولا من طبيعته، حينما يقول الله عز وجل:

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾

 على تفيد التمكن، هو في الأعماق لا تهزه قضية فتخرجه عن خلقه العظيم.

كلّ عمل رحيم هو عند رسول الله عبادة من أزكى العبادات :

 أيها الأخوة الكرام: هؤلاء المساكين الذين تسوقهم ضرورات العيش إلى الدين ثم يعجزون لضحالة دخلهم عن السداد، فيعانون من أجل الديون همّ الليل وذلّ النهار، هؤلاء لا يملك النبي الكريم أن يقول للدائن: تنازل عن حقك، فهو خير من يصون الحقوق ولكنه يهب الدائن شفاعته وقلبه وحبه إذا هو أرجأ مديناً معسراً، وصبر عليه لذلك يقول:

((من أنظر معسراً أو وضع له أظله اللَّه يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ))

[التِّرمِذِيُّ عن أبي هريرة ]

 وحدثنا عليه الصلاة والسلام، حدث أصحابه فقال:

((كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا. فلقي الله فتجاوز عنه ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الكرام: يجعل النبي عليه الصلاة والسلام الرحمة فوق الفضائل الإنسانية، فكل عمل رحيم هو عند رسول الله عبادة من أزكى العبادات، فعد النبي صلى الله عليه وسلم أعمالنا الرحيمة التي نسديها للآخرين إنما يراها الله قربات توجه إليه ذاته، فإذا أطعمت جائعاً فكأنما أطعمت الله، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

((يا بن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني. فقال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 أي عمل رحيم هو قربة إلى مولاك الكريم.

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

[ سورة البقرة: 245 ]

 أي عمل صالح لأي مخلوق كائناً من كان هو قرض لله عز وجل يوفيك إياه يوم القيامة أضعافاً مضاعفة، النبي عليه الصلاة والسلام يصور بصورة باهرة الرحمة حينما رأى أم تضم طفلها إلى صدرها في حنان بالغ ورحمة عالية، فالتف إلى أصحابه وقال: أترون هذه الأم طارحة ولدها في النار؟ قال أصحابه: لا والله يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لله أرحم بعبده من هذه بولدها، ما من شيء أعظم من قلب الأم، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقرب إلينا رحمة الله عز وجل، قال: هذه الأم أطارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: والذي نفس محمد بيده لله أرحم بعبده من هذه بولدها.

 

تطبيق النبي العدل على جميع أصحابه :

 ذات يوم أيها الأخوة جاءه أعرابي في غلظة وجفوة سأله مزيداً من العطاء وقال: اعدل يا محمد، فيبتسم عليه الصلاة والسلام ويقول: ويلك يا أعرابي من يعدل إن لم أعدل؟
 أيها الأخوة الكرام: لا يستطيع أحد أن يقول مثل هذا الكلام لأي إنسان قوي في الأرض من دون أن يخسر حياته، قال له: اعدل يا محمد، فقال عليه الصلاة والسلام: ويلك يا أعرابي من يعدل إذا لم أعدل؟ وحينما دخل عليه رجل ارتجف من هيبته قال: هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة، يدخل عليه عمر وقد اضطجع على حصير فأثر على خده الشريف فبكى عمر قال: يا عمر ما يبكيك؟ قال: كسرى ملك الفرس ينام على الحرير وأنت يا رسول الله تنام على الحصير؟ بماذا أجابه سيدنا رسول الله؟ قال: يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً، أنا لست ملكاً، في الأرض أقوياء وأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والناس أتباع قوي أو نبي، فإن استخدمت قوتك لإخضاع من حولك فأنت من أتباع القوي، أما إذا استخدمت الكمال الإنساني لامتلاك قلب من حولك فأنت من أتباع النبي.
 أيها الأخوة الكرام: هذا الأعرابي الثاني الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام في بداوة جافة: يا محمد هذا المال مال الله أم مال أبيك؟ فيبتدر عمر يريد أن يؤنبه فقال عليه الصلاة والسلام: دعه يا عمر إن لصاحب الحق مقالة، هو قدوتنا، أسوتنا، مثلنا الأعلى، للأمراء ولغير الأمراء، وللأقوياء الضعفاء، وللأغنياء والفقراء، وللأصحاء والمرضى، يقول عليه الصلاة والسلام صوناً لحقوق أمته:

((كل المسلم على المسلم حرام ماله، وعرضه، ودمه))

[ أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 ممنوع أن تأكل مال أخيك، ممنوع أن تعتدي على عرضه، ممنوع أن تعتدي على سمعته إذا كان طاهراً طيباً، ويقول عليه الصلاة والسلام:

((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ))

[ الترمذي والنسائي عن ابن عمرو ]

 ميزانه دقيق جداً، كان عليه الصلاة والسلام يقول وهو يعبر عن عدالته التي يندر أن نجد مثلها:

((إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأَيْمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))

[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]

 العدل مطبق على الجميع.

 

الفتوى على قدر النص :

 أيها الأخوة لو أن إنساناً استطاع بطلاقة لسانه، وروعة بيانه، وقوة حجته، أن ينتزع من فم النبي عليه الصلاة والسلام حكماً ولم يكن محقاً فيه لا ينجو من عذاب الله، يقول عليه الصلاة والسلام:

((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها))

[متفق عليه عن أم سلمة ]

 هؤلاء الذين يتعلقون بفتاوى غير صحيحة وليست فيها ورع وليس فيها علم إنما فيها تملق للناس، فيها تحقيق لمصالحهم على حساب منهج الله، فيها تثبيت لمركزهم أحياناً، هذه الفتاوى التي يفتون بها جسر لهم إلى النار، فالنبي علمنا أنك لو انتزعت من فمه حكماً ولست محقاً لن تنجو من عذاب الله.
 يقول لك: إنسان وجدته في مسجد يصلي إماماً فسألته فأفتى لي، فقط لا يعرفه، ولا يعرف علمه، يقترف المعصية بناء على فتوى، هذا الذي سأله فأفتاه، وقد يكون السائل ذكياً فيعطي أوصافاً يستطيع بها أن يستنبط الفتوى التي تناسبه، لذلك قالوا الفتوى على قدر النص.

 

الحبّ عند رسول الله :

 أيها الأخوة الكرام: الحب عند رسول صلى الله عليه وسلم شيء كبير، لقد أحب النبي عليه الصلاة والسلام ربه، فكان يقول: يا بلال أرحنا بالصلاة، وفرق كبير بين الحب وبين الواجب، من خلال الحب أرحنا بها، أما الواجب فأرحنا منها، الله جل جلاله حينما وصف ما سيؤول إليه حال المسلمين في آخر الزمان قال:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 59 ]

 وقد أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها بل يعني تفريغها من مضمونها، إن لم تستقم بين الصلاتين فأنت في حجاب عن الله عز وجل، يجب أن يكون جهد المؤمن أن يضبط حركاته وسكناته، وأن يضبط دخله وإنفاقه، حتى إذا وقف ليصلي رأى أن الطريق سالك إلى الله، وأنه ليس بينه وبين الله حجاب.
 النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف حينما بالغ أهل الطائف في إيذائه، بالغوا في تكذيبه، وبالغوا في السخرية منه، وأغروا به صبيانهم، ماذا قال لربه؟ قال: يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، أنا أخشى ما أخشاه أن يكون هذا الذي ألاقيه تعبيراً عن غضبك عليّ، فإن كنت راض عني فلا أبالي، وهذا ينبغي أن يكون حال كل مؤمن، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي، ما من دعاء في المحن والمصائب أبلغ من هذا الدعاء، يا رب لا أريد أن أكون في بحبوحة دائماً لكن أخشى ما أخشاه أن يترجم غضبك عليّ إلى ضيق أعانيه، فإن كنت راضياً عني فأنا في بحبوحة.

فليتـك تحلو والحيـاة مريـــــــــــــــــرة  وليت ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامــــــــــر  وبيني وبين العالمين خراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هيــن  وكل الذي فوق التراب تراب
***

 أيها الأخوة ، تروي كتب السيرة أنه ذات يوم أقبل على محمد صلى الله عليه وسلم رجل فظ غليظ، لم يكن رآه من قبل، غير أنه سمع أن محمداً يسب آلهة قريش والقبائل كلها، فحمل سيفه وأقسم بالله ليسوين حسابه مع محمد، ودخل عليه وبدأ حديثه عاصفاً مزمجراً والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، وتنطلق مع بسماته أنوار جلية وأطياف نور آسر، وما هي إلا لحظات حتى انقلب هذا الفظ الغليظ المتجهم محباً يكاد من فرط الوجد والحياء يذوب، وانكفأ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم يقبلهما ودموعه تنحدر غزيرة ولما أفاق قال: يا محمد والله لقد سعيت إليك وما على وجه الأرض أبغض إلي منك، وأنا ذاهب عنك وما على وجه الأرض أحب إلي منك، أنت حينما تحب الناس، ويتصلون بك يشعرون بهذه المحبة، الحب عند النبي شيء كبير، كان عليه الصلاة والسلام من أعظم الرجال في تحويل الأعداء إلى أصدقاء، وهناك أناس متخصصون في تحويل الأصدقاء إلى أعداء يقول عليه الصلاة والسلام:

((والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا))

[أحمد عن الزبير بن العوام ]

((إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه))

[البخاري في الأدب عن المقداد بن معد ]

 لا يبقى ساكتاً يعلمه أني أحبك في الله.

((إذا آخى الرجل الرجلَ فليسأله عن اسمه واسم أبيه، وممن هو ؛ فإنه أوصل للمودة ))

[الترمذي عن يزيد بن نعامة الضبي ]

((إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه))

[ الطبراني عن ابن مسعود ]

((من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه))

[البخاري في الأدب عن حدرد ]

((كفى بك ظالما ألا تزال مخاصما ))

[ كنز العمال عن أبي الدرداء ]

أخلاق النبي الكريم و مودته و رحمته :

 أيها الأخوة الأحباب ، النبي عليه الصلاة والسلام من خلال قصة رائعة مع سيدنا جابر بن عبد الله تبدو رحمته ومودته، يقول جابر: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع مرتحلاً على جمل لي ضعيف، فلما رجع النبي عليه الصلاة والسلام جعلت الرفاق تمضي أي تسبقني، وجعلت أتخلف لأن جملي ضعيف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يمشي في مؤخرة الركب، رحمة بأصحابه وتفقداً لهم وحرصاً عليهم، فقال لي: ما لك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، فقال: فأنخه فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمله ثم قال: أعطني هذا العصا من يدك، ففعلت فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخس بها الجمل نخسات، أي وخزه بها وخزات، ثم قال: اركب، فركبت فانطلق جملي والذي بعثه بالحق صار جملي يجاري ناقة رسول الله، وتحدث معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا جابر - متودداً محباً - أتبيعني جملك هذا؟ قلت: يا رسول الله بل أهبه لك، قال: لا، ولكن بعنيه، بيع، قلت: فسمني به، أي ادفع الثمن، قال: آخذه بدرهم، قلت: لا يا رسول الله، إذاً يغبنني رسول الله، قال: بدرهمين، قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الأوقية، فقلت: قد رضيت يا رسول الله، قال: قد رضيت؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: يا جابر هل تزوجت؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أثيباً أم بكراً؟ قلت: بل ثيباً، قال أفلا تزوجت بكراً؟ قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك لي بنات له سبعاً، فتزوجت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن؛ أي تعتني بهن، وتقوم عليهن، قال: قد أصبت إن شاء الله، ثم قال عليه الصلاة والسلام يا جابر- هذه جوانب عظمته، على علو مقامه يؤانس شاباً فقيراً ضعيفاً مات أبوه في أحد يركب ناقة ضعيفة يؤانسه، يعينه على إصلاح جمله، يسأله عن أحواله، عن زواجه- قال: يا جابر، أما إنا لو جئنا صرارا - مكان قرب المدينة- أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذلك، فسمعت بنا ؛ أي زوجتك، أي كان عليه الصلاة والسلام إذا كان في سفر لا يفاجئ أهله لا بد من أن يقيم يوماً في ظاهر المدينة حتى يسمع كل أهل المدينة أن الركب قد حضر، فتهيئ المرأة نفسها لزوجها، وهذا من أعلى مستويات العلاقات الزوجية، قال: يا جابر أما إنا لو جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذاك فسمعت بنا- أي زوجتك- فنفضت نمارقها أي اعتنت بأثاث البيت، قلت: يا رسول الله ما لنا من نمارق- ما عندي نمارق تنفض- قال: إنها ستكون إن شاء الله، فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيساً، قال: فلما جئنا صرارا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بجزور فنحرت فأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى النبي الكريم دخل إلى المدينة ودخلنا معه، قال: فأخبرت امرأتي الحديث- أنني بعت الجمل الوحيد الذي أملكه، بعته لرسول الله- وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: سمعاً وطاعة، كم زوجة لو أخبرها زوجها أنه فعل كذا وكذا تقرباً إلى الله تقيم الدنيا ولا تقعدها عليه، قالت: سمعاً وطاعة أي بع جملك لرسول الله، فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله، ثم جلست في المسجد قريباً منه، قال: وخرج النبي عليه الصلاة والسلام فرأى الجمل قال: ما هذا؟ قالوا: هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر؟ فدعيت له، قال: تعال يا ابن أخي، أريتم إلى هذا التودد، تعال يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك ودعا ببلال وقال له: اذهب بجابر وأعطه أوقية، أي ثمن الجمل، قال: هو لك وأعطاه ثمنه الذي ساومه عليه، فذهبت معه وأعطاني أوقية وزادني شيئاً يسيراً، فقال: فو الله ما زال ينمو هذا المال عندنا ونرى مكانه في بيتنا، هذه أخلاق النبي، من رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه.
 أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدّين الإسلامي دين متوازن واقعي :

 أيها الأخوة: قصة ثانية لكنها بليغة، الإسلام عند رسول الله يعني الحياة، الإسلام عند رسول الله يعني التوازن، يعني الوسطية، يعني أن تعتني بآخرتك، وأن تعتني بدنياك، يعني أن تلبي حاجات الجسد وأن تلبي حاجات الروح، يعني أن توازن بين الدنيا والآخرة، فكان من بين أصحاب النبي عليهم رضوان الله صحابي جليل اسمه عثمان بن مظعون، وكان عثمان متبتل، غير مشفق على نفسه، حتى لقد همّ ذات يوم أن يتخلص كلياً من نداء غريزته، وذات يوم دخلت زوجته على السيدة عائشة رضي الله عنها وجدتها عائشة رثة الهيئة، مكتئبة المحيا، فسألتها عن أمرها؟ قالت: إن زوجي عثمان صوام قوام، أي يصوم النهار ويقوم الليل، فأخبرت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال هذه المرأة، امرأة عثمان بن مظعون، فالتقى النبي بعثمان فقال له: يا عثمان أما لك بي أسوة؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: تصوم النهار وتقوم الليل، قال عثمان: إني أفعل هذا، قال: لا تفعل، إن لجسدك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه، وفي صبيحة اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبوة عطرة نضرة كأنها عروس، واجتمع حولها النسوة اللواتي كانت تجلس بينهن بالأمس، قلن لها: ما هذا يا زوجة ابن مظعون؟ قالت وهي مغتبطة: أصابنا ما أصاب الناس.
أريتم إلى هذا الدين المتوازن الواقعي الذي لا يغفل حاجة من حاجات الجسد، ولا حاجة من حاجات العقل، ولا حاجة من حاجات القلب، ولا يهمل الدنيا.
 أيها الأخوة الكرام ، ما أحوج المسلمين إلى سيرة النبي، وإلى فهم منهج النبي، فنحن في ذكرى مولده والعمل الأول في ذكرى مولده أن نتفحص أقواله، وأن نتمعن في أحواله، وأن نقتدي به، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا باتباع سنته، فقد أخبرنا الله عز وجل أنه ما كان ليعذبنا والنبي صلى الله عليه وسلم فينا وقال:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشاً، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم ما رزقتنا ممن نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018