الخطبة : 0601 - مقومات التكليف - قل لن يصيبنا إلا ما لنا. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0601 - مقومات التكليف - قل لن يصيبنا إلا ما لنا.


1997-01-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإنسان هو المخلوق الأول المكرم و المكلف :

 أيها الأخوة الكرام: ستعقد إن شاء الله تعالى ندوة علمية بعد هذه الخطبة، في الموضوع المحدد: مسؤولية التكليف والالتزام بالأوامر الشرعية، سوف أعالج هذا الموضوع في هذه الخطبة، وأدلي بدلوي فيها، من أجل أن نستفيد من الضيوف في وقت الندوة القصير المحدد بين صلاة الظهر إلى قبيل صلاة العصر.
 من الثابت أن الإنسان هو المخلوق الأول، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[سورة الأحزاب: 72]

 ومن الثابت أيضاً أن الإنسان هو المخلوق المكرم، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 70]

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 13]

 والمسخر له أكرم من المسخر، فالإنسان هو المخلوق الأول، وهو المخلوق المكرم، وهو المخلوق المكلف، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

تزكية النفس من كلّ عيب :

 والعبادة أن تعرف الله أولاً، وأن تطيعه ثانياً، وأن تسعد بقربه ثالثاً، في معنى العبادة تتضح في الإسلام كليات ثلاث؛ كلية تعريفية، وكلية سلوكية، وكلية جمالية..
 الكلية التعريفية سبب الكلية السلوكية، والكلية الجمالية نتيجة الكلية السلوكية، تتعرف إليه، فتطيعه، فتسعد بقربه في الدنيا والآخرة. ربنا سبحانه وتعالى كلفنا تزكية أنفسنا، إذا عرَّفنا أنفسنا بربها، وحملناها على طاعته، وتقربت إليه، حققنا الهدف من وجودنا لقوله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[سورة الأعلى: 14]

 الفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والتفوق كل التفوق، بتزكية النفس، لأنه:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 نفس زكية طاهرة من كل درن، نقية من كل عيب، هي نفس مؤهلة أن تكون في جنة الله عز وجل، إلى أبد الآبدين، نحن في الحياة الدنيا، في حياة دنيا إعدادية لحياة عليا تكريمية، نحن في حياة نكدح فيها كدحاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

[سورة الانشقاق: 6]

 والآخرة حياة تكريمية، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

[سورة ق: 35]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ:

((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 ما كلفنا ربنا تزكية أنفسنا إلا وأعطانا مقومات هذه التزكية.

 

مقومات التكليف :

1 ـ الكون :

 العنصر الأول في مقومات التزكية هذا الكون، بمجرَّاته، بكازاراته، بكواكبه، بمذنباته، بأبراجه، بسمواته، بأرضه، وما فيها من جبال وأنهار وأسماك وأطيار، وأنواع لا تُحصى من النباتات، وأنواع لا تُحصى من الحيوانات، هذا الكون ينطق بثلاث كلمات؛ ينطق بأن الله موجود، وبأن الله كامل، وبأن الله واحد، موجود، وواحد، وكامل.. هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، إذا أردت أن تعرف الله فالكون يدلك عليه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[سورة آل عمران: 190]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾

[سورة الشورى: 29]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾

[سورة فصلت: 37]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾

[سورة الروم: 23]

 الحديث يطول عن آيات الله في الكون، مجرة اكتُشفت حديثاً، تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، إذا أردت أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب إلينا الذي يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، تحتاج إلى خمسين مليون عام بمركبة أرضية، فكيف لكي تصل لمجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف مليون سنة ضوئية؟ قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

 هذا في خلق السموات والأرض.. نجم صغير اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، قال تعالى:

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[سورة الأنعام: 102]

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة يونس: 101]

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

[سورة يوسف: 105]

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[سورة فصلت: 53]

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾

[سورة البلد: 8]

 في شبكية العين مئة وثلاثون مليون مخروط وعصية، عصب العين تسعمئة ألف عصب، لكل عصب وريد وشريان، لكل عصب أغماد ثلاثة.
 في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعضلة، وعصب، وغدة دهنية، وغدة صبغية.
 قلب الإنسان يضخ ثمانية لترات في اليوم، طول أوعية الدم يزيد عن مئة و خمسين كيلو مترًا في جسم الإنسان.
 في الكلية طريق طوله مئة كيلو متر، يقطعه الدم في اليوم خمس مرات، آيات الله في جسم الإنسان قد لا تُصدق.. الكون أحد مقومات التكليف..

2 ـ العقل :

 المقوم الثاني: العقل.. الله سبحانه وتعالى ذكر العقل وفروعه في القرآن الكريم قريباً من ألف آية.. أفلا يعقلون؟ أفلا يتفكرون؟ أفلا يذكرون؟ العقل أداة معرفة الله، مبادئه تتوافق مع مبادئ الكون، مبدأ السببية، العقل لا يفهم شيئاً بلا سبب، ومبدأ الغائية، والعقل لا يفهم شيئاً بلا غاية، ومبدأ عدم التناقض، العقل لا يقبل الشيء ونقيضه.. مبادئ العقل تتوافق مع أنظمة الكون، العقل أداة معرفة الله، هنيئاً لمن أعمل عقله فيما خُلق له عقله، والويل لمن أعمل عقله في غير ما خُلق له، في المكر والخداع، والتضليل، والتكذيب، والاحتيال.. هؤلاء الذين وصلوا إلى منجزات تقترب من حدّ الخيال، وصلوا إلى هذه المنجزات عن طريق عقولهم، ولو استعملوا عقولهم واحد بالمليون مما يستعملونه في إنجازاتهم العلمية لعرفوا الله عز وجل، ولسعدوا بقربه في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾

[سورة عبس: 17-23]

 العقل البشري أداة فعالة في معرفة الله عز وجل.

3 ـ الفطرة الإنسانية :

 المقوم الثالث: الفطرة الإنسانية.. ربنا سبحانه وتعالى فطر الإنسان فطرةً عالية قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الروم: 30]

 الفطرة تعني أنك تحب الحق وتكره الباطل، تحب الخير وتكره الشر، تحب العدل وتكره الظلم، تحب الرحمة وتكره القسوة، هكذا فُطر الناس جميعاً، الفطرة شيء، والصبغة شيء آخر، الصبغة أن تكون عادلاً، وأن تكون رحيماً، وأن تكون منصفاً، أما الفطرة فأن تحب العدل والإنصاف، وأن تحب الرحمة والإحسان، النفس البشرية متوافقة مع الدين توافقاً تاماً، إذاً لا ترتاح، ولا تركن، ولا تطمئن، ولا تستقر، ولا تسعد إلا إذا عرفت ربها، وانطوت تحت ظله، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الروم: 30]

 من الآيات التي تؤكد الفطرة أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن أصحاب نبيه الكرام بأنهم يفرحون بما أنزل إليهم، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ ﴾

[سورة الرعد: 36]

 توافق أنفسهم مع شرع الله عز وجل جعلهم يفرحون.. من الآيات الدالة على الفطرة:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[سورة الشمس: 7-8]

 أي أنها إذا فجرت تعلم أنها فجرت من دون أن يعلمها أحد.

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[سورة القيامة: 14-15]

 وأنها لو اتقت تعلم أنها تتقي الله من دون أن يعلمها أحد، إذا كان العقل يصل بك إلى الله فإن الفطرة تكشف لك الخطأ والصواب.
 أيها الأخوة الكرام، معنى آخر من معاني قوله تعالى:

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[سورة الشمس: 8]

 ألهمها طريق تقواها، وألهمها طريق فجورها، وألهمها إذا اتقت أنها تتقي الله، وألهمها إذا فجرت أنها فجرت، لذلك الحجة قائمة على كل إنسان، فطرته وحدها حجة عليه..
 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))

[ مسلم عن النواس بن سمعان ]

 هذه هي الفطرة.. عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِوَابِصَةَ:

((جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ، وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ ثَلَاثًا، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ))

[الدرامي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ ]

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

 الكون أحد مقومات التكليف، سخره الله لنا تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم، من خلال الكون نعرف الله، عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ:

((هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ))

[ أبو داود عَنْ قَتَادَة]

 ينفعنا ويرشدنا إلى ربنا، وقس على الله كل شيء، قس طعامك وشرابك، قس أنواع النباتات، قس أنواع الأطيار، أنواع الأسماك، قس تضاريس الأرض، ما فيها من بحار، من جبال، من أنهار، من أغوار، من صحارى، من بحيرات، من سهول، قس على ذلك كل شيء، هلال خير ورشد.. الكون مسخر لنا تسخيرين، تسخير تعريف، وتسخير تكريم.. الموقف الأمثل من تسخير التعريف أن تؤمن، والموقف الأمثل من تسخير التكريم أن تشكر، إن آمنت وشكرت حققت الهدف الذي من أجله خُلقت، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء: 147]

 تسخير التعريف يقتضي أن تؤمن، وتسخير التكريم يقتضي أن تشكر، فإن آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، وتوقف العلاج الإلهي:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء: 147]

توافق الدين مع الفطرة :

 أيها الأخوة الكرام، المقوم الأول الكون، والمقوم الثاني العقل، والمقوم الثالث الفطرة جبلت على فطرة متوافقة مع الدين، الإنسان أيها الأخوة لو حقق نجاحاً اقتصادياً، كان من أغنى الناس، في نفسه فراغ لا يملؤه المال لو وصل إلى أعلى المناصب، في نفسه فراغ لا تملؤه القوة، لو بلغ أعلى مستوى من الصحة، في نفسه فراغ لا تملؤه الصحة، لو كان له أتباع كثيرون، في نفسه فراغ لا يملؤه الأتباع، في النفس فراغ لا يملؤه إلا الإيمان بالله، وطاعته والقرب منه، هذه الفطرة متوافقة مع الدين، خذ مثل السيارة، هذه مصممة كي تسير على طريق معبد مستوٍ، فإذا سارت على طريق وعرة اضطربت، وسمعت منها أصواتاً لا ترضي، ليس العيب في صانعها، ولكن العيب لأنك استخدمتها في غير ما صُنعت له، أما إذا جعلتها على طريق سوي فتشعر براحة؛ لأنها توافقت مع ما صُنعت له.
 أيها الأخوة الكرام، إن الله يعطي الصحة للكثيرين من خلقه، ويعطي القوة للكثيرين من خلقه، ويعطي الجمال للكثيرين من خلقه، ويعطي المال للكثيرين من خلقه، أما السكينة فلا يعطيها إلا لأصفيائه المؤمنين.
 السكينة شيء لا يوصف، إذا تجلى الله على عبد بالسكينة، كان أقوى الناس، وكان أغنى الناس، وكان أسعد الناس، وكان أكثر الناس صبراً، أكثرهم اطمئناناً، أكثرهم إقبالاً، أكثرهم توازناً.

4 ـ الشهوات :

 المقوم الرابع: الشهوات.. ما أودع الله بنا الشهوات إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسموات، الشهوات سلم نرقى بها، أو دركات نهوي بها، إنها حيادية، كل الشهوات التي أودعها الله فينا حيادية، يمكن أن ترقى بك إلى الله، ويمكن أن تهوي بك لا سمح الله إلى أسفل سافلين..
 حب النساء، سُمح لك بقناة نظيفة هي الزواج، فإن تحركت بدافع من هذه الشهوة ضمن هذه القناة سعدت وأسعدت، وإن تحركت بدافع من هذه الشهوة في قناة أخرى ما شرعها الله عز وجل شقيت وأشقيت، سلم ترقى بها، أو دركات تهوي بها، حيادية، كالوقود السائل في السيارة، إن وضع في المستودعات المحكمة، وسال في الأنابيب المحكمة، واحترق في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ولَّد حركةً نافعة، أما إذا خرج الوقود عن مساره، وأصاب المركبة شرارة، فيحرق المركبة ومن فيها.. الشهوات حيادية.. قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

[سورة آل عمران: 14]

 فالشهوات ترقى بنا، كيف تتقرب إلى الله إن لم تنه نفسك عن الهوى؟.. لا سبيل إلى الله إن لم تنه نفسك عن الهوى، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41]

 الشهوات ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله ، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، من غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه .

5 ـ التشريع :

 المقوم الخامس: التشريع.. إذا كان العقل مقياساً علمياً، وكانت الفطرة مقياساً نفسياً، فإن التشريع مقياس على مقياسي العقل والفطرة، الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، إن توافق عقلك مع الشرع فأنعم بهذا العقل، وإن لم يتوافق عقلك مع الشرع، فلا أنعم بهذا العقل، هذا العقل منحرف، الأصل هو الشرع، إن اجتهدت، وفكرت، واستنبطت، واجتهدت، ووصلت إلى نتائج متوافقة مع الشرع، نقل لك: عقلك يعمل بشكل صحيح، أما إذا جاء بنتائج مختلفة عن الشرع، فهذا العقل منحرف ولا يُعبأ به، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾

[سورة المدثر: 18-26]

 أيها الأخوة الكرام، الله سبحانه وتعالى خلق الكون لنعرفه به، وأنزل التشريع لنعبده بالتشريع، لا سبيل إلى عبادة الله إلا بما شرع الله، إن أردت أن تتقرب من الله عز وجل، فالشرع الحنيف هو الذي يوصلك إلى الله:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

[سورة الحجرات: 13]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب: 70-71]

 ثم إن الله سبحانه وتعالى يمد الإنسان بقوة من عنده لتحقيق اختياره، فالقوة عنصر تابع من عناصر التكليف، إنها قوة الله عز وجل، إنها فعل الله عز وجل، لكن الإنسان مخير، فإذا اختار شيئاً وكان من الحكمة الإلهي أن يتحقق، أمده الله بقوة كي يتحقق، له الكسب والفعل لله، قال تعالى:

﴿ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 286]

6 ـ حرية الاختيار :

 أيها الأخوة الكرام، المقوم الأخير: أن الله سبحانه وتعالى منحك حرية الاختيار، قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 148]

 هذه الآية أصل في أن الإنسان مخير، قال تعالى:

﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾

[سورة الكهف: 29]

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة البقرة: 148]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[سورة الإنسان: 3]

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[سورة فصلت: 17]

 بل إن مجرد الأمر يقتضي الاختيار، وإن مجرد النهي يقتضي الاختيار.
 أيها الأخوة الكرام، لو أن الله أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب، ولو تركنا هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطع مكروهاً، ولم يرسل الأنبياء عبثاً، ولم ينزل الكتب لعباً..
 جاء رجل إلى سيدنا عمر وقد شرب الخمر، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله.. قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.. أنت مخير، والحجة قائمة عليك، مخير فيما كُلفت، ومسير في غير التكليف، لكن هذا التسيير لصالحك..

 

مسؤولية التكليف و الالتزام :

 أيها الأخوة الكرام، لأن الإنسان مكلف أن يعرف الله، وأن يطيعه، جعله الله جزوعاً قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[سورة المعارج: 19-22]

 جعله جزوعاً ليبادر إلى باب الله فيأوي إليه، جعله جزوعاً ليحتمي بحمى الله عز وجل، جعله جزوعاً ليتقوى بطاعة الله عز وجل، إن الإنسان خُلق هلوعاً إذا مسَّه الشرُّ جزوعاً، وإذا مسَّه الخير منوعاً، وجعله منوعاً ليرقى بإنفاقه، لولا أنه يحب المال لما ارتقى عند الله بإنفاقه. والإنسان خُلق ضعيفاً، لو أنه خُلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، خُلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره.. خُلق جزوعاً، وخلق منوعاً، وخلق ضعيفاً، وخلق عجولاً، إذ لو أنه اختار الآخرة، هو عجول اختار الشيء البعيد، يرقى بهذا الاختيار. أما حظوظه، حظُّ المال، وحظ الصحة، وحظ الذكاء، فهذه الحظوظ أيضاً كالشهوات، يرقى بها، أو يهوي بها، حيادية توظف في الخير كما توظف في الشر..
 أيها الأخوة الكرام، هذا هو الإنسان، مخلوق أول، ومخلوق مكرم، ومخلوق مكلَّف، مكلف أن يزكي نفسه، وتزكية النفس تحتاج إلى كون مسخر لتعرف الله، وإلى أداة لتعرف الله بها و هذه الأداة هي العقل، وإلى فطرة متوافقة مع أحكام الدين، وإلى شهوات محركة، وإلى اختيار مثمِّن، وإلى تشريع ضابط.. التكليف يحتاج إلى كون معرِّف، وإلى أداة للتعريف هي العقل، وإلى فطرة متوافقة مع الشرع، وإلى اختيار مثمن، وإلى تشريع ضابط، هذه هي مسؤولية التكليف والالتزام.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن، عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

علامة الإيمان التوكل على الله :

 أيها الأخوة الكرام، الموضوع الفرعي التابع لموضوع ندوة بعد صلاة الجمعة إن شاء الله تعالى قوله تعالى:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 51]

 هذه الآية لها سياق دقيق، قال تعالى:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾

[سورة التوبة: 50-52]

 هذا شأن المنافقين والكفار، في الخندق الآخر غير خندق المؤمنين لمجرد أن تأتي مصيبة تصيب المؤمنين يفرحوا، وإن جاءت حسنة ينزعجوا، وبإمكانك أن تتخذ هذا مقياساً لك، فيما إذا كنت مؤمناً أو غير ذلك - لا سمح الله - علامة إيمانك أنك تفرح للخير يصيب المسلمين، لك صديق، لك جار، لك قريب، لك أخٌ، لك زميل أكرمه الله بزواج، أو شراء بيت، أو مركبة، أو نيل درجة، أو نجاح في دعوة تفرح له، علامة إيمانك أنك تفرح للمؤمنين، تفرح لما يفرحهم، وتتألم لما يؤلمهم، هذه علامة صادقة من علامات الإيمان، أما إذا بالنفس شعور بالفرح حينما تأتي المصيبة تصيب المؤمنين، أو شعور بالضيق حينما يأتي الخير يعم المؤمنين فهذه علامة خطيرة جداً على أن صاحبها منافق:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 50-51]

 قل يا محمد لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. لنا.. لنا غير علينا، تقول: هذه الجوهرة لي؛ لام الملك، أما هذا الدين فعليّ، فرق كبير بين كتب لنا، وكتب علينا، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا من خيري الدنيا والآخرة.. معنى كتب أي أثبت لنا الخير في الدنيا والآخرة، وأنت حينما تصطلح مع الله، وحينما تخلص له، وحينما تقبل عليه، وحينما تخدم خلقه، وحينما تعامل الناس كأنهم أخوتك؛ لأنهم عباد الله عز وجل الله جل جلاله لن يكتب لك إلا الخير في الدنيا والآخرة..

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 51]

 علامة إيمانك توكلك على الله..

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾

[سورة التوبة: 52]

 الشهادة أو النصر..

﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾

[سورة التوبة: 52]

 أيها الأخوة الكرام، هذه الآية بشارة للمؤمنين، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا..

كن عن همومك معرضاً وكل الأمور إلى القضـا
و أبشر بخير عاجــل تنسى به ما قد مضــــــــى
فلرب أمر مسـخـــــــط لك في عواقبـــــه رضـــــــى
ولربمـــــــــا ضاق المـضيق ولربما اتسع الفضـــا
الله يفعل ما يشـــــــــــــــاء فلا تكن معترضــــــــــــــــا
الله عودك الجميـــل فقس على ما قد مضــــــــى
***

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018