الخطبة : 0655 - الهجرة وعلاقتنا بها - الهجرة في سبيل الشيطان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0655 - الهجرة وعلاقتنا بها - الهجرة في سبيل الشيطان.


1998-05-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العلم وحده ليس قيمةً بذاته إنما قيمته من العمل به :

 أيها الأخوة المؤمنون، قبل أيام عدة مرت ذكرى هجرة النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، وهذا من أضخم الأحداث بعد حدث الدعوة، وظهور الرسالة.
 أيها الأخوة الكرام، من الحقائق المُسلّم بها أن العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته، ولا قيمة للعلم إلا إذا عُمل به، العلم وسيلة لمعرفة الله، والعلم وسيلة لمعرفة منهج الله، والعلم وسيلة لتهذيب النفس، وحملها على طاعة الله، فالعلم وحده ليس قيمةً بذاته، إنما قيمته من العمل به. يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف: 110]

 هذه عقيدة التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. الآن دققوا:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾

[سورة الكهف: 110]

 آمنت أنه لا إله إلا الله، هذه حقيقة الدين الأولى، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء: 25]

 الأديان كلها السماوية مضغوطة في هذه الآية:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ﴾

[سورة الأنبياء: 25]

 العقيدة أنه لا إله إلا أنا، والسلوك فاعبدوني، والدين عقيدة وسلوك، اعتقاد وعمل، اتصال وإحسان:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

[سورة الكهف: 110]

 هذه حقيقة لن تستفيد منها إلا إذا طبقتها، لنضرب على ذلك مثلاً لو أن مريضاً بمرض جلدي، دواؤه الشمس- أن يتعرض للشمس- هذا المريض قال: أنا أؤمن أن الشمس ساطعة، وأن الشمس في رابعة النهار، كل هذا الكلام إن لم يذهب ويتعرض لأشعة الشمس ليشفى مرضه الجلدي، كل كلامه النظري بأن الشمس ساطعة، وأنها مشرقة، وأنها في رابعة النهار، كلام لا معنى له، ولا يقدم ولا يُؤخر. الحقيقة بحدّ ذاته ما لم تستثمرها، ما لم تعمل بها، ما لم تنتفع بها، ما لم تطبقها لا قيمة لها، لذلك حينما نبقى في الفكر الإسلامي، في التصورات، في الثقافة، ولا نتحرك، ولا نقف موقفاً يؤكد هذا الانتماء أو يؤكد هذا الاعتقاد، أو يؤكد هذه الهوية، هذه الهوية النظرية وهذه القناعة لا تقدم ولا تؤخر. ذكرت هذا بأن العلم كما قلت قبل قليل بحدّ ذاته ما لم يُعمل به لا قيمة له.

 

الهجرة حركة :

 أيها الأخوة الكرام: الهجرة حركة، لا هجرة بعد الفتح، أما ماذا نفعله نحن؟ ماذا يعنينا من هجرة النبي؟ ماذا نستفيد من دروس الهجرة؟ ما الذي نستشفه منها؟ يعنينا أن إيمانك بالله يعني أن تتحرك، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق.
 الإيمان مع السكون، الإيمان مع القعود، الإيمان مع الصمت، الإيمان مع الانشغال بالمصالح الشخصية، الإيمان مع الانغماس بهموم الفرد الخاصة، هذا ليس إيماناً، ولا يرقى بصاحبه، ولا يُقدم ولا يؤخر، ما لم تحمل همّ المسلمين، ما لم تتحرك لحلّ مشكلة، ما لم تتحرك لنشر فضيلة، ما لم تتحرك لتوضيح آية، ما لم تتحرك لنشر سنة.. أما أن تبقى ساكناً، ساكتاً، وأن تبقى خاضعاً، وتقول: علي بنفسي، فهذا ليس من الإيمان في شيء.
 أيها الأخوة: أردت من هذه الحقيقة أن أؤكد لكم أن علاقتنا بالهجرة اليوم هذا المعنى، الهجرة حركة، انتقال من مكان إلى مكان، هجر المصالح في مكان، والذهاب إلى مكان مجهول ابتغاء وجه الله، ابتغاء رضوان الله إذا آمنت..
 الآن اسأل نفسك هذا السؤال: ما الشيء الذي تبدل بعلاقتك بنفسك؟ ما الشيء الذي تبدل بعلاقتك بزوجتك؟ ما الشيء الذي تبدل بعلاقتك بأولادك؟ ما الشيء الذي تبدل بعلاقتك بجيرانك؟ بعلاقتك بأرباب حرفتك؟ بعلاقتك بمن فوقك؟ بمن تحتك؟ بمن دونك؟ بمن معك؟ بمن حولك؟.. هل أعطيت لله؟ هل منعت لله؟ هل وصلت لله؟ هل قطعت لله؟ هل واليت في الله؟ هل عاديت في الله؟ هل أنفقت المال في سبيل الله؟ هل أحجمت عن إنفاقه لأن الإنفاق في بعض الأماكن لا يرضي الله؟ ما الموقف الذي وقفته؟ ما الحركة التي تحركتها؟ ما الشيء الذي أعطيته؟ ما الشيء الذي منعته؟ أية حركة تحركتها بناءً على إيمانك؟ أية حركة تحركتها بناءً على معتقدك؟ أية حركة تحركتها بناءً على اتباع سنة نبيك؟ أية حركة تحركتها بناءً على ما استقر في قلبك من إيمان؟ الهجرة حركة، مطلق الحركة. من الآيات الدقيقة يقول الله جل جلاله:

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾

[ سورة النساء: 66]

 هذا مُركّب في طبع الإنسان، أن يألف بلده، أن يألف بيئته، أن يألف مسقط رأسه، أن يألف من حوله، أن يألف ما حوله، هذا مُركّب في طبع الإنسان، ولكن التكليف شيء آخر.

الفرق بين التّكليف و الطّبع :

 التكليف شيء والطبع شيء آخر، وقد بينت هذا في خطب كثيرة، الطبع أن تطلق البصر، والتكليف أن تغض البصر، الطبع أن تأخذ المال، والتكليف أن تنفق المال، الطبع أن تلقى مستلقياً في فراشك الوثير، والتكليف أن تستيقظ لتصلي، لولا أن الطبع يناقض التكليف لما كان هناك جنة، بل إن ثمن الجنة هو هذا التناقض الظاهر بين الطبع والتكليف، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات : 40-41]

 قال تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾

[ سورة النساء : 66]

 هذا هو الطبع، والتكليف قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 علة وجودك على وجه الأرض، العلة الأولى، العلة الكبرى، العلة الأولى والأخيرة أن تعبد الله، فإذا توافقت بيئتك، إذا توافق من حولك مع هذا التكليف فهذا شيء طيب، وهذا شيء مريح، أما إذا تناقضت بيئتك مع التكليف فالتكليف أولاً، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾

[ سورة النساء : 97]

 الجواب المُسكت يوم القيامة:

﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾

[ سورة النساء : 97]

 أول شيء في حياتك أن تعبد الله، أول شيء في حياتك أن تقيم أمره في بيتك وفي عملك، أول شيء في حياتك أن تسعى لرضائه، فإذا توافق من حولك، توافق ما حولك، أعانتك بيئتك مع هذا أنعم بهذا وأكرم، أما إذا صار هناك تناقض فأنت مع الأمر التكليفي، لا مع الطبع الذي يقول: ابق في هذا المكان.
أيها الأخوة الكرام: ثلاث آيات، الأولى:

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾

[ سورة النساء : 66]

 والآية الثانية:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 والآية الثالثة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾

[ سورة النساء : 97]

علاقة الإنسان بالهجرة :

 أيها الأخوة الأكارم، علاقتنا بالهجرة أن تتحرك حركة مبنية على إيمانك، حركة مبنية على طاعة ربك، حركة مبينة على اتباع سنة نبيك، لا بد من الإيمان، ولا بد من البراء، لابد من أن توالي المؤمنين، ولابد من أن تتبرأ من الكفار والمنحرفين، لابد من أن تكون مع المؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة لقمان: 15]

 كن مع المؤمنين، قال الله عز وجل:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 148]

 هل هناك سباق بلا جماعة؟ هل يأتي على خاطرك أن سباقاً يتم من قبل شخص واحد منعزل؟ لابد من أن تكون مع مجموع المؤمنين، ولابد من أن تستبق معهم، قال تعالى:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 133]

 سارعوا إلى شيئين، إلى مغفرة تغطي الماضي، وإلى جنة عرضها السموات والأرض موعود بها في المستقبل، سارع إلى إلغاء المال الذي لا يعجبك، وإلى جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
 أيها الأخوة الكرام: هذه الحقيقة الأولى، مُركّب في طبعك أن تحب مكان ولادتك، أن تحب البيئة التي ترعرعت فيها، أن تحب المحيط الذي نشأت فيه، أن تحب الأناس الذين نشأت معهم، ولكن هذه البيئة إذا دعتك إلى معصية، أو إذا حالت بينك وبين طاعة الله، أو إذا أغرتك بالانحراف عن منهج الله، لابد من أن تحقق علة وجودك وهي عبادة الله عز وجل، هذه حقيقة أيها الأخوة.

 

الهجرة لمن هو في بلد مسلم أن يهجر ما نهى الله عنه :

 الحقيقة الثانية: معنى الهجرة بالنسبة إلينا، وقد أغلق باب الهجرة بين مكة والمدينة لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))

[ متفق عليه عن ابن عباس]

 أي بعد أن فُتحت مكة لو أن إنساناً انتقل من مكة إلى المدينة هل يُسمى مهاجراً؟ لا والله.. إلا أن الهجرة تبقى قائمةً بين كل مدينتين يشبهان مكة والمدينة، تبقى الهجرة قائمةً إلى يوم القيامة، بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة. أما علاقتنا نحن بالهجرة فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ))

[البخاري عن عبد الله بن عمر]

 لمجرد أن تستقيم على أمر الله، لمجرد أن تبتعد عن مناهي الله، لمجرد أن تجعل بينك وبين المعاصي هامش أمان، فأنت مهاجر، أنت مهاجر ورب الكعبة.
 الآن لا تُكلف أن تترك وطنك، ولا بلدك بالعكس، هذا بلد طيب يُذكر الله فيه، المساجد غاصة بالمصلين، دروس العلم بأعلى درجة من الدقة ومن إقبال الناس عليها، هذه نعمة لا يعرفها إلا من غادر هذا البلدة.

((رأت عمود الإسلام قد سل من تحت رأسي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام، فعليكم بالشام في آخر الزمان))

[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]

 أكثر من ثلاثين حديثاً صحيحاً تحث الناس على السكنى في الشام في آخر الزمان.
 أيها الأخوة الكرام: إلا أن الهجرة تعني لمن هو في بلد مسلم تُقام فيه شعائر الدين، أبواب المساجد مُفتحة على مصاريعها، دروس العلم موفورة بشكل غريب، الهجرة لإنسان يعيش في هذه البلدة أن يهجر ما نهى الله عنه، فمن هجر ما نهى الله عنه فهو مهاجر ورب الكعبة.

 

عبادة الله في زمن الفتن :

 وهناك شيء آخر ورد في الحديث الصحيح الذي رواه النبي عن ربه أن الله عز وجل يقول:

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))

[مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ]

 في زمن استعرّت فيه الفتن، في زمن كثر المال الحرام، في زمن عصي الله على قارعة الطريق، في زمن رأيت النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، في زمن لا يبالي الرجل أن يكون ماله حراماً أم حلالاً، في زمن يمسي الرجل مؤمناً، ويصبح كافراً، يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، في زمن الفتن، في زمن استعار الشهوات، في زمن المال الحرام، في زمن تمييع الدين، في زمن تطوير الدين، وكأنه يحتاج إلى تطوير، في زمن تجديد الدين وكأنه بناء متداعٍ في هذا الزمن الذي تُطرح فيه العقائد الزائغة، والأفكار المضطربة والتشويه الكبير، ويعصى الله فيه، ويفتخر العاصون لله عز وجل، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))

[مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ]

(( اشتقت لأحبابي، قالوا يا رسول الله أو لسنا أحبابك؟ قال: لا أنتم أصحابي، ولكن أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان، القابض على دينه كالقابض على الجمر، أجره كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))

[ورد في الأثر]

 عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قَالَ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ وَرَأَيْتَ أَمْرًا لا يَدَانِ لَكَ بِهِ فَعَلَيْكَ خُوَيْصَّةَ نَفْسِكَ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]

 لمن حولك من إخوانك، من أقربائك، من زملائك، من جيرانك.
 أيها الأخوة الكرام: هذا معنى آخر من معاني الهجرة ؛ أن تعبد الله في زمن الفتن، والآية الدقيقة جداً وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾

[ سورة الكهف: 16]

 هؤلاء المنحرفون إن اعتزلتموهم مع ما يعبدون من الدرهم والدينار، مع ما يعبدون من المرأة، مع ما يعبدون من العلو في الأرض- إلا إذا عبدوا الله ينبغي ألا تعتزلوهم-

[ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ]

 المعنى الموسع لهذه الآية آوِ إلى مكان تعبد الله فيه، آوِ إلى بيتك، آوِ إلى مسجدك، آوِ إلى مكان بعيد عن الفتن:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾

[ سورة الكهف: 16]

 وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أننا إذا دخلنا المسجد ندعو ونقول: " اللهم افتح لنا أبواب رحمتك" لأن رحمة الله قريب من المحسنين.

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 132]

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة فاطر: 2]

 أيها الأخوة الكرام: علاقتنا بالهجرة أن تهجر ما نهى الله عنه، وعلاقتنا بالهجرة أن تعبد الله في زمن الفتن.

 

من آمن بالله تحرك إلى طاعته :

 أيها الأخوة الكرام، بقي موضوع آخر في الهجرة، دققوا في هاتين الآيتين اللتين وردتا في سورة الأنفال، يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 آمن، اعتقد بالحقيقة المطلقة، عرف الله، ماذا ينبغي أن يفعل؟ تحرك إلى طاعته، وأعيد وأكرر: ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن لابد لهذه الحقيقة التي استقرت من أن تعبر عن ذاتها بذاتها في حركة نحو الخلق، حركة عطاء، حركة هداية، حركة دعوة إلى الله، حركة أمر بالمعروف، حركة نهي عن المنكر، حركة صون الأهل، ومن يلوذ بك عن الانزلاق بالمعاصي:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنفال: 72]

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

 ولا يأتين إلى خاطركم أن كل أنواع الجهاد جهاد قتالي، هناك جهاد النفس والهوى، وهذا نحن مقصرون فيه كثيراً، وهناك الجهاد الدعوي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))

[البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 والدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، والدليل:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *﴾

[سورة العصر: 1- 3]

 ربع النجاة في تبليغ آية عن رسول الله، في تبليغ حديث عن رسول الله، في إسماع شريط اقتنعت بفائدته، هذه دعوة إلى الله، وهي فرض عين، في حدود ما تعلم، وفي حدود ما تعرف، لا يوجد إنسان من إخوتنا الكرام إلا وهو لمن حوله نافذة إلى الله، من حوله يعتقدون بصلاحه، أن فلاناً من رواد المسجد الفلاني، وفلاناً ديناً، وفلاناً يتقي الله، كل من حولك أنت محاسب عنهم، هل أبلغتهم؟ هل نصحتهم؟ هل جلست معهم ذكرت الله عز وجل؟ هل نقلت لهم معنى آية أو معنى حديث؟ هذه الدعوة إلى الله كفرض عين على كل مسلم،
والآية الثانية:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[سورة يوسف: 108]

 فإن لم تدع إلى الله على بصيرة فأنت لست متبعاً لرسول الله، وإذا لم تكن متبعاً للنبي فأنت لا تحب الله، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران:31]

المؤمنون بعضهم أولياء بعض :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 تعاون مع المؤمنين، مسح عنهم دموع البأس، أعانهم على أمر دينهم، أعانهم على أمر دنياهم، أعطاهم مما يملك، من علم أو من خبرة أو من مال أو من جهد.

﴿ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 المؤمنون بعضهم أولياء بعض، كل المؤمنين لمؤمن، وكل مؤمن لكل المؤمنين، وهذا الذي يرضي الله عز وجل، كل المؤمنين بإمكاناتهم لكل واحد منهم، وكل واحد منهم للمجموع:

﴿ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[سورة الأنفال: 72]

من عبد الله في زمن الفتنة فهو مهاجر :

 الآن دققوا:

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 أخذ موقفاً فكرياً فقط، قانع بالإسلام، ثقافته الدينية جيدة، خلفيته إسلامية، اتجاهه إسلامي، انتماؤه إسلامي، محسوب على المسلمين، هذه كلها كلمات تشبه بعضها بعضاً، ولكن لا يوجد حركة، قاعد، لا يوجد بذل، لا يوجد طلب علم، لا يوجد أمر بالمعروف، لا يوجد حركة إطلاقاً، جالس:

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 لا يُعد هذا مؤمناً إن لم يتحرك، إن لم تترك سهرة لا ترضي الله كيف تكون مؤمناً؟ إن لم تترك لقاءً لا يرضي الله كيف تكون مؤمناً؟ إن لم تترك برنامجاً يفسد دينك كيف تكون مؤمناً؟ يجب أن تترك ما نهى الله عنه كي تكون مهاجراً، ما كلفت أن تترك مدينتك التي فيها بيتك، وعملك، ودخلك، ومعارفك، كُلفت أن تترك ما نهى الله عنه فأنت مهاجر، إن تركت ما نهى الله عنه فأنت مهاجر، إن عبدت الله في زمن الفتنة فأنت مهاجر.

 

الإيمان و المجاهدة بالمال و النفس يبعد المسلم عن الفتنة :

 أيها الأخوة الكرام: الآية التي تليها:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة الأنفال: 73]

 يتعاونون، ويتناصرون، ويتكاتفون، لإطفاء نور الله، لإضعاف المسلمين، لأخذ أموالهم، لإيقاع الفرقة بينهم، لتشتيت جمعهم، للنيل منهم، لالتهامهم لقمة لقمةً،

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 من مئات السنين يخططون من أجل إضعافنا، من أجل نهب ثرواتنا، من أجل إذلالنا.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾

[ سورة الأنفال: 73]

 أما الشيء الذي يلفت النظر في هذه الآية:

﴿ إلا تفعلوه﴾

 الهاء ضمير غائب على من تعود؟ الآية تقول:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾

 قال علماء التفسير يعود هذا الضمير على الآية السابقة إجمالاً:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 إن لم تؤمنوا، وإن لم تهاجروا، وإن لم تجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، وإن لم تؤووا، وإن لم تنصروا، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.. ماذا يفعل الغرب؟

قتل امرئ في غابة جريمة لا تُغتفر  وقتل شعب آمنٌ مسألة فيها نظر
***

 تُشيع امرأة فاسقة أعلن أنها زنت على إحدى عشرة محطة فضائية ويشيعها ستة ملايين، ويبكي كبراء العالم لموتها بحادث، أما حينما تُغتصب نساء المسلمين في أوربا فلا أحد يبكي.

قتل امرئ في غابة جريمة لا تُغتفر  وقتل شعب آمنٌ مسألة فيها نظر
***

 هكذا يقيسون الأمور.
 يا أيها الأخوة الكرام، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. الإنسان مُكلف أن يقيم الإسلام في بيته، قبل أن يقيمه في بيته أن يقيمه في نفسه، أن يطلب العلم، أن يعرف لمَ خلقه الله؟ما الذي ينبغي أن يفعل؟ أقم الإسلام في نفسك، تعلم مبادئ الدين، مبادئ الإيمان، مبادئ الإسلام، تعلم المنهج الإلهي، افعل ولا تفعل، ما يجوز وما لا يجوز، اطلب العلم، أول خطوة أن تطلب العلم، ولا شيء يعلو في حياتك على طلب العلم.
 لو ذهب أحدكم إلى بلد ليأخذ الدكتوراه، وقد وعد أن يعود إلى بلده في أعلى منصب، وقال لك في هذا البلد الذي مهمته الوحيدة هناك أن يدرس: لستُ متفرغًا أن أدرس، إذاً أنت لأي شيء متفرغ ؟ الوقت إذاً لأي شيء تبذله؟

 

طاعة الله و إقامة الإسلام و طلب العلم مهمة كل إنسان لينجو من عذاب الله :

 يا أيها الأخوة الكرام، هذه الآيات المتعلقة بالهجرة، وهذه علاقتنا بالهجرة، طاعة الله عز وجل، أقم الإسلام في نفسك، ثم أقمه في بيتك، وأقمه في عملك وانتهى الأمر، ولا تُكلف فوق طاقتك، لا عليك من المجموع، أنتَ أقم الإسلام في نفسك، اطلب العلم، تعرف إلى الله، طبق منهجه، ثم أقمه بين أهلك، عند أهلك وأولادك، ثم أقمه في عملك وانتهت مهمتك، لقد أديت الذي عليك، ولن تُسأل عن شيء.
 أيها الأخوة الكرام، هذا هو العلاج:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[سورة الرعد: 11]

 قال بعض الكتاب: قد تقرأ قصة ممتعة تنتهي من قراءتها تتثاءب وتنام هذا هو الأدب الرخيص، وقد تقرأ قصة فتنتهي من قراءتها فتبدأ متاعبك بعد قراءتها، وأنا أضعكم أمام مسؤولياتكم، الدنيا قصيرة، والموت يأتي فجأة، وقد يندم الإنسان أشدّ الندم:

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[ سورة الفجر : 24]

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾

[ سورة الفرقان : 27-29]

 أيها الأخوة الكرام، العمر قصير:

((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو هرماً مفنداً، أو مرضاً فسداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب يُنتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

ما نستفيده من دروس الهجرة :

 الآية الأخيرة:

﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾

[سورة النساء : 100]

 أي إذا كنت في حرفة لا ترضي الله، كلها معاصي فتركتها فأنت مهاجر، إن كان لك أصدقاء بعيدون عن الله، يجلبونك إلى المعاصي وهجرتهم فأنت مهاجر، إن كان لك عادات في الجاهلية لا ترضي الله وتركتها فأنت مهاجر، أنا أوسع لكم معنى الهجرة، وأنت في بلدك، ما كُلفت أن تدع بلدك، وأنت في بلدك بين أهلك وأولادك، دع المعاصي تكن مهاجراً، اعبد الله في زمن الفتنة تكن مهاجراً، وهذا الذي نستفيده من دروس الهجرة أيها الأخوة، الهجرة حركة، حركة نحو طاعة الله، حركة نحو طلب مرضاته، حركة نحو التقرب منه، والذي اصطلح مع الله قبل فوات الأوان هنيئاً له.

((إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاً فقد اصطلح مع الله ))

[ ورد في الأثر ]

 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهجرة في سبيل الشيطان :

 أيها الأخوة الكرام بقي موضوع معاكس، هذا عن الهجرة في سبيل الرحمن، فماذا عن الهجرة في سبيل الشيطان؟ كما أن هناك هجرة إلى الرحمن، إلى طاعة الواحد الديان، إلى التقرب إلى الجنان، هناك هجرة إلى النار، هناك هجرة إلى الشيطان، هناك هجرة إلى شيء لا يرضي الله.
 أيها الأخوة الكرام دققوا فيما أقول وقد قلت هذا كثيراً: حينما تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها الرجل، أو ابتغاء مال يحصله.. وحينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات، والطاقات، والإمكانات لغير بلاد المسلمين.. وحينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية، وفراراً من البذل والتضحية.. وحينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين، وتقوية لأعدائهم.. وحينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض واستثمار خيراتها.. وحينما تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر الدين إلى بلد فرغت منه كل القيم.. وحينما تكون الهجرة تضييعاً للدين والعرض وكسباً للدرهم والدينار. عندئذ تكون هذه الهجرة في سبيل الشيطان.
أيها الأخوة الكرام، الدنيا في أمكنة أخرى تتألق بأموالها، وبيوتها، ومركباتها، وكل المتع الرخيصة فيها، ولكن هذا التألق يؤدي إلى النار، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلا مَلأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا ))

[ أحمد عن ابن عباسٍ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018