الخطبة : 0610 - قوة المؤمن2 - ثمار القوة في حياة المؤمن - ليس كل مصل يصلي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0610 - قوة المؤمن2 - ثمار القوة في حياة المؤمن - ليس كل مصل يصلي.


1997-04-11

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من ثمار القوة في حياة المؤمن :

1 ـ التزامه بالحق :

 أيها الأخوة الكرام، في الخطبة السابقة تحدثت عن أسباب القوة في المؤمن، المؤمن قوي بالله، غني بالله، عالم بالله، أسباب قوته بالله أنه آمن بوحدانيته، وأنه آمن بالقدر، وأنه آمن بالخلود، وأنه آمن بالحق، وأنه آمن بالخير والأخوة الإيمانية. واليوم نتحدث عن ثمار هذه القوة في حياة المؤمن، حينما يؤمن المؤمن بالله عز وجل، ويؤمن بأنه على حق، ويؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، ويؤمن بالخلود، وبالحياة الآخرة، ويؤمن بالأخوة الإنسانية، ما الثمار اليانعة التي يقطفها من هذا الشعور الذي يفتقر إليه المؤمنون حينما يقصرون في حقِّ ربِّهم وفي أداء عباداتهم وفي استقامتهم على أمر ربهم؟
أيها الأخوة الكرام، أول هذه الثمار أن المؤمن يلتزم بالحق مع القريب والبعيد، يصدق في كل حال، يعدل في كل حين، يعترف بالخطأ إذا زلت به قدمه، غير جاحد ولا مكابر، ولا يبرر خطأه بخطأ آخر، ولا يلقي التهمة على الآخرين، تهرباً من الاعتراف بالخطأ، يقول الحق ولو كان مرَّاً، يقوم لله شهيداً بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، يعدل مع العدو عدله مع الصديق، لا يعرف التحيُّز ولا المحاباة.

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[سورة المائدة: 2]

 يجرمنكم: يحملنكم، شنآن: هو البغض، ومن هو العدو التقليدي للمؤمن ؟ إنَّه الكافر..

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[سورة المائدة: 2]

 لا يخشى في الله لومة لائم، لا يحابي أحداً، لا يداهن أحداً؛ لأنه آمن بالله، وآمن بالحق، وآمن بالدار الآخرة، وآمن بالخلود، وآمن بالأخوة الإيمانية، إذاً يلتزم الحق مع القريب والبعيد، سيدنا عمر أقام الحد على أحد أبنائه، وقال له: أخبر رسول الله أن أبي هو الذي أقام عليَّ الحد. بلغ عمر بن عبد العزيز أنَّ ابناً له اشترى خاتماً فصه بألف درهم فبعث إليه يقول: أما بعد فقد بلغني أنك اشتريت خاتماً فصه بألف درهم، فإذا بلغك كتابي هذا فبعه، وأطعم بثمنه ألف جائع، واشتر خاتماً فصه من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه.
 بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليقوم بتقدير ثمر النخل فيها، إذ كان للمسلمين النصف، والنصف لأهل خيبر، قام عبد الله بالمهمة، وقال في هذا كذا، وفي هذا كذا، فجمع اليهود له حلياً من حلي نسائهم، وقالوا له: هذا لك، وخفف عنا في القسمة، وتجاوز، فقال: يا معشر اليهود جئتكم من عند أحبِّ الخلق إلي، ولأنتم عندي أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، أما الذي عرضتم له من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها، فلم يملك اليهود إلا أن قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وبهذا غلبتمونا.
 أيها الأخوة الكرام، من ثمار القوة في حياة المؤمن أنه يلتزم الحق، ولا يحيد عنه، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

2 ـ شجاعته في مواطن البأس وثباته في موضع الشّدة :

 ومن مظاهر هذه القوة في حياة المؤمن شجاعته في مواطن البأس، وثباته في موضع الشدة، لا تتزلزل له قدم، ولا يتزعزع له ركن، ولا يخشى الناس، قلوا أو كثروا، ولا يبالي بالأعداء أرغوا وأزبدوا، انسدت أبواب الخوف كلها على نفسه فلم يعد يخاف إلا من ذنبه، ومن سخط ربه. وفي الحديث الصحيح:

((لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه ))

[وكيع في الغرر، وابن عبد البر في العلم]

 فالمؤمن الذي اتصل بالله عز وجل انسدت عليه أبواب الخوف، والشيطان هو الذي يخوف أعداءه، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 175]

 إذا قيل له: إن الأعداء أكثر عدداً، يتلو قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 249]

 وإذا قيل له: إن الأعداء أكثر أموالاً، تلا قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 36]

 وإن قيل له: إن الأعداء يمكرون ويكيدون، تلا قوله تعالى:

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 54]

 إن قيل له: إنَّ الأعداء أمنع حصوناً، تلا قوله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾

[سورة الحشر: 2]

 إنَّ المؤمن القوي يسير بمعونة الله، وينظر بنور الله، ويرمي بقوة الله، قال تعالى:

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال: 17]

 أيها الأخوة الكرام، لقد كان خصوم المؤمنين ينظرون إلى الروح العالية التي يتمتع بها المسلمون، فينازلون العدو الكثير، هم قليل، يتحدون السلاح والاستعداد والقوى غير المتكافئة بل غير المتقاربة، فيظنون بهذا غروراً بالمسلمين، وما هو بالغرور وإنَّما هي قوة الإيمان بالله والتوكل عليه قال تعالى:

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[سورة الأحزاب: 12]

 أيها الأخوة الكرام، ما أحوجنا إلى هذه المعاني وعدونا يتغطرس علينا، ما أحوجنا إلى هذه المعاني وشعورنا بأننا أقل من غيرنا شعور مدمر.

3 ـ الإخلاص في القول والعمل والنّية لوجه الله تعالى :

 من ثمار هذه القوة: الإخلاص في القول والعمل والنية لوجه الله تعالى، ترى المؤمن يعمل الخير ويقاوم الشر، وإن لم يكن له نفع مادي، إن له هدفاً كبيراً، إنه يسعى لمبدأ عظيم، إنَّ منظومة من القيم تنظم حركته في الحياة، إنَّه يعمل الخير في كل وقت، وفي أي مكان، وفي أي زمان، إنَّه يدعو إلى الله، إنَّه ينصر الحق، إنَّه ينصر الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: ليس له هوى شخصي يحققه، ولا يسعى إلى شهوة ليمارسها، ولا إلى محمدة ليدغدغ أحلامه بها، ولا يسعى إلى رضا الناس فإنَّ رضا الناس غاية لا تدرك، يؤثر الخفاء على الشهرة، لا يستجدي المديح، لا يذل من أجل أن يُمدح، يؤثر الخفاء على الشهرة، ويؤثر عمل السر على عمل العلانية، تجنباً للرِّياء، وبعداً للنفس عن مزالق الشرك الخفي، متمنياً أن يكون ممن يحبهم الله عز وجل من الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا. يحاول المؤمن أن يكون كالجذر من الشجرة، يمدها بالغذاء وهو في باطن الأرض لا تراه العيون، يحاول أن يكون كالأساس في البنيان يختفي في الأعماق وهو الذي يمسك البناء من أن يزول.
 أيها الأخوة الكرام، الناس كلهم ضعاف والله وحده هو القوي، إذا أخلص الإنسان لله، وافتقر إليه، واستقام على أمره، أمده الله بقوة منه، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
 الإنسان أيها الأخوة إذا أخلص لربِّه أشد الإخلاص كان أشدّ قوةً من الجبال المثبتة في الأرض كالأوتاد، أشدّ من الحديد القوي الذي يقطع الجبال، كان أشدّ من النار المتأججة التي تذيب الحديد، كان أشدّ من الماء المتدفق الذي يطفئ النيران، كان أشدّ من الريح العاصف الذي يسوق المياه.

4 ـ وضوح خطته واستقامة طريقته وثباته عليها :

 أيها الأخوة الكرام: من مظاهر قوة المؤمن وضوح خطته، واستقامة طريقته، وثباته عليها، لا يغريه وعد، ولا يثنيه وعيد، لا ينحرف به طمع متسلط، ولا هوى جائر، ولا شهوة طاغية، هو دائماً داعٍ إلى الخير، ثائر على الشر، آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، هادٍ إلى الحق والعدل، مقاوم للمنكر والظلم، يغير المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

5 ـ تحرره من الخوف :

 من مظاهر قوة المؤمن التحرر من الخوف، فلا شيء يضعف الإنسان كالخوف، وكحرصه على الحياة، وإن تكن ذليلة، المؤمن قوي بالله دائماً وأبداً، لا يخاف إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربَّه، قال تعالى:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة هود: 55-56]

 سرُّ قوته توحيده؛ لأنَّه يعلم علم اليقين أنَّ الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وأن الله سبحانه وتعالى بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يُرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه، مالكم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾

[سورة الفتح: 10]

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال: 17]

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة فاطر: 2]

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

من آمن بأن الله خالق السموات و الأرض استقام على أمره و سعد بقربه :

 يا أيها الأخوة الأكارم، أن تؤمن بأنَّ الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض هذا إيمان لا يرقى بك إلى أن تتصل به، وأن تسعد بقربه، لكنك إذا آمنت بأن الأمر كله بيد الله، وأنه لا معطي ولا مانع، ولا رافع ولا خافض، ولا معز ولا مذل، ولا مغني ولا مفقر، إذا آمنت أن الله بيده كل شيء، وأنه هو الفعَّال الذي يفعل ما يشاء، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، إن آمنت هذا الإيمان حملك هذا الإيمان على أن تستقيم على أمر الله، لذلك ورد في القرآن الكريم:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[سورة الطلاق : 12]

 إن أيقنت أنَّ الله على كل شيء قدير، وأنَّ الله قد أحاط بكل شيء علماً، إن آمنت أنّ علم الله يطولك، وأنَّ قدرته تطولك، وأنَّه لا إله غيره، عندئذ استقمت على أمره، وسعدت بهذه الاستقامة، وأقبلت على الله رب العالمين.
 أيها الأخوة الكرام، هذا شأن الإيمان إذا كان عميقاً في النفس، هذا شأن الإيمان إذا كان قوياً على النفس، هذا شأن الإيمان إذ يمد صاحبه بيقين لا يضعف، وهمة لا تنثني، ويمده بأمل لا يخبو، وبدافع لا يتوقف، وبعزم لا يخور، المؤمن الذي اتصل بالله، واستمد منه القوة يملك الدنيا ولكنها لا تملكه، يجمع المال ولكنه لا يستعبده، تحيط به النعمة ولكنها لا تُبْطره، ينزل به البلاء ولكن لا يقهره، لا تزيده الشدائد إلا عزيمة مع عزيمته، وقوةً مع قوته كالذهب الأصيل، لا تزيده النار إلا نقاءً وصفاءً، هذا التاريخ الإسلامي انظروا إليه، اقرؤوا صفحاته المشرقة، من كان يصدق أن مجموعة قليلة العدد، ضئيلة العدد، من جزيرة العرب، لم يكن لها فلسفة اليونان، ولا مدنية الرومان، ولا حكمة الهند، ولا صنعة الصين، تملك الدنيا، وترث ملك الأكاسرة، وتحطم إمبراطورية القياصرة، وتنشر ديناً جديداً وحضارة جديدة في الآفاق في أقل من ربع قرن، هذا شيء يشبه المعجزة وقد وقعت، وربَّنا هو هوَ، إلههم إلهنا، وربَّهم ربّنا، وخالقهم خالقنا، وكتابهم كتابنا، ودينهم ديننا..
 أيها الأخوة الكرام، لابد من الصلح مع الله، لابد من أن نقيم الإسلام في بيوتنا، لابد من أن نقيم الإسلام في أعمالنا، أقم الإسلام فيما تملك يكفك الله ما لا تملك قال تعالى:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[سورة الرعد: 11]

 الخلاص في طاعة الله، الخلاص في الإقبال عليه، في الصلح معه، في العودة إليه، في الإنابة إليه، وإلا هناك محن كثيرة، وبلاء كبير، وفتن يتبع أولها آخرها.

 

من طبق سنة النبي فهو في مأمن من عذاب الله :

 أيها الأخوة، الإيمان هو الذي جعل القلة تنتصر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضرين، هو الذي دفع العرب البداة، ويقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في يد، وسيوفهم في يد أخرى، ومساكنهم على ظهور خيولهم، يقولون لملوك الفرس وأباطرة الرومان: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[سورة النور: 55]

 نخشى أن يكون قول الله عز وجل قد انطبق علينا:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[سورة مريم: 59]

 أقيموا أمر الله، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 قال علماء التفسير أنت فيهم أي سنتك مطبقة في حياتهم، فهل بيوتنا وهل أعمالنا وهل تجارتنا وهل حركاتنا وسكناتنا وهل احتفالاتنا وهل نشاطاتنا وفق سنة رسول الله؟ قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 هل يستغفر الإنسان ربَّه إذا أخطأ؟ هل يرجع إليه؟ من صفات المؤمن أنه أوَّاب، صيغة مبالغة، أي كثير التوبة، يرجع إلى الله دائماً.

 

كراهية الموت تجعل الناس يؤثرون الحياة الذليلة على الموت الكريم :

 أيها الأخوة الكرام، إذا كان الزمن قد تغيَّر على المسلمين فانكمشوا بعد امتداد، ووهنوا بعد قوة، فلأن الإيمان لم يعد مسيطراً على أنفسهم، ولم يعد الموجه لأخلاقهم وسلوكهم، لقد أصبح إيمانهم إيماناً جغرافياً، بحكم ولادتهم في بلاد المسلمين كانوا مسلمين، وأصبح إيمانهم إيماناً وراثياً، يأخذونه عن آبائهم كما يرثون الدور والعقارات، أصبح إيمانهم مخدراً نائماً لا تأثير له ولا حيوية، يقول عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام:

((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))

[ أحمد وأبو داود عن ثوبان]

 هذا مبعث الوهن الحقيقي، هذا سرُّ الضعف الأصيل أن يخلد الإنسان إلى دنياه الخاصة، يعيش عبداً لها مطواعاً، يعيش عبداً لأوضاعها الرتيبة، أسيراً لقيودها الثقيلة، تحركه الشهوات كالخاتم في الإصبع، تسيِّره الرَّغائب كالثور في الساقية، يتحرك في مدار محدود فاقد الهدف، معصوب العينين. إنّ كراهية الموت هي التي تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياةً ذليلة على موتٍ كريم، يؤثرون حياةً يموت الإنسان فيها كل يوم موتات على موت يحيون بعده حياة القلوب.

 

براءة الدين من كل من يدعو الانتساب إليه :

 أيها الأخوة الكرام، هناك أناس يتمسَّحون بالدِّين، يدعون الانتساب إليه، يبدو عليهم الضعف والتماوت، والتخشُّع والتذلُّل، والذُّبول، والحقيقة أن الإيمان بريء من هؤلاء، رأى عمر رضي الله عنه وهو عملاق الإسلام رجلاً متماوتاً في الصلاة، مطأطئاً رقبته، مبدياً التذلل والتخشع، فعلاه في الدرة، فقال: يا هذا لا تموت علينا ديننا أماتك الله، ارفع رأسك فإن الخشوع في القلوب لا في الرقاب، وكان من أدعية هذا الصحابي الجليل:" اللهم إني أعوذ بك من خشوع النِّفاق، قيل: وما خشوع النِّفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعاً، والقلب ليس بخاشع"
 مرةً سمع رجلاً في أثناء الطواف يرفع صوته ويقول: من صاحب هذه اللوزة؟ رأى لوزة، فقال عمر رضي الله عنه: كُلْها يا صاحب الورع الكاذب. تتحدث السيدة عائشة عن هذا الخليفة العظيم، كانت تقول: " رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه، كان إذا قال أسمع، وإذا أطعم أشبع، وإذا سار أسرع، وإذا ضرب أوجع."
 أيها الأخوة الكرام، أردت من هذه الخطبة أن أبين لكم أن الإنسان عليه ألا يضعف أمام عدو متغطرس، عليه أن يشعر أن المؤمن قوي، وأن المؤمن وعده الله وعوداً رائعة، فلو أدى ما عليه لطالب الله بما له، ألم تسمعوا أيها الأخوة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان معاذ رديفه على الدابة قال:

(( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

[ متفق عليه عن معاذ]

 لقد أنشأ الله للمؤمن الذي يعبده حقاً عليه، وهو ألا يعذبه.
 أيها الأخوة الكرام، إن آمنت أن الأمر كله بيد الله، وأن الله وحده هو الفعَّال، وأن الأمر راجع إليه، عندئذ ليس عليك إلا أن تطيعه، فإن أطعته لك عليه حق طالبه به، اللهم انصرنا كما وعدتنا.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ثمار الدين لا تقطف إلا إذا عرفنا الله و استقمنا على أمره :

 أيها الأخوة الكرام، من الآثار القدسية التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله متحدثاً عن ربه: " ليس كل مصلٍّ يصلي.. "
 هناك عبادات تعاملية، وهناك عبادات شعائرية، حينما تصح العبادات التعاملية عندئذ نقطف ثمار العبادات الشعائرية:" ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي.." لابد من أن نعرف الله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، لابد من أن نعظمه، لابد من أن نقدره حق قدره، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

[سورة الزمر: 67]

 " ليس كل مصلّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي - إنَّما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي- وكف شهواته عن محارمي" لابد من أن نستقيم على أمره، لابد من أن نعرفه، وأن نستقيم على أمره، وهذا جوهر الدين.
 "ولم يصرَّ على معصيتي - المؤمن كثير التوبة، أواب إلى الله - ولم يصرَّ على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب" .. له أعمال طيبة ترقى به إلى الله، طاعته لله تعافيه من كل بلاء، بالطاعة يسلم، وبالعمل الصالح يسعد، والسلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل مؤمن. " ولم يصرَّ على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي - هذا هو الإخلاص - وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس " .. الصلاة نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فيرى الخير خيراً والشرَّ شرّاً، ويرى الحق حقاً والباطل باطلاً.. " وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً" كل الصفات الذميمة، كل أدران النفس تُمحى، تحلُّ محلها الفضائل:" على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يُمس ثمرها، ولا يتغير حالها" نحرص أشدّ الحرص على قطف ثمار الدين، وثمار الدين هذه الطمأنينة، والإحساس بالتفوق، و الشعور بالقوة، و الشعور بالأمن:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 81-82]

 هذه الثمار نقطفها إذا عرفنا الله، وإذا استقمنا على أمره..

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018