الخطبة : 0835 - حقيقة الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم - الرمان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0835 - حقيقة الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم - الرمان .


2002-05-17

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حقائق متعلقة برسول الله صلى الله عليه و سلم :

1 ـ من طبق سنة النبي العدنان فهو في مأمن من عذاب الله :

 أيها الأخوة المؤمنون: لاشك أنكم تتوقعون أن يكون موضوع الخطبة عن ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث عنه لا يشبع منه مؤمن، ولكن جمعت لكم بعض الحقائق المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون هذه الحقائق مرتكزات في التعامل مع هذه الذكرى العطرة .
 الحقيقة الأولى: حينما يقول الله عز وجل وهو أصدق القائلين، الفعال الذي بيده كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، حينما يقول:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 العذابات التي سحقت المسلمين، والضغوط التي أرهقت المسلمين، والمحن التي عاشها المسلمون، والمصائب التي نزلت بهم ما كان لكل ذلك أن يكون، لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، بمعنى أننا نطبق منهجه، لأن منهجه من عند الحكيم العليم، من عند الصانع، وتعليمات الصانع هي التعليمات الوحيدة التي ينبغي أن تتبع، وكأننا آلة بالغة التعقيد، ولها صانع حكيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فطبعاً مادامت سنة النبي الصحيحة، منهج النبي القويم، تعليمات النبي الرشيدة مطبقة في بيوتنا، وأعمالنا، وسفرنا، وإقامتنا، ولهونا، ومناسباتنا، وغضبنا، ورضانا، وعطائنا، ومنعنا.....مادامت هذه السنة مطبقة فما كان الله ليعذبنا.
 أما معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 فهي أشدّ صيغة نفي في اللغة العربية، فمستحيل وألف ألف مستحيل أن نعذب، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا معاذ:

(( يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: ألا يعذبهم ))

[ورد في الأثر]

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 لو أن الله قبِل دعواهم لما عذبهم، والاستنباط الحتمي أن الله لا يعذب أحبابه.
 الحقيقة الأولى التي ينبغي أن نتعامل بها مع سيد هذه الرسالة، مع سيد الخلق وحبيب الحق هي أننا لو طبقنا سنته ما كان حالنا كما هذا الحال.

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 مادام المسلمون يعذبون يضطهدون يقتلون يشردون، تنتهك حرماتهم، يمارس عليهم كل لون من ألوان التشغيل والتجويع والتعذيب والقهر، عندهم مشكلة مع رسولهم، لأنهم لم يتبعوا منهجه.
 لكن هناك أيها الأخوة بحبوحة ثانية حينما يقول الله عز وجل:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 إما أن تكون مطبقاً للمنهج وإما أن تندم على مخالفة المنهج فتستغفر، في كلا الحالين أنت في بحبوحة، وأنت في مأمن من عذاب الله هذه الحقيقة الأولى .
 أيها الأخوة الكرام: حينما يقول الله عز وجل:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 هذه الخيرية معللة.

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 أما اليهود حينما أهلكهم الله عز وجل فبيّن سبب إهلاكهم.

﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾

[سورة المائدة:79]

 فإذا جاملنا بعضنا بعضاً، ولم ننصح بعضنا، وعطّلنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقدنا خيريتنا، عندئذ نحن كأي أمة من الأمم، ليس لنا أية ميزة عند الله عز و جل، من هنا صنف العلماء أمة محمد إلى أمتين؛ أمة التبليغ وأمة الاستجابة، الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس هي أمة الاستجابة، أما الأمة التي شردت عن منهج رسول الله فهي أمة التبليغ شأنها كأي أمة، ولا يسعني إلا أن أقول: حينما يهون أمر الله على الأمة تهون على الله.

 

2 ـ اتباع سنة النبي لأنه معصوم عن كل خطأ :

 أيها الأخوة الكرام: هذه الحقيقة الأولى؛ الحقيقة الثانية هي أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله، معصوم بمفرده، ولولا أنه معصوم لما أمرنا أن نأخذ عنه وأن ندع ما نهانا عنه، لو لم يكن معصوماً لكان أمر الله لنا باتباعه أمراً بالمعصية، لأن الله أمرنا يقيناً وبآية قطعية الدلالة أن نتبعه ونأخذ عنه، وننتهي عما نهى عنه، فهو معصوم في أقواله، هذا اللسان كما قال عليه الصلاة والسلام لا ينطق إلا بالحق في الغضب والرضا، معصوم أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله.
 أيها الأخوة الكرام: لكن أمته معصومة بمجموعها.لا تجتمع أمتي على ضلالة، هو وحده معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها، لذلك حينما نعتقد عصمته وهذا يقين قطعي ينبغي أن نتبع سنته.
 أيها الأخوة: يجب أن يعلم المؤمن علم اليقين أن أفعاله وأقواله وإقراره ليست عن ثقافة العصر، ولا عن اجتهاد شخصي، ولا عن رؤية ذاتية، ولا عن خبرة شخصية، ولا عن معطيات مادية.

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[سورة النجم : 4]

 وعاء النبي عليه الصلاة والسلام فرغ من أية ثقافة:

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾

[سورة العنكبوت: 48]

 وعاء النبي ملئ من عند الله وحده، ملئ وحياً، من هنا يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن الوحي وحيان؛ وحي متلو وهو الكتاب، ووحي غير متلو وهو السنة الصحيحة، هذا الاعتقاد مهم جداً في هذه الأيام، لأن هناك دعوات خطيرة إلى ترك سنة النبي والاكتفاء بالقرآن، وهذه الدعوة تمهيد لخرق حدود القرآن الكريم، النبي عليه الصلاة والسلام عصمه الله من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله، معصوم بمفرده وأمته معصومة بمجموعها، نحن كأمة محمد صلى الله عليه وسلم نتكامل، لكن النبي وحيد في عصمته بين أمته.

 

3 ـ معرفة سنة النبي القولية والعملية فرض عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة: حقيقة أقولها كثيراً: أنت لماذا تصلي؟ لأن الصلاة فرض على كل مسلم، هل خطر في بالك أن معرفة سنة النبي القولية والعملية فرض عين على كل مسلم؟ قل لي كيف؟ لأنه ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، حقيقة أصولية ثابتة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

[سورة الحشر : 7]

 ما لوازم هذه الآية؟ أن تعرف الذي أتاك رسول الله، كيف تنفذ هذه الآية؟ كيف تأخذ عن رسول الله وأنت لا تعرف ماذا أعطى وماذا قال؟ فرض عين على كل مسلم أن يكون على علم بسنته القولية لأنها بيان لقرآن الله عز وجل، وفرض عين على كل مسلم أن يعرف سنته العملية، لأن الله عز وجل يقول:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب : 21]

 كما أنه ينبغي أن يكون في بيتك قرآن ينبغي أن يكون في بيتك كتاب سنة صحيحة، لأن السنة بيان وتفصيل للقرآن. معرفة سنة النبي القولية والعملية فرض عين على كل مسلم، ومن أجل ضمان سلامتنا ونحن في محن لا تعد ولا تحصى، لضمان سعادتنا نحتاج لمعرفة سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

4 ـ الاستجابة لرسول الله هي عين الاستجابة لله :

 أيها الأخوة الكرام: الحقيقة الرابعة الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله.

﴿َ فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص:50]

 أوسع هذه الحقيقة: الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

 إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، والله ورسوله أحق أن يرضوا، محبة رسول الله عين محبة الله، من هنا قال بعض العلماء الأجلاء: هناك حب في الله وهناك حب مع الله، إن أحببت رسول الله فهذا الحب هو عين التوحيد ومحبة لله عز وجل، وإن أحببت المؤمنين الصادقين العاملين فهذا الحب هو عين التوحيد، إن أحببت بيوت الله وكتابه فهذا الحب عين التوحيد هذا حب في الله، أما إن أحببت جهة بعيدة عن الحق لمصلحة ترغب بها أو لشر تتفاداه فهذا حب مع الله، والحب مع الله عين الشرك، فرق كبير بين الحب في الله وبين الحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك.
أيها الأخوة الأحباب: الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عين الاستجابة لله، وإذا أردت أن أوضح بعض الحقائق عن طريق مثل هذا البلور المستورد المتقن النظيف ترى ما خلفه فقط، وقد تنسى وجوده، ولإخلاص النبي الذي هو فوق كل إخلاص، ولمحبة النبي لربه التي هي فوق كل محبة، حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم تشف عن حقيقة رب العالمين جل جلاله، إن أحببته واتبعته وأرضيته فإنما تحب وتتبع وترضي الله، هذا الكلام الذي نسمعه حديثاً الشفافية هذا معنى من معانيها، تشف نفس النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة الذات الإلهية، عن رحمة الله، وحلم الله، وحكمة الله، فلذلك مهما أحببته وغرقت في الولاء له وفي اتباع سنته فهذه محبة وولاء واتباع لله عز وجل.

5 ـ الاتباع و عدم الاكتفاء بالتبرك :

 أيها الأخوة الكرام: ألِف المسلمون في معظم بلادهم أن يمدحوا رسول الله وأنا مع مديح رسول الله لأنه بذكر محمد تحيا القلوب، ولكن أن نكتفي بالمديح فهذا لا يجدينا ولا ينفعنا ولا يرفعنا ولا يقينا شرّ أعمالنا، إننا إن مدحناه وأمضينا كل وقتنا في مديحه هو حيث هو ونحن حيث نحن، كما لو أن ابناً على نقيض والده، والده عالم ورع حكيم وهو على نقيضه، وأمضى الابن كل حياته في مديح والده، كل هذا المديح لا يرفعه درجة، الأب حيث هو والابن حيث هو، نحن إذا اكتفينا بمديح رسول الله في المناسبات ولم نتبع سنته لا ننتفع منه إطلاقاً:

((هؤلاء الذين يردون النار يوم القيامة فيقول عليه الصلاة والسلام: أمّتي أمتي فيقال له يا محمد: تدري ماذا أحدثوا بعدك، فيقول: سُحقاً سحقاً لا))

[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 فأن نعقد الحفلات كل يوم في البيوت والمساجد، وأن نمدح النبي عليه الصلاة والسلام ونكتفي بهذا المدح دون أن نتبعه، إن دخلت إلى بيوت المسلمين لا تجد سنة النبي قائمة، إن دخلت لمحلاتهم التجارية بيعهم وشراؤهم وحلف أيمانهم غير صحيحة، يملؤون عيونهم من محاسن النساء، لو دخلت لأعمالهم وبيوتهم وعاينت أنماط سلوكهم لا تجد سنة النبي مطبقة فيهم، فمديحهم لا يقدم ولا يؤخر.
 أيها الأخوة الكرام: أنا مع مديح الرسول والتبرك به ولكن لست مع أن نكتفي بالمديح والتبرك لابد من الاتباع، وكنت قد ضربت مثلاً آخر كيف أن مستخدماً لعالم جليل في غيبته قفز وجلس على كرسي هذا العالم هل ترقى مرتبته؟ ولا شعرة، أما لو نال أعلى شهادة مشى في طريق سيده، فنحن ينفعنا أن نتبع لا أن نكتفي بالتبرك.
 أيها الأخوة الكرام: الله عز وجل شاءت حكمته ألا يقبل دعوة محبته إلا بالدليل حيث يقول:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

 تكلم عن محبتك لله ما شئت، كلام في كلام، لا وزن لهذه المحبة التي تدعيها ولكن الوزن باتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، الدليل القطعي على محبة الله عز وجل اتباع سنة النبي، وهذا يحتاج لمعرفة سنته، فمعرفة سنة النبي القولية ومعرفة سيرته العملية فرض على كل مسلم، وينبغي عقب هذه الخطبة أن ننطلق إلى البحث عن هذه السنن القولية والعملية، أن نحضر درس علم أو نقتني كتاباً للتحدث عن هذه السنة، إن جلسنا في جلسة أن نجعل محورها السنة.

 

6 ـ الدعوة إلى الله من علامات محبة النبي الكريم :

 أيها الأخوة الكرام: ومن علامات محبة النبي عليه الصلاة والسلام واتباعه الدعوة إلى الله، بدليل قوله تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 إن لم تدعُ إلى الله على بصيرة فلست متبعاً لرسول الله بمنطوق هذه الآية، لا أقول الدعوة التي هي فرض كفاية، التبحر والغوص في دقائق المسائل والأدلة والبراهين وفي ردّ كل شبهة، فهذا من اختصاص العلماء المتفرغين المتبحرين المتفوقين، وهذا من اختصاص الدعوة إلى الله التي هي فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 أما الدعوة إلى الله التي هي فرض عين على كل مسلم متبع لرسول الله، فإن لم تدع إلى الله على بصيرة فأنت لست متبعاً لرسول الله.

 

الحب في الله و الحب مع الله :

 أيها الأخوة الكرام: فرق كبير بين حب في الله وبين حب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك.
 أيها الأخوة الكرام: الدعوة إلى الله التي أمرنا أن ندعو إليها اتباعاً للنبي عليه الصلاة والسلام هي دعوة على بصيرة، أي وفق النص الشرعي والدليل والتعليل وفق منهج الله عز وجل، لا أن نتبع مناهج ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أن نتبع أهواء الدعاة، لابد من منهج جامد واضح المعالم بين أيدينا لنتبعه. لذلك قيل في خصائص الفرق الضالة إنها فرق تخفف التكاليف وتعتمد النصوص الضعيفة والموضوعة، وتؤله الأشخاص، وهي ذات نزعة عدوانية، وذات خاصية مغلقة، الانغلاق والعدوانية وتخفيف التكاليف واتباع النصوص التالفة وتأليه الأشخاص هذه خصائص الفرق الضالة.

7 ـ تفحص دعوة النبي ومعرفة سنته وتقييم دعوته من صلب الدعوة إلى الله :

 بقي شيء أيها الأخوة في حقائق هذه البعثة المباركة بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل:

﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

[ سورة هود: 120 ]

 دققوا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً إذا استمع إلى قصة نبي دونه، فكيف بمؤمن مقصر يستمع إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؟ إذا جمع الناس في مسجد أو بيت وتليت عليهم شمائل وفضائل ودقائق منهج النبي ماذا فعلوا؟ إن قلت: هذا الاجتماع نوع من العبادة فهو بدعة قطعاً، أما إذا قلت هو نوع يمكن أن يكون على مدار العام للتعريف بسيد الأنام فلا شيء عليك، يمكن أن يندرج تحت قوله تعالى:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾

[ سورة المؤمنون:69]

 ينبغي أن نعرفه ويندرج تحت قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

[ سورة سبأ: 46]

 تفحص دعوة النبي، ومعرفة سنة النبي، وتقييم دعوته وتثمينها، واتباعها، هو من صلب الدعوة إلى الله، فأنت حينما تلتقي بأناس كثيرين وتعرفهم على هذا النبي الكريم تبين لهم شمائله، وفضائله، ودقائق حياته، وسيرته، ومنهجه، وإقراره، وأفعاله، وأقواله، فأنت إنما تفعل هذا تحت باب الدعوة إلى الله، والتعريف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان على مدى العام فهذا مما يجعلها دعوة إلى الله خالصة.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الحقائق التي بينتها في هذه الخطبة بتوفيق الله عز وجل أرجو الله أن تكون مرتكزات في التعامل مع هذه الذكرى العطرة، ننطلق إلى اتباعه لا أن نكتفي بمدحه، ننطلق لتطبيق منهجه، ندعو إلى الله اتباعاً له، هذا ينجينا مما نحن فيه، وعود على بدء حينما يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 مادامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتنا، فنحن في مأمن من عذاب الله.

 

8 ـ حياة النبي منهج ودليل لأجيال لا منتهى لأعدادها :

 أيها الأخوة الكرام: حقيقة ناصعة أضعها بين أيديكم وهي أنه في تاريخ البشرية كله بروادها بصفوتها بقوادها لا نكاد نعرف حياة نقلت إلينا أنباءها وحفظت لنا وقائعها في وضوح كامل وتفصيل عميم شامل كما حفظت ونقلت إلينا حياة محمد بن عبد الله، رسول الله رب العالمين، ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين، فكل كلمة قالها، وكل خطوة خطاها، وكل بسمة تألقت على محياه، وكل دمعة تحدرت من مآقيه، وكل نفس تردد في صدره، وكل مسعى سار لتحقيق أمره، كل مشاهد حياته حتى ما كان منها من خاصة أمره وأسرار بيته وأهله، كل ذلك نقل إلينا بحروف كبار، موثقاً بأصدق ما عرف التاريخ الإنساني من وسائل وبينات، لقد رحل النبي صلى الله عليه وسلم عن دنيانا من قرابة ألف وأربعمئة عام وزيادة ومع هذا ونحن إذ نقرأ سيرته وتاريخه اليوم لا نشعر أننا نقرأ عنه، بل كأننا نسمعه ونراه ونعيش المشاهد نفسها التي نطالعها مكتوبة ومسطورة ولا عجب في ذلك، فمادام الله قد اختاره ليختم به النبوة والأنبياء فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً ودليلاً لأجيال لا منتهى لأعدادها، وأن تكون هذه الحياة بكل تفصيلها وتفاصيلها أشدّ وضوحاً وتألقاً من فلق الصبح لا بالنسبة إلى عصره فحسب بل بالنسبة إلى كل العصور والأجيال، ذكر هذا النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ:

((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ...))

[سنن ابن ماجة عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فوائد الرّمان :

 أيها الأخوة الكرام: عثرت في موقع معلوماتي على بحث علمي لطيف عن هذا الرمان الذي خلقه الله لنا، وكيف أنه يشفي أحد عشر مرضاً ويوفر للجسم احتياجاته الأساسية من العناصر الغذائية، بل إن بذور الرمان تقضي على أنواع الإسهال، وتقوي القلب والمعدة، وتدر البول، وتطهر الدم، وتذيب حصيات الكلى، وتلطف الحرارة المرتفعة، وتشفي عسر الهضم، وتقلل آلام النقرس، كما أن مسحوق أزهارها يستخدم شراباً يكافح الإسهال، والإسهال ينتج عنه خمسين مرضاً.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الفاكهة التي حبانا الله بها تحتوي على بروتينات ودهون وأملاح معدنية، من أهم هذه الأملاح البوتاسيوم والحديد والنحاس وبعض الأحماض والفيتامينات.
 لذلك أيها الأخوة الكرام عصير هذه الفاكهة يخفف بعض الأورام ويستخدم لسهولة الهضم.
 أيها الأخوة الأحباب: من عجائب ما يقوله الأطباء: خير الدواء ما كان غذاءً وخير الغذاء ما كان دواءً، فيه مواد سكرية ونسب عالية من الماء والبروتين، ومجموعة كبيرة من المعادن لكن بنسب قليلة كالحديد والفوسفور والمغنيز، هذه لمحة سريعة عن هذه الفاكهة التي حبانا الله بها، لذلك قالوا: كلْ كلّ شيء وكل باعتدال، وابذل جهداً، وكن موحداً، لئلا تصيبك الشدة النفسية، كلْ كلّ شيء لأن كل شيء يلبي حاجة من حاجات الجسم، وكلْ باعتدال وابذل جهداً وكن موحداً لئلا تصيبك الشدة النفسية القاتلة قال تعالى:

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾

[ سورة آل عمران: 119 ]

 فالغيظ يميت.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، اللهم أعطنا سؤلنا يا كريم بكرمك، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018