الخطبة : 0657 - الغيبة من الكبائر - حكم الغيبة - الحجامة واستطباباتها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0657 - الغيبة من الكبائر - حكم الغيبة - الحجامة واستطباباتها.


1998-05-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الغيبة تمزق وحدة المسلمين و تفرق شملهم :

 أيها الأخوة الكرام، في سلسلة خطب ينتظمها محور واحد، أين الخلل؟ المظاهر الإسلامية صارخة، مساجد، بيوت، خطب، مؤلفات، مؤتمرات، مظاهر إسلامية في الزي، ولكن لا تجد هذا الذي كان في عهد رسول الله، أين الخلل؟ اخترت لكم موضوعاً من أخطر الموضوعات الاجتماعية، هو الذي يمزق وحدة المسلمين، هو الذي يفرق شملهم، هو الذي يضعفهم، هو الذي يجعل أعداءهم مهيمنين عليهم، إنه موضوع يظنه الناس من الصغائر وهو من أكبر الكبائر. عامة المسلمين فيما يبدو لا يرتكبون الكبائر في الأعم الأغلب؛ قتل، سرقة، زنا، عامة المسلمين في الأعمّ الأغلب لا يرتكبون هذه الجرائم إلا أنهم وقعوا فيما يتوهمون أنه صغائر، وهو في الحقيقة من الكبائر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ:

((الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))

[مسلم عَنْ جَابِرٍ ]

 الشيطان أراد أن يمزق وحدتهم، أن يضعف شوكتهم، أن يجعلهم مزقاً، أن يشرذمهم، أن يجعل بأسهم بينهم، أن يشتغل المسلمون ببعضهم بعضاً، لا بنشر الحق، ولا بنصرة هذا الدين العظيم، إنه موضوع متعلق باللسان: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:

((كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ ثُمَّ تَلَا (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حَتَّى بَلَغَ (يَعْمَلُونَ) ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ قُلْتُ بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ قَالَ))

[أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجة وأحمد عن معاذ بن جبل]

 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[انفرد به أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

العبادة الحقيقية تكون بتطبيق منهج الله في كل تفصيلاته :

 أيها الأخوة الكرام، السلف الصالح كانوا يرون وهم على حق فيما يرون أن العبادة ليست في أداء الصلوات فحسب، وليست في صيام رمضان فحسب، وليست في حج بيت الله الحرام فحسب، ولكن العبادة الحقيقية في تطبيق منهج الله في كل تفصيلاته.
 كيف ضغط الإسلام عند معظم المسلمين إلى خمس عبادات؟ وكيف فصلوه عن الحياة؟ وكيف صار الإسلام في واد والحياة في وادٍ آخر؟ يصلي في أول صف، ويحج كل عام، ويصوم رمضان بصيام صارخ ، فإذا جلس في مجلس نهش أعراض المسلمين بلا قيد ، وبلا منهج ، وبلا طريق.
أيها الأخوة الكرام، سمعت عن جلسة استمرت سبعة عشر عاماً بين إخوة مؤمنين فسـأل بعضهم هذا السؤال: ما الذي جعل هذا اللقاء الدوري يستمر سبعة عشر عاماً؟
 فكان جواب أحدهم وهو مصيب فيما يقول: ليس فيه اختلاط ولا غيبة. إذا خلا المجلس من الاختلاط والغيبة يستمر..

 

الغيبة :

 أيها الأخوة الكرام، الغيبة متوافقة مع طبع الإنسان، الإنسان يحب أن يخوض في عيوب الناس، في نقائصهم، في فضائحهم، في مساوئهم، بل فيه نزعة اجتماعية أن يكشف السر، سر طلاق هذه الزوجة.. لقد خانت زوجها مع من؟ وفي أي مكان؟ وفي آية مناسبة؟ شيء ممتع متعة شيطانية أن تخوض في أعراض الناس، أن تخوض في مشكلاتهم، في سبب خلافاتهم، في سبب عدوانهم على بعضهم بعضاً، شيء ممتع، يتوافق مع الطبع، ويتناقض مع التكليف. فلو أن الإنسان استرسل في حديثه مع الآخرين، فجأةً يجد نفسه قد وقع في معصية كبيرة، إنها الغيبة.
 يا أيها الأخوة الكرام، لابد من وقفة متأنية عند هذا النهي العظيم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ - أنا لا أكذب، أنا أقول شيئاً واقعاً، أنا أتكلم بما هو موجود فيه – قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ))

[مسلم عَنْ أبي هريرة]

 وميز النبي عليه الصلاة والسلام بين الغيبة والبهتان، البهتان أن تقول على أخيك شيئاً ليس فيه، أما الغيبة فأن تقول عليه شيئاً ليس فيه، هذا تعريف الغيبة من قبل النبي عليه الصلاة والسلام: ذكرك أخاك بما يكره، أن تذكره بما يكره في بدنه، أن تقول: قصير مثلاً .. أو في دينه، قد تطعن في دينه، أو في دنياه، أو في نفسه، أو في خلقه، أو في ماله.. ماله الله أعلم من أين اكتسبه ؟.. معك دليل؟ رأيت بعينك أنه اختلس؟ أو في ماله، أو في ولده، أو في زوجته، أو والده، أو ثوبه، أو في مشيته، أو عبوسه، أو طلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، كل هذه الموضوعات موضوعات غيبة. فيا أيها الأخوة المؤمنين خذوا حذركم.. الغيبة من أكبر الكبائر، الغيبة تمزق المسلمين، تفرق جمعهم، تشتت وحدتهم، تصنع شرخاً فيما بينهم، يصبحون على خلاف، وعلى بغضاء، وعلى عداوة.

 

الإشارة بالعين أو اليد أو الرأس تلميحاً أو تصريحاً من الغيبة أيضاً :

 أحياناً لا تقول ولا كلمة، يُذكر فلان، فتشير بيدك هكذا، الإشارة باليد غيبة، أو تمسك قميصك، أي أنت لست مطمئناً لسلامة هذا الإنسان، أو تقبض يدك، الحركة غيبة، ولعلك تكتب بيدك مقالةً، أو نشرةً، أو تعليقاً، تسفيهاً أو طعناً، هذا من الغيبة.
 أن تشير بعينك، أو بيدك، أو برأسك، تلميحاً كان أو تصريحاً كل هذا من الغيبة.
 ففي البدن تقول: هو أعرج، وهذا أعمش، وهذا قصير، وفلان طويل، وهذا شديد السمرة، هذه غيبة البدن. وفي الدين تقول: فاسق، دخله ليس مشروعاً، كاذب، ظالم، متهاون بالصلوات، من دون دليل طبعاً.. ولو كان هناك دليل وليس هناك طائل من ذكر هذا فهو غيبة، أما هناك موضوعات الفقهاء حددوها فمثلاً سألك أحد بموضوع زواج، وتعلمه لا يصلي، وتعلمه يشرب الخمر، لابد مـن أن تقول الحق. في موضوع شراكة، في موضوع شراء بيت، والبيت أساسه منهار، و هناك أمر بإخلائه، وتعلم هذا علم اليقين، وإنسان استنصحك بشراء هذا البيت، لا.. ليس في هذا غيبة.
 إنسان مبتدع، ينشر الضلالات، ينشر البدع، يخرج عن جوهر الدين، يبتدع عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، ليس لهذا المبتدع غيبة، هناك شروط دقيقة، ولكن الناس توسعوا توسعاً غير معقول، بحق وبغير حق، بموجب وبغير موجب، بفائدة وبغير فائدة.
 أيها الأخوة الكرام، الغيبة من أبشع المعاصي التي يقترفها الناس، وهم لا يشعرون؛ في مجالسهم، وفي سفرهم، وفي لقاءاتهم، وفي ولائمهم، وفي أعراسهم، وفي أحزانهم، فمادام هذا اللسان ينهش أعراض الناس فهو واقع بغيبة كبيرة، والغيبة كما تعلمون من الكبائر. قلت:

((يا رسول الله، إن صفية امرأة - ولم تقل شيئاً، إلا أنها حركت يدها أنها قصيرة، خفضت يدها - فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة، لو مُزجت هذه الكلمة بماء البحر لأفسدته))

[ أبو داود عن عائشة ]

 بماء البحر، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وقال الإمام الحسن رضي الله عنه: " ذكر الغير ثلاثة ؛ الغيبة والبهتان والإفك، وكلٌ في كتاب الله عز وجل" فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفك أن تقول ما بلغك عنه . ذكر الغير ثلاثة، غيبة وبهتان وإفك .

 

المؤمن مظنة كمال و مظنة ورع :

 وذكر ابن سيرين رجلاً، فقال: ذلك الرجل الأسود؟ ثم قال : أستغفر الله إني أراني قد اغتبته.. إذا قلت: أسود.. هو أخ في الله، إذا كان مؤمناً لا يضاف عليه ولا كلمة أبداً.. مؤمن اصبغ بصبغة الإسلام، أية كلمة تضاف على المؤمن كلمة جاهلية، كلمة عصبية، كلمة عنصرية.
 المؤمن اصبغ بصبغة الله فهو مظنة كمال، ومظنة ورع، ومظنة استقامة، ينبغي أن نضبط اللسان. والإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحيائه عدّ من آفات اللسان أكثر من خمس عشرة آفة من آفات اللسان.
 أيها الأخوة الكرام، ذكر ابن سيرين إبراهيم بن الأدهم، فوضع يده على عينه ولم يقل أعور، بل أشار وخاف أن يقول: أعور، فكلما اشتد خوفك من الله كلما كنت وقافاً عند الأمر والنهي.. ليس الولي الذي يمشي على الماء، ولا الذي يطير في الهواء، ولكن الولي كل الولي هو الذي تجده عند الحلال والحرام.. أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
 لو ضبط الإنسان لسانه ضبطاً شديداً لرأى الطريق إلى الله سالكاً، لو ضبط الإنسان جوارحه وأعضاءه ضبطاً شديداً وقف في الصلاة فانهمرت دموعه وشعر أن الخط ساخن بينه وبين الله.. هناك خط، هناك اتصال. أما إذا نهش أعراض الناس، اغتاب هذا، وضرب هذا، وشتم هذا، هذا هو المفلس، الذي أتى بصلاة وصيام وصدقة، وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، فأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته طرحوا عليه سيئاتهم حتى يُطرح في النار.
 أيها الأخوة الكرام، عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( لا يغتابن أحدكم أحداً، فإني قلت لامرأة وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه لطويلة الذيل، فقال عليه الصلاة والسلام: الفظي، الفظي ما في فمك، في فمها قطعة لحم فلفظتها، قال وكأنك أكلت لحماً ميتاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه))

[ ابن أبي الدنيا عن عائشة]

 مرةً قال عليه الصلاة والسلام لرجل اغتاب أخاه: قال له:

((تخلل، قال: ومم أتخلل يا رسول الله ولم آكل اللحم؟ قال: إنك أكلت لحم أخيك))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

أنواع الغيبة :

 أيها الأخوة الكرام، مرةً ثانية: الغيبة لا تقتصر على اللسان، فالذكر باللسان محرم ولكن هناك التعريض، وهناك التصريح، وهناك القول، وهناك الإشارة، فإذا أشار الواحد إلى الآخر بأنه بخيل فقد اغتابه، أحياناً بالرأس، أحياناً برفع العينين، أحياناً بحركة تقصدها، كل هذا عند الله غيبة، تصريح، قول، غمز، تحريك شفتين، هذا كله يدخل تحت الغيبة.
 إن أردتم مجتمعاً متماسكاً كالبنيان المرصوص وكالجسد الواحد، لابد من ترك الغيبة كلياً، لأنها تفتت المجتمع، تفت في عضده، تضعف كيانه، تجعل أطرافه متخاصمين، متحاسدين، متناوشين.
 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر في الغيبة، إذا قلدت إنساناً من أجل أن تضحك الناس عليه فهذه من أشدّ أنواع الغيبة.
 هناك غيبة بالكتابة والرسم، هناك رسوم تبعث على الضحك، وأحياناً هناك كتابات تبعث على الضحك، والقلم أحد اللسانين، والقلم كتابة أو رسم أحد أدوات الغيبة، إلا أن الإنسان أحياناً يضطر إلى أن يصلح عيوب الناس، فماذا يفعل؟ يقلد النبي عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام يصعد المنبر ويقول: " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا" والذي فعل هذا واحد، فلما قال ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ هذه إشارة لطيفة من ديون تعيين، ومن دون تسمية، لم يفضح ولكن ذكر عيباً موضوعياً منتشراً في المجتمع، فكان هذا أحد أساليب النبي عليه الصلاة والسلام في إصلاح المجتمع.
 هناك أشخاص يعدون أنفسهم أذكياء، فيغتابون الناس بأسلوب ليس فيه مأخذ، أحياناً يذكر إنسان، لا تتكلم ولا كلمة، تقول: الحمد لله الذي عافاني من البخل، حينما ذُكر فلان حمدت الله على معافاتك من البخل، معنى ذلك هو بخيل، هذا لون من ألوان الغيبة.
 طريقة أخرى، تذكر فلاناً أمام خصومه وتمدحه بما ليس فيه تستفزهم، فينهالون عليك لوماً وتقريعاً وذكراً لعيوبه ونقائصه، تقول: غير معقول، لا حول ولا قوة إلا بالله، هل هذا واقع؟ يقول: واقع وأكثر مـن ذلك، ماذا فعل ذكروني؟ أنت لم تفعل شيئاً، أثرت الموضوع واستفززت خصومه، ذكرته بخير وهو على غير خير، فانهالوا بكلماتهم ذماً وتقريعاً، أنت السبب.
 أيها الأخوة الكرام، أيضاً موضوع آخر في الغيبة، العلماء اختلفوا في موضوع، لو أن الشخص أمامك، وذكرته بسوء، فهل هذا من الغيبة؟ أغلب الظن أنها ليست غيبة ولكنها شتيمة، أن تذكر إنساناً بسوء أمامك هذه ليست غيبة ولكنها معصية بمستواها، هي شتيمة.
 الافتراء على الناس في غيبتهم كالتزلف إليهم في حضرتهم، في حضرتهم نتزلف إليهم نفاقاً، وفي غيبتهم ننهش أعراضهم غيبة، وهذا شأن الضعفاء من الناس.. جبناء، في حضرتهم يمدحونهم، في غيبتهـم يغتابونهم.

 

حكم الغيبة في الشرع :

 أيها الأخوة الكرام، حكم الغيبة في الشرع الحنيف أنها حرام، هناك فرض، وهناك سنة مؤكدة، وسنة غير مؤكدة، ومستحب، ومباح، وهناك مكروه كراهة تنزيهية، ومكروه كراهة تحريمية، الغيبة حرام، محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وإجماع علماء الأمة، أدلة التحريم كثيرة جداً، أجمع العلماء على أنها من الكبائر. في ظن المسلمين غير طلاب العلم، أن الكبائر الزنا، القتل، السرقة ولكن الغيبة أيضاً من الكبائر، من الكبائر لأنها تفتت المجتمع، تضعف تماسكه، تضعف وحدته، تنشئ فيما بين المجتمع العداوة والبغضاء.
 الذي يؤسف له أن أكثر مجالس المسلمين مجالس غيبة، والله يا أيها الأخوة الكرام يمكن في أي مجلس للمسلمين أن يكون قطعةً من الجنة بذكر الله، قطعة من الجنة، اذكر آيات الله، اذكر آياته القرآنية، اذكر آياته التكوينية، اذكر شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، اذكر حكمة الشرع الحنيف، اذكر مواقف الصحابة الكرام، آلاف الموضوعات، آلاف المناسبات التي تجعل من المجلس قطعةً من الجنة وأنت لا تشعر:

((ما جلس قوم يذكرون الله إلا غشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 أنتن من جيفة حمار يأكلون هذا اللحم النتن.
 أيها الأخوة الكرام، قد يقول أحد الناس: هذه الغيبة منتشرة وواسعة وهي بلوى عامة والناس كلهم كذلك؟ فنقول: إن انتشار هذه المعصية وعمومها على الناس لا يلغي أنها كبيرة، فالمعاصي الكبيرة كبيرة، قلت أو كثرت، ضاقت أو اتسعت، صغرت أو كبرت. العلماء علماء المسلمين متفقون ومجمعون على أن الإصرار على الغيبة يجعلها من أكبر الكبائر.

 

هناك كفر دون كفر و غيبة دون غيبة :

 أيها الأخوة الكرام، إلا أنني مراعاةً للموضوعية في خطبتي أقول هذه الحقيقة: كيف أن العلماء قالوا هناك كفر دون كفر، كذلك هناك غيبة دون غيبة، فقد تنقد بيتاً بأنه صغير، أو هذا اللون غير مناسب، هذا من الغيبة ولكنه أقل بكثير من أن تنتقد بلا دليل شخصاً ينتفع الناس به، من أن تطعن في شخص ينتفع الناس به جداً، هذه غيبة كبيرة جداً، أنت قطعت.. أنت من قطاع الطريق، قطعت طريق الخير على هؤلاء.
 أي أن تتكلم بما لا تعرف، أن توزع التهم بلا دليل، بلا فائدة، بلا موجب، هذا من أشدّ أنواع الغيبة، فإذا كان هناك كفر دون كفر هناك غيبة دون غيبة، أن تنتقد لوناً لطلاء، أو نوعاً لقماش، هذا يحرج صاحبه، كيف اشتريته بهذا اللون الغير جيد؟ هذه غيبة، أما أن تنتقد إنساناً ينتفع الناس به من دون دليل، من دون برهان، من دون بينة، لمجرد أنك تحطم الآخرين لتقف على أشلائهم، هذه صفة في بعض الناس والعياذ بالله، يبني مجده على أنقاض الناس، هو وحده الكامل وما سواه ناقص، فأي إنسان ذكر أمامه يطعن به، يسفه دينه، يسفه أخلاقه، يشكك نواياه.

كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه :

 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:

(( كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 العرض كما يفهم عامة الناس متعلق بعفة المرأة.. لا، العرض في الإنسان موضع المدح والذم فيه، فالرجل له عرض، عرضه سمعته، فإذا نهشت عرضه، طعنت بسمعته ، فقد اغتبته، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ومن عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ، من غلب عليه الصلاح والتستر، أي عقيدته سليمة، ما عُرف أنه أكل مالاً حراماً، ولا فعل كبيرةً، هذا المسلم يغلب عليه الصلاح والتستر فهو حرام أن تغتابه.

 

المجتمع المسلم متماسك بتحريم النميمة و البهتان :

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري:

(( بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَاوُوسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ وَقَالَ الْحَسَنُ أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْآخِرَةِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ إِذَا أَبْرَأَ الْوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الْفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا وَقَالَ الْحَسَنُ إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ جَازَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ جَازَ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ))

[ البخاري ]

  ولا تحسسوا، ولا تجسسوا: التحسس تتبع الأخبار الطيبة فضولاً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ))

[الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 هذا كلام فضول، دعه وشأنه، إن كان قليلاً يستحي بدخله القليل، وإذا حملته على أن يكذب فيضاعف المبلغ أوقعته بالكذب، وإن كان كبيراً تحسده !.. مشكلة، دعك من هذا، فإنه:

((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ))

[الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 و

((إن الظن أكذب الحديث))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 لا تحسسوا، لا تجسسوا، لا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً، أي المجتمع المسلم متماسك، متماسك بتحريم النميمة، تحريم الإفك، تحريم البهتان. عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ))

[ أبو داود وأحمد عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ]

 أن تذمه بلا مبرر، بلا فائدة، حباً بتحطيم الآخرين وأن تقف على أنقاضهم، وهذا شأن المتفلتين، شأن المنافقين، شان الفسقة، دائماً يبحث عن المثالب، يبحث عن النقائص، يكبرها، ويشيعها، يرتاح، لماذا يرتاح ؟.. هو مُختل توازنه، فلما أقنعنا، وأقنع نفسه أن كل الناس منحرفون ارتاح، هو معهم إذاً، استأنس.

 

حكم التقليد :

 وعن أبي حذيفة عن عائشة قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، أي قصيرةً، قال: " يا عائشة - ذكرت هذا قبل قليل هذه الرواية الدقيقة رواه أبو داود- لقد قلت كلمةً لو مُزجت بماء البحر لأفسدته" ، وحكيت له إنساناً - أي قلدت له إنساناً- فقال:" ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا " التقليد أيضاً من الغيبة، هناك أشخاص بارعون جداً في التقليد، هذه ملكة، في كل مجلس يقلدون بعض الناس، يضحكون الناس إلى درجة غير معقولة، وكأنهم يتوهمون أنهم بهذا ظرفاء، وأدخلوا على قلب هؤلاء السرور بتقليدهم للآخرين، هذا أيضاً محرم.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ))

[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 وعن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق))

[أبو داود عن سعيد بن زيد ]

الغيبة أشدّ من الزنا :

 أيها الأخوة الكرام، هل هناك من يشك أن الزنا محرم؟ هل واحد في العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه يشك في أن الزنا محرم؟.
 عن جابر وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال عليه الصلاة والسلام:

((الغيبة أشد من الزنا ))

[شعب الإيمان للبيهقي عن جابر وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما]

 من الذي يحبب ربنا بنا؟ أن نكون متماسكين، كالجسد الواحد، هذا لا يكون إلا بتحريم الغيبة، بضبط اللسان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:

((لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ فِي النَّارِ فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ قَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ))

[أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 أيها الأخوة الكرام، روى أحمد أن رجلاً حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((من أكل برجل مسلم أُكلةً، فإن الله عز وجل يطعمه مثلها في جهنم))

[أبو داود عن مستورد بن شداد]

 أي دُعي إلى وليمة، ومعروف سلفاً أن هذه الوليمة دعي إليها من أجل أن يُنهش بعرض فلان، دُعي هؤلاء ليكون موضوع الحديث عن فلان، أي أكل بهذا المسلم أكلةً:

((من أكل برجل مسلم أكلةً فإن الله عز وجل يطعمه مثلها في جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوباً - أي وشى بمسلم أخذ مكافأة اشترى فيها ثياباً جميلة، هذا اكتسى على حساب كرامة مسلم، على حساب راحة مسلم ثوباً - فإن الله عز وجل يكسوه مثله من جهنم، ومن قام لرجل مسلم مقام سمعة - أي بيض وجهه على حساب مسلم، أخذ ثناء وحطم مسلماً - فإن الله عز وجل يقوم به مقام سمعة يوم القيامة ))

[أبو داود عن مستورد بن شداد]

استقامة القلب سبب صلاح الإيمان :

  لازلنا في أحاديث رسول الله المتعلقة بالغيبة. يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود:

((الصوم جنة ما لم يخرقها، قالوا يا رسول الله كيف يخرقها؟ قال: بالغيبة))

[الدارمي عن أبي عبيدة بن الجراح ]

 فالغيبة تخرق الصوم. عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[ الترمذي عن معاذ]

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 استقامة اللسان، سبب استقامة القلب، واستقامة القلب سبب صلاح الإيمان.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحجامة و استطباباتها :

 أيها الأخوة الكرام:

((حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به أنه لم يمر على ملأ من الملائكة إلا أمروا أن مُرْ أمتك بالحجامة ))

[ الترمذي وقال حديث حسن عن ابن مسعود ]

 وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:

((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة ))

[ البخاري عن أنس ]

 والعلماء المسلمون يتحدثون عن الحجامة وعن استطباباتها، فيقولون: إن أول استطبابات الحجامة تبيغ الدم، والتبيغ هو التهيج، تبيغ الدم زيادته، والمقصود بتهيج الدم وزيادته ارتفاع الضغط، أو ارتفاع التوتر الشرياني، ومن أعراض ارتفاع الضغط، أو ارتفاع التوتر الشرياني، أو تبيغ الدم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام الصداع، وحس الامتلاء في الرأس، والدوار، وسرعة الانفعالات، والاضطرابات البصرية، هذه من أعراض ارتفاع الضغط. إذاً تهيج الدم وزيادة كميته، ولا سيما في فصل الربيع مع قدوم الحر هو ما يعنيه النبي عليه الصلاة والسلام بالحجامة. إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة، ولا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم .
 الصداع يرافق ارتفاع الضغط، وهناك صداع وعائي، أي ضيق في شرايين الدماغ، هذا الصداع الوعائي، قال بعض العلماء إن أداء الصلوات يخفف منه، الإنسان في السجود يرتفع ضغط الدم في الرأس، وتتوسع الشرايين، وهذا أيضاً من خصائص الصلاة، طبعاً الصلاة عبادة، عبادة فقط، ولكن أمر الله عز وجل شامل لكل النواحي، فالإنسان حينما يسجد يرتفع ضغط شرايينه في رأسه، فإذا رفع رأسه هبط الضغط فجأةً، من ارتفاع الضغط وهبوطه ينشأ ما يُسمى بمرونة الشرايين في الدماغ، هذه المرونة تستوعب ارتفاع ضغط الدم المفاجئ، أما الذي لا يصلي لو ارتفع ضغط الدم فجأةً لانفجرت بعض شرايين الدماغ، فكانت خثرةً في الدماغ، وهي من الأمراض العضالة.
 أيها الأخوة الكرام، أخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((ما كان أحد يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجعاً في رأسه إلا قال له اذهب فاحتجم))

[أبو داود عن سلمى]

  استطباب ثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما:

((أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به))

[ البخاري عن ابن عباسٍ]

 أيها الأخوة: هذه الأحاديث ليست ثقافة شخصية للنبي، وليست إدراكاً ذاتياً، وليست من ثقافة العصر، إنها وحي يوحى، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

 

الكريات الحمراء من آيات الله العظيمة :

 بالمناسبة أيها الأخوة، الميليمتر المكعب من الدم فيه خمسة ملايين كرية حمراء، وفي دم الإنسان ما يزيد عن خمسة وعشرين مليونْ مليون كرية حمراء أي خمسة وعشرون بليوناً.
 أيها الأخوة، وصف أحدهم الكرية الحمراء بأنها حمال لا يعرف التعب، تجوب في الجسم في اليوم الواحد ألفاً وخمسمئة دورة، وتعمر هذه الكلية مئة وعشرين يوماً، تقطع عمرها في هذه المسافات التي تجولها في جسم الإنسان. هذه الكرية لا تُرى إلا بالمجهر، كل خمسة ملايين كرية تساوي ربع نقطة من الدم، ميليمتر مكعب، هذه النقطة الحمراء الحمال الذي لا يعرف التعب تنقل الأكسجين، ما يزيد عن ستمئة لتر من الأكسجين إلى الخلايا والأنسجة والأعضاء والأجهزة، من أجل أن تنقي الدم من غاز الفحم، ومن أجل أن تمنحه مولد الحموضة.
 من منا يصدق أن هذه الكرية الحمراء التي لا تُرى بالعين هناك خمسمئة وأربعة وسبعون حمضاً أمينياً يسهمون في تكويها. وقرأت كتاباً لمؤلف غربي أن ذرات الكون كلها لا تكفي لصنع ذرة حمض أميني بالصدفة، لشدة تعقيد هذا الحمض.
 أيها الأخوة، في جسم الإنسان جهاز رقابة على الدم خطير جداً، هذا الجهاز يراقب كمية الدم بشكل مستمر، ويعرف ما يطرأ على الدم من زيادة أو نقصان، فإذا طرأ عليه نقصان أعطى هذا الجهاز إشارة إلى معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام كي تزيد من إنتاجها، ليعود الدم إلى وضعه الطبيعي. من هنا تأتي الحجامة سنةً نبويةً لها هدف كبير.
 هذه المعامل معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام تُصاب بمرض خطير اسمه فقر الدم اللامصنع، تكف عن صنع الخلايا، وهذا مرض مميت، قال العلماء: إن نقص الدم المنتظم يسهم في صيانة هذه المعامل. مجلة علمية صدرت قبل عام وزيادة، قرأت هذا البحث لمؤلف لا يعرف إن في الإسلام حجامة، يقول هذا المؤلف: إن فقدان الدم بانتظام قد يؤدي إلى حماية الإنسان من النوبات القلبية. هذا العالم كتب هذه المقالة ولا يعرف أن في الإسلام حجامة، أي إنقاص دم كل عام مرة أو مرتين.
 أيها الأخوة الكرام، هناك مقالة مطولة متعلقة بتركيب الحديد، فإذا زاد هذا التركيب في عضلة القلب أضعفها، وسبب بعض الأزمات القلبية.
 يا أيها الأخوة الكرام، يحب أن نؤمن إيماناً قطعياً أن قول النبي عليه الصلاة والسلام وحي ثانٍ، وحي غير متلو، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كما قال سيدنا سعد بن أبي وقاص: " ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، وما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى"
 هناك مئات الأحاديث المتعلقة بالحجامة، اخترت لكم ما في الصحاح فقط، أكثر من عشرة أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم والإمام أحمد والترمذي وابن ماجة، تؤكد أن الحجامة من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام، ولها علاقة بالتوتر الشرياني، ولها علاقة بالصداع، ولها فوائد لا يُحصيها محصٍ.

الدعاء :

 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب من ينفعنا حبه عندك يا رب العالمين، وحب عمر صالح يقربنا إلى حبك، اللهم ما رزقتنا ما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018