الخطبة : 0668 - سورة الكهف2 - سر الأوامر التكوينية والأوامر التكليفية - ظواهر أحداث الكون. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0668 - سورة الكهف2 - سر الأوامر التكوينية والأوامر التكليفية - ظواهر أحداث الكون.


1998-08-07

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر.
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التحصن بالعلم فيه طاعة لله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة الكهف:

﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴾

[سورة الكهف: 16]

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلٍ ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة، فأووا إلى الكهف، آووا إلى مساجد الله، تحصنوا بالعلم، الزموا بيوتكم ففيها طاعة ربكم.

لماذا كان لقاء سيدنا موسى مع سيدنا الخضر؟

 قد يرد هذا السؤال حول موضوع الخطبة السابقة، لماذا كان لقاء سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، لماذا هذا اللقاء؟ ولماذا اتبع هذا النبي الكريم، هذا الرسول الذي هو من أولي العزم، لماذا أُمر أن يتعلم من سيدنا الخضر، ما الحكمة؟..
 ورد في الأحاديث الصحيحة، أحاديث كثيرة، تشير إلى حكمة ذلك وقبل أن آتي على ذكر الحديث، لابد من وقفة متأنية، حول موضوع متعلق بمحور الخطبة.
 الأحداث والمواقف التي تلابس حياة الأنبياء والرسل، مقدرة من الله لحكمة بالغة، بحيث لو لم تقع، لكان عدم وقوعها نقصاً في حكمة الله التشريعية، فهذه الحوادث التي تلابس حياة الأنبياء والرسل وتلك المواقف التي يقفها مَنْ حول الأنبياء والرسل، ليست من النوع التي يمكن أن لا تقع، وأن لا يُبنى على عدم وقوعها شيء، كما أنها ليست من النوع الذي يمكن أن تقع على خلاف ما وقعت، ومن دون أن يُبنى على وقوعها بخلاف ما وقعت عليه شيء، ولنضرب على ذلك الأمثلة:

النبي يُتلى عليه النصُّ مرةً واحدة فيحفظه ولا ينساه أبداً :

 النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق، قال الله عنه:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾

[سورة الأعلى: 6]

 هذه خصيصة خصه الله بها، أنه يُتلى عليه النصُّ مرةً واحدة فيحفظه ولا ينساه أبداً، إلا أن هناك استثناء، قال تعالى:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾

[سورة الأعلى: 6-7]

النبي صلى الله عليه وسلم نسي كي يسن لأمته من بعده :

 صلى مرةً عليه الصلاة والسلام بأصحابه الظهر ركعتين، فقال ذو اليدين: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: كل هذا لم يكن، فقال بشكل مؤدب جداً: بعضه قد كان فسأل النبي أصحابه، فاتضح أنه صلى ركعتين، فقال عليه الصلاة والسلام: إنما نُسِّيت كي أسنَّ ، أي كي أسن لكم سجود السهو.
 لو أن النبي عليه الصلاة والسلام، منذ أن بعثه الله، وحتى انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم ينس إطلاقاً لعطل هذا الحكم الشرعي، ماذا يفعل إمام جاء بعده، نسي ركعة أو ركعتين ماذا يفعل:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾

[سورة الأعلى: 6-7]

 فأن ينسيه الله عز وجل، هذه حكمة تشريعية، من أجل أن يسنَّ النبي لنا سجود السهو، فكل حدث يقع و يلابس حياة النبي، أو يلابس حياة أصحابه، كل المواقف التي يقفها من حول النبي، سواء أكانت تأييداً أو إنكاراً، هذه المواقف مقدرة بحكمة بالغة، بكمال هذا التشريع وقف النبي موقفاً كاملاً، وموقف النبي تشريع، أقواله تشريع، وأفعاله تشريع، وإقراره تشريع، وصفاته تشريع.

حجب الموقع المناسب عن النبي أظهره بفضيلة الرجوع إلى الحق :


 حادث آخر، النبي عليه الصلاة والسلام، في موقعة بدر، اختار موقعاً، ولحكمة بالغة حجب الله عن النبي الموقع المناسب، وعشرات الحالات، بل مئات الحالات، وهي أقل شأناً من هذه الحادثة، كان يأتيه الوحي، ويخبره... لم يأته الوحي، ولم يلق في روعه الموقع المناسب فجاء صحابي جليل، يقطر أدباً، ويقطر غيرةً، قال: يا رسول الله أهذا الموقع وحي أوحاه الله إليك؟ - أي إذا كان ذلك كذلك فلا مشورة لنا - أم هو الرأي والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي، فقال: يا رسول الله ليس بموقع..
 هناك فضيلة - أيها الأخوة - يغيب الناس عنها، من أجَلِّ الفضائل وعدم التخلق بهذه الفضيلة، سبب دمار المجتمعات، هذه الفضيلة الرجوع إلى الحق، فالنبي عليه الصلاة والسلام، ببساطة ما بعدها بساطة وبعفوية ما بعدها عفوية، قال هذا هو الصواب، وأعطى أمراً أن ينتقل الجيش إلى الموقع الجديد.
 فلولا أن الله حجب عن هذا النبي العظيم، سيد الخلق وحبيب الحق حجب عنه الموقع المناسب، كيف يظهر النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الفضيلة الرائعة؛ فضيلة الرجوع إلى الحق؟ وكم من مشكلة أساسها التعنت؟ وكم من دمار أساسه أن يركب الإنسان رأسه؟ وكم من دمار يخيم على المجتمع بسبب عدم التراجع؟ وعدم الرجوع إلى الحق؟.
 لولا أن الله عز وجل حجب عن نبيه الموقع المناسب، لما ظهرت منه هذه الفضيلة وهي فضيلة أساسية.
 قدمت لكم مثالين، كي يتضح، أن الأحداث التي تلابس حياة الأنبياء والمرسلين، والمواقف التي يقفها مَنْ حول الأنبياء والمرسلين، إن كانت إيجابية، أو سلبية، مقدرة تقديراً مذهلاً.

عشرات الحالات لو لم تقع لما كان هناك حديث الإفك :

 حديث الإفك - كما تعلمون - لو أن السيدة عائشة، حينما حُمل هودجها رأوه خفيفاً فبحثوا عنها، ليس هناك حديث الإفك، لو أن عقدها لم ينفرط، ولم تبحث عنه، ليس هناك حديث الإفك... عدَّ علماء التفسير عشرات الحالات لو لم تقع لما كان هناك حديث الإفك، لكنْ شاءت حكمة الله أن يقع هذا الحدث، وأن يتحدثَ فيه بعض من كان في عصر النبي، وأن تمتلئ المدينة بهذه التهمة، وأن يقف النبي مكتوف اليدين، ليس هناك وحي، تأخر الوحي عنه أربعين يوماً، لا يملك أدلة إثبات ولا أدلة النفي وقد تبين واضحاً أن الوحي ليس شيئاً بملك النبي يأتي به كما يشاء، إنه كيان منفصل عن النبي.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة النور: 11]

التوحيد لا يلغي المسؤولية :


 وبعد قليل يقول.

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة النور: 11]

 التوحيد لا يلغي المسؤولية، وهذا الذي قلته بالخطبة السابقة، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

ما السبب الذي دعا سيدنا موسى أن يلتقي بالعبد الصالح ؟


 نعود إلى سيدنا موسى، ما السبب الذي دعا أن يلتقي بالعبد الصالح وأن يتعلم منه سرَّ الأمر التكويني، مع أن سيدنا موسى قمة في الأمر التشريعي، الأمر التكليفي سيدنا موسى قمة فيه، قمة في عصره، ولكنَّ الأمر التكويني، سيدنا الخضر أطلعه الله عليه، آتيناه من لدنا علماً:

((عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قام موسى النبي خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِل، أي الناس أعلم؟ فقال: أنا فعتب الله عليه، إذ لم يردَّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي في مجمع البحرين هو أعلم منك، قال يا رب: وكيف به، فقيل له احمل حوتاً في مكتل، فإذا فقدته فهو ثمَّ. (أي هناك) والحديث طويل..))

[متفق عليه عن أبي بن كعب]

 قال سيدنا الخضر في ثنيات الحديث: يا موسى إني على علم من عند الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه لا أعلمه أنا.
 وفي نهاية الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام:

((.... يرحم الله أخي موسى، لوددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما ))

[متفق عليه عن أبي بن كعب]

موقف أصحاب النبي عليهم رضوان الله في موقعة بدر :

 أيها الأخوة الكرام، الدرس الأول: أن أصحاب النبي عليهم رضوان الله، في موقعة بدر، قال تعالى عنهم:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 أنتم ضعاف، ومع ضعفكم أنتم منيبون إليه، ومع ضعفكم أنتم تلجؤون إليه، وتستنصرونه، وتدعونه من أعماق قلوبكم، لذلك:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

موقف أصحاب النبي عليهم رضوان الله في حنين :

 في حنين - النبي عليه الصلاة والسلام - فيهم، وكبار الصحابة حوله:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[سورة التوبة: 25]

المؤمن يُمتحن في اليوم مرَّات :

 وفيهم رسول الله، وفيهم صحبه الكرام، يُستنبط من هاتين الحادثتين أن المؤمن يُمتحن في اليوم مرَّات ومرّات، فإذا قال الله، تولاه الله وإذا قال أنا تخلى الله عنه، أوكله إلى نفسه، أنت بين التولي والتخلي إن قلت الله تولاك الله، وإن قلت خبرات متراكمة، بالمال يحل كل شيء أنا آخذ بكل القواعد الصحية...
 قال رجل في إحدى الجلسات: لن أموت في الوقت القريب، قيل له ولمَ، قال لأنني أعتني بجسمي، وأمشي كثيراً، وأكلي قليل، ولا أحمل الأشياء فوق طاقتها، وهذا برأي الأطباء عوامل طول العمر، قال هذا يوم السبت، وفي السبت الثاني كان تحت التراب.

أربع كلمات مهلكات :

 أيها الأخوة الكرام، أربع كلمات مهلكات؛ أنا ونحن ولي وعندي، كلمات مهلكات إذا أُريد بها أنَّ لك شيئاً تستقل به عن الله: قال أنا أحي وأميت.. فأهلكه الله.. إبليس قال: أنا خير منه فأهلكه الله.. صاحب الجنة، قال: أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً، فأهلكه الله عز وجل.
 فرعون قال عنه الله عز وجل:

﴿ فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى *إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾

[سورة النازعات: 23-26]

 قوم بلقيس:

﴿ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾

[سورة النمل:33]

﴿ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة سبأ: 35]

﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾

[سورة القمر: 44-45]

 أنا ونحن..

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾

[ سورة هود ]

 فرعون قال:

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

[ سورة الزخرف: 51 ]

 أهلكه وقارون قال:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

[ سورة القصص: 78 ]

 أنا ونحن، ولي وعندي، كلمات مهلكات إذا أريد بها أن لك شيئاً تستقل به عن الله عز وجل. لكن بعض الأخوة كلما قال: أنا، يقول أعوذ بالله من كلمة أنا، ليس لها معنى، حينما تقول أنا أو نحن ولي وعندي، وتقصد أن لك شيئاً تستقل به عن الله عز وجل.

لكل حدث حكمة :

 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216 ]

 قال بعض العلماء: إن لكل حدث حكمة، لو اطلعت عليها قبل الحدث لسعيت بنفسك إلى الحدث، ودعوت الله أن يتمه، وعندئذ يُلغى أجر الصبر، ويلغى الابتلاء، ويُلغى التكليف، فلابد من أن يغيب عنك حكمة الحدث، ليمتحن الله صبرك، لابد من أن تغيب عنك حكمة الحدث لتمتحن معرفتك بالله عز وجل " الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين" لابد من أن تُغيب عنك الحكمة، ليرى ماذا تفعل، هل تأخذ بالظاهر، أم توقن أن لله حكمة قد تخفى عنك.

من تُغيب عنه الحكمة يأخذ بالظاهر :


 أيها الأخوة الكرام، مثل أضعه بين أيديكم، لو أن طفلاً أصيب بمرض عضال، وعلم الأب ذلك، وأراد أن يُخفي مرضه عن أمه رحمة بها، وكان من تعليمات الطبيب أن هناك بعض الأطعمة، لو تناولها هذا الابن لقضت عليه، الأم لا تعلم، فإذا طلب الابن من أمه هذا الطعام، تطعمه الطعام وتتوهم أنها مصيبة في عملها، لو كُشفت له الحقيقة، لمنعته من هذا الطعام ولو بكى ساعات وساعات، ولكنَّ جهل الأم جعلها ترى أن هذا الطعام يفيده حينما تُغيب عنك الحكمة تأخذ بالظاهر، أما حينما تُكشف لك الحقيقة تأخذ بسرِّ هذا الأمر.

﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾

[سورة الكهف: 70]

 أول ما فعل سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، أنهما ركبا سفينة يملكها مجموعة من المساكين، وقيل المسكين هو الذي لا يملك شيئاً، ومن خلال هذه الآية، المسكين هو الذي لا يملك ما يكفيه، لهم سفينة ولكنَّ دخلها لا يكفيهم، قال تعالى:

﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾

[سورة الكهف: 79]

سيدنا موسى لا يعرف حكمة الأمر التكويني :

 ركبا السفينة، ولم يأخذ أصحاب السفينة منهما شيئاً، فما كان من سيدنا الخضر إلا أن نزع لوحاً من ألواح السفينة ليخرقها، على الحكم التكليفي عمل لا يُحتمل، عمل لا يُقبل، أركبونا السفينة تكرُّماً منهم ونخرق لهم السفينة، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، قال أخرقتها لتغرق أهلها، وفي قراءة ليغرق أهلها، ولقد جئت شيئاً إمراً أي منكراً لماذا لم يستطع سيدنا موسى أن يصبر، لأنه لا يعرف حكمة الأمر التكويني، غُيبت عنه حكمة هذا الأمر، أطلع الله سيدنا الخضر عليها.
 أما الحقيقة فكما رواها العبد الصالح:

﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾

[سورة الكهف: 79]

 كان هناك ملك ظالم، يأخذ كل سفينة سليمة بالقوة، فأراد الله أن يبقي هذه السفينة لهؤلاء المساكين، فكلف سيدنا الخضر أن يخرقها ؛ لتبقى لهم، فالمعادلة ليست سفينة سليمة، وسفينة فيها عيب، لا.. المعادلة سفينة فيها عيب أو لا سفينة، إذا وُضعت أمام هذا الخيار، تختار سفينة فيها عيب، تركب مركبةً، أركبت إنساناً ضيافةً، فكسر لك البلور الأمامي غضبت أشد الغضب، ثم جئت على حاجز، لولا هذا البلور المكسور لأخذت منك هذه المركبة، ألا تشكره على فعلته تلك؟.. بالظاهر شيء لا يُحتمل، أما في الحقيقة حكمة ما بعدها حكمة.

من تتبع أفعال الله عز وجل وجد فيها حكمة ما بعدها حكمة :

 ذكر لي صديق، كان طالباً في الجامعة، وأراد أن يسافر إلى أهله فذهب إلى مكان انطلاق السيارات، رأى سيارة فيها ثلاث ركَّاب في المقعد الخلفي، وهو صغير الحجم كثيراً، ركب في المقعد الأمامي فإذا برجل، ضخم الجثة، غليظ الطباع، فتح الباب ولم يقل له انزل أمسكه من عنقه، ورماه خارج المركبة، وركب هو وصديقه، وانطلقت المركبة، يقول هذا الصديق: ليس في حياتي ساعة، تمنيت أن أقتله كهذه الساعة، لشدة ما أهانني.. ركب سيارة أخرى وانطلق فيها وبعد عشرين كيلو متر، وجدوا السيارة الأولى انقلبت، وخمس ركَّاب ماتوا، انقلب ألمه شكراً لله عز وجل، أن جاء بهذا الإنسان الفظ فأخرجه من السيارة، هذا الحادث يُقاس عليه آلاف الحوادث:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216 ]

 لو تتبعت أفعال الله عز وجل، لوجدت فيها حكمة ما بعدها حكمة والعلم حرف، والتكرار ألف كما يقولون.
 الله عز وجل ذكر قصة واحدة، سفينة خُرقت، فكان خرقها سبب سلامتها، ونجاتها من المصادرة، فإذا شيء لم يعجبك، لم تعرف حكمته اصبر، وقل كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

الخضر عليه السلام نبي :

﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾

[سورة الكهف: 74-75]

 بالمناسبة، هذا هو الدليل القطعي على أن الخضر عليه السلام نبي لأن مخلوقاً واحداً في الأرض لا يستطيع أن يقتل وإلا يُقتل:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة: 179]

 ولأنه نبي، وبوحي من الله، هذا وضع نادر جداً، أما أن يقول لك إلهام، أو وقع في روعي، يحاسب كقاتل.

﴿ حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ ﴾

[سورة الكهف: 74]

سيدنا موسى قمة في الأمر التكليفي :

 حسب الأمر التكليفي الذي سيدنا موسى قمة فيه.

﴿ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾

[سورة الكهف: 75]

نظام التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر :

 بالمناسبة سرُّ هذا الغلام، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾

[سورة الكهف: 80-81]

 أبواه صالحان، رُزقا بغلام جميل الصورة، ثم مات الغلام، لو اطلعا افتراضاً ـ بأنه حينما يكبر سيكون مجرماً، وسيقود أبويه إلى المخافر وإلى السجون، وسيضع سمعتهما بالوحل، لشكرا الله على موته المبكر وهذه حكمة ما بعدها حكمة.
 استسلم لمشيئة الله، استسلم لحكمته، استسلم لرحمته، استسلم لعدالته والقضاء والقدر نظام التوحيد.
الحالة الثالثة:

أصدق السؤال سؤال الطعام :

﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ﴾

[سورة الكهف: 77]

 أهل قرية لؤماء، جاءهم أناس جائعون، وقال العلماء: أصدق السؤال سؤال الطعام.
 بعض المتسولين يطلبون المال، يكون عندهم مبالغ طائلة، لا يصدقها أحد، بالملايين، أما إذا طلب منك أن يأكل أمامك، هذا سؤال صادق.

﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾

[سورة الكهف: 77]

 أقامه بلا أجر، المفروض أن يأخذ أجراً ليشتري طعاماً يأكله، خلاف المنطق، خلاف المعقول، خلاف المنهج، أهل قرية لؤماء، تبني لهم جداراً مجاناً، وقد سألتهم طعاماً فلم يقدموه إليك.. الحقيقة هذا الجدار المتداعي لو انهدم، تحت الجدار كنز لغلامين يتيمين لا يقدران على أن يأخذا هذا المال لهما، فيأتي أهل القرية ويأخذا هذا المال غصبا فأقام الجدار، حتى يقدر اليتيمان ويستخرجا كنزهما، رحمةً من ربك..

العمل الصالح للأب يبقى لأولاده في دنياهم :

 هذه حكمة ما بعدها حكمة، يجب أن تقيس كل أحداث الحياة، وكل شيء لا يُعجبك، وكل شيء ترى شره ظاهراً، يجب أن تقيسه على هذه القصص الثلاث، يستنبط من هذا حقيقة خطيرة جداً، أن العمل الصالح للأب يبقى لأولاده في دنياهم.
 ورد في الأثر القدسي: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت به، قال يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافةً الفقر على أولادي من بعدي، قال ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، وعبد آخر يقول له الله عز وجل: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت به، قال: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فقال: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ".
 كم من أب مستقيم أطعم أولاده المال الحلال فكان الله حافظاً لأولاده من بعده، وكم من أب جمع الأموال الطائلة، من أجل أولاده، جمعها من حرام، فتلفت بين أيديهم في سنوات، ثم تكففوا الناس من بعده.
 ورد في الأثر: أن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي.

مهما كان الإنسان عالماً هناك من هو أعلم منه :

 مهما كان الإنسان عالماً هناك من هو أعلم منه، قال تعالى:

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة يوسف: 76]

 وقال تعالى:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

[سورة الإسراء: 85]

 ويروى أن عالماً أقبل الناس عليه إقبالاً شديداً، فأثار حفيظة من حوله من العلماء، فجاء أحدهم إلى مجلسه ليصغِّرهم، حضر الدرس، وبعد أن انتهى الدرس، قال: يا هذا، هذا الكلام الذي قلته ما سمعناه، من أين جئت به؟.. فقال: هل حصَّلت العلم كله؟ قال: لا، قال: هذا من العلم الذي لم تحصله.

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة يوسف: 76]

 لا تقل أنا، قل فضل الله علي، أكرمني ربي، سمح لي، مكنني أعطاني، أعطاني عن غير حيلة مني، كنْ أديباً في كلامك مع الله كلمة قالها سيدنا موسى ليعلمنا، كما قلت قبل قليل، الأحداث التي تلابس حياة الأنبياء تعليم لنا، ليعلمنا، لا تقل أنا، لا تقل المال يحل كل مشكلة هناك مصائب لا يحلها المال.
 إنسان أعرفه، قال في مجلس: الدراهم كالمراهم، تحل كل مشكلة أوقعه الله في ورطة، فقد فيها حريته ستين يوماً في شيء لا يُحتمل.. هناك أمراض عضال لا يحلها المال لا تقل الدراهم كالمراهم، كلمة شرك هذه، لا تعتمد على مالك ولا على قوتك، ولا على أتباعك، ولا على علمك، من اعتمد على قوته ذل، ومن اعتمد على ماله ضل، ومن اعتمد على الله عز وجل لا ذل ولا ضل.
يا رب هذا الذي قال أنا ربكم الأعلى.

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

[سورة طه: 43-44]

 فكيف بالذي قال سبحان ربي الأعلى، لماذا هذه الخصومات بين المسلمين.
 يا رب، الذي قال ما علمت لكم من إله غيري: قولا له قولاً ليناً فكيف بالذي يقول لا إله إلا الله.
 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل
 أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

 

الإسلام في ازدياد مستمر وينمو في متوالية هندسية :

 أيها الأخوة الكرام، إنَّ ظواهر أحداث الكون، وأحداث الكون أفعال الله، إن ظواهر أحداث الكون لا تدل على حقيقتها فهذه الهجمة الشرسة على المسلمين في كل بقاع الأرض والإسلام في ازدياد مستمر وينمو في متوالية هندسية حتى في قعر البلاد التي تحارب المسلمين.
 دققوا في هذه الآية:

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

[سورة التوبة:32]

 هل يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يطفئ الشمس بنفخة وهو على الأرض، لسان اللهب طوله مليون كيلومتر، حرارتها في مركزها عشرين مليون درجة، في سطحها ستة آلاف درجة، هل يستطيع إنسان على وجه الأرض بنفخة منه أن يطفئ نور الشمس، نور الله أبلغ.

 

اقلق على شيء واحد أن الله سمح لك أو لم يسمح لك أن تنصره :

 

﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

[سورة الصف: 8]

 فلذلك لا تقلق على هذا الدين، إنه دين الله، اقلق على شيء واحد أن الله سمح لك، أو لم يسمح لك أن تنصره، سمح لك أو لم يسمح لك أن تكون من جنوده، سمح لك أو لم يسمح لك أن يقدر الله على يدك الخير على هذا اقلق، لأنه:

﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾

[سورة محمد: 38]

 هذا الدين دين الله، هو يتولاه، هو يحفظه، هو يؤيده، هو ينصره ما عليك إلا أن تكون جندياً، واسأل نفسك هذا السؤال كل يوم، ماذا قدمت للمسلمين، ماذا قدمت للإسلام؟.. هل خففت من متاعب المسلمين؟ هل قدمت لهم شيئاً؟ هل نشرت دعوة؟ هل هديت رجلاً؟ هل أنهيت مشكلة؟ هل أحمل هموم المسلمين؟..
 إن عدم علمنا بالحقيقة، يجعل صدور بعضنا تضيق بأقدار الله تعالى ولكن لابد من أن نصبر، وينبغي أن نعلم أن لله كلمة في كل أقداره أن لله حكمة، في كل أقداره، وإن غابت عنا ينبغي أن لا نغفل عنها، وأن لا نأخذ الظاهر على أنه كل الحقيقة، وأن الإنسان بعلمه المحدود لا يمكن أن يعرف أين الخير وأين الشر، هل الخير في الدخل الكبير من قال لك ذلك؟ هل الخير في المنزل الواسع؟ هل الخير في المكانة العلية؟ هل الخير في زوجة على مستوى عالٍ جداً مما تتمنى أن تكون؟ من قال لك إن هذا هو الخير؟.. قد يكون الخير كامناً في الشرِّ..

ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك :

 ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك والدنيا العريضة، في بعض البلاد حجاب بين الناس وبين ربهم، وبعض الضرورات في بعض البلاد، أكبر باعث إلى الله عز وجل، هناك حالات من الرقي قد تحتاج إلى شدة، لذلك المؤمن في عناية مشددة، خذها بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الاصطلاحي، ليس في غرفة العناية المشددة، المؤمن الصادق في عناية مشددة من قبل الله عز وجل، فدع ربك بحكمته ورحمته وعدله وجلاله يقدر لك الخير، وأنت لا تعرف أين الخير.
 فلنأخذ قضاء الله وقدره على أنه كله خير:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 26 ]

علامة المؤمن أنه مستسلم لقضاء الله وقدره :

 لم يقل ربنا بيدك الخير والشرِّ، بيدك الخير، لأن إيتاء الملك خير ونزع الملك خير، الإعزاز خير، والإذلال خير، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، وأننا إذا علمنا شيئاً غابت عنا أشياء.

قل لمن يدعي في العلم معرفة  علمت شيئاً وغابت عنك أشياء
***

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216 ]

 علامة المؤمن أنه مستسلم لقضاء الله وقدره، الإيمان بالقدر، يذهب الهم والحزن، اعمل لوجه واحد، يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك
 اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين.
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.
 اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018