الخطبة : 0833 - الكبائر الباطنة - آفات العلم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0833 - الكبائر الباطنة - آفات العلم .


2002-04-26

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغـاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسـلم رسول اللـه سـيد الخلق والبشر مـا اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الكبائر :


أيها الأخوة المؤمنون: كنت أقول دائماً: إن الشيطان يأتي الإنسان فيوسوس له بأن يكفر، فإن رآه على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له أن يفعل كبيرة، والكبيرة اسمها يعبر عنها تقطع عن الله عز وجل، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغيرة، فإن رآه على ورع وسوس له بالبدعة، فإن رآه على سنة وسوس له بالتحريش بين المسلمين، فإن رآه على وعي وسوس له بالمباحات.. الشيطان معه أوراق رابحة جداً، يطرح ورقة، فإن لم تنجح طرح الأخرى، أقف في هذه الخطبة عند الكبائر، والكبائر كبائر، وقد قال الله عز وجل:

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة النساء : 31]

هنا كبائر يعرفها الناس جميعاً، الزنى، شرب الخمر، السرقة، الفرار من الزحف، ولكن هناك كبائر يجهل الناس معظمها، لذلك في كتب العلم صنف العلماء الكبائر إلى كبائر ظاهرة يعرفها معظم المسلمين، وإلى كبائر باطنة، ذلك أن الكبائر الباطنة أخطر من الظاهرة، فالظاهرة لظهورها ووضوحها ومعرفة الناس بها يسهل التوبة منها، أما الكبائر الباطنة لأنها باطنة ومستترة فيصعب معرفتها، وهي حجاب كالكبائر الظاهرة، وقد صنف العلماء كبائر باطنة كثيرة منها الكبر، والاعتداد بالنفس، وأن تشعر أنك فوق الناس، وقد خطبت في خطبت قبل عام فيما أذكر حول هذه الكبائر الباطنة، واليوم سوف يكون محور الخطبة إن شاء الله حول كبائر العلم فقط.

 

حاجة طلاب العلم ورواد المساجد إلى تحرير نياتهم وتصحيح أعمالهم :

وأنت في المسجد، وأنت طالب في معهد شرعي، وأنت في حيز العلم، وأنت في دعوة، وأنت في تلقي دعوة إلى الله عز وجل هناك كبائر، المؤمن أيها الأخوة كيس فطن حذر، الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾

[ سورة النساء: 71]

ينبغي أن تحذر من إنسان مرة، وأن تحذر من شيطان ألف مرة.
أيها الأخوة الكرام، لا أزيد في معلوماتكم حقيقة إن قلت: الذين يرتادون المساجد يوم الجمعة فقط لا يزيدون عن عشر سكان دمشق، انظر إلى المقاصف والمتنزهات ممتلئة يوم الجمعة في وقت صلاة الجمعة، والذين يرتادون المساجد عدا يوم الجمعة لا يزيدون عن واحد بالألف من سكان دمشق ، والذين يلتزمون الأمر والنهي أقل من ذلك، لذلك إذا رأيتم أن هناك مظهراً إسلامياً، وليس هناك مخبر إسلامي فهذه حقيقة.
أيها الأخوة الكرام، نحن لسنا متشائمين، ولكن الحقيقة تفرض وجودها، والله سمعت خبرًا قبل يومين صعقت منه، استنتجت من هذا الخبر أن قوة أعدائنا واللهِ الذي لا إله إلا هو ليست في أسلحتهم الفتاكة، وليست في أسلحة بالغة التطور، إن جيش إسرائيل صنف الآن ثالث جيش في العالم، واللهِ أيقنت قبل يومين أن قوتهم ليست في أسلحتهم، ولكن في معلوماتهم، ومعلوماتهم يستقونها من خمسة وستين ألف مخبر في الضفة الغربية، باع نفسه للشيطان، يعطيهم أدق المعلومات، مشكلتنا كبيرة جداً، كنا في حقل العلم، وفي حيز العلم، ونحن في المساجد، وفي طلب العلم، وتلقيه، وإلقاء العلم، هناك كبائر كثيرة، سأجعل هذه الخطبة محوراً لها كي نصحو، الأمر خطير، هناك كبائر وأنت في المسجد، وأنت متجه إلى المسجد، وتتصدر الحديث في المجالس، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

يتعلم العلم الشرعي ليصيب به الدنيا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ أي لم يجد رائحتها، أي لا يدخل الجنة، المسلمون اليوم ولاسيما طلاب العلم ورواد المساجد بحاجة إلى شيئين خطيرين تحرير نياتهم وتصحيح أعمالهم، هذا المحسوب على المسلمين وطلبة العلم وعلى المساجد، وعلى الله عز وجل ينبغي أن يحرر نيته، ويصحح علمه، فإنه:

((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((...رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ...))

[ مسلم عن أبي هريرة]

ألا يقصم الظهر؟ من هؤلاء؟ هم نخبة المجتمع الذين طلبوا العلم وألقوا العلم وأمامهم هذا الخطر، ينبغي أن نصحح أعمالنا ونحرر نوايانا.
حديث آخر صحيح، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ))

[الترمذي عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ]

من كبر عقله اشتد خوفه من الله عز وجل :

أحياناً أيها الأخوة، والله من شدة الخوف أتوجه إلى طلاب العلم وأذكرهم ببعض الأخطار، وأتمنى عليهم أن يصححوا المسار، وأنت في المسجد وتطلب العلم الشرعي، وتلقي العلم هناك أخطار قد توجب النار، لذلك الإنسان كلما كبر عقله اشتد خوفه، من الذي لا يخاف؟ هو الذي لا يدرك، أرأيت إلى طفل صغير رضيع يضعه أبوه وهو يحصد القمح بين سنابل القمح، ويأتي ثعبان، يخرج الرجل من جلده إذا رآه و هذا الطفل لا يتأثر، بل يضع يده عليه، ما تفسير ذلك؟ عدم إدراكه، وسبب عدم خوفه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( رأس الحكمة مخافة الله ))

[ رواه البيهقي عن عبد الله بن مسعود]

كلما اشتد خوفك كان عقلك كبيراً، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً وخوفاً، وعَنْ أَنَسٍ:

((أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[مسلم عَنْ أَنَسٍ]

أيها الأخوة الكرام، وفي حديث صحيح آخر عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))

[ابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

ينبغي أن تصحح العمل وتحرر النية، ينبغي أن يكون لسان حالك إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي.

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[سورة الإنسان : 8-9]

وفي حديث آخر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَقُولُونَ نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ...))

[ ابن ماجة عن ابن عباس ]

الإخلاص يقتدي أن تنزه علمك عن أن تجعله أداة في يد الأقوياء.

 

كبائر العلم هي :

1 ـ طلب العلم لغير الله :

أيها الأخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

هذه كبيرة أن تتعلم العلم لغير الله، أن ترى أن أهل العلم موقرون محترمون يقبل عليهم الناس، فتشتهي أن تكون مثلهم، لا لشيء متعلق بالآخرة، ولكن للدنيا التي تراها حولهم، أنت أقبلت على العلم، ولا تريد من العلم إلا الدنيا، هذه كبيرة من كبائر العلم.
ومن علامات قيام الساعة عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:

((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ؟ قَالُوا: وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ ))

[الدارمي عَنْ شَقِيقٍ]

هذه كبيرة أن يطلب العلم لغير الله.

 

2 ـ كتم العلم :

هناك كبيرة ثانية: يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 159]

الكبيرة الثانية: كتم العلم، قد يقول قائل: قلّما يفعل أحد ذلك، أنا أقول: كثيراً ما يفعل أهل العلم أن يكتموا العلم، الإخلاص مر والنفاق مريح، لمجرد أن تقول قولاً تعلم خلافه هذه كبيرة من كبائر العلم، لذلك قالوا: الذي يفتي بغير علم سيحاسب حساباً شديداً، لكن الذي يفتي بخلاف ما يعلم هذا سوف يقصم، يعلم الفتوى والحقيقة والحكم الشرعي لكن لمصلحة دنيوية تكلم كلاماً لا ينطبق على الواقع، ولا ينطبق على منهج الله ولا منهج رسوله، فالكبيرة الثانية كتم العلم.
اليهود لعنهم الله كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي وردت في التوراة، وقد أخبر الله أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهل من معرفة ألصق بالإنسان من أن تعرف ابنك؟ وقد كانوا يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام أنه نبي ورسول من كتبهم، ومع ذلك جحدوا وأنكروا وكتموا، فكتمان العلم كبيرة من الكبائر، لكن كما تعلمون القاعدة الأصولية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أي إنسان على علم بحكم شرعي ويفتي بخلافه تقرباً إلى الأقوياء فقد انطبقت عليه الآية الكريمة.
أيها الأخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام لم يكتم شيئاً مما أوحي إليه، فكتمان العلم كبيرة، إذا كنت تعرف حكماً شرعياً أو معنى آية المعنى الدقيق، أو معنى حديث شريف واقتدت مصلحتك أن تكتم هذه الحقيقة فأنت ممن وقعت تحت طائل هذه الآية:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾

[سورة آل عمران : 187]

مدرس مؤمن يتحدث أمام طلابه عن نظرية دارون، هو يعلم علم اليقين أنها غير صحيحة، ولكن دفعاً للمتاعب والمناقشات يقرر هذه النظرية ويسكت، يسكت لأن القرآن نطق بغير ذلك، فهذا الطفل الصغير ماذا يفعل؟ يأتيه أستاذ الديانة ليعلمه أن الخلق بدأ بآدم، ويأتيه أستاذ العلوم ويخبره أن الخلق بدؤوا بالقرد مثلاً، فكيف يفرق هذا الطفل؟ الآية واسعة جداً والحكم كبير، أنت حينما تكتم حكماً شرعي أو حقيقة في العقيدة تكتمها سلامة ولم تصرح بالحق فأنت وقعت تحت إثم كبير وتحت وعيد هذه الآية:

﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾

[سورة البقرة: 159]

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 187]

أما معنى قوله تعالى:

﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾

[سورة آل عمران : 187]

شيء من الدنيا زائل يأتي ويذهب، وتبقى لعنة الله على هذا الإنسان إلى يوم القيامة.

 

تغيير الاسم لا يغير الحقيقة :

لذلك حدثني أحد الأخوة الدعاة إلى الله قال: والله حضرت نزاع أحد أكبر علماء بلد إسلامي، ويعتلي منصباً يساوي رئيس وزارة، وهو على فراش الموت رفع يديه كلتيهما إلى الأعلى وقال: يا رب أنا بريء من كل فتوى أفتيتها في المصارف والبنوك، ونستمع من حين إلى آخر فتاوى أن إيداع المال بالبنوك وأخذ الفائدة لا شيء فيه إطلاقاً، إذا كان هذا ليس محرماً أين الربا المحرم؟ دلني على ربا محرم؟ هذا ربا القرآن وربا القروض، فمن أجل دنيا تصدر فتوى ما الذي حصل في اليوم التالي؟ ثلاثة وثلاثون ملياراً وضعت في البنوك بهذه الفتوى، فلذلك أن تكتم العلم والحقيقة والحكم الشرعي وتدلي بحكم شرعي من اختراعك، تسمي الفائدة عائدة، وتعد إيداع المال في البنك أمانة، وإدارة البنك أعطت هؤلاء المودعين مكافأة سميت عائدة، وأنت لا تسميها فائدة، وهل تغيير الاسم يغير الحقيقة؟
لأن هذا سيكون بشكل واسع جداً نبه عليه القرآن الكريم، ونبهت عليه السنة المطهرة، مثلاً: في العام السابق كل المنحرفين في سلوكهم الجنسي يدعون أن في تركيبهم الجيني تركيباً خاصاً يدعوهم لهذا الشذوذ، هذه مقولة بقيت عشرين عاماً منتشرة في العالم كله، وكأنها تغطي الشذوذ الذي يخالف الفطرة، قبل عام كشفت الخارطة الجينية للإنسان، واحتفل احتفالاً كبيراً ألقيت فيه خطبة ألقاها من يتربع على رئاسة أعلى دولة في العالم قال بالحرف الواحد: من معطيات علمية لا علاقة للسلوك بالجينات، أنت كإنسان عاقل أيعقل أن يبرمج الإنسان برمجة تدعوه إلى معصية ثم يحاسب على هذه المعصية؟ مستحيل وألف مستحيل، فترويج النظريات الباطنة من أجل أن يكون الاختلاط، تروج أن الاختلاط يرفع روح الشباب والشابات معاً، يحدث تسام، هذا ترويج باطل، هذا كذب وافتراء على الله عز وجل، المحرم محرم، والحرام ما حرمه الشرع، والحلال ما أحله الشرع، والحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، هناك من يلقي في بعض الندوات والفضائيات كلاماً يرى أن قطع اليد يجب أن يلغى، حكم قرآني!! هذا كله من باب تزوير الحقائق وكتمان العلم وأن نطلب الدنيا بالدين، ونشتري بآيات الله ثمناً قليلاً.
أيها الأخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا مِنْ رَجُلٍ يَحْفَظُ عِلْمًا فَيَكْتُمُهُ إِلَّا أُتِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة]

3 ـ عدم العمل بالعلم :

أيها الأخوة الكرام: هذه كبيرة ثانية، فما الكبيرة الثالثة؟ هي عدم العمل بالعلم، فلذلك صار هناك فتنة كبيرة بين العلم والعمل.
إنسان له مظهر يرضيك، وله مخبر لا يرضيك، إنسان قوله في واد وعمله في واد آخر، وهذه أيها الأخوة تكاد تكون أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون اليوم بحساب وبغير حساب عن هؤلاء الذين لهم مظهر ديني والذين حسبوا على الله وعلى المساجد، كي يأكلوا المال الحرام ويكذبوا وكيف هم في بيتهم أشداء ولهم خارج البيت مظهر لطيف رقيق، هذه المشكلة.
أخواننا الكرام: الذي ينفر من الدين ليس أعداؤه إنهم مكشوفون، لكن أدعياء الدين هم المنفرون، فأول كبيرة من كبائر العلم أن تطلبه لغير الله، وثاني كبيرة أن تكتمه وتشتري بما تنطق به ثمناً قليلاً، ولعل من أدق الآيات في هذا المجال قول الله عز وجل:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

[ سورة الأحزاب : 39]

الله عز وجل ذكر لهم صفة واحدة، وأغفل مئات الصفات، هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله ألا يصلون؟ ألا يصومون؟ ألا يحجون؟ ألا يزكون؟ ألا يستقيمون في سلوكهم؟ نعم، لماذا أغفلت كل هذه الصفات؟ هذا الذي يلقي العلم إذا خشي شيئاً غير الله فسكت عن الحق، ونطق بالباطل سقطت دعوته، ماذا ينفعه من هذا العلم إذا حدثنا عن الفقه وما سوى ذلك؟ العبرة أن ينطق بالحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
أيها الأخوة الكرام، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَانَ يَقُولُ:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا))

[ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ]

عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ؟ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ؟ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

(( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ))

[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]

هذه كبيرة من كبائر العلم.

﴿) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

[سورة الصف: 2-3]

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

((الزبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان، فيقال لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم))

[جزء فيه ما انتقى ابن مردويه على أبي القاسم الطبراني عَنْ أنس ]

والحديث الذي تعرفونه جميعاً، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ))

[الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ]

أيها الأخوة الكرام: هذا الحديث من أدق الأحاديث: عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال:

(( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حي من قيس أعلمهم شرائع الإسلام قال: فإذا هم قوم كأنهم الإبل الوحشية طامحة أبصارهم ليس لهم هم إلا شاة أو بعير، قال: فانصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمار ما عملت؟ فقصصت عليه قصة القوم وأخبرته بما فيهم من السهو، قال يا عمار: ألا أخبرك بأعجب منهم؟ قال: قوم علموا بما جهل هؤلاء ثم سهوا كسهوهم ))

[البحر الزخار بمسند البزار عن عمار بن ياسر]

هذا ذكرني بأن عملاق الإسلام سيدنا عمر رضي الله عنه مرة كان مع أصحابه فقال أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك فشدّ النظر إليهم لدرجة أنهم خافوا، حتى قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منك، قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر، فقال هذا الخليفة الراشد يخاطب الذي قال أبو بكر صدقت، وكذبتم جميعاً، قال: كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك. سيدنا عمار قال:

((فإذا هم قوم كأنهم الإبل الوحشية هناك إبل غير وحشية طامحة أبصارهم ليس لهم هم إلا شاة أو بعير))

[البحر الزخار بمسند البزار عن عمار بن ياسر]

بربكم ألا ترون من هذه النماذج نماذج معاصرة؟ ليس له هم إلا المال والمرأة والمتع الرخيصة ليس لهم هم أبداً، قال:

((...فانصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمار ما عملت؟ فقصصت عليه قصة القوم وأخبرته بما فيهم من السهو قال يا عمار: ألا أخبرك بأعجب منهم؟ إبل وحشية ليس لهم هم إلا الشاة والبعير قال: قوم علموا بما جهل هؤلاء ثم سهوا كسهوهم))

[البحر الزخار بمسند البزار عن عمار بن ياسر]

من هو شر من الإبل الوحشية ؟ إنسان يعلم الحلال والحرام وسها عن أخذ الحلال وترك الحرام كما سها هؤلاء.
لذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام:

((إني لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً فأما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقاً عليم اللسان، يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون ))

[المعجم الصغير للطبراني عن علي ]

أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فضل العلم خير من فضل العبادة :

أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:

((ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط))

[مجمع الزوائد ومنبع الفوائد عن أبي أمامة]

إنسان متقدم في السن، صائم، مصل، له مكانة:

((.... لا يستخف بهم إلا منافق ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط))

[مجمع الزوائد ومنبع الفوائد عن أبي أمامة]

إنسان بمنصب لكنه عادل ينفع الناس بعدله. وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))

[أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت]

و:

((تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تعلمون منه))

[ الطبراني عن أبي هريرة]

وتواضعوا لمن تعلمونه، وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي زَمَانٌ أَوْ لَا تُدْرِكُوا زَمَانًا لَا يُتْبَعُ فِيهِ الْعَلِيمُ وَلَا يُسْتَحَى فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْأَعَاجِمِ وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ الْعَرَبِ ))

[أحمد عَنْ سهل بن سعد]

(( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ))

[ أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ]

وعَنْ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ...))

[البخاري عَنْ مُعَاوِيَةَ ]

الفقه في الدين معرفة أسرار الدين، الفقه بالمعنى المعاصر معرفة الحكم الشرعي، إذا وردت كلمة الفقه في حديث للنبي عليه الصلاة والسلام فتعني معرفة أسرار الدين.
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

وألهمه رشده، وأفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع، وفضل العلم خير من فضل العبادة.
وأزف هذه البشرى لطلاب العلم، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ قَالَ لَا قَالَ وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ قَالَ لَا قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))

[سنن ابن ماجة عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ]

أيها الأخوة الكرام، ألا تكفي هذه الآية:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[سورة النساء: 113]

فلنشتغل بأنفسنا ونطلب العلم، ولنحرر نوايانا ونصحح أعمالنا وبعد ذلك نسأل الله أن ينصرنا على أعدائنا.

 

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم يا ذا القدر العظيم انصر الحق والمسلمين في شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أهلك أعداءهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم نسألك إيماناً صادقاً، وعلماً نافعاً، واستقامة ترضيك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018