الخطبة : 0834 - التفاؤل . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0834 - التفاؤل .


2002-05-03

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر، مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإيمان بالله يحملنا على الصبر والإيمان بالآخرة يحملنا على اليقين بعدل الله :

 أيها الأخوة المؤمنون: كنت قد ذكرت لكم من قبل أن الأحداث التي وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودة لذاتها، ليقف النبي منها موقف المشرّع والمرشد، ففي صحراء مكة التي كانت تلفح بالحر الشديد كان هناك شاب لا يزال دون العشرين من عمره، آمن بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم واستجاب لها، وحينها لاقى ما لاقاه إخوانه من التعذيب والأذى الذي بلغ حداً لا يطاق، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكياً من سيده الذي كان يتفنن في تعذيبه وإيذائه، يروي لنا القصة صاحبها رضي الله عنه.
 عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ:

(( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ))

[البخاري عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ]

 وهذه بشارة من الله عز وجل على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن الدنيا دار ابتلاء، وأن الآخرة دار جزاء، ذلك أن الدنيا دار تكليف وأن الآخرة دار تشريف، فالإيمان بالله يحملنا على الصبر، والإيمان بالآخرة يحملنا على اليقين بعدل الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، خباب رضي الله عنه معذور جداً في هذا الموقف، كان قيناً للعاصي بن وائل، وكان العاصي جباراً متسلطاً ويعذبه أشدّ العذاب، حتى أن كتب السيرة تروي لنا أنه كان يشعل الجمر فيرميه على ظهره حتى لا يطفأ الجمر إلا وظهره قد احترق، وكان لا يزال شاباً يانعاً دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته فقال له عمر: اجلس فما أحق منك بهذا المجلس إلا عمار، ذلك لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تأخر إسلامه، فكان يعتقد أن ما لقيه خباب أقل مما لقيه عمار رضي الله عنهم جميعاً، فكشف له خباب ظهره فأراه آثار التعذيب التي مازالت باقية على جسده إلى وقت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحينما مرّ علي رضي الله عنه بقبر خباب بكى وقال: رحم الله خباباً أسلم راغماً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه أحوالاً، ولن يضيع الله أجره. العبرة أن نكون مؤمنين، وأن نكون صابرين، ونوقن بيوم الدين، وأن نوقن أن النصر الحقيقي أن تموت مؤمناً، وأن تموت صابراً وطائعاً لله عز وجل.

 

لكل شيء أوان فمن تعجّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه :

 أيها الأخوة الكرام: هناك حقيقة دقيقة أرجو الله أن يمكنني من توضيحها: نحن نستعجل.

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾

[ سورة الإسراء: 11]

 حينما يغيب عنا البعد الزمني، وغياب البعد الزمني مشكلة في تفكيرنا قبل أن تكون في مواقفنا، المواقف والأعمال نتيجة لقرار مبني على تصور، فإذا غاب عنا البعد الزمني للحوادث وقعنا في مشكلة كبيرة، تعودنا أن ننظر دائماً إلى ما تحت قدمينا، ولا ننظر النظرة البعيدة، وتظهر هذه النظرة في آثار مفجعة، تظهر نتائجها في أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا.
 أيها الأخوة الكرام، يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام من خلال سنته المطهرة دروساً بليغة في أن نأخذ بالاعتبار البعد الزمني، لكل شيء أوان فمن تعجّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
 أيها الأخوة: من طبيعة الإنسان أن يكون عجولاً، لأن الله جل جلاله يقول:

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾

[ سورة الأنبياء : 37]

 فإذا اختار الشيء الآجل ارتقى، لو أنه خلق بفطرة تبحث عن البعيد، واختار البعيد لا يرقى عند الله عز وجل، هذا ضعف في أصل خلقه وبه يرقى.

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾

[ سورة الإسراء : 11]

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[سورة المعارج: 19-22]

أسباب العجلة و غياب البعد الزمني عند المؤمنين :

 أيها الأخوة، سبب غياب البعد الزمني والعجلة التي نلاحظها في كل المؤمنين، ولاسيما بعد هذه الأحداث هو ضغط الواقع الشديد، الواقع له ضغط شديد، وهذا الضغط قد يفقد التوازن، ويعمي البصيرة، ويدفع لمواقف غير معقولة وغير مدروسة، هذا من ضغط الواقع.
 أيها الأخوة، عامل آخر، لعله من التربية التي تلقيناها أن طريقة تفكيرنا غرست عندنا النمط من النظرة المتعجلة، تفكيرنا دائماً بسيط ومحدود، والعمق في تفكيرنا غائب سواء على المستوى العام أم الخاص.
 أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى أن نؤمن أن لكل شيء أوان، وعلينا أن نعمل بصمت، إليكم آيات من كتاب الله.
 دققوا أيها الأخوة :

﴿وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 36]

 ماذا يقول الله بعد هذه الآية؟ إذا رأوا النبي استهزؤوا واستخفوا به ولم يحفلوا بقدره، يقول الله عز وجل:

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء : 37]

 لا تستعجل، يقول الله عز وجل:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

[ سورة النحل : 1]

 أتى فعل ماض فلا تستعجلوه، أي أنه لم يأت بعد، قوانين الله واقعة لا محالة، عدل وجزاء رب العالمين واقع لا محالة، ينبغي أن تؤمن وكأنه وقع، وكأن عدل وانتقام وجزاء الله وقع لكن بعد حين.

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

[ سورة النحل : 1]

 في آيتين أخريين: ربنا يعلمنا كيف نكون من الصابرين، قال تعالى:

﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة الروم : 1-5]

 ماذا قال الله بعد هذه الآية؟ قال:

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾

[سورة الروم : 6-7]

 إذا نقلت اهتماماتك للآخرة فأنت رابح ورب الكعبة، لكن ما بال معظم المسلمين يقينهم في الدنيا وهدفهم الدنيا، فإن لم تأتِ كما يتمنون اختل توازنهم.

 

نماذج من سيرة النبي عن التفاؤل و مراعاة البعد الزماني :

 أيها الأخوة الكرام، أعطيكم بعض النماذج من سيرة النبي كيف علمنا النفس الطويل، وكيف علمنا أن نأخذ البعد الزماني على أوسع مدى.
 حينما كان في الطائف، وكذبه أهل الطائف، وبالغوا بالإساءة إليه حتى أغروا صبيانهم بأن يلحقوا الأذى به صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه التجأ إلى الله جل جلاله وقال: يا رب! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، جاءه ملك الجبال قال: يا محمد لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين - أي الجبلين- ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ يبدو أن أمله فقده فيهم، بمن عقد الأمل؟ بالجيل الذي يأتي بعدهم قال: لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده .
 وأنت حينما تفقد الأمل من المسلمين ينبغي أن تعقد الأمل على أبنائهم، ينبغي أن تعتقد أن أبناء المسلمين - كما كنت أقول كثيراً - هم الورقة الرابحة في أيدي المسلمين، وهم المستقبل، فحينما نعكف على تربية أولادنا، وغرس العقيدة الصحيحة، وعلى أن يتخلقوا بخلق المسلمين، وأن نغذيهم نفسياً وفكرياً واجتماعياً التغذية الصحيحة الاجتماعية، نكون كما عقد النبي الأمل على الجيل الذي يأتي بعد جيل الطائف:

(( لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 كان عليه الصلاة والسلام متفائل النظرة، وينبغي أن يكون المؤمن متفائلاً أيضاً.
 أيها الأخوة الكرام، في أصعب حال، إن كان في حياته خط بياني، فخطه البياني نزل أثناء الهجرة، لأن مئة ناقة وعد بها من يأتي به حياً أو ميتاً، وطمع بهذه المئة سراقة.
 تبعه سراقة فقال له النبي عليه الصلاة والسلام وهو في محنة ما بعدها محنة، مهدور دمه وملاحق- من يأتي به يأخذ مئة ناقة، إذا الناقة ثمنها مئة ألف، مئة ناقة بعشرة ملايين، جائزة كبيرة جداً- قال: يا سراقة كيف بك إذا لبست سوار كسرى؟ أين كسرى؟ أي أنا سأصل إلى المدينة، وسأنشئ دولة، وأعدّ جيشاً، وسيذهب الجيش لفتح التخوم البعيدة، وسينتصر الجيش، ويأتي بكنوز بكسرى، كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى؟ أرأيتم إلى تفاؤل النبي؟ علينا أن نعمل، هذا مشهد آخر من حياة النبي، في غزوة الأحزاب:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[سورة الأحزاب: 10-11]

 كان الإسلام قضية ساعات ويستأصل من جذوره، حتى أن أحداً ممن كان مع رسول الله يقول: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ‍!؟
 أمر عليه الصلاة والسلام بحفر الخندق، وعرضت لنا صخرة، كما يقول بعض أصحاب رسول الله في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشرة آلاف جندي مدججون بالسلاح، جاؤوا ليستأصلوا الإسلام، وحاصروا المدينة، وفيما يروي المؤرخون أنه ما اجتمع جيش في الجزيرة كهذا الجيش، قضية ساعات، عرض الصخرة لم تفتت أثناء حفر الخندق، فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:

((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ قَالَ وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنَ الخَنْدَقِ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ قَالَ فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَوْفٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَضَعَ ثَوْبَهُ ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ))

[ أحمد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

 معنى ذلك أن النبي كان متفائلاً جداً، واليأس ينبغي ألا يتسرب إلى قلب مؤمن صادق، ينبغي أن تؤمن أن الله لا يتخلى عن المؤمنين، لكنه يؤدبهم ويضعهم في موقف صعب وزاوية ضيقة، إما أن يصطلحوا، ويتوبوا، ويقلعوا عن معاصيهم وتقصيرهم، وإما فالنتيجة معروفة.
 هذا مشهد رابع من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ جاء عدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له النبي: يا عدي لعله ما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم - من فقرهم- وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي إن ما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم- قد قلت لكم أن العالم كله يضغط على الإسلام والمسلمين- وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض في أرض بابل مفتحة لهم، ولعله يا عدي ما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وايم الله ليوشك أن تسمع بالمرأة البابلية على بعيرها لا تخاف، وعاش عدي حتى شهد القصور البابلية مفتحة للمسلمين، ورأى الأمن مستتباً في كل الجزيرة العربية.
 النبي كان متفائلاً، واثقاً بوعد الله، لكن وعد الله لا يحقق في ساعات أو أشهر هذا ليس من اختصاصنا.

 

على المسلم أن يكون مؤهلاً لتحقيق وعد الله به :

 أيها الأخوة الكرام: حتى الأنبياء ماذا قال الله عنهم؟ قال:

﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[سورة يوسف: 110]

 سيدنا نوح متى دعا؟ قال تعالى:

﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ﴾

[سورة نوح: 27]

 أيها الأخوة الكرام، والآية واضحة جداً:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾

[سورة القصص : 4-5]

 سيدنا يوسف حينما كان طفلاً صغيراً قال:

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ *قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

[سورة يوسف : 4-5]

 ما الذي حدث بعد هذا؟ دخل عليه إخوته، وكان عزيز مصر، وخضعوا له، وتحققت رؤياه. وعد الله حق، العبرة أن نكون مؤهلين لتحقيق وعد الله بنا.

﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾

[سورة يوسف : 100]

 يجب أن يكون نفس المسلمين طويلاً، ويجب أن يعدوا العدة لأعدائهم إعداداً مدروساً قوياً متيناً عميقاً، يجب أن يربوا أبناءهم، مسؤولية كل واحد منكم أن يربي أولاده التربية الإيمانية، والعلمية، والنفسية، والاجتماعية، والخلقية، وتعده مواطناً صالحاً معطاء مستقيماً متوازناً منصفاً، هذا الذي أنتم مكلفون به، وقد يقطف أبناؤنا الثمرة، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

[ أحمد َعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 إذا قامت الساعة عقلاً مستحيل أن تقطف ثمار هذه الفسيلة.

 

الوضع الذي نعيشه تغييره يكون بالعمل الدؤوب والتخطيط البعيد :

 أيها الأخوة الكرام، ألا ترى رجلاً مكتمل الرجولة نشيطاً قوياً في مكان مرموق؟ ألم يكن طفلاً صغيراً لا يستطيع أن يضبط نفسه؟ ولا يستطيع أن يأكل إلا عن طريق أمه وأبيه؟ ألم يكن لا يستطيع أن يتكلم كلمة إلا عن طريق البكاء؟ كيف أصبح طليق اللسان قوي البنيان رفيع الشأن هكذا ؟ لكل شيء أجل.
 أيها الأخوة الكرام، الواقع الذي نعيشه المؤلم الذي يسحق المسلمين ويقض مضاجعهم ليس وليد ساعة أو ساعتين، ولا شهر أو شهرين، ولا سنة أو سنتين، بل وليد قرن أو قرنين، الوضع الذي نعيشه وليد مئات السنين، وليس من المقبول والمعقول أن يصحح في يومين لابد من نفس طويل، وعمل دؤوب، وتخطيط بعيد، هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إن استجابت لقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

 غدت خير أمة أخرجت للناس، فإن لم تستجب فهي أمة من هذه الأمم تعامل كبقية الأمم، لا شأن لها عند الله، حينما يسقط الإنسان من عين الله سقوطه من السماء إلى الأرض أهون من سقوطه من عين الله، وحينما تسقط أمة من عين الله لانصرافها إلى الدنيا، ولأكل حقوق بعضها بعضاً، ولانحرافها عن منهج الله وتعلقها بالشهوات، هذه أمة كما قال الله عز وجل:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 ليس لكم ولا ميزة ولا درجة، إن كان هناك معاصٍ وذنوب:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

الحرص على تنشئة أولادنا تنشئة إيمانية و إعداد العدة لأعدائنا :

 أيها الأخوة الكرام، حينما يغيب البعد الزمني من حياتنا، حينما نعيش لحظتنا وننظر إلى أقدامنا ونعيش لإطفاء الحرائق، وتكون أفعالنا ردود فعل فقط، يأتي الفعل فنحتار به فنرد رداً عشوائياً، هذا الوضع لا يبشر بخير، لكن الذي يبشر بخير أن نعد إعداداً طويلاً، أنتم كمؤمنين كرواد مسجد المهمة الأولى أن تنشئوا أولادكم تنشئة إيمانية، أن تحرصوا على أخلاقهم، على عقيدتهم، على التغذيات التي يستقبلونها، لعلها تغذيات إلحادية أو إباحية من خلال ما يتلقونه من هذه الصحون.
 أيها الأخوة الكرام، مسؤولية المؤمن في تربية أولاده تبلغ الدرجة القصوى الآن. من مظاهر غياب البعد الزمني نحن نبتعد كثيراً عن الأعمال ذات الأثر البعيد، نريد عملاً له أثر قريب وهذا خطأ أساسي من أخطائنا، نريد أن نعد إعداداً بعيداً مثلاً: هذا الفقير قد تساعده وتعطيه مبلغاً، لكن هذا الأمر لا ينتهي، والمحسن قد يفتقر، لو أنك أنشأت عملاً استوعبت الفقراء لانتقلوا من أناس يأخذون الزكاة إلى أناس يدفعون الزكاة، انقل الإنسان الفقير من مستهلك إلى منتج، هذا العمل البعيد، كل أعمالنا الخيرية أساسها مساعدات المحسنين وهذه مضطربة، فكل مشاريعنا ليست مستمرة، لأن الإمداد متقطع، وغير ثابت، لو كان هناك توظيف لثرواتنا ومواردنا في مشاريع إنتاجية هذا التفكير الصحيح، فينبغي أن نعد العدة لأن أعداءنا أقوياء جداً، وأذكياء، وأغنياء، فلابد من أن نقابلهم بتخطيط وذكاء وإعداد.
 غنينا أحياناً قد يبادر لمساعدة فقير، لكن لا يبادر إلى تنشئة جيل، تنشئة الأجيال يحتاج إلى مدارس ووسائل فقد يبادر إلى إطعام فقير، ويتعامى عن تنشئة جيل، هذا نظر قصير.

استيعاب الباطل مستحيل لأن الباطل متعدد :

 أيها الأخوة الكرام، من غياب البعد الزمني تغيب الأولويات، كم من المسلمين يهتمون بأشياء في الدرجة العالية أو العشرين أو المئة ويتغافلون عن أشياء خطيرة مرتبتها في الدرجة الأولى، لابد لكل مسلم أن يتمتع بوعي عميق.
 أخوتنا الأكارم، كنت أقول دائماً: إن استيعاب الباطل مستحيل لأن الباطل متعدد جداً لا عمر واحد ولا عمر ألف يكفي لاستيعاب الباطل، ولكنك إذا استوعبت الحق كنت أنت الميزان، من الذي يستوعب الحق ويدري ماذا في الكتاب والسنة؟ من الذي يجلس على ركبتيه ليتعلم كلام الله وسنة رسوله؟ من هذا الذي يراجع كل المعتقدات ويصححها؟ هذا الذي نطلبه أولاً أن تستوعب الحق، فإذا استوعبته تمايز عندك الباطل أعرضت عنه، أما إذا بدأت بالباطل ينتهي العمر كله ولا تنتهي من الباطل فهو متعدد.
 كنت أقول: إن ما يطبع في اليوم الواحد بلغة واحدة لا تستطيع أن تقرأه بمئتي عام، لكن القرآن الكريم وسنة النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم هي الكتاب المقرر الذي سوف تمتحن به، فهذا الذي ينبغي أن تنصرف إليه.

تربية الأولاد من أعظم الأعمال :

 من أكثر ما أواجه من مشكلات عن طريق بعض إخوتي الكرام أب يهمل ابنه، ثم يفاجأ بخطر أو بانحراف خطير في ابنه، يدفعه هذا الإدراك أن يقسو عليه في المعاملة، قسوته البالغة تزيد المشكلة تعقيداً نحن آليون، يوجد إهمال خمس سنوات انحرف الابن، لم يدقق الأب في أصدقاء ابنه، ولا أين يذهب، ولا متى يأتي إلى البيت، ولم يزر المدرسة ولا مرة واحدة، ولم يزر معلميه، فجأة اكتشف أن ابنه منحرف، ينزل به أشدّ العقاب، وهذا العقاب يزيده نفوراً من البيت، هذه مشكلة أما المتابعة الهادئة، متابعة تربية الأولاد فهذا من أعظم الأعمال، وهذه الفكرة والله ظللت أكررها مئات المرات أمام المسلمين، آلاف الأعمال التي يقوى بها المسلمون ويتهيؤون لمواجهة أعدائهم في المستقبل، الله عز وجل وعده حق قال:

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال: 10]

 وقال:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

 لا تقلق حول ما إذا كان الله يفي بوعده أو لا، هذا كلام مرفوض وباطل، الله عز وجل يفي بوعده دائماً.

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء : 87]

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة: 111 ]

 اقلق هل أنا مؤهل لاستقبال نصر الله عز وجل؟ أو كي يدافع الله عني؟ أو تحقق فيّ الآية الكريمة:

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم : 47]

 أيها الأخوة الكرام: أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018