الخطبة : 0656 - من ينبغي أن تحب - الشمس. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0656 - من ينبغي أن تحب - الشمس.


1998-05-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

بطولة الإنسان أن يعرف من يحب :

 أيها الأخوة الكرام، المحبة من أخصّ خصائص الإنسان، أن تحب أو أن تُحَب، هذا الميل نحو الآخرين، أو الغبطة حينما تشعر أن الآخرين يميلون إليك، الحب من أخص خصائص الإنسان، لكن البطولة أيها الأخوة ليست في أن تحب، فهذا كما قلت قبل قليل من أخص خصائص الإنسان، ولكن البطولة كل البطولة أن تعرف من ينبغي أن تحب، لذلك مرَّ حكيمٌ على رجل يبكي على قبر، فسأله عن سبب بكائه فقال: إن لي حبيباً قد مات.
 قال هذا الحكيم لهذا الرجل الذي يبكي: لقد ظلمت نفسك بحب حبيب يموت، فلو أحببت حبيباً لا يموت لما تعذبت بفراقه. لابد من أن نحب، لأن الحب من أخصّ خصائص الإنسان ولكن كـل بطولتك، وكل فوزك، وكل فلاحك، وكل عقلك فيمن ينبغي أن تحب.. من ينبغي أن تحب ؟ من ينبغي أن تعطيه وقتك؟ جهدك شبابك عمرك ذكاؤك طلاقة لسانك مالك لمن؟..
 لجهة واحدة ليس غير، هي الله جل جلاله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة.

 

المحبة هي قوت القلوب وغذاء الأرواح :

 أيها الأخوة الكرام، المحبة هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، هي الحياة الحقيقية، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 24]

 هي الحياة الحقيقية. حياة الشاردين، حياة البهائم، حياة المعرضين حياة دنيا وليست حياة عليا، هؤلاء يلبون حاجاتهم الدنيا، أما المؤمن فيلبي حاجة دنيا، أن يعرف الله، وأن يحبه، هي الحياة التي من حرمها فهو في جملة الأمـوات، وقد قال الله عز وجل:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة النحل: 21]

 وما أنت بمسمع من في القبور:

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 179]

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الأعراف : 176]

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الجمعة : 5]

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 4]

 جمادات من دون حب، المحبة هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، هي الحياة التي من حرمها فهو في جملة الأموات، هي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، هي الشفاء الذي من عدمه حلت فيه الأسقام، هي اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم والبخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

الفرق بين حلاوة الإيمان و حقائق الإيمان :

 الإيمان له حلاوة، لابد من أن تذوق حلاوته إن كنت مؤمناً حقاً، القناعات شيء، والحلاوة شيء آخر، أن تكون قانعاً بحقائق الإيمان شيء وأن تتذوق حلاوة الإيمان شيء آخر، شتان بين الحالين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 وحلاوة الإيمان تحملك على تحمل المكاره، حلاوة الإيمان تحملك على بذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، حلاوة الإيمان تحملك أن تجعل حياتك كلها في سبيل الله:

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 162]

 حلاوة الإيمان تجعل المال في نظرك صغيراً حقيراً، تجعل متع الدنيا تحت قدمك إذا ذقت حلاوة الإيمان.

((ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...))

 لا عند التوافق بل عند التعارض، عند التوافق شيء طبيعي جداً، أما عند التعارض فإذا تعارضت مصلحتك مع نص شرعي، فآثرت طاعة الله ووضعت مصلحتك تحت قدمك، عندئذ تذوق حلاوة الإيمان، حينما تتعارض ميولك مع النص الشرعي، وتؤثر أن تكون مطيعاً لله عز وجل إن في كتابه أو في سنة نبيه، عندئذ تذوق حلاوة الإيمان، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 الطريق إلى الله ليست سالكة، إن آثرت بيتاً مغتصباً على طاعة الله عز وجل فالطريق إلى الله ليست سالكة، إن آثرت زوجةً على تطبيق منهج الله عز وجل فالطريق إلى الله ليست سالكة،

﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

الولاء و البراء :

((ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله...))

 الولاء، ولاؤك للمؤمنين، لأولياء الله، للمتقين، لأهل الإيمان، لمنهج الرحمن، وليس لأهل الكفر والطغيان، قال صلى الله عليه وسلم:

((من هوي الكفرة حُشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً))

[الطبراني عن جابر]

((مَنْ أَقَامَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ))

[البيهقي عن جابر]

  موضوع خطير، الولاء والبراء، توالي من وتتبرأ ممن؟ قل لي من توالي أقل لك من أنت، قل لي ممن تتبرأ أقل لك من أنت.

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة المجادلة: 22]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ﴾

[سورة الممتحنة: 13]

الإيمان حبّ و الحبّ يفعل المعجزات :

 أيها الأخوة الكرام، والثالثة:

((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

 لست على حرف، لست على طرف الاستقامة، في أعماقها، لو قُطع المؤمن إرباً إِرباً لا يتزحزح، لا يثنيه عن عقيدته ولا عن سلوكه سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة، هو عند مبدئه أحد أحدٌ..
 " أتحب أن يكون محمد مكانك - خبيب - وأنت في أهلك؟ - دققوا في إجابته - والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي - مع زوجتي وأولادي- وعندي عافية الدنيا ونعيمها- العافية والنعيم كل وسائل الرفاه، كل الأموال الطائلة- ويصاب محمد بشوكة ـ والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويُصاب محمد بشوكة.. دهش أبو سفيان قال: " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً "
 امرأة أنصارية تفقدت أرض المعركة، فإذا ابنها مقتول، وإذا زوجها مقتول، وإذا أخوها مقتول، وإذا أبوها مقتول، وتقول: ما فعل رسول الله؟ بقيت قلقة حتى اطمأنت على حياة رسول الله، فلما رأته قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل..
 أية امرأة هذه!! هذا هو الإيمان، الإيمان حب.. إن ألغيت الحب من الإيمان صار كالجسد بلا روح، يبقى الإسلام ثقافة، معلومات، أفكار مكتبة، شريط، ولاء، انتماء، خلفية دينية، مسحة دينية- أي محافظ، هكذا يقولون- الإيمان حب، والحب يفعل المعجزات، قال رسول الله:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 ليسوا مليارًا ومئتي مليون، اثنا عشر ألف مؤمن لم يغلبوا في الأرض، كلمتهم هي العليا.

 

تعريف أهل القلوب للمحبة :

 أيها الأخوة الكرام، روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أيها الأخوة الكرام، من تعريفات أهل القلوب المرء مع من أحب، والمحبة هي الميل الدائم بالقلب الهائم، إيثار المحبوب على جميع المصحوب، موافقة المحبوب في المشهد والمغيب، استكثار القليل من التقصير، واستقلال الكثير من الطاعة، هي أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منه شيء.
يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك؟- أعطاه ماله كله- قال: أبقيت الله ورسوله، " ما ساءني قط فاحفظوا له ذلك"،" لو وزن إيمان الخلق مع إيمان أبي بكر لرجح" ، "سدوا عليّ كل خوخة إلا خوخة أبي بكر" ، ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله.
 أن تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحب، وأن تجعل هذا كله حبساً في مرضاته ومحابه. جرت مسألة في المحبة في مكة المكرمة في موسم الحج، فتكلم الشيوخ الكبار جميعاً، وكان فيهم الجنيد، كان الجنيد أصغرهم سناً قالوا: هات ما عندك يا جنيد؟ قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربـه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، فإذا تكلم فبالله، وإن نطق فعن اللـه، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فهو مع الله، فهو بالله ولله ومع الله. قال عليه الصلاة والسلام:

((أمرني ربي بتسع، خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأعفوَ عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقـي ذكراً، ونظري عبرةً ))

[زيادات رزين عن أبي هريرة]

الإنسان مفطور على حبّ الكمال و الجمال و النوال و هي كلها في الله :

 أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة البقرة : 165]

 ومن الناس من يتخذ من دون الله.. أي مخلوق، كائن من كان هذا من دون الله.

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة البقرة : 165]

 الإنسان مفطور على حبّ الكمال، وحبّ الجمال، وحبّ النوال، وهي كلها في الله عز وجل، قوة الشيء، قوة الكمال في الله وحده، قوة النوال و العطاء في الله وحده، وقوة الجمال في الله وحده، المؤمنون يوم القيامة يرون ربهم كما يرون البدر في الدنيا، ينظرون إلى الله عز وجل لقوله تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[سورة القيامة: 22-23]

 قال يغيب المؤمن خمسين ألف عام من نشوة النظرة، كل ما في الكون من جمال مسحة من جمال الله عز وجل فإذا كنت مع الأصل فأنت مع من ؟

 

الله عز وجل لا يقبل دعوى محبته إلا بالدليل :

 أيها الأخوة الكرام، قد يقول قائل: أنا أحبّ.. هذا ند لله؟ قال علماء التفسير: الند في المحبة والولاء لا في الخلق والإنشاء.. أنت جعلته نداً لله في المحبة، والولاء لا في الخلق والإنشاء، بل إن أكثر أهل الأرض اتخذوا أنداداً من دون الله، في الحب والتعظيم، والذين آمنوا أشد حباً لله، قال بعض المفسرين: أي أن المؤمنين أشدّ حباً لله من حب المشركين لأندادهم الذين يحبونهم ويعظمونهم.
 أيها الأخوة الكرام، الله جل جلاله لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، لأن أناساً كثيرين يدعون محبة الله عز وجل، خاضوا بحار الهوى دعوى، وما ابتلوا، لو نظرت إلى بيوتهم ليست إسلامية، إلى علاقاتهم الاجتماعية، إلى دخلهم، إلى إنفاقهم، إلى تربية أولادهم، بعيدين عن الإسلام، الإسلام معشعش في خلايا أدمغتهم، أما حياتهم اليومية فليست إسلامية، فلذلك ربنا جل جلاله لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 31]

 إياك أن تتوهم أنك تحب الله وأنت مخالف لسنة رسوله، وهذا الآية دليل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 31]

المؤمن الصادق باع نفسه لله لا لجهة أرضيّة :

 أيها الأخوة الكرام: المؤمن الصادق باع نفسه لله عز وجل بيعاً قطعياً لا رجعة فيه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة التوبة: 111]

 الثمن الجنة، اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وقتك كله لله، ودخلك، وإنفاقك، وذكاؤك، وطلاقة لسانك، وعلمك، ولقاءاتك، ونزهاتك كلها في سبيل الله، لذلك بأن لهم الجنة:

﴿ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾

[سورة التوبة: 111]

 أن تبيع نفسك لله لا لجهة أرضية، أنت حينما تبيع نفسك أو تؤجرها لجهة أرضية فقد احتقرت نفسك..

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[سورة البقرة: 130]

 أنت حينما تكون لغير الله تحتقر نفسك، أنت لله، لا تكن محسوباً على جهة في الأرض، كن محسوباً على الله، لا تكن محسوباً على جهة في الأرض، ينبغي أن تكون محسوباً على الله وحده.

 

الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها :

 أيها الأخوة الكرام، من الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها قراءة القرآن بالتفهم والتدبر لمعانيه، وما أريد به من الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها، التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصل إلى درجة المحبوبية:

((...لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذا في الحديث الصحيح. من الأسباب الموجبة والجالبة لمحبة الله عز وجل أن تؤثر محاب الله على محاب العباد عند غلبة الهوى، أن تؤثر محابِّه على محابك، أن تخرج من مرادك إلى مراده.
 أيها الأخوة الكرام، ومن الأسباب الجالبة للمحبة مطالعة القلب لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، أن تقرأ عن أسماء الله الحسنى، ما معنى أنه لطيف رحيم غني قدير غفار الذنوب ستار العيوب؟ كيف تعرفه ولا تعرف أسماءه؟ من الأسباب الجالبة للمحبة أن تطالع أسماء الله الحسنى وصفاتــه، وأن تعرفها، وأن تشاهد آثارها، وأن تتقلب في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته أحبه لا محالة، وأن تخلو مع الله، وأن تناجيه، وأن تتلو كلامه، وأن تصلي الليل، وأن تقف بين يديه، وأن تستغفره، وأن تسبحه. أليس لك مع الله خلوة؟ ألا تذكر الله بينك وبين الله؟ ... يا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني .
 أيها الأخوة الكرام، ومن الأسباب الجالبة لمحبة الله عز وجل التأدب بأدب العبودية بين يديه، أن تكون عبداً لله، والنبي عليه الصلاة والسلام وصل إلى سدرة المنتهى، لأنه كان عبداً لله، فأوحى إلى عبده ما أوحى وهو في سدرة المنتهى، وكلما تحققت في عبوديتك لله ارتقيت عند الله.
ومن الأسباب الجالبة لمحبة الله عز وجل مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما تُتلقى أطايب الثمر.
 ومن الأسباب الجالبة لمحبة الله عز و جل أن تبتعد عن كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل، أي شيء يبعدك عن الله تبتعد عنه ابتعادك عن المجذوم..

 

سعي العبد ليكون محبوباً عند الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، بل إن أقصر طريق وأوسع باب إلى أن يكون العبد محبوباً عند الله عز وجل أن يكون على شاكلة الذين يحبهم الله عز وجل، وأن تبتعد عن الصفات التي لا يحبها الله في عباده، اقرأ القرآن: الله يحب الصابرين، الله يحب التوابين، الله يحب المتطهرين، الله يحب المحسنين، الله يحب  المتوكلين، الله يحب المقسطين، الله يحب المتقين. هذا القرآن.. لا يحب الظالمين، لا يحب المعتدين، لا يحب المفسدين، لا يحب المسرفين، لا يحب المستكبرين، لا يحب الفرحين في الدنيا، لا يحب الكافرين، لا يحب الخائنين، لا يحب من كان مختالاً فخوراً.
 السنة: الله جل جلاله يحب إغاثة اللهفان، يحب إتقان العمل، يحب العدل بين الأولاد ولو في القبل، يحب أن يرى عبده تعباً في طلب الحلال، يحب حفظ الود القديم، يحب الرفق في الأمر كله، يحب سمـح البيع، سمح الشراء، يحب السهل الطلق لا العبوس، يحب الشاب التائب، وما من شيء أكرم على الله من الشاب التائب، يحب المحترف، له حرفة، يده عليا، يحب الفقير المتعفف، المتجمل، يحب الغيور، يحب القلب الحزين، وإن الله يبغض البخيل، السائل الملح، الغني الظلوم، الفاحش البذيء، الوسخ الشعث، البذخين، الفرحين، المرحين، يبغض كل عالم في الدنيا جاهل في الآخرة، لو حدثته عن شؤون الدنيا، وعن أسعار العملات، وعن البيوت، وعن السيارات، وعن التجارات، أمضى معك سبع ساعات دون كلل، فإذا ذكرت له آية قرآنية تثاءب.. إن الله يبغض كل عالم في الدنيا جاهل في الآخرة.. لا يحب الطلاق، ولا يحب العقوق، ولا يحب كل فاحش متفحش. من كان كلامه بذيئاً هذا ليس مؤمناً، لا يحب الفاحش المتفحش. قال:" يا بنيتي، إن هذه الثياب تصف - ثياب شفافة، يخاطب بنتاً صغيرة عليه الصلاة والسلام، ضع أنت كلمة، أية كلمة مثيرة - قال:

(( ...إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا ))

[أحمد عَنِ ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 5-7]

 كل أنواع الانحرافات الجنسية،

﴿ فمن ابتغى وراء ذلك﴾

 هذا القرآن..
 يقول لك: لا حياء في الدين، الدين كله حياء، يجب أن تجلس مع مؤمن ساعات وساعات وسنوات وسنواتٍ دون أن تستمع منه إلى كلمة فاحشة، ولا إلى تعليق بذيء، ولا إلى نكتةٍ جنسية.. لا يحب كل فاحش متفحش.
 الآن أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على كل مسلم.. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

الحب في الله و الحب مع الله :

 الحب في الله، أن تحب إنساناً لا قرابة ولا مصلحة ولا شركة أبداً، أن تحبه كله. الحب في الله، البغض في الله، حفظ اللسان، الصلاة على وقتها، إطعام الطعام، أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم يكرم، أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، أحبّ الحديث إلى الله أصدقه، أحبّ الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيادي، أحبّ العباد إلى الله أنفعهم لعياله، وأحسنهم خلقاً، أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم، أي إذا خاصم فجر. وأبغض الرجال إلى الله من كان ثوبه خيراً من عمله، زي إسلامي أما السلوك فشيطاني، من كان ثوبه خيراً من عمله.
 وأبغض الخليقة إلى الله الكذابون، المؤمن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة.
 أيها الأخوة الكرام، هناك موضوع دقيق وخطير وهو الحب مع الله، والحب في الله، وشتان بين الحبين، الحب في الله هو من كمال الإيمان، بينما الحب مع الله عين الشرك، إذا تمكنت محبة الله في قلب العبد، عندئذ يحب العبد رسل الله جميعاً، وأنبياءه جميعاً، وأولياءه جميعاً، والصحابة جميعاً، لا يُستثنى منهم أحد، وأولياءه جميعاً، والدعاة إليه جميعاً، ويبغض تبعاً لذلك العصاة والفجار والكفار.. هذه من علامة الحب في الله، وهو كمال الإيمان. وعلامة الحب في الله والبغض في الله- دققوا الآن الفكرة دقيقة وصعبة - ألا ينقلب البغض إلى محبة إذا أحسن إليك من تبغضه لله.
 إنسان تبغضه لله، هكذا تقول أنت فأحسن لك، قدم لك شيئاً ثميناً، أصبح حبه مكان بغضه، إذاً هذا ليس بغضاً في الله. وألا ينقلب الحب لحبيب الله بغضاً إذا وصل إليك من جهته ما تكرهه، إلا خطأً أو عمداً مطيعاً لله فيه، أو متأولاً، أو مجتهداً، أو باغياً. ما دام إنسان طيب صالح مؤمن، صدر منه خطأ لا ينقلب الحب إلى بغض.
 أيها الأخوة الكرام، الدين كله يدور على أربع قواعد، حب وبغض، ويترتب عليها فعل وترك، فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل الإيمان، هذا هو الحب في الله. أما الحب مع الله؛ الآن دخلنا في موضوع آخر.. فالحب مع الله نوعان، نوع يقدح في أصل التوحيد وهو شرك لا محالة، ونوع يقدح في كمال الإخلاص، ولا يخرج من الإسلام.
 أما النوع الأول فالحب مع الله كما يحب المشركون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم التي يعبدونها من دون الله، محبة تأله وميل، يتبعها خوف ورجاء ودعاء، وهذه المحبة هي عين الشرك. أما النوع الثاني الذي يقدح في كمال الإخلاص فمحبة ما زينه الله تعالى في النفوس ؛ [من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث]  .. فيحبها محبة شهوة كالجائع للطعام، والظمآن للماء، هذه المحبة أيضاً ثلاثة أنواع، إن أحبها لله توصلاً إليه بها، واستعانةً بها على طاعته ومرضاته أثيب عليها، أراد أن يتزوج ليحصن نفسه، ويتفرغ لطاعة ربه، إذا أحب هذه الأشياء التي زينها الله في قلوبنا من أجل أن تصل إلى طاعة الله، فهذا الحب تُثاب عليه.
 يقول أحد الأصحاب الكرام: حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي. إن أحب هذه الأشياء توصلاً بها إلى الله، وابتغاء مرضاته، أثيب عليها، وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه، ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم الميل الطبيعي كانت من المباحات لا يعاقب عليها.
 أي محبته للدنيا أو للمال ما أخرجته عن طاعة الله، قال تعالى:

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة النور: 37]

 قال: هذه من المباحات. وإن أحبها وسعى جاهداً لتحصيلها، والظفر بها، وقدمها على ما يحب الله عز وجل، كان ظالماً لنفسه متبعاً لهواه. فالأولى محبة السابقين، والثانية محبة المقتصدين، والثانية محبة الظالمين.

 

عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها :

 قال بعض العلماء: عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها؛ قلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به. محبة لا تتقيد برضا الله تعالى وامتثال أمره. علم لا يُعمل به. عمل لا إخلاص فيه، ولا اقتداء. بدن مُعطل من طاعة الله وخدمة عباده. فكر يدور فيما لا ينفع، وقد استعاذ النبي الكريم من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن أذن لا تسمع، والسعادة من هؤلاء الأربعة جملةً.
 مال لا يُنفق منه، ولا يستمتع جامعه في الدنيا به، ولا يقدمه أمامه في الآخرة، وقت مُعطل عن اغتنام البر وقربة الله عز وجل. مرَّ أحد العلماء الكبار في الشام أمام مقهى يلعب رواده النرد، فقال: يا سبحان الله، لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.
 أنت وقت، بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة. وخدمة من لا تُقربك خدمته إلى الله، أن تكون محسوباً على جهة أرضية، تخدمها ولا تنتفع بخدمتها. وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله، تخاف منه وهو بيد الله، وترجوه وهو بيد الله، لا يملك لك ضراً ولا نفعاً، ولا حياةً ولا نشوراً.
 أيها الأخوة الكرام، سأل رجل عالماً جليلاً، قال إني أشكو مرض البعد عن الله فهل عندك دواء لهذا المرض؟ فقال هذا العالم الجليل للسائل: يا هذا، عليك بعروق الصبر، وورق الإخلاص، وعصير التواضع، ضع ذلك في إناء التقوى، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد عليه بنار الحزن، وصفه بمصفاة المراقبة، وتناوله بكف الصدق، واشربه بكأس الاستغفار، وتمضمض بالورع، وأبعد عن نفسك الحرص والطمع، تشفى من مرضك بإذن الله. فقال السائل للعالم: ومتى يكون ذلك كذلك؟ قال إذا استغنيت بالله عمن سواه.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الشّمس :

 أيها الأخوة الكرام، رئيس أكبر وكالة فضاء في العالم سئل سؤالاً عن السديم وعن كتله المتوهجة الحمراء والبيضاء والسوداء، فقال هذا العالم الكبير- أكبر علماء الأرض في علم الفلك- قال: الشموس المشتعلة أنواع ثلاثة، شموس مشتعلة باللون الأحمر كشمسنا، وهي في منتصف عمرها هكذا قال بعض العلماء، مضى على اتقادها خمسون مليار سنة، وستبقى كما يقولون خمسين مليار سنة أخرى، في منتصف عمرها.
 وهناك شموس بعد أن تمر بمدة الاحمرار يزداد حجمها كثيراً زيادة كبيرة، إلى درجة أنها تنتفخ زيادة عن الحد المعقول، ثم تنكمش انكماشاً عظيماً فجأةً، بواقع من مئة لواحد من حجمها الأصلي، وعندئذ تصبح بيضاء اللون، وتُشع نوراً أبيض، ولكنه أشدّ حرارة بكثير من اللون الأحمر. فالشمس التي تجاوزت حرارتها من اللون الأحمر إلى اللون الأبيض شدة حرارتها فوق الحمراء بكثير. قال: وبعد ذلك تمر هذه الشمس في مرحلة أخرى هي مرحلة التكدس كما يتكدس المتر المكعب من الحديد بحجم ذرة، لا تُرى بالعين ولا بالمجهر.
 قال: ومعنى ذلك أن كثافة هذه الشمس تصبح عالية جداً جِداً جداً، ويصبح جذبها شديداً جداً لدرجة أن النور لا يسطع منها، ولا يخرج. سماها العلماء الآن الثقوب السوداء، هذه لها قوة جذب مخيفة، لو أنها جذبت الأرض لأصبحت الأرض بحجم بيضة مع وزنها نفسه..
 تصور الأرض خمس قارات، والخمس قارات خمس البحار، والكتلة الضخمة، الأرض كلها لو جذبها ثقب أسود لأصبحت بحجم البيضة. قال: هذه مرحلة ثالثة، لا يسطع منها نور، وفيها قوة جذب مخيفة وحرارتها لا توصف.
 أيها الأخوة الكرام: ماذا نفعل إذا مرّ بنا حديث شريف؟ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، والحديث في الجامع الصغير، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 هذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، كيف عرف أن النار أوقد عليها ألف عام حتى احمرت ؟..
 وقال الإمام المناوي في فيض القدير في شرح هذا الحديث، الألف عام ليست رقماً بل عدداً، أي زمن طويل للتكثير والمبالغة، الحديث نصه بالضبط:

((أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018