الخطبة : 0664 - حقيقة الاحتفال بالمولد1 - النبي قدوة - سرعة الضوء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0664 - حقيقة الاحتفال بالمولد1 - النبي قدوة - سرعة الضوء.


1998-07-10

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.

النبي قدوة عظيمة قرر بأفعاله وسلوكه ومبادئه ومواقفه حقائق الدين :

 أيها الأخوة الكرام: قبل أيام عدة مرت ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقيقة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون واضحة عند المسلمين جميعاً، فالله جل جلاله يقول:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب: 21]

 مهمة النبي صلى الله عليه وسلم مهمتان، مهمة التبليغ ومهمة القدوة، ولعل مهمة القدوة أعظم بكثير من مهمة التبليغ، فهذا النبي الكريم قرر بأفعاله وسلوكه ومبادئه ومواقفه حقائق الدين، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب: 21]

 ولكن هناك شرطاً، متى يكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوةً لنا؟ متى نبحث عن سيرته؟ متى نبحث عن مواقفه؟ متى نبحث عن شمائله؟ متى نبحث عن قصة حياته؟ حينما نرجو الله واليوم الآخر.
 فإذا رجونا الدنيا نبحث عن أهل الدنيا، إذا رجونا أهل المال نبحث عن الأغنياء لنقتدي بهم، إن رجونا الملك والسلطان نبحث عن الأقوياء لنقتدي بهم، أما إن رجونا الله والدار الآخرة فنجد أنفسنا بشكل عفوي نبحث عن قدوة عظيمة لنا. معنى ذلك أن الإنسان لا يبحث عن قدوة إلا إذا سلك طريق هذه القدوة: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. لمن؟ ليس النبي عليه الصلاة والسلام أسوةً لكل الناس، ليس للناس الشاردين، ليس للناس الضائعين، ليس للعصاة المذنبين، ليس للبعيدين عن منهج الله عز وجل. أما حينما ترجو الله، ترجو ما عنده من إكرام كبير، من جنة عرضها السموات والأرض، حينما ترجو ما عنده، وحينما تخشى عذابه، وحينما ترجوه سلامةً وسعادةً وبعداً عن عذابه فتبحث عن قدوة هي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب: 21]

 إذاً ترجو الله أولاً، ترجو السلامة في الدنيا، ترجو طاعته، ترجو رضوانه، ترجو جنته، ترجو عطاءه، ترجو أن يدافع عنك، ترجو أن ينصرك، حينما ترجوه بشكل مطلق تبحث عن رسول الله، عن القدوة المثلى، عن الإنسان الأول الذي يمثل الكمال البشري.

 

النبي قدوةٌ للمؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر وذكروا الله كثيراً :

 أيها الأخوة الكرام: النبي عليه الصلاة والسلام قدوةٌ للمؤمنين، الذين يرجون الله واليوم الآخر وذكروا الله كثيراً، لأن الله عز زجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ﴾

[سورة الأحزاب: 41-44]

 الأمر ينصب على الذكر الكثير لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، المنافقون يذكرون الله ذكراً قليلاً لكن المؤمنين يذكرون الله ذكراً كثيراً، لذلك ورد أنه برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله.
 إن أردت الله، واليوم الآخر، وذكرت الله كثيراً، تجد نفسك تبحث عن قدوة عظمى، هي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندئذ تقرأ سيرته، ولعل معرفة سيرته فرض عين، وأنا أعني ما أقول فرض عين، لأن هذه الآية تقتضي الوجوب، وكل أمر في كتاب الله يقتضي الوجوب، والنبي عليه الصلاة والسلام في نص هذه الآية هو أسوةٌ لنا وقدوة، كيف يكون لنا أسوة وقدوة إن لم نعرف مواقفه؟ إن لم نعرف سيرته؟ إن لم نعرف حاله مع أهل بيته؟ حاله مع أهله؟ حاله مع أولاده؟ حاله مع جيرانه؟ حاله مع أصحابه؟ حاله في سلمه وحربه؟ حاله في إقامته وسفره؟ حاله في ضيق الدنيا وسعة الدنيا؟ حاله في إقبال الدنيا وفي انصراف الدنيا عنه؟ هو أسوة لنا حسنة.
ذاق عليه الصلاة والسلام الفقر فكان قدوةً حسنة في التجمل والصبر.
 ذاق الغنى فكان أسوةً حسنة في السخاء والتواضع. ذاق القهر في الطائف فكان أسوةً حسنة في إعلان العبودية لله عز وجل ؛ " إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى". ذاق النصر في فتح مكة، فكان مثلاً للتواضع لله عز وجل، حنى رأسه تواضعاً لله عز وجل حتى كانت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره. تواضع لله وعفا عن خصومه. ذاق موت الولد، فقال: " إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون". ذاق أن يقول الناس على زوجته السيدة عائشة كلاماً منكراً فصبر وانتظر وحي الله عز وجل حتى برأها الوحي من فوق سبع سموات. ذاق تطليق ابنتيه فصبر، ذاق الهجرة، ذاق كل شيء، فوقف الموقف الكامل من كل شيء، إذاً هو أسوة لنا، وقدوة لنا، بشرط أن نرجو الله واليوم الآخر وأن نذكر الله كثيراً.

 

على المسلم أن يأتمر بما أمر به الرسول و ينتهي عما عنه نهى و زجر :

 قال بعض العلماء: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوةً لك حسنة في أمر الدين فهو واجب قطعي، أما أن يكون أسوةً لك في أمر الدنيا فهو على سبيل الاستحباب. الآية الثانية التي ينبغي أن نذكرها بمناسبة مولد النبي عليه الصلاة والسلام هي قوله تعالى:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة الحشر: 7]

 الإيتاء هو الأمر، لأنه يقابل النهي، ولا يقابل النهي إلا الأمر، أمر ونهى، وما آتاكم الرسول فخذوه هو الأمر، لأن الطرف الآخر؛ وما نهاكم عنه فانتهوا، إذاً كيف نأتمر بما أمر وننتهي عما عنه نهى وزجر إن لم نعرف سنته القولية؟

 

معرفة سنة النبي فرض عين على كل مسلم :

 أيضاً أن تعرف سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما لا يتم الفرض به فهو فرض، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، أليس الوضوء فرضاً؟ لأن الصلاة لا تتم إلا به، الصلاة فرض، والوضوء فرض لأن الصلاة لا تتم إلا بالوضوء.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أي إذا أمرتكم بفعل الخيرات فأتوا منها ما استطعتم، أما إذا نهيتكم عن شيء فهذا الشيء سيدمر سعادتكم، سيدمر سلامتكم، حلول وسطى في المنهيات لا يوجد، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، أمرك بإنفاق المال، أنفق بقدر استطاعتك، أمرك بالنوافل صل بقدر استطاعتك، أما إذا نهاك عن شيء فهذا لا يحتمل الاستطاعة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. قال بعض العلماء: اتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيعوها، وأوامر النبي، وأوامر الله التفصيلية، ونواهيه التفصيلية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ﴾

[سورة النساء: 42]

 دققوا في هذا الآية، يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، يندم الإنسان يوم القيامة أشد الندم لأنه ترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

من جعل النبي قدوة له نجا من عذاب الدنيا و الآخرة :

 آية ثالثة من المناسب جداً أن نذكرها في مولد رسول الله صلى الله عيه وسلم، يقول الله عز وجل:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة هود: 120]

 قال علماء التفسير في معنى قوله تعالى:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

 نزيدك تثبيتاً، نزيدك يقيناً، نشد به قلبك، نصبر به قلبك، نطيب به قلبك، وأكثر هذه المعاني تلتقي على محور واحد، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقص الله عليه أنباء الرسل الذين جاؤوا قبله، هذا النبي الكريم حينما يقص الله عليه أنباء الرسل السابقين يطيب قلبه، يثبت قلبه، يشد قلبه إلى الله عز وجل، تزيده هذه القصص تثبيتاً، فإذا تلونا على مؤمن في آخر الزمان قصة النبي عليه الصلاة والسلام، كيف جاهد في نفسه، كيف صبر، كيف تحمل المتاعب، كيف أوذي وما أوذي أحد مثل رسول الله، كيف ذاق ألوان التعب في سبيل نشر هذا الدين:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب: 21]

 حينما نستمع إلى قصة النبي، أو إلى شمائل النبي، أو إلى أخلاق النبي، أو إلى مكارم النبي، أو إلى مواقف النبي، نجعله قدوةً لنا، ونسعى إلى تقليده، ففي هذا نجاتنا من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

 

معرفة الرسول ركن من أركان الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام: ومن الآيات التي ينبغي أن نذكرها بمناسبة مولد النبي عليه الصلاة والسلام، قوله تعالى:

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 69]

 لابد من أن تعرف الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الإيمان بالله، والإيمان برسله، ولاسيما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإيمان، أن تعرف هذا النبي الكريم الذي أنزل عليه القرآن، أن تعرف أقوال هذا النبي الكريم الذي في أقواله بيان للقرآن، أن تعرف سيرة النبي الكريم الذي في سيرته بيان لأقواله:

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 69]

 قال العلماء: هذا أسلوب تستعمله العرب في معنى التقبيح، ألم تعرفوا رسولكم حتى الآن؟ ألم تعرفوا ما جاء به من الحق؟ ألم تعرفوا ما جاء به من النور المبين؟ ألم تعرفوا ما جاء به من الصراط المستقيم؟ ألم تعرفوا ما جاء به من المنهج القويم ؟ ماذا تنتظرون؟

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 69]

 لقد عرفوا رسولهم أنه من أهل الصدق، ومن أهل الأمانة، ففي اتباعه النجاة والخير، قال أبو سفيان: عرفوه ولكنهم حسدوه. يدعم هذا المعنى قول الله عز وجل متحدثاً عن أهل الكتاب:

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 146]

 هل من معرفة أوثق؟ هل من معرفة أصدق؟ هل من معرفة أوضح؟ هل من معرفة أسرع من معرفة الأب لابنه؟ قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 146]

 ما الذي منعهم من اتباعه ومن الإقرار بنبوته؟.. الحسد.

 

أنواع الاختلاف بين الناس :

 فيا أيها الأخوة الكرام: هناك ثلاثة أنواع من الاختلافات بين الناس، اختلاف طبيعي مبعثه الجهل، قال تعالى:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة البقرة: 213]

 ويختلف الناس أحياناً لا بسبب الجهل، بل هناك معرفة يقينية كما تعرف ابنك، وتختلف معه بسبب الحسد، وبسبب البغي والعدوان، وحظوظ الدنيا:

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[سورة آل عمران: 19]

 أي حسداً بينهم. وأحياناً يختلف المؤمنون اختلاف تنافس، الاختلاف الأول طبيعي، والاختلاف الثاني مذموم، والاختلاف الثالث محمود، اختلاف المنافسة محمود.

 

الإنسان بين شيئين؛ بين أن يستجيب للحق وبين أن يتبع الهوى :

 آية أخرى ينبغي أن نذكرها بمناسبة مولد النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة القصص: 50]

 ربنا عز وجل يعد استجابة المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اتباع سنته عين استجابتهم لله عز وجل، فإن لم يستجيبوا لك يا محمد فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، والإنسان بين شيئين، بين أن يستجيب للحق وبين أن يتبع الهوى، طريقان لا ثالث لهما، فإن لم تكن على أحدهما فأنت على الثاني حتماً، وهذا معنى خطير، إن لم تكن على الحق فأنت على الباطل، إن لم تتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام فأنت تتبع الهوى.

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة القصص: 50]

 لذلك ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها، لذلك قال الله عز وجل: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين.
 علماء الأصول يقولون: هناك معنى مخالف، المعنى المخالف في هذه الآية: من يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، ليس في الإسلام حرمان، ولكن في الإسلام تنظيماً، الأمور كلها لها قنوات نظيفة، ولكن الله عز وجل نهانا عن القنوات القذرة، كل شهوة أودعها الله فينا لها قناة تسري خلالها: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين.

 

محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما :

 آية خامسة ينبغي أن نذكرها بمناسبة مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وهو قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 31]

 أي ربنا عز وجل لم يقبل من أحد دعوى محبته إلا بالدليل، والدليل أن تتبع سنة النبي، لذلك لا تقل: إني أحب الله وأنت مقيم على مخالفة سنة النبي، كلام لا معنى له، كلام مردود عليك، كلام لا يقبله الله عز وجل، وهو العليم الحكيم:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 31]

 الشاردون الطرف الآخر قال الله عنهم:

﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴾

[سورة القيامة: 20]

 معنى ذلك إما أنك تحب الله فتتبع سنة رسول الله، وإما أنك تحب العاجلة فتتبع هوى نفسك :

﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴾

[سورة القيامة: 20]

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 27]

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 31]

 قال بعض العلماء: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما، كلمة محبة تعني طاعة.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتــــه  إن المحب لمن يحب يطيـــع
***

 كلمة حب تعني طاعة، لا تتفلسف وتقل: إني أحب الله وأنت مقيم على معاصيه، هذا كلام مرفوض:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتــــه  إن المحب لمن يحب يطيـــع
***

 قال بعض العلماء: علامة حب الله عز وجل حب القرآن، وعلامة حب الله عز وجل حب النبي العدنان، وعلامة حب الله عز وجل حب سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة أن تحب الآخرة، أن تسعى إليها، أن تنقل اهتماماتك إليها، أن ترجو الله والدار الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن تحب نفسك، وعلامة حبك لنفسك أن تبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا أن تأخذ منها ما يبلغك المقيل، ألا تنشغل بها، ألا تضيع الوقت بها، ألا تكون مستهلكاً فيها.
 أيها الأخوة الكرام: الدنيا في خدمتك أو أنت في خدمتها، إن استعملت المال لصون عرضك، والتقرب إلى ربك، فالمال في خدمتك، أما إذا كنت عبداً له ونسيت دينك وآخرتك من أجل المال، أصبحت عبداً للمال، كان في خدمتك فأصبحت في خدمته، والدنيا كلها كذلك، إما أنك تستخدمها، وإما أنها تستخدمك، و أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه، فهي تغر وتمر وتضر. ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أراد أن يحبه الله عز وجل فعليه بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وألا يؤذي جاره وإن الله إذا أحب عبداً ألقى حبه في قلوب الخلق". محبة الخلق الصادقة، الموضوعية، التي لا نفاق فيها، ولا مصلحة فيها، محبة الخلق الصادقة والموضوعية والمخلصة والمتعلقة بأمور الآخرة هي محبة الله عز وجل. ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا، ما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة.

 

تطبيق سنة النبي في حياتنا أمن لنا من عذاب الله :

 أيها الأخوة الكرام: ومن الآيات التي ينبغي أن نذكرها بمناسبة مولد النبي عليه الصلاة والسلام قول الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 أي ما دامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام مطبقة في حياتنا، مطبقةً في حركاتنا وسكناتنا، مطبقة في بيوتنا، مطبقة في أعمالنا، مطبقة في أفراحنا؛ احتفال منضبط بالكتاب والسنة، مطبقةً في أحزاننا، مطبقة في سفرنا، مطبقة في تربية أولادنا، مطبقة في كل مواقفنا:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 طبعاً حينما كان النبي بين ظهرانيهم هم في أمن من عذاب الله، أما حينما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى أصبح للآية معنى آخر؛ ما دامت سنته مطبقة فهم في أمن من أن يعذبوا. لو أن المسلم بشكل أو بآخر زلت قدمه فخرج عن سنة النبي ماذا يفعل؟ لا يزال في أمن من عذاب الله إذا استغفر:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 عندك أمنان، أمن أنك في اتباع سنة رسول الله، والأمن الثاني أنك إذا ندمت واستغفرت فأنت في أمن آخر.
 خالفت سنة النبي ولم تندم ولم تستغفر فقد عرضت نفسك لعقاب الله عز وجل.

 

طاعة رسول الله عين طاعة الله :

 يجب أن نعلم علم اليقين أن هذه الآيات التي سأتلوها على مسامعكم هي كلام رب العالمين، يقول الله عز وجل:

﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾

[سورة النساء : 80]

 طاعة رسول الله عين طاعة الله، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 62]

 بضمير المفرد، لم يقل أحق أن يرضوهما، لأنك إن أرضيت رسول الله فقد أرضيت الله، وإن أرضيت الله ينبغي أن ترضي رسول الله باتباع سنته.

﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 115]

 هل هناك من وعيد أشد من هذا الوعيد؟ ومن يشاقق الرسول، هو الذي يطعن بسنته، هو الذي يقلل من قيمة السنة، هو الذي يدعو الناس أن يبتعدوا عن السنة، هذه مضطربة، هذه لا تعبر إلا عن عصر النبي نحن في عصر آخر، وهناك دعوة عريضة منتشرة في العالم الإسلامي تدعو الناس إلى الانصراف عن السنة والاكتفاء بالقرآن، وهم حينما فعلوا ذلك طعنوا بالقرآن، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة الحشر: 7]

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 132]

 رحمة الله عز وجل لعل من أسبابها أن نتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾

[ سورة الفرقان: 27-29]

 يا ليتني اتبعت النبي.
 أيها الأخوة الكرام: طريقان لا ثالث لهما، إما أن نتبع الهوى، وإما أن نتبع النبي عليه الصلاة والسلام، الآية واضحة:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة القصص: 50]

 انتهى الأمر، اعلم علم اليقين إن لم تكن على السنة فأنت ممن يتبع الهوى.

﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة: 61]

 كيف نؤذي رسول الله؟ حينما نصرف الناس عن سنته.
 هذه الآيات الكريمة ينبغي أن نذكرها ونحن نحتفل بمولد النبي عليه الصلاة والسلام، الاحتفال بعيد المولد يعني أن تحيي سنة النبي، أن تتبع منهج النبي، أن تعود إلى هذا المنهج الأفضل، أن تعود إلى الصراط المستقيم، هناك أشياء يفعلها المسلمون في الاحتفال بعيد المولد لا تنفعهم ولا تزيدهم قرباً من رسول الله، الذي يزيدهم قرباً من رسول الله أن يتبعوا سنته، ليسعدوا بها في الدنيا والآخرة.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سرعة الضوء :

 أيها الأخوة الكرام: أخ كريم قبل أسبوع قدّم لي كتاباً من تأليفه، يتحدث فيه عن بعض الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، اخترت لكم من هذا الكتاب شيئاً يلفت النظر، هو أن الله جل جلاله حينما قال:

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾

[سورة السجدة: 5]

 كان مقداره ألف سنة مما تعدون، اليوم عند الله كألف سنة مما تعدون، القرآن ليس ملك أحد، القرآن حمال أوجه، ولكن مما ورد في هذا الكتاب أن هذه الآية تشير إلى سرعة الضوء، كيف ؟
 القمر يدور حول الأرض كل شهر دورة، فلو قسنا بعده عن مركز الأرض ورسمنا هذه الدائرة التي هي مداره حول الأرض، هذه الدائرة التي يسكلها القمر حول الأرض لها طول، لو أخذنا طول محيط هذه الدائرة، وضربناه باثني عشر شهراً، هذه المسافة التي يقطعها القمر في العام، لو ضربنا هذه المسافة بألف عام، صار معنا رقم كبير، هذا الرقم يساوي يوماً في الأرض، أي يوم هذا؟ لو قسمنا هذا الرقم على يوم أي أربع وعشرين ساعة، ضرب ستين كم دقيقة، ضرب ستين كم ثانية، إذا قسمنا المسافة التي يقطعها القمر حول الأرض في ألف عام وقسمناها على عدد ثواني اليوم لظهرت معنا سرعة الضوء قريباً من ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، وهذه أعلى سرعة موجودة بالكون، فالشيء إذا سار بسرعة الضوء أصبح ضوءاً، أصبحت كتلته صفراً، وحجمه لا نهائياً، وتوقف الزمن، فإذا سار الجسم أسرع من الضوء تراجع الزمن، فإذا قصر عن الضوء تراخى الزمن.
هذه الآية والآية الثانية:

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة الحج: 47]

 أنتم تعدون السنوات وفق الأشهر القمرية، وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، أما قوله تعالى:

﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾

[سورة المعارج : 4]

 فليس في هذه الآية مما تعدون، هذه سرعة أخرى للملائكة تتجاوز سرعة الضوء.
 على كل من خلال تقسيم المسافة التي يقطعها القمر في دورته حول الأرض في ألف عام على عدد ثواني اليوم تظهر معنا سرعة الضوء وهي أعلى سرعة في خلق الله عز وجل، فأي شيء قارب هذه السرعة أصبح ضوءاً، تلاشت كتلته، وأصبح حجمه لا نهائياً، وعندئذ يتوقف الزمن، وهذا ما يقوله العلماء: إن الزمن هو البعد الرابع للأشياء.
 على كل لا مجال لتفصيلات أكثر من ذلك من على هذا المنبر، أما من أراد أن ينتفع من هذا الموضوع فليعلم علم اليقين أن هذا القرآن كلام الله. الشيء الذي وصل إليه الإنسان بعد ألف وأربعمئة عام، وقالوا: فلان عرف النسبية، وفلان عرف سرعة الضوء، وعرف هذه الحقائق المذهلة القرآن أشار إليه حينما قال:

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة الحج: 47]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018